الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جاء في لسان العرب: "كسَف القمرُ يَكْسِفُ كُسوفاً، وكذلك الشمس كَسَفَتْ تكْسِف كسوفاً: ذهب ضوءُها، واسْوَدَّت، والبعض يقول: انكسف وهو خطأٌ، وكَسَفَها اللهُ وأَكْسَفَها
…
والقمرُ في كل ذلك كالشمس، وكسف القمرُ: ذهبَ نورُه، وتغيَّر إِلى السوادِ
…
وكسفتِ الشمسُ وخسَفتْ بمعنًى واحدٍ، وقد تكرَّر في الحديثِ ذكرُ الكُسوف والخُسوف للشمس والقمر، فرواه جماعة فيهما بالكاف، ورواه جماعة فيهما بالخاء، ورواه جماعةٌ في الشمس بالكاف وفي القمر بالخاء، وكلهم روَوا أَن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يَنْكسفان لموتِ أَحَدٍ ولا لحياته، والكثيرُ في اللغة وهو - اختيار الفراء - أَنْ يكونَ الكسوفُ للشمسِ، والخسوفُ للقمر، يقال: كسَفت الشمسُ، وكَسَفَها اللهُ، وانكسفت، وخسف القمرُ وخسفَه اللهُ وانخسف
…
قال أَبو زيد: كسفت الشمسُ إِذا اسْودَّت بالنهار، وكسفتِ الشمسُ النجومَ إِذا غلبَ ضوءُها على النجوم فلم يَبْدُ منها شيءٌ، فالشمسُ حينئذٍ كاسفةُ النجومِ".
قال ثعلب: "كسفت الشمسُ، وخَسَفَ القمرُ، هذا أَجْوَدُ".
قال ابن الأثير: "وقد وَرَد الخُسوفُ في الحديثِ كثيراً للشمسِ، والمَعْروفُ لها في اللغةِ الكُسُوفُ لا الخُسُوفُ، فأما إطلاقُه في مِثلِ هذا الحديثِ فَتَغْليباً للقمرِ لتذكيرِه على تأنيثِ الشمسِ، فجَمع بينهما بما يَخُصُّ القمرَ، وللمعاوَضَةِ أيضاً، فإنه قد جاء في رواية أخرى: إن الشمس والقمر لا يَنْكَسفان، وأمّا إطلاقُ الخُسُوفِ على الشمسِ منفردةً فلاشتراكِ الخسُوفِ والكُسُوفِ في معنى ذهابِ نورِهما، وإظلامِهما".
الضغط الجوي وآثاره
قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] .
هذه الآيةُ مِن دلائلِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ الكريمِ، ومِن دلائلِ نبوَّةِ النبي عليه الصلاة والسلام، فقدْ أثبتَ علمُ طبِّ الطيرانِ والفضاءِ أنَّ تعرُّضَ الإنسانِ للارتفاعاتِ العاليةِ عندما يصعدُ مِن سطحِ الأرضِ إلى الطبقاتِ العُلْويَةِ في السماءِ يُحدِث له أعراضاً عضويةً، تتدرَّج من الشعورِ بالضيق الذي يتركَّزُ في منطقةِ الصدرِ حتى يصلَ إلى المرحلةِ الحرجةِ التي ذكرَها القرآنُ الكريمُ:{يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء} ، وذلك أنه كلّما استمرَّ في الارتفاعِ انخفضَ الضغطُ الجوي، ونقَصَ الأكسجينُ.
إنّ الإنسانَ إذا ارتفعَ عن مستوى سطحِ البحرِ إلى عشرةِ آلافِ قدمٍ لمْ يشعرْ بشيء مِن أعراض نقصِ الأكسجين، وخفْضِ الضغطِ، أمّا إذا تجاوزَ عشرةَ آلاف قدمٍ إلى ستة عشر ألف قدمٍ، فإننا نجد عندئذٍ ما زوَّد اللهُ به الجسمَ من أجهزةٍ تتكافأُ مع هذا التبدُّلِ في الضغطِ، وفي نقصِ الأكسجينِ، فإذا بقيَ في هذا المكانِ بين عشرة آلاف قدم وستة عشر ألف قدمٍ يزدادُ نبْضُ قلبِه، ووجيب رئتيه، ويرتفعُ ضغطُه من أجل أن توفِّرَ هذه الأجهزةُ للجسمِ حاجتَها مِن الأكسجين، أما إذا تجاوزَ الإنسانُ ستة عشر ألف قدم إلى خمسة وعشرين فإنّ أجهزةَ الجسمِ عندئذ لا تفي بغرضِها في هذا الارتفاع المفاجئ، فما الذي يحصلُ؟ تظهرُ أعراضٌ، في مقدّمتِها ضيقُ الصدرِ، {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء} .
أمّا إذا ارتفعَ خمسة وعشرين ألف قدم فأكثر فإنّه يفقدُ الوعِيَ عندئذٍ تماماً، لذلك فإنّ الطائرةَ التي تحلِّقُ على ارتفاعِ أربعين ألف قَدَمٍ تكونُ مضغوطةً ثمانيةَ أمثالِ الهواء الذي عليها حين تكون على سطح الأرضِ، مِن أجْلِ أنْ يكونَ الضغطُ الجويُّ في الطائرةِ موافقاً لما هو عليه حين يكون على سطحِ الأرضِ، وإلا غابَ الرُّكّابُ عن الوعيِ تماماً، وهذه الآيةُ مِن أدلةِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ الكريمِ، ومِن أدلةِ نبوَّة النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
هذه أعراضُ نقصِ الأكسجين، فماذا عن أعراضِ انخفاضِ الضغطِ؟
قال العلماءُ: "إنَّ كلَّ الغازاتِ في الجسمِ تتمدَّد مع انخفاضِ الضغطِ، ومع تمدُّدِها تتمزَّقُ الأنسجةُ والأجهزةُ، وتتهَتَّكُ الرئتان، ويتهتَّك القولون، وتتهتَّك الأذنُ الوُسطى، فإنّ انخفاضَ الضغطِ له آثارٌ خطيرةٌ، منها آلامُ البطنِ التي لا تُحْتَمَلُ، ولا سيَّما آلامُ القولونِ، وكذا آلامُ الرئتين، وآلامُ الأذنِ، وآلامُ المفاصلِ، هذه كلُّها أعراضُ نقصِ الضغطِ، فهل صعدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى السماءِ فقال هذا الكلامَ؟ هل صعِدَ أحدٌ في حياته؟ هل ركبَ الطائرةَ أحدٌ في حياتِه حتى وصفَ هذه الأعراضَ؟ يقول الله عز وجل:{فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء} ، لذلك قال سيدنا علي رضي الله عنه:(فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ آيَاتٌ لَمَّا تُفَسَّرْ) .
بعْدَ أنْ تقدَّم العلمُ، وركبَ الإنسانُ الطائرةَ والمنطادَ، وصعدَ بهما في طبقاتِ الجوِّ العليا كشفَ هذه الحقائقَ، وحينما تركبُ الطائرةَ لا تشعرُ بشيء مِن هذا القبيلِ، لأنّ أجهزةَ الطائرةِ قد ضَغَطَت الهواءَ ثمانيةَ أمثالٍ، ليكونَ الضغطُ الجويُّ ونسبةُ الأكسجين موافقةً لِمَا هي عليه في سطحِ الأرض، فلو تعطلتْ أجهزةُ الضغط فجأةً في الجوِّ فلا بدَّ للطيارِ أنْ يهبطَ اضطراراً لئلا يموتَ الرُّكابُ، وهذا معنى قولِه تعالى:{يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء} .
وقد عُرِضَ بحثٌ عنوانه: الضغوطُ العاليةُ، وبدأَ بتعريفِ وَحْدة الضغط، وهو الضَّغطُ الجويُّ الذي يساوي ألفاً وثلاثةً وثلاثين غراماً على السنتمتر المربع، وهو وزنُ ستة وسبعين سنتمتراً مكعباً مِن الزئبق، هذا الضغطُ الجويُّ هو وحدةُ قياسِ الضغطِ، ونعلمُ أنّ مساحةَ جسمِ الإنسانِ مِن مترٍ إلى مترين، حيث يتحمَّل ضغطاً فوْقَه من عشرةٍ إلى عشرين طناً دون أنْ يشعرَ، ونحن جميعاً في قاعِ بحر ملؤُه الهواءُ، وكلٌّ منّا يحملُ فوقَه مِن عشرةٍ إلى عشرين طناً من الضغطِ الجويِّ، هذه وحدةُ الضغطِ.