الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولهذا [1]] قال شيخ من الأعراب وقد قيل له: ما الحلم؟ فقال: الذى تصبر عليه.
وقال: الحلم عقال الشرّ، وذلك أن من سمع مكروهة فسكت عنها انقطعت عنه أسبابها، وإن أجاب اتصلت بأمثالها [2] .
وقالوا: الحلم والأناة توءمان ينتجهما علوّ الهمة.
ومن كلام النبوّة: «كاد الحليم أن يكون نبيّا» .
ورأى حكيم رقّة من ملك فقال: أيها الملك! ليس التاج الذى يفتخر به عظماء الملوك فضّة ولا ذهبا، ولكنه الوقار المكلّل بجواهر الحلم، وأحق الملوك بالبسطة، من حلم عند ظهور السّقطة.
وقال معاوية لابنه يزيد: عليك بالحلم والاحتمال حتى تمكنك الفرصة، فإذا أمكنتك فعليك بالصفح، فإنه يدفع عنك معضلات الأمور، ويقيك مصارع المحذور.
وقال أيضا: أفضل ما أعطى الرجل الحلم. وقال: ما وجدت لذّة هى عندى ألذّ من غيظ أتجرّعه وسفه بحلم أقمعه.
وقالوا: الحلم مطيّة وطيئة تبلّغ راكبها قاصية المجد، وتملّكه ناصية الحمد.
وقال أبو هلال: ومن أشرف نعوت الإنسان أن يدعى حليما، لأنه لا يدعاه حتى يكون عاقلا وعالما ومصطبرا محتسبا وعفوّا وصافحا ومحتملا وكاظما. وهذه شرائف الأخلاق وكرائم السجايا والخصال.
ذكر أخبار من اشتهر بالحلم واتصف به
كان ممن اشتهر بالحلم الأحنف بن قيس. قيل له: ممّن تعلّمت الحلم؟
قال: من قيس بن عاصم المنقرىّ، رأيته قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدّث قومه، حتى أتى بمكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك؛
[1] زيادة عن ديوان المعانى لأبى هلال العسكرى.
[2]
زيادة عن ديوان المعانى لأبى هلال العسكرىّ وفى الأصل: «بأسبابها» .
قال: فو الله ما حلّ حبوته ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: يابن أخى أثمت بربّك، ورميت نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمك؛ ثم قال لابن له آخر:
قم يا بنىّ فوار أخاك وحلّ كتاف ابن عمك وسق إلى أمّك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة. وقد ساق أبو هلال هذه القصة بسند وزاد فيها زيادة حسنة نذكرها، فقال:
إن قيس بن عاصم لما فرغ من حديثه التفت إلى بعض بنيه، فقال: قم إلى ابن عمك فأطلقه، وإلى أخيك فادفنه. فبدأ بإطلاق القاتل قبل دفن المقتول.
وقال فى خبره: ثم اتّكأ على شقّه الأيسر وقال:
إنى امرؤ لا يعترى خلقى [1]
…
دنس يفنّده ولا أفن [1]
من منقر فى بيت مكرمة
…
والفرع ينبت فوقه الغصن
خطباء حين يقول قائلهم
…
بيض الوجوه مصاقع [2] لسن
لا يفطنون لعيب جارهم
…
وهمو لحفظ جواره فطن
وقيل: قتل للأحنف بن قيس ولد وكان الذى قتله أخ للأحنف، فجىء به مكتوفا ليقيده؛ فلما رآه الأحنف بكى، وأنشد:
أقول للنفس تأساء وتعزية
…
إحدى يدىّ أصابتنى ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه
…
هذا أخى حين أدعوه وذا ولدى
وممن اشتهر بالحلم «معاوية بن أبى سفيان» . حكى أن رجلا خاطر [3] رجلا أن يقوم إلى معاوية إذا سجد فيضع يده على كفله ويقول: سبحان الله يا أمير المؤمنين!
[1] رواه فى العقد الفريد (ج 1 ص 17) :
إنى امرؤ لا يطّبى حسبى
…
دنس يهجّنه ولا أفن
وفى عيون الأخبار لابن قتيبة (مجلّد 1 ص 286 طبع دار الكتب المصرية) :
إنى امرؤ لا شائن حسى
…
دنس يغيّره ولا أفن
[1]
الأفن: النقص.
[2]
فى العقد الفريد، وعيون الأخبار «أعفّة» .
[3]
يقال:
خاطره على الأمر: راهته عليه.
ما أشبه عجيزتك بعجيزة أمّك هند! ففعل ذلك؛ فلما انفتل معاوية عن [1] صلاته قال له: يا أخى، إن أبا سفيان كان محتاجا إلى ذلك منها؛ فخذ ما جعلوه لك. فأخذه؛ ثم خاطره آخر بعد ذلك أن يقوم إلى زياد وهو فى الخطبة فيقول: أيها الأمير، من أمّك، ففعل؛ فقال زياد: هذا يخبرك، وأشار إلى صاحب الشّرطة، فقدّمه وضرب عنقه؛ فلما بلغ ذلك معاوية قال: ما قتله غيرى، ولو أدّبته على الأولى ما عاد إلى الثانية.
قيل: ودخل خريم الناعم على معاوية بن أبى سفيان فنظر معاوية إلى ساقيه، فقال: أىّ ساقين! لو أنهما على جارية! فقال له خريم: فى مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين؛ فقال: واحدة بواحدة والبادئ أظلم.
وقيل: خاطر رجل على أن يقوم إلى عمرو بن العاص وهو فى الخطبة فيقول له: أيها الأمير، من أمّك؛ ففعل؛ فقال عمرو: النابغة بنت عبد الله أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ؛ فاشتراها عبد الله بن جدعان فوهبها للعاصى بن وائل فولدت له فأنجبت، فإن كانوا جعلوا لك شيئا فخذه.
وقيل: أسمع رجل عمر بن عبد العزيز بعض ما يكره؛ فقال: لا عليك، إنما أردت أن يستفزّنى الشيطان بعزّ السلطان فأنال منك اليوم ما تناله منّى غدا، انصرف إذا شئت.
حكى صاحب العقد عن ابن عائشة أن رجلا من أهل الشأم دخل المدينة، قال: فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابّة منه، قال: فمال قلبى إليه، فسألت عنه، فقيل: هذا الحسن بن علىّ بن أبى طالب، فامتلأ قلبى بغضا له وحسدت عليّا أن يكون له ولد مثله، فصرت إليه فقلت: أنت
[1] فى الأصل: «من» وهذا يخالف الاستعمال اللغوى، فإنه يقال: انفتل عن كذا إذا انصرف عنه.
ابن أبى طالب؟ قال: أنا ابن ابنه؛ قلت: قلت فيك وفى أبيك أشتمهما، فلما انقضى كلامى، قال: أحسبك غريبا؛ فقلت: أجل؛ قال: فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة عاونّاك؛ فانصرفت وما على الأرض أحبّ إلىّ منه.
حدّث زياد عن مالك بن أنس قال: بعث إلىّ أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاوس؛ فأتينا فدخلنا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة [1] بأيديهم السيوف يضربون بها الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، ثم أطرق عنا طويلا، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس فقال:
حدّثنى عن أبيك؛ قال: نعم،
سمعت أبى يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله فى حكمه فأدخل عليه الجور فى عدله»
؛ فأمسك ساعة؛ قال مالك: فضممت ثيابى من ثيابه مخافة أن يملأنى من دمه؛ ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظنى يابن طاوس؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
؛ قال مالك:
فضممت ثيابى من ثيابه مخافة أن يملأنى دمه؛ فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا وبيته، ثم قال: يابن طاوس ناولنى هذه الدواة؛ فأمسك؛ فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكك فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عنّى؛ فقال ابن طاوس: ذلك ما كنّا نبغى منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله.
[1] الجلاوزة جمع جلواز بكسر الجم: الشّرطى.
وقيل: دخل الحارث بن مسكين على المأمون فسأله عن مسألة؛ فقال: أقول فيها كما قال مالك بن أنس لأبيك الرشيد؛ وذكر قوله فلم يعجب المأمون، فقال:
لقد تتيّست فيها وتتيّس مالك؛ فقال الحارث بن مسكين: فالسامع يا أمير المؤمنين من التيسين أتيس؛ فتغيّر وجه المأمون، وقام الحارث وندم على ما كان منه؛ فلم يستقرّ فى منزله حتى أتاه رسول المأمون، فأيقن بالشرّ ولبس ثياب أكفانه، ثم أقبل حتى دخل عليه، فقرّ به المأمون من نفسه، ثم أقبل عليه بوجهه وقال له: يا هذا، إنّ الله تبارك وتعالى قد أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو شرّ منّى، قال لنبيّه موسى صلى الله عليه وسلم إذا أرسله إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
فقال الحارث بن مسكين: يا أمير المؤمنين، أبوء بالذنب وأستغفر الربّ؛ فقال: عفا الله عنك، انصرف إذا شئت.
وقد مدح الشعراء ذوى الحلم، فمن ذلك قول بعضهم:
لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا
…
حتّى يذلّوا- وإن عزّوا- لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرة [1]
…
لا ذلّ عجز ولكن ذلّ أحلام
وقال آخر:
لقد أسمع القول الذى هو كلّما
…
تذكّرنيه النفس قلبى يصدّع
فأبدى لمن أبداه منّى بشاشة
…
كأنّى مسرور بما منه أسمع
وما ذاك من عجز به غير أنّنى
…
أرى أنّ ترك الشرّ للشرّ أدفع
وقال مهيار:
وإذا الإباء المرّ قال لك: انتقم
…
قال خلائقك الكرام: بل احلم
[1] مسفرة: مشرقة سرورا.
شرع من العفو [1] انفردت بدينه
…
وفضيلة لسواك لم تتقدّم
حتّى لقد ودّ البرىء لو انّه
…
أدلى إليك بفضل جاه المجرم
وقال آخر:
فدهره يصفح عن قدرة
…
ويغفر الذنب على علمه
كأنّه يأنف من أن يرى
…
ذنب امرئ أعظم من حلمه
وقال آخر:
أسد على أعدائه
…
ما إن يذلّ ولا يهون
فإذا تمكّن منهم
…
فهناك أحلم ما يكون
وقال محمود الورّاق:
إنّى وهبت لظالمى ظلمى
…
وغفرت زلّته على علمى
ورأيته أسدى إلىّ يدا
…
لمّا أبان بجهله حلمى
فكأنّما الإحسان كان له
…
وأنا المسىء إليه فى الحكم
ما زال يظلمنى وأرحمه
…
حتّى بكيت له من الظلم
وقال آخر:
وذى رحم قلّمت أظفار ضغنه
…
بحلمى عنه حين [2] ليس له حلم
إذا سمته وصل القرابة سامنى
…
قطيعتها، تلك السفاهة والإثم
فداويته بالحلم، والمرء قادر
…
على سهمه ما كان فى كفّه السهم
لأستلّ منه الضّغن حتّى سللته
…
وإن كان ذا ضغن يضيق به الحزم
[1] كذا فى ديوان مهيار. وفى الأصل: «المجد» .
[2]
كذا فى الأصل، ورواية الأمالى (ج 2 ص 103 طبع بولاق) :«وهو ليس......» والأبيات من قصيدة طويلة لمعن بن أوس.
وقد كره بعضهم الحلم فى كل الأمور، فمن ذلك ما أنشد المبرّد:
أبا حسن ما أقبح الجهل بالفتى
…
وللحلم أحيانا من الجهل أقبح
إذا كان حلم المرء عون عدوّه
…
عليه فإنّ الجهل أعفى وأروح
وقال آخر:
ترفّعت عن شتم العشيرة إنّنى
…
رأيت أبى قد عفّ عن شتمهم قبلى
حليم إذا ما الحلم كان جلالة [1]
…
وأجهل أحيانا إذا التمسوا جهلى
وقال آخر:
إذا الحلم لم ينفعك فالجهل أحزم
وقال الأحنف: آفة الحلم الذّلّ. وقال: لا حلم لمن لا سفيه له. وقال: ما قلّ سفهاء قوم إلا ذلّوا. وقال النابغة الجعدىّ:
ولا خير فى حلم إذا لم تكن له
…
بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا
ولا خير فى جهل إذا لم يكن له
…
حليم إذا ما أورد [2] الأمر أصدرا
ولما أنشد هذين البيتين النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: «أجدت لا يفضض [3] الله فاك»
؛ قال: فعاش مائة وثلاثين سنة لم تنفضّ له ثنيّة.
وقال كعب بن زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا
…
أصبت حليما أو أصابك جاهل
[1] كذا فى ديوان المعانى لأبى هلال العسكرىّ؛ وفى الأصل: «إذا ما الجهل كان حلالة» ، ورواية الأغانى (ج 13 ص 56 طبع بولاق) :«حليما إذا ما الحلم كان مروءة» .
[2]
كذا فى جمهرة أشعار العرب (طبع مطبعة بولاق الأميرية) وفى الأغانى أيضا (ج 4 ص 131) .
وفى الأصل: «حليم اذا هاجه الأمر أصدرا» .
[3]
كذا فى الأغانى (ج 4 ص 131 طبع بولاق) وفى الأصل: «لا تفضض» ونصه فى العقد الفريد (ج 1 ص 218)، كما فى الأغانى ولم يذكر لفظ:«أجدت» .