الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر ما قيل فى العقوبة والانتقام
ومن الناس من يرجّح عقوبة المذنب على ذنبه، ومقابلة المسىء بما يستحقّه من نكاله وضربه؛ ورأى أن العفو عن المجرم موجب لتكراره، والإحسان إلى المسىء مقتض لإصراره؛ وقال: إنّ طباع اللؤم التى حملته على ذلك لا ترتدع بالإحسان، ومرارة الذنب التى استحلاها لا تغيّرها حلاوة الغفران. وأخذ فى ذلك بالكتاب والحديث، وقابل على الذنب القديم بالعذاب الحديث؛ قال الله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
. وقال تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أبى عزّة، لما كان يتعرّض له من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلب عقبة بن أبى معيط يوم بدر إلى شجرة؛ فقال: يا رسول الله، أنا من بين قريش! قال:«نعم» ؛ قال: فمن للصبية؟ قال: «النار» . وقيل: إنه أوّل مصلوب صلب فى الإسلام. وكان النّضر بن الحارث بن كلدة شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ أسيرا يوم بدر، فأمر النبىّ صلى الله عليه وسلم بقتله، فقتل صبرا بيد علىّ بن أبى طالب.
وقال علىّ رضى الله عنه: الخير بالخير والبادئ أفضل، والشرّ بالشرّ والبادئ أظلم.
وقال: «ردّ [1] الحجر من حيث جاءك» فالشرّ لا يدفع إلا بالشرّ؛ وأنشد:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنّنى
…
إلى الجهل فى بعض الأحايين أحوج
ولى فرس للخير بالخير ملجم
…
ولى فرس للشرّ بالشرّ مسرج
فمن رام تقويمى فإنّى مقوّم
…
ومن رام تعويجى فإنّى معوّج
وقال الجاحظ: من قابل الإساءة بالإحسان فقد خالف الله فى تدبيره، وظنّ أن رحمة الله دون رحمته، فإنّ الله تعالى يقول: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
وقال:
[1] ورد هذا المثل فى مجمع الأمثال للميدانى ومعناه: لا تقبل الضيم وارم من رماك.
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
، وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
. وقال أكثم بن صيفىّ: من تعمّد الذنب فلا ترحمه دون العقوبة، فإنّ الأدب رفق، والرفق يمن. قال أبو الطيّب المتنبّى:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه
…
إذا اتّسعت فى الحلم طرق المظالم
وقالوا: تواضع للمحسن إليك وإن كان عبدا حبشيّا، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حرّا قرشيّا.
وقال الشعبىّ: يعجبنى الرجل إذا سيم هوانا دعته الأنفة [1] إلى المكافأة، وجزاء سيّئة سيّئة مثلها. ورفع كلامه إلى الحجّاج بن يوسف الثقفىّ فقال: لله درّه! أىّ رجل بين جنبيه! وتمثّل بقول الشاعر:
ولا خير فى عرض امرئ لا يصونه
…
ولا خير فى حلم امرئ ذلّ جانبه
وقال رجل لابن سيرين: إنّى وقعت فيك فاجعلنى فى حلّ؛ قال: ما أحبّ أن أحلّ لك ما حرّم الله عليك. وقالوا: من ترك العقوبة أغرى بالذنب، ولولا السيف كثر الحيف. قال الشاعر:
إذا المرء أولاك الهوان فأوله
…
هوانا وإن كانت قريبا أواصره
وإن أنت لم تقدر على أن تهينه
…
فدعه إلى اليوم الذى أنت قادره
وقارب إذا ما لم تكن لك [2] حيلة
…
وصمّم إذا أيقنت أنّك عاقره
وقيل: استؤمر عبد الله بن طاهر بن الحسين فى رجلين كانا فى السجن، أحدهما ضعيف والآخر عليل، فوقّع: الضعيف يقوى والعليل يبرأ، فإن يكن
[1] فى الأصل: «اذا سيم هو انا ودعته إلى الأنفة
…
» ولعله تحريف من الناسخ.
[2]
فى الاصل: «وقارب اذا لم تكن له حيلة» وهو تحريف.
فى الحبس ممن يؤمن شرّه غيرهما فليفرج عنه ودعهما فى موضعهما، فإنه من أطلق مثلهما على الناس فهو شرّ منهما وشريكهما فى فعلهما.
وكتب رجل إلى المأمون- وكان قد طال حبسه-: أغفلت يا أمير المؤمنين أمرى، وتناسيت ذكرى، ولم تتأمّل حجّتى وعذرى، وقد ملّ من صبرى الصبر، ومسّنى فى حبسك الضّرّ. فأجابه المأمون: ركوبك مطية الجهل، صيّرك أهلا للقتل، وبغيك علىّ وعلى نفسك نقلك من سعة الدنيا إلى قبر من قبور الأحياء، ومن جهل الشكر على المنن قلّ صبره على المحن، فاصبر على عواقب هفواتك وموبقات زلّاتك، على قدر صبرك على كثير جناياتك؛ فإن حصل فى نفسك كفّ عن معصيتى، وعزم على طاعتى، وندم على مخالفتى، فلن تعدم مع ذلك جميلا من بيتى [1] والسلام.
وقيل لأعرابىّ: أيسرّك أن تدخل الجنّة ولا تسيىء إلى من أساء إليك؟ قال:
بل يسرّنى أن أدرك الثار وأدخل النار. قال البحترىّ:
تذمّ الفتاة الرّؤد شيمة بعلها
…
إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها
ويقال: إنما هو مالك وسيفك، فازرع بملك من شكرك، واحصد بسيفك من كفرك. قال الشاعر:
قطّ العدا قطّ اليراعة وانتهز
…
بظبا السيوف سوائم الأضغان
إنّ البيادق إن توسّع خطوها
…
أخذت إليك مآخذ الفرزان
وقالوا: العفو يفسد من اللئيم، بقدر ما يصلح من الكريم. وقال معاوية ابن يزيد بن معاوية لأبيه: هل ذممت عاقبة حلم قطّ؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان وليّا إلا أعقبنى ندما على ما فعلت. قال بعض الشعراء:
متى تضع الكرامة من لئيم
…
فإنّك قد أسأت إلى الكرامه
[1] كذا فى الأصل ولعله: «برّى» .
وقالوا: جنّب كرامتك اللئام، فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن أساءوا لم يشعروا.
ومن رسالة لأبى إسحاق الصابى فى حقّ من نزع يده من الطاعة [1] :
وكان الذى أثمره الجهاد، ودلّ عليه الارتياد؛ اليأس من صلاح هذه الطوائف الناشئة على اعتياد المعاصى والاستئناس بالدواهى، والثقة بأنّ أودها لا يتقوّم، وزيغها لا يتسدّد، وخلائقها لا تنصرف عمّا ضربت العادة عليه بسياجها، واستمرّت به على اعوجاجها، إذ كانت العادة طبيعة ثانية، وسجيّة لازمة؛ كذلك زعمت الحكماء، وبرهنت عليه العلماء. قال بعض الشعراء:
ما كلّ يوم ينال المرء ما طلبا
…
ولا يسوّغه المقدار ما وهبا [2]
وأنصف الناس فى كلّ المواطن من
…
سقى الأعادى بالكأس التى شربا
وليس يظلمهم من بات يضربهم
…
[بحدّ [3]] سيف به من قبلهم ضربا
فالعفو إلّا عن الأعداء مكرمة
…
من قال غير الذى قد قلته كذبا
قتلت عمرا وتستبقى يزيد لقد
…
رأيت رأيا يجرّ الويل والحربا
لا تقطعن ذنب الأفعى وتتركها
…
إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا
هم جرّدوا السيف فاجعلهم به جزرا [4]
…
هم أوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا
[1] فى الأصل: «من نزع يده من الطاعة منها» وظاهر أن كلمة «منها» مقحمة لغير حاجة.
[2]
كذا فى تاريخ أبى الفدا طبع دار الطباعة العامرة الشاهانية بالقسطنطينية وفى الأصل «ما طلبا» وقائل هذه القصيدة أبو أذينة يحرّض ابن عمه الأسود بن المنذر على قتل جماعة من ملوك الشام كان قد أسرهم وأراد أن يعفو عنهم.
[3]
زيادة عن تاريخ أبى الفدا.
[4]
الجزر بالتحريك: ما يذبح من الشاء واحدتها جزرة بالتحريك أيضا. وفى أبى الفدا: «فاجعلهم له جزرا» .