الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كن على منهاج معرفة
…
إنّ وجه المرء حاجبه
فبه تبدو محاسنه
…
وبه تبدو معايبه
وقف عبد الله بن العباس بن الحسين العلوىّ على باب المأمون يوما، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق؛ فقال عبد الله لقوم معه: إنه لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، فأمّا الفترة بعد النّظرة، والتوقّف بعد التعرّف، فلا أفهمه، ثم تمثّل:
وما عن رضا كان الحمار مطيّتى
…
ولكنّ من يمشى سيرضى بما ركب
وانصرف؛ فبلغ المأمون كلامه، فصرف الحاجب وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دوابّ. وحجب بعض الهاشميّين فرجع مغضبا فردّ فلم يرجع، وقال: ليس بعد الحجاب إلا العذاب، لأن الله تعالى يقول: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ.
ذكر ما قيل فى النهى عن شدّة الحجاب
قيل: لا شىء أضيع للمملكة وأهلك للرعيّة من شدّة الحجاب، لأنّ الرعيّة إذا وثقت بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم، وإذا وثقت بصعوبته هجمت على الظلم.
وهذا مخالف لوصيّة زياد لابنه: عليك بالحجاب، فإنّما تجرّأت الرّعاة على السّباع لكثرة نظرها إليها. قال سعيد بن المسيّب: نعم الرجل عبد العزيز لولا حجابه! وعن علىّ رضى الله عنه: إنما أمهل فرعون مع دعواه ما ادّعاه لسهولة إذنه وبذل طعامه. وقال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فقال لابنه: من بالباب؟ فقال:
رجل أناخ الآن يزعم أنه ابن بلال مؤذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ولى شيئا من أمور المسلمين ثم حجب عنه حجبه الله يوم القيامة؛ فقال لحاجبه:
الزم بيتك. فما رئى على بابه بعده حاجب.
وقال عمرو بن العاص لابنه وقد ولّى ولاية: انظر حاجبك فإنّه لحمك ودمك، ولقد رأيتنا بصفّين وقد أشرع قوم رماحهم فى وجوهنا يريدون نفوسنا مالنا ذنب إليهم إلا الحجاب.
وقيل: ولّى المنصور حجابته الخصيب [1] فقال: إنّك بولايتى عظيم القدر، وبحجابتى عظيم الجاه، فبقّها على نفسك، ابسط وجهك للمستأذنين، وصن عرضك عن تناول المحجوبين، فما شىء أوقع بقلوبهم من سهولة الإذن وطلاقة الوجه.
قال سليمان بن زيد النابلسىّ:
سأهجركم حتى يلين حجابكم
…
على أنّه لا بدّ أن سيلين
خذوا حذركم من نبوة الدّهر إنّها
…
وإن لم تكن حانت فسوف تحين
وقال آخر:
كم من فتى تحمد أخلاقه
…
وتسكن الأحرار فى ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءه
…
وسلّط الذمّ [2] على نعمته
وقال أعرابىّ:
لعمرى إن حجبتنى العبيد
…
ببابك ما تحجب القافيه
سأرمى بها من وراء الحجاب
…
فتعدو عليك بها داهيه
تصمّ السميع وتعمى البصير
…
وتسأل من مثلها العافيه
وقال جعفر المصرىّ:
[و] تفضّل علىّ بالإذن إن جئ
…
ت فإنّى مخفّف فى اللقاء
ليس لى حاجة سوى الحمد والشّك
…
ر فدعنى أقريك حسن الثناء
[1] فى الأصل: «للخصيب» ولعله تحريف، فان الفعل ينصب المفعولين بنفسه.
[2]
كذا فى عيون الأخبار (مجلد 1 ص 85) وهو الأنسب بالسياق، وفى الأصل:«وسلط الدهر»