الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها:
لا عفو عن مثلهم فى مثل ما طلبوا
…
لكنّ ذلك كان الهلك والعطبا
علام تقبل منهم فدية وهم
…
لا فضّة قبلوا منّا ولا ذهبا
الباب السابع من الفن الثانى
فى المشورة وإعمال الرأى والاستبداد ومن يعتمد على رأيه وذكر من كره أن يستشير
ذكر ما قيل فى المشورة وإعمال الرأى
قد امر الله عز وجل نبيّه صلى الله عليه وسلم بمشاورة من هو دونه من أصحابه فقال تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
؛ ذهب المفسّرون إلى أن الله تعالى لم يأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه لحاجة منه إلى رأيهم ولكن ليعلم ما فى المشاورة من البركة. وقيل: أمره بذلك تألّفا لهم وتطييبا لنفوسهم.
وقيل: ليستنّ بذلك المسلمون.
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ندم من استشار ولا خاب من استخار»
. وقيل: الخطأ مع الاستشارة أحمد من الإصابة مع الاستبداد. وقيل: من استشار فيما نزل به صديقه واستخار ربّه واجتهد رأيه، فقد قضى ما عليه، وأمن من رجوع الملامة إليه؛ ويفعل الله فى أمره ما يشاء. وقيل: ما هلك امرؤ عن مشورة.
وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد. وقيل: الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة، والاستبداد عن
الاستخارة. وقيل: لما همّت ثقيف بالارتداد بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، استشاروا عثمان بن [أبى [1]] العاصى وكان مطاعا فيهم؛ فقال: لا تكونوا آخر العرب إسلاما وأوّلهم ارتدادا؛ فنفعهم الله تعالى برأيه.
وقال العتبىّ لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم [2] ! فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد، فنحن نشاوره فكأنّا ألف حازم. وسئل بعض الحكماء: أىّ الأمور أشد تأييدا للعقل، وأيها أشدّ إضرارا به؟ فقال: أشدّها تأييدا له ثلاثة أشياء:
مشاورة العلماء، وتجربة الأمور، وحسن التثبّت. وأشدّها إضرارا به ثلاثة أشياء:
الاستبداد، والتهاون، والعجلة.
وقال بعض الحكماء: إذا استبدّ الرجل برأيه عميت عليه المراشد.
وقال الفضل بن سهل: الرأى يسدّ ثلم السيف، والسيف لا يسدّ ثلم الرأى.
وقالوا: من استغنى برأيه فقد خاطر بنفسه. وقال بعض البلغاء: إذا أشكلت عليك [الأمور [3]] ، وتغيّر لك الجمهور؛ فارجع إلى رأى العقلاء، وافزع إلى استشارة العلماء؛ ولا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد [4] ؛ فلأن تسأل وتسلم خير من أن تستبدّ وتندم.
وقال حكيم لابنه: يا بنىّ، إنّ رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما ووجدت هواك يقظان، فإيّاك أن تستبدّ برأيك، فإنّه حينئذ هواك. ويقال: تعوّذ من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة، ومن عثرات البغى باستقالة الاستخارة.
[1] الزيادة عن الكامل لابن الأثير، والطبرى، ومعجم ياقوت.
[2]
كذا فى العقد الفريد (ج 1 ص 25) وأدب الدنيا والدين (ص 304) وفى الأصل «صوابك» .
[3]
زيادة عن «أدب الدنيا والدين» ص 306.
[4]
فى الأصل «ولا تستنكف من الاستبداد
…
الخ» والتصويب عن أدب الدنيا والدين ص 306.
وقال ابن المقفّع: لا يقذفنّ فى روعك [1] أنّك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة [إلى رأى غيرك [2]] فتنقطع بذلك عن المشورة، فإنك لا تريد الفخر ولكن الانتفاع.
قال بشّار:
إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن
…
برأى نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشّورى عليك غضاضة
…
فإن الخوافى [3] رافدات القوادم
قال الأصمعىّ: قلت لبشار: إن الناس يعجبون من أبياتك فى المشورة؛ فقال:
يا أبا سعيد، إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته، وخطإ يشارك فى مكروهه؛ فقلت:
أنت والله فى قولك أشعر منك فى شعرك. وهذان البيتان من قصيدة كان بشّار بن برد قد كتب بها إلى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن يمدحه بها ويحرّضه على أبى جعفر المنصور، فمات إبراهيم قبل وصول القصيدة إليه، فخاف بشار من اشتهارها فقلبها [4] وجعل التحريض على أبى مسلم [5] الخراسانىّ فقال:
أبا مسلم ما طيب عيش بدائم
…
ولا سالم عما قليل بسالم
وإنما كان قال:
أبا جعفر ما طيب عيش بدائم
قال فيها بعد هذين البيتين المقدّمين:
وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن
…
نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
[1] كذا فى عيون الأخبار (مجلد 1 ص 31 طبع دار الكتب المصرية) وفى الأصل: «لا تنفذن فى روعاتك
…
» .
[2]
زيادة عن عيون الأخبار.
[3]
الخوافى: ريشات فى جناح الطائر اذا ضم جناحيه خفيت. والقوادم: ريشات فى مقدم جناح الطائر. يريد: أن الضعيف قد يمد القوى بالمعونة.
[4]
فى الأغانى: «فقلب الكنية» .
[5]
فى الأصل: «وجعل التحريض فيها على أبى موسى
…
» والتصويب عن الأغانى ج 3 ص 56 طبع بولاق.
وما خير كفّ امسك الغلّ أختها
…
وما خير سيف لم يؤيّد بقائم
وحارب إذا لم تعط إلّا ظلامة
…
شبا الحرب خير من قبول المظالم
وأدن على [1] القربى المقرّب نفسه
…
ولا تشهد الشّورى امرأ غير كاتم
فإنّك لا تستطرد الهمّ بالمنى
…
ولا تبلغ العليا بغير المكارم
إذا كنت فردا هرّك [2] القوم مقبلا
…
وإن كنت أدنى لم تفز بالعزائم
وما قرع [3] الأقوام مثل مشيّع [4]
…
أريب ولا جلّى العمى مثل عالم
وقال الهيثم: ما رأيت ابن شبرمة قطّ إلا وهو متهيئ كأنه يريد الركوب، فذكر ذلك له وأنا حاضر؛ فقال: إنّ الرجل لا يستجمع له رأيه حتى يجمع عليه ثيابه، ثم قال: أتى رجل من الحىّ فقال لدهقان: يا هذا، إنه ربما انتشر علىّ أمرى فى الرأى فهل عندك مشورة؟ فقال: تهيّأ والبس ثيابك ثم اهمم بما تريد، فهو أجمع لرأيك، فليس من أحد يفعل ذلك إلا اجتمع له رأيه.
وقال أفلاطون: إذا استشارك عدوّك فجرّد له النصيحة، لأنه بالاستشارة قد خرج من عداوتك إلى موالاتك. وقيل: إذا أردت أن تعرف الرجل فشاوره، فإنك تقف من مشورته على جوره وعدله، وحبّه وبغضه، وخيره وشرّه.
وقيل: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش فى غزاة بدر نزل صلى الله عليه وسلم أدنى ماء من مياه بدر، فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله،
[1] فى عيون الأخبار (المجلد الأوّل ص 32) : «وأدن من القربى
…
» .
[2]
يقال:
فلان هرّه الناس اذا كرهوا ناحيته. والعزائم: الحاجات التى يعتزم المرء فعلها. يريد أنك اذا انفردت برأى نفسك ولم تستعن بآراء ذوى التجارب باعدك الناس وأصغروا من شأنك، وان كنت أدنى القوم شأنا لم تفز بحاجاتك التى اعتزمت عليها.
[3]
كذا فى الأغانى (ج 3 ص 56) وفى الأصل:
«وما قارب
…
» .
[4]
المشيّع: الشجاع كأنه شيع بغيره أو بقوة قلبه.
أرايت هذا المنزل [أمنزل [1]] أنزلكه الله عز وجل ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والميكدة؟ قال:«بل هو الرأى والحرب والمكيدة» ؛ فقال: يا رسول الله، فإنّ هذا ليس [لك [1]] بمنزل فارحل [2] بالناس حتى نأتى أدنى ماء من مياه القوم فننزله، ثم نعوّر [3] ما سواه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل [القوم [1]] فنشرب ولا يشربوا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لقد أشرت بالرأى» ؛ وفعل ما أشار به الحباب.
وقال بزرجمهر: أفره ما يكون من الدوابّ لا غنى به عن السوط، وأعقل ما يكون من النساء لا غنى بها عن الزوج، وأدهى ما يكون من الرجال لا غنى به عن المشورة.
وقيل: كانت اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على الأمر يستشيرون فيه، وإنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به، لمعان شتّى: منها لئلا يقع بين المشاورين منافسة تذهب أصالة الرأى وصحّة النظر، لأن من طباع المشتركين فى الأمر التنافس والتغالب والطعن من بعضهم على بعض، وربما أشار أحدهم بالرأى الصواب وسبق إليه فحسده الآخرون فتعقّبوه بالإعراض والتأويل والتهجين وكدّروه وأفسدوه. ومنها أنّ فى اجتماعهم على المشورة تعريض السرّ للإضاعة والشناعة والإذاعة؛ ولذلك قالت الفرس: إنما يراد الاجتماع والكثرة والتناصر فى الأمور التى يحتاج فيها إلى القوّة، فأمّا الآراء والأمور الغامضة فإنّ الاجتماع يفسدها ويولّد فيها التضاغن والتنافس.
[1] الزيادة عن الطبرى جزء خامس ص 1309 من القسم الأول طبع ليدن.
[2]
فى الطبرى وسيرة ابن هشام: «فانهض» .
[3]
نعوّر: نطمّه ونردمه بالتراب حتى ينضب الماء.