الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقالت الحكماء: يجب على الملك أن يتلبّس بثلاث خصال: تأخيره العقوبة فى سلطان الغضب، وتعجيل مكافأة المحسن، والعمل بالأناة فيما يحدث؛ فإن له فى تأخير العقوبة إمكانا، وفى تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة فى الطاعة من الرعية، وفى الأناة انفساح الرأى وإيضاح الصواب.
وقالوا: ينبغى للملك أن يأنف أن يكون فى رعيّته من هو أفضل منه دينا، كما يأنف من أن يكون منهم من هو أنفذ منه أمرا.
وقيل: لا ينبغى للملك أن يسرع إلى حبس من يكتفى له بالجفاء والوعيد.
وقالوا: ينبغى للملك أن تعرفه رعيّته بالأمانة، ولا يعجّل بالعقاب ولا بالثواب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجى.
وقال بعض حكماء الفرس: أحزم الملوك من غلب جدّه هزله، وقهر رأيه هواه، وعبّر عن ضميره فعله، ولم يخدعه رضاه عن حظّه، ولا غضبه عن كيده.
الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الثانى فى صفات الملك وأخلاقه وما يفضّل به على غيره، وذكر ما نقل من أقوال الخلفاء والملوك الدالّة على علوّ هممهم وكرم شميهم
قال أحمد بن محمد بن عبد ربّه: السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذى عليه مدار الدّين والدنيا؛ وهو حمى الله فى بلاده، وظلّه الممدود على عباده، به يمنع حريمهم، وينصر مظلومهم، ويقمع ظالمهم، ويؤمّن خائفهم.
وقال بعض البلغاء: الملك من تبيضّ آثار أياديه، وتسودّ أيّام أعاديه؛ وتخضرّ مواقع سيبه، وتحمرّ مواضع سيفه؛ وتصفرّ وجوه [1] حسّاده، وتروق أعين أنداده.
وقال سهل بن هارون: الملك صبىّ الرضا، كهل الغضب؛ يأمر بالقتل وهو يضحك، ويستأصل شأفة القوم وهو يمزح، يخلط الجدّ بالهزل، ويتجاوز فى العقوبة قدر الذنب، وربما أحفظه الذنب اليسير، وربما أعرض صفحا عن الخطب الكبير؛ أسباب الموت والحياة متعلّقة بطرف لسانه، لا يعرف ألم العقوبة فيبقى، ولا يؤنّب على بادرة فينتهى، يخطئ فيصوّب ويصيب فيفترض، مفتون الهوى فظّ الخليقة أخرق العقوبة، لا يمنعه من ذى الخاصّة به ما يعلم من عنايته [2] وطول صحبته أن يقتله بخطرة من خطرات موجدته، ثم لا ينفكّ ان يخطب إليه موضعه، فلا الثانى بالأوّل يعتبر، ولا الملك عن مثل ما فرط منه يزدجر.
قال عمرو بن هند: الملوك يشتمون بالأفعال لا بالأقوال، ويسفّهون بالأيدى لا بالألسن. قال معبد بن علقمة:
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا
…
ونشتم بالأفعال لا بالتّكلّم
وأما ما يفضّل به الملك على غيره، فقد قيل: تميّز الملك على غيره إنما يكون بفضيلة الذات لا بفضيلة الآلات. وفضل ذات الملك بخمس خصال: رحمة تشمل رعيّته، ويقظة تحوطهم، وصولة تذبّ عنهم، ولين يكيد به الأعداء، وحزم ينتهز به الفرص، فهذه فضيلة الذات.
[1] الذى بالأصل: وجوده، وهو تحريف ظاهر.
[2]
بالأصل «عناية» وأضفناه الى الضمير ليشاكل تاليه.