المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ مذهب أبي حنيفة - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم - جـ ٢

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌الطريق الثامن عشر: الحكم بالإقرار

- ‌ مذهب أبي حنيفة

- ‌ كمال فقه(4)الصحابة رضي الله عنهم

- ‌الطريق الحادي والعشرون: الحكم بالاستفاضة

- ‌الطريق الثاني والعشرون: الأخبار آحادًا

- ‌ لا يشترط في صحة الشهادة ذكر لفظة "أشهد

- ‌الطريق الثالث والعشرون: الحكم بالخط المجرد

- ‌شهادة الأعمى فيما طريقه السمع إذا عرف الصوت

- ‌ إذا أشهد القاضي شاهدين على كتابه، ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه

- ‌القول قول المرتهن مع يمينه، ما لم يدع أكثر من قيمة الرهن

- ‌الطريق الرَّابع والعشرون: العلامات(1)الظاهرة

- ‌ دفع اللقطة إلى واصفها

- ‌ المتكاريين يختلفان في دفين في الدَّار

- ‌الطريق الخامس والعشرون: الحكم بالقرعة

- ‌الطريق السادس والعشرون: الحكم بالقافة

- ‌ قصة العرنيين

- ‌ الأمور المدركة بالحس نوعان:

- ‌نوع يشترك فيه الخاص والعام

- ‌مدار الولايات كلها على الصدق في الإخبار، والعدل في الإنشاء

- ‌من المنكرات(1): تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق

- ‌ تلقي أسواق الحجيج الجلب من الطريق

- ‌ من اضطر إلى طعام غيره(2)أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل

- ‌ من اضطر إلى الاستدانة من الغير، فأبى أن يعطيه إلَّا بربا

- ‌لو اضطرَّ إلى طعامه وشرابه فحبسه عنه حتَّى ماتَ جوعًا وعطشًا

- ‌ القسم الأوَّل

- ‌ إذا اختلفت(1)الصنائع لم تصح الشركة على أحد الوجهين

- ‌ ظنَّ طائفةٌ من النَّاس(3)أنَّ هذه المشاركات من باب الإجارة

- ‌ التسعير في الأموال

- ‌ تنازع العلماء في التسعير في مسألتين:

- ‌لو احتاجَ إلى إجراء مائه في أرض غيره، من غير ضرر لصاحب(2)الأرض

- ‌المنافع التي يجب بذلها نوعان

- ‌ منها ما هو حق المال

- ‌ ومنها ما يجب لحاجة النَّاس

- ‌ بذل منافع البدن تجب عند الحاجة

- ‌ من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه

- ‌ما احتاج إليه النَّاس حاجة عامة، فالحق فيه لله

- ‌ اذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير، وجب عليه بذله له(3)بثمن المثل

- ‌ المنكرات من الأعيان والصور يجوز إتلاف محلها تبعًا لها

- ‌ إتلاف المال - على وجه التعزير والعقوبة - ليس بمنسوخ

- ‌ لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها

- ‌ منع النِّساء من الخروج متزينات متجملات

- ‌ المرض المعدي كالجذام إذا استضر النَّاس بأهله

- ‌من طرق الأحكام: الحكم بالقرعة

- ‌ كيفية القرعة

- ‌ مواضع القرعة

- ‌ إذا أعتق عبدًا من عبيده، أو طلَّق امرأة من نسائه، لا يدري أيتهن هي

- ‌ إذا طلق إحدى نسائه، ومات قبل البيان

- ‌لوازم القولين تدل على صحة القول بالقرعة

- ‌لو طلَّق إحداهما لا بعينها، ثمَّ ماتت إحداهما

- ‌ إذا خرجت القرعة على امرأة، ثمَّ ذكر بعد ذلك أنَّ المطلقة غيرها

- ‌ رجل له مماليك عدة، فقال: أحدهم حر، ولم يبين

- ‌ رجل قال: أول غلام لي يطلع فهو حر، فطلع غلامان

- ‌فإن ولدت الأول ميتًا والثاني حيًّا

- ‌ مسألة الأوَّل والآخر، مبنية على أصلين:

- ‌ مسألة تعليق الحريَّة على مطلق الولادة

- ‌ القرعة(1)في الشراء والبيع

- ‌خاتمة التحقيق

- ‌فهرس المراجع

- ‌ التفسير وعلوم القرآن:

- ‌ السنة النبوية وعلومها:

- ‌ أصول الفقه:

- ‌ الفقه

- ‌ الفقه الحنفي:

- ‌ الفقه المالكي:

- ‌ الفقه الشافعي:

- ‌ الفقه الحنبلي:

- ‌الفقه الظاهري وبعض المجتهدين:

- ‌ كتب اللغة والتعريفات:

- ‌ الأعلام والتراجم والسير والتاريخ:

- ‌ كتب أخرى:

- ‌ كتب ابن القيم:

الفصل: ‌ مذهب أبي حنيفة

رضيا أن يحكم بينهما بما يقولانه، ولذلك قصدا

(1)

.

هذا تحصيل مذهب مالك.

وأما‌

‌ مذهب أبي حنيفة

(2)

، فقالوا: إذا علم

(3)

الحاكم بشيء من حقوق العباد في زمن ولايته ومحلها جاز له أن يقضي به؛ لأن علمه كشهادة الشاهدين، بل أولى؛ لأن اليقين حاصل بما علمه بالمعاينة أو السماع، والحاصل بالشهادة غلبة الظن، وأما ما علمه قبل ولايته، أو في غير محل ولايته، فلا يقضي به عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد

(4)

: يقضي به، كما في حال ولايته

(5)

ومحلها

(6)

.

قال المنتصرون لقول أبي حنيفة: هو في غير مصره وغير ولايته شاهد لا حاكم، وشهادة الفرد لا تقبل، وصار كما إذا

(7)

علم ذلك

(1)

انظر: التاج والإكليل (8/ 138)، مواهب الجليل (6/ 118)، منح الجليل (8/ 344)، عقد الجواهر الثمينة (3/ 1018). ويظهر أنَّ ابن القيم قد حرَّر مذهب المالكية منه.

(2)

انظر: مختصر اختلاف العلماء (3/ 368)، بدائع الصنائع (6/ 232)، المبسوط (16/ 104)، مسعفة الحكام (2/ 699)، حاشية ابن عابدين (5/ 365)، فتاوى السغدى "النتف"(2/ 637 و 781).

(3)

في "أ": "لم يعلم".

(4)

و"محمد" ساقطة من "أ".

(5)

"فلا يقضي عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يقضي به كما في حال ولايته" ساقطة من "و".

(6)

انظر: المراجع السابقة.

(7)

"إذا" ساقطة من "ب" و"د" و"هـ"، أمَّا "و" ففيها:"كما لو"، وصوبه العلامة =

ص: 521

بالبينة العادلة، ثم ولي القضاء، فإنه لا يعمل بها.

قالوا

(1)

: وأما الحدود، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنه خصم فيها؛ لأنها حق لله تعالى، وهو نائبه، إلا في حد القذف، فإنه يعمل بعلمه، لما فيه من حق العبد، وإلا في السكر، إذا وجد سكرانًا، أو من به أمارات السكر، فإنه يعزره.

هذا تحصيل مذهب أبي حنيفة.

وأما أهل الظاهر، فقال أبو محمد ابن حزم

(2)

: وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء، والأموال، والقصاص، والفروج، والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته. قال

(3)

: وأقوى ما حكم بعلمه، ثم بالإقرار، ثم بالبينة.

فصل

وأما الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم، فصح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال:"لو رأيت رجلًا على حد من حدود الله تعالى لم أحده حتى يكون معي شاهد غيري"

(4)

.

= ابن باز - رحمه الله تعالى - في تعليقه على الطرق.

(1)

"قالوا" ساقطة من "و". وانظر: المراجع السابقة.

(2)

المحلَّى (9/ 426)، مراتب الإجماع (51).

(3)

"قال" ساقطة من "أ".

(4)

في جميع النسخ عدا "ب" جاء الأثر هكذا: "لو رأيت رجلًا على حدٍّ لم أدع له غيري" وسيذكر المؤلف الأثر كما أثبتناه آخر الفصل.

رواه ابن عدي (5/ 99)، والبيهقي (10/ 242). قال ابن كثير: "رواه =

ص: 522

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: "أرأيتَ لو رأيتُ رجلًا قتل، أو شرب

(1)

، أو زنى؟ قال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين

(2)

، فقال له عمر: صدقت"

(3)

. وروي نحو هذا عن معاوية، وابن عباس

(4)

.

ومن طريق الضحاك: أن عمر اختصم إليه في شيء يعرفه

(5)

، فقال للطالب:"إن شئت شهدت ولم أقض، وإن شئت قضيت ولم أشهد"

(6)

.

وأما الآثار عن التابعين، فصح عن شريح أنه اختصم إليه اثنان،

= أحمد عن أبي بكر وإسناده صحيح" ا. هـ. الإرشاد (2/ 404)، وقال الحافظ ابن حجر: "أحمد بسندٍ صحيح إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا" ا. هـ. التلخيص الحبير (4/ 360)، ونسبه لأحمد جمع من أهل العلمِ منهم ابن الملقن. انظر: خلاصة البدر المنير (2/ 436)، والزركشي في شرح مختصر الخرقي (7/ 256) وغيرهم، ولم أجده في المسند، وقد قال المجد ابن تيمية: "حكاه أحمد" ا. هـ. المنتقى مع نيل الأوطار (8/ 330).

(1)

في "و": "أو سرق".

(2)

"من المسلمين" ساقطة من "جـ" و"د" و"هـ" و"و".

(3)

رواه عبد الرزاق (8/ 340)، والبيهقي (10/ 243)، وابن أبي شيبة (5/ 545)، ورواه البخاري معلقًا (13/ 168) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وهذا الإسناد منقطع بين عكرمة ومن ذكره عنه لأنَّه لم يدرك عبد الرحمن فضلًا عن عمر" ا. هـ. انظر: فتح الباري (13/ 170)، تغليق التعليق (5/ 199)، المحلَّى (9/ 425).

(4)

المحلَّى (9/ 428).

(5)

في "ب" و"و": "اختصمَ إليه مَنْ يعرفه"، وفي "د":"في شيءٍ مَنْ يعرفه".

(6)

رواه ابن أبي شيبة (4/ 445).

ص: 523

فأتاه أحدهما بشاهد. وقال لشريح: وأنت شاهدي أيضًا، فقضى له شريح مع شاهده بيمينه

(1)

. وهذا محتمل.

وصح عن الشعبي أنه قال: لا أكون شاهدًا وقاضيًا

(2)

.

واحتج من قال: "يحكم بعلمه" بما في "الصحيحين"

(3)

من قصة هند لما اشتكت أبا سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم عليه بأن تأخذ كفايتها وكفاية بنيها، ولم يسألها البينة، ولا أحضر الزوج.

وهذا الاستدلال ضعيف جدًّا، فإن هذا إنما هو فتيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حكم

(4)

، ولهذا لم يحضر الزوج، ولم يكن غائبًا عن البلد، والحكم على الغائب عن مجلس الحكم

(5)

، الحاضر في البلد، غير الممتنع

(6)

، وهو يقدر على الحضور، ولم يوكل

(7)

وكيلًا = لا يجوز اتفاقًا.

وأيضًا؛ فإنَّها لم تسأله الحكم، وإنما سألته: "هل يجوز لها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها

(8)

؟ " وهذا استفتاء محض، فالاستدلال به

(1)

رواه ابن أبي شيبة (4/ 445). وصححه ابن حزم في المحلَّى (9/ 427).

(2)

انظر: المحلَّى (9/ 427) وصححه.

(3)

البخاري رقم (2211)(4/ 473)، ومسلم رقم (1714)(11/ 248) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(4)

انظر: المغني (14/ 33 و 94)، وشرح الأبي لمسلم (6/ 231)، ومكمل إكمال الإكمال (6/ 231)"مع الأبي".

(5)

في "أ" و"د" و"هـ" و"و": "الحاكم".

(6)

وفي "د" و"هـ" و"و": "ممتنع".

(7)

"ولم يوكل" ساقطة من "ب".

(8)

وفي "د": "ولدها".

ص: 524

على الحكم سهو.

واحتج بما رواه ابن ماجه والبيهقي من حديث حماد بن سلمة، حدثني عبد الملك أبو جعفر

(1)

، عن أبي نضرة

(2)

، عن سعد بن الأطول

(3)

"أن أخاه

(4)

مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أخاك محبوس بدينه، فاقض عنه، قلت: يا رسول الله قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة

(5)

، وليست

(6)

لها بينة قال: "أعطها، فإنها محقة"، وفي لفظ:"فإنها صادقة"

(7)

، وهذا أصرح في الدلالة مما قبله.

(1)

في "ب": "أبو حفص". وهو عبد الملك أبو جعفر، بصري ويقال: مدني، ذكره ابن حبان فى كتاب الثقات. وقال الحافظ ابن حجر:"مقبول". انظر: الثقات (7/ 100)، تهذيب الكمال (18/ 437)، ميزان الاعتدال (4/ 418)، تهذيب التهذيب (6/ 376)، تقريب التهذيب (629).

(2)

المنذر بن مالك بن قُطعة العبدي أبو نضرة الإمام المحدث، وثَّقه ابن معين وابن سعد وغيرهما. توفي سنة 108 هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: تهذيب الكمال (28/ 508)، سير أعلام النبلاء (4/ 529).

(3)

في "د" و"هـ" و"و": "سعد"، وفي الباقي:"سعيد". والصواب سعد. وهو سعد بن الأطول بن عبد الله بن خالد الجهني، أبو مظفر، وفي تاريخ البخاري التصريح بسماعه من النَّبي صلى الله عليه وسلم. انظر: التاريخ الكبير (4/ 45)، الإصابة (2/ 21).

(4)

واسمه يسار. انظر: الإصابة (3/ 627).

(5)

في "د" و"هـ": "امرأته".

(6)

في "أ": "وليس".

(7)

رواه أحمد (5/ 7)، وابن ماجه (4/ 84) رقم (2433)، وعبد بن حميد (1/ 272) رقم (305)، وابن قانع في معجم الصحابة (1/ 255)، وابن =

ص: 525

وقال حمَّاد عن الجريري

(1)

عن أبي نضرة عن رجل من الصحابة بمثله

(2)

، ولكن لم يسم: كم ترك؟

وبعد، فلا يدلُّ أيضًا، فإنَّ المنع من حكم الحاكم بعلمه إنَّما هو لأجل التهمة، وهي معلومة الانتفاء عن سيد الحكام صلى الله عليه وسلم.

واحتجَّ بما في "الصحيحين"

(3)

من حديث عقيل

(4)

عن ابن شهاب

= عبد البر في التمهيد (23/ 236)، وأبو يعلى (3/ 80) رقم (1510)، والطبراني في المعجم الكبير (6/ 46) رقم (5466)، وابن سعد في الطبقات (7/ 40)، وابن حبان في الثقات (3/ 152)، والبيهقي (10/ 240)، قال البوصيري رحمه الله:"إسناد حديثه صحيح، عبد الملك أبو جعفر ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين" ا. هـ. مصباح الزجاجة (2/ 254) رقم (856).

(1)

سعيد بن إياس الجُريري أبو مسعود البصري، وثقه ابن معين. توفي سنة 144 هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: الجرح والتعديل (4/ 1)، تهذيب الكمال (10/ 338)، سير أعلام النبلاء (6/ 153).

(2)

رواه البخاري في التاريخ (4/ 45)، وأحمد (5/ 7)، وأبو يعلى (3/ 82)، والبيهقي (10/ 240). قال الألباني - رحمه الله تعالى -:"أخرجه أحمد والبيهقي وأحد إسناديه صحيح والآخر مثل إسناد ابن ماجه" ا. هـ. أحكام الجنائز (26).

(3)

البخاري رقم (3711)(3712)(7/ 97)، ومسلم رقم (1759)(12/ 320).

(4)

عقيل بن خالد بن عقيل الأبلي أبو خالد، وثَّقه أحمد والنسائي. توفي سنة 142 هـ، وقيل: 144 هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: تهذيب الكمال (20/ 242)، سير أعلام النبلاء (6/ 301).

ص: 526

عن عمرة

(1)

عن عائشة: أنَّ فاطمة رضي الله عنها أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نُوْرَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ إنَّما يَأْكُلُ آل مُحَمَّد في هَذَا المَالِ"، وإنَّي والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

، ولأعملن فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا - وذكر الحديث -. والاستدلال به سهو أيضًا؛ فإنَّ أبا بكر رضي الله عنه علم من دين الرسول أنَّ هذه الدعوى باطلة لا يسوغ الحكم بموجبها، بل دعواها بمنزلة دعوى استحقاق ما علم وتحقق دفعه بالضرورة، بل بمنزلة ما يعلم بطلانه قطعًا من الدعاوى، وسيدة نساء العالمين رضي الله عنها خفي عليها حكم هذه الدعوى، وعلمه الخلفاء الراشدون ومن معهم

(3)

من الصحابة، فالصديق معه الحجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يسمع هذه الدعوى

(4)

، ولم يحكم بموجبها، للحجة الظاهرة التي علمها معه عمر بن الخطاب والصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فأين هذا من حكم الحاكم بعلمه الَّذي لم يقم به حجة على الخصم؟

(1)

في جميع النسخ: "عمرة"، والصواب:"عروة" كما هو عند البخاري (3711)، ومسلم (1759). وهو عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله. توفي سنة 94 هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: طبقات ابن سعد (5/ 136)، سير أعلام النبلاء (4/ 421)، طبقات علماء الحديث (1/ 153).

(2)

"عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" مثبتة من "أ".

(3)

في "أ": "تبعهم"، وفي "ب":"بعدهم".

(4)

في "ب": "فلم يسمع هذه الحجة الدعوى".

ص: 527

واحتجَّ أبو محمد ابن حزم

(1)

لهذا القول بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بينتك أو يمينه"

(2)

، قال: ومن البينة التي لا بينة

(3)

أبين منها: علم الحاكم بالمحق من المبطل.

وهذا إلى أن يكون حجة عليهم أقرب من أن يكون حجة لهم؛ فإنَّه قال: "بينتك" و"البينة" اسمٌ لما يبين الحق، بحيث يظهر المحق من المبطل

(4)

، ويبين ذلك للنَّاس، وعلم الحاكم ليس ببينة.

واحتجوا

(5)

أيضًا بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} [النساء: 135]، وليس في القسط أن يعلم الحاكم أنَّ أحد الخصمين مظلوم والآخر ظالم، ويترك كلًّا

(6)

منهما على حاله.

قال الآخرون: ليس في هذا محذور، حيث لم يأتِ المظلوم بحجة يحكم له بها، فالحاكم معذور، إذ لا حجَّة معه يوصل بها صاحب الحق إلى حقِّه، وقد قال سيد الحكام صلوات الله وسلامه عليه: "إنَّكُمْ تَخْتَصِمُوْنَ إِليَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكَم أن يكون أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِيَ لَهُ

(7)

، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقَّ أَخِيْهِ

(1)

المحلَّى (9/ 428).

(2)

رواه البخاري رقم (6677)(11/ 566).

(3)

"بينة" ساقطة من "د" و"و".

(4)

قوله "وهذا إلى أن يكون" إلى قوله "يظهر المحق من المبطل" ساقطة من "جـ".

(5)

انظر: المحلَّى (9/ 429).

(6)

وفي "د": "كل واحد".

(7)

"فأحسب أنَّه صادق فأقضي له" ساقطة من "أ".

ص: 528

فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَع لَهُ قِطعَةً مِنَ النَّارِ"

(1)

.

واحتجوا

(2)

بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلْبِهِ"

(3)

، وإذا رأى الحاكم وحده عدوان رجل على رجل وغصبه ماله، وسمع طلاقه لامرأته، وعتقه لعبده، ثُمَّ رأى الرجلَ مستمرًا في إمساك الزوجة، أو بيع من صرح بعتقه، فقد أقرَّ على المنكر الَّذي أمر بتغييره

(4)

.

قال الآخرون: هو مأمور بتغيير ما يعلم

(5)

النَّاس أنَّه منكر، بحيث

(6)

لا تتطرق إليه تهمة في تغييره، وأمَّا إذا عمد إلى رجل مع زوجته وأمته لم يشهد أحد أنَّه طلقها ولا أعتقها ألبتة، ولا سمع بذلك أحدٌ قطُّ، ففرق بينهما، وزعمَ أنَّه سمعه

(7)

طلق وأعتق: فإنَّه ينسب ظاهرًا إلى تغيير المعروف بالمنكر، وتطرق النَّاس إلى اتهامه والوقوع في عرضه، وهل يسوغ للحاكم أن يأتي إلى رجلٍ مستور بين النَّاس، غير مشهور بفاحشة، ولم يقم

(8)

عليه شاهد واحد بها، فيرجمه،

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

انظر: المحلَّى (9/ 429).

(3)

رواه مسلم رقم (49)(2/ 380) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(4)

في "ب": "الَّذي لم يغير" هكذا.

(5)

في "و": "علم".

(6)

"بحيث" ساقطة من "و".

(7)

"سمعه" ساقطة من جميع النسخ عدا "أ".

(8)

في "د" و"هـ" و"و": "ولم يشهد".

ص: 529

ويقول: رأيته يزني؟ أو يقتله، ويقول: سمعته يسب؟ أو يفرِّق بين الزوجين، ويقول: سمعته يطلق؟ وهل هذا إلَّا محض التهمة؟

ولو فتح هذا الباب - ولا سيما لقضاة الزمان - لوجد كل قاضٍ له عدوٌّ السبيل

(1)

إلى قتل عدوه، ورجمه، وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا كانت العداوة خفية، لا يمكن عدوه إثباتها، وحتَّى لو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه لوجب منع قضاة الزمان من ذلك

(2)

، وهذا إذا قيل في شريح، وكعب بن سور، وإياس بن معاوية، والحسن البصري، وعمران الطلحي

(3)

، وحفص بن غياث وأضرابهم كان فيه ما فيه.

وقد ثبت عن أبي بكر

(4)

وعمر

(5)

وعبد الرحمن بن عوف

(6)

وابن عباس

(7)

ومعاوية

(8)

رضي الله عنهم المنع من ذلك، ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف.

فذكر البيهقي وغيره عن أبي بكر الصديق أنَّه قال: "لو وجدت

(1)

وفي "ب": "سبيلًا".

(2)

انظر: حاشية ابن عابدين (5/ 465)، تبصرة الحكام (2/ 39)، البهجة (1/ 42).

(3)

في "ب": "البلخي".

(4)

تقدم تخريجه ص (523).

(5)

تقدم تخريجه ص (524).

(6)

تقدم تخريجه ص (524).

(7)

انظر: المحلَّى (9/ 428).

(8)

انظر: المحلَّى (9/ 428).

ص: 530