الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اللاهوتية أو الهيبة اللاهوتية العظمى التي تحيط بالقرآن منذ قرون تمنعنا من أن نراه كما هو: أي: كنص لغوي مؤلف من كلمات وحروف وتركيبات لغوية ونحوية وبلاغية
…
القرآن من التفسير الموروث (119).
كان علي حرب صريحا مع نفسه ومع قرائه، فهو يتحدث بلغة صريحة ولا يركب على عواطف الجماهير، وليس في حاجة إلى التصريح بأنه يستلهم القيم الروحية للإسلام، أو بأنه لا يهدف إلى نزع صفة القداسة على النصوص، قال متعجبا من اللف والدوران الذي يحاول إيهامنا به بعض العلمانيين: فكيف نقرأ النصوص قراءة نقدية تاريخية ونزعم أننا لا ننزع عنها صفة التعالي والقداسة؟ لا مجال إذا للمداورة والالتفاف، بل الأحرى والأولى مجابهة المشكلة بدلا من الدوران حولها (1).
أهداف النقد:
النقد العلماني للقرآن ليس نقدا بريئا، فهو تغلب عليه إرادة الإيديولوجيا على إرادة المعرفة. وهو مشبع بترسانة من الأفكار المسبقة والجاهزة والمهيمنة، يدور الباحث حولها ويبحث عن سبل نصرها.
وطبعا ليس أمام العلماني العربي إلا ما شيده ذاك الآخر من مناهج وأدوات للقراءة.
ولهذا بدت أهداف العلمانيين من قراءتهم للتراث بادية للعيان، بل مصرح بها من قبلهم منصوص عليها في كتبهم.
ويمكن إجمالها فيما يلي:
أولا- نزع القداسة عن القرآن والسنة واعتبارهما نتاجا ثقافيا كباقي النصوص، تنقد وتساءل كما تنقد نصوص الشعر والنثر والأساطير والخرافات.
(1) نقد النص (
في ظل النقد التاريخي لا ينظر للقرآن والسنة باعتبارهما وحيا مفارقا أو لهما علاقة ما بجهة متعالية مقدسة، فكل هذه المفاهيم من ثقافة الماضي التي تجاوزها النقد الحديث.
قال علي حرب: لا مراء أن النقد كما يمارسه أركون والآخرون يؤدي إلى نزع هالة القداسة عن الوحي بتعريته آليات الأسطرة والتعالي التي يمارسها الخطاب في تعامله مع الأحداث والوقائع التاريخية أو مع التجارب والممارسات الإنسانية (1).
والعلمانيون يعبرون عن هذا الهدف إما: بنزع القداسة أو نزع الأسطرة، أو تاريخية القرآن والسنة.
وأحيانا من باب التعمية يزعمون أنهم يحاولون فهم النص علميا لا فهما غيبيا أسطوريا، كما يفعل نصر أبو زيد، وذلك بالتعامل معه باعتباره منتجا ثقافيا كما قال علي حرب (2).
في ظل النقد التاريخي لن تكون للقرآن أية قداسة أو اعتبار، فالبحث العقلي التاريخي هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
فسورة التوبة مثلا في نظر أركون مستخدما ترسانته المعرفية لها لهجة جدالية حادة، كما قال (3).
وقال: تبين لنا هذه السورة كيف أن الطائفة الجديدة الوليدة (يقصد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه) قد انخرطت بعد فتح مكة في عملية بناء المؤسسات، وهي تستطيع أن
(1) نقد النص (203).
(2)
نقد النص (209).
(3)
القرآن من التفسير الموروث (49).
تنقض العهود أو الاتفاقيات الموقعة سابقا مع الفئات المعارضة وتفرض عليها شروطها الجديدة تحت التهديد بإشعال الحرب ضد كل هؤلاء المشركين الذين يرفضون شرع الله ورسوله (1).
هكذا يصور نبينا صلى الله عليه وسلم كرجل سياسي متغطرس ديكتاتوري متعطش للدماء ينقض العهود ويفرض الشروط.
وزاد أن الأعراب قد أدينوا بقسوة في تلك السورة (2). وأن من تاب بعد ذلك فلا يتمتع بنفس الحقوق السياسية داخل الجماعة الجديدة المنتصرة (3).
ثانيا- إعادة النظر في المسلمات العقائدية الإسلامية. أو كما قال علي حرب: خلخلة الاعتقادات وزحزحة القناعات (4). ذلك أنه يلامس بنقده مناطق محرمة وبطَرْق أبواب يصعب طرقها (5). ويكشف بل يفضح المسلمات (6). وتتم فيه إعادة النظر في المعتقد (7)
…
سيتم من خلال هذا النقد تجاوز مفاهيم مترسخة في أذهان المسلمين مثل وجود الله، والملائكة والجن واليوم الآخر والوحي وغير ذلك.
ثالثا- غربلة التراث من أجل حذف كل العناصر الضارة منه، والإبقاء على الصالح في نظر العلمانية مثل الحرية والعقل والمساواة.
(1) نفس المرجع (49).
(2)
نفس المرجع (49 - 50).
(3)
نفس المرجع (50).
(4)
نقد النص (72).
(5)
نقد النص (76).
(6)
نقد النص (74).
(7)
نقد النص (73).
يقول أركون: المهمة العاجلة تتمثل في ما يلي: إعادة قراءة كتب التراث الإسلامي على ضوء أحدث المناهج اللغوية والتاريخية والسوسيولوجية والأنتربولوجية (أي: المقارنة مع بقية التراثات الدينية، وبخاصة ما حصل في الغرب المسيحي) ثم القيام بعدئذ بتقييم فلسفي شامل لهذا التراث لطرح ما أصبح ميتا فيه ومعرقلا لحركة التطور والإبقاء على العناصر الصالحة من أجل استخدامها في البنيان الجديد (1).
إخضاع القرآن والسنة لمناهج النقد الغربية المحملة بالمضامين الفلسفية الغربية، مع مقارنتها بباقي الديانات اليهودية والمسيحية والبوذية، لنستخلص دينا جديدا ترضى عنه العلمانية وتباركه.
وماذا عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة في نقد أركون؟
يجيب: كما وتنبغي دراسة سيرة النبي وشخصيات الصحابة الأساسيين على ضوء علم التاريخ الحديث، وذلك لفرز العناصر التاريخية فيها عن العناصر التبجيلية التضخيمية (2).
أي: سنحصل على سيرة فيها وقائع تاريخية محضة، أما كل ما يدل على تبجيل النبي أو احترامه وتعظيمه، فنقد أركون كفيل بحذف هذه العناصر الضارة والتي لا ترضى عنها العلمانية.
رابعا- تفكيك الهوية وضياع المشروع الحضاري، ومن ثم الإلحاق بالحضارة الغربية.
(1) قضايا في نقد العقل الديني (292).
(2)
قضايا في نقد العقل الديني (2
ولذلك فإننا نقول دوما: إن العلمانيين هم طلائع الاستعمار وآليات الهيمنة الغربية وامتداد للسيطرة الغربية.
والمفكر عندما يقع تحت تأثير الاستيلاب الثقافي، ويسبح في بحوره، يحس بتحرر وهمي وباستقلال في التفكير، ويشعر في قرارة نفسه أنه يمارس مشروعا فكريا أو نقدا علميا من خلال مناهج البحث في علوم الاجتماع والنقد التاريخي، وهو ينسى أن هذه المناهج إفراز ثقافي إيديولوجي غربي، ذو حمولة فلسفية غربية، وبالتالي فهو ينخرط في المشروع الامبريالي شعر بذلك أم لم يشعر.