الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذه ثماني علل عُلِّلَ بها حكم واحد مما يدل على جواز تعدد العلل لحكم واحد في العربية، قال الأنباري في (لمع الأدلة) بعد إيراده هذه العلل وغيرها:"وتمسكوا -أي: مجيزو التعدد- في الدلالة على جواز ذلك بأن هذه العلة ليست موجبة، وإنما هي أمارة ودلالة على الحكم، وكما يجوز أن يستدل على الحكم بأنواع من الأمارات والدلالات، فكذلك يجوز أن يستدل عليه بأنواع من العلل، وعقَّب الأنباري بقوله: وهذا ليس بصحيح. وقولهم: إن هذه العلة ليست موجبة، وإنما هي أمارة ودلالة قلنا: ما المعنيِّ أي: ما المقصود بقولكم: إنها ليست موجبة؟ إن عنيتم -أي: إن قصدتم- أنها ليست موجبة كالعلل العقلية كالتحرك لا يُعلل إلا بالحركة، أو العالِمية لا تُعلل إلا بالعلم، فمسلَّم، وإن عنيتم أنها غير مؤثرة بعد الوضع على الإطلاق فلا نسلم، فإنها بعد الوضع أصبحت بمنزلة العلل العقلية، فينبغي أن تجري مجراها" انتهى. ويُفهم من هذه العبارة أن الحكم من الأنباري بعدم الصحة ينصب على تفسير كون العلة النحوية ليست موجبة بأنها غير مؤثرة، لا على جواز تعدُّد العلل.
جواز تعليل حكمين بعلة واحدة
افتتح السيوطي هذه المسألة بعد العنوان بقوله: "قال في (الخصائص): سواء لم يتضادا أم تضادا كقولهم: مررت بزيد
…
إلى آخره"، وكعادة السيوطي نراه يتصرف في النقل، فيورد النص بالمعنى، ويتجه غالبًا إلى الإيجاز والاختصار، وعبارة ابن جني منقولة بمعناها من باب عنوانه: باب في تقاود السماع، وتقارع الانتزاع أي: في اتفاق السماع واطراده في شيء، وتخالف الاستنباط وتغايره فيه.
قال ابن جني في هذا الباب: "واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه، فيجوز جوازًا صحيحًا أن يُستدل به على أمر ما، وأن يُستدل به على ضده البتة، وذلك نحو:
مررت بزيد، ورغبت في عمرو، وعجبت من محمد، وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجر، فأحد ما يدل عليه هذا الضرب من القول أن الجار معتدٌّ من جملة الفعل الواصل به، ألا ترى أن الباء في مررت بزيد معاقبة لهمزة النقل في نحو: أمررت زيدًا، وكذلك أخرجته وخرجت به، وأنزلته ونزلت به، فكما أن همزة أفعل مصوغة فيه كائنة من جملته، فكذلك ما عاقبها من حروف الجر ينبغي أن يعتدَّ أيضًا من جملة الفعل؛ لمعاقبته ما هو من جملته، فهذا وجه. والآخر: أن يدل ذلك على أن حرف الجر جارٍ مجرى بعض ما جره، ألا ترى أنك تحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب فيعطف عليه، فينصب لذلك فتقول: مررت بزيد وعمرًا، وكذلك أيضًا لا يفصل بين الجار والمجرور؛ لكونهما في كثير من المواضع بمنزلة الجزء الواحد، أفلا تراك كيف تقدر اللفظ الواحد تقديرين مختلفين، وكل واحد منهما مقبول في القياس متلقى بالبشر والإيناس" انتهى.
ومجمل ما ذكره ابن جني في هذا النص أن نحو: مررت بزيد ونظائره مما يتعدى فيه الفعل بحرف من حروف الجر، يُستدل به على أن الجار والمجرور معدود من جملة الفعل، كما يستدل به على ضد ذلك أي: على أنه معدود من جملة الاسم المجرور به، ووجه كونه معدودًا من جملة الفعل أنه معدٍّ للفعل يجعل الفعل يتعدى به، فهو بمنزلة همزة التعدية التي تكون مجعولة حرفًا من بنية الفعل، وهي همزة أفعل، فكذلك ما عاقبها يعني: ما ناب عنها وخلفها. ووجه كونه جاريًا مجرى بعض مجروره أمران؛ أحدهما: أنه يحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب، فيعطف عليهما بالنصب مراعاة لموضعهما في نحو: مررت بزيد وعمرًا، فعمرًا منصوب عطفًا على موضع بزيد عند ابن جني.
والآخر: أنه لا يُفصل بينهما بفاصل لأنهما بمنزلة الجزء الواحد، ونحن نلاحظ أن السيوطي لم يذكر في (الاقتراح) ما أجازه ابن جني من نحو: مررت بزيد وعمرًا، لماذا؟ لأنه لا يجيز ما أجازه ابن جني من مثل هذا الإعراب، وإنما يختار مذهب المحققين في اشتراطهم في العطف على الموضع إن كان ظهور هذا الموضع في فصيح الكلام، ولا يجوز في فصيح الكلام أن يقال: مررت زيدًا، ومن هنا لا يجوز عند المحققين العطف بالنصب على موضعه، ما دام المعطوف عليه لا يجوز نصبه وإسقاط الجار منه في الكلام الفصيح؛ لما فيه من تعدية القاصر أي: اللازم بنفسه. أما قول جرير:
تمرون الديار ولم تعوجوا
…
كلامكم علي إذن حرام
فمقصور على السماع أو هو ضرورة، وابن جني لم يشترط ما اشترطه المحققون الذين يجيزون نحو: مررت بزيد وعمرًا، لكنهم يعربون ما بعد الواو -يعني: يعربون عمرًا- مفعولًا به لفعل محذوف تقديره: وجزت عمرًا، مثلًا، وقد أعاد ابن جني حديث مررت بزيد ونحوه في باب التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين في (الخصائص)، وعقَّب عليه بقوله:"فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه" انتهى. وأورد السيوطي مثالًا آخر نقلًا عن (الخصائص) أيضًا فقال: "وقال -أي: ابن جني في موضع آخر: باب في أن سبب الحكم قد يكون سببًا لضده على وجه، هذا باب ظاهره التدافع أي: التعارض، وهو مع استغرابه صحيح واقع، وذلك نحو قولهم: القود، أي: القصاص، والحَوَكة جمع حائك من حاك الثوب يحوكه حوكًا، وحياكًا، وحياكة أي: نسجه".
قال السيوطي ملخصًا ما قال ابن جني في تصحيح الواو الواقعة عينًا لكلمتي القود والحوكة، ونظائرهما قال: "فإن القاعدة في مثله الإعلال بقلب الواو ألفًا
لتحركها، وانفتاح ما قبلها، لكنهم شبهوا حركة العين التابعة لها بحركة اللين أي: بحرف الألف التابع لها، فكأن فعلن فعال، فكما صح نحو: جواب وهيام، صح باب القود والغيب ونحوه" انتهى. يعني: أن القاعدة الصرفية تقضي بقلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما، ولكن الكلمات التي جاءت عن العرب بتصحيح العين مما يُخالف بظاهره هذه القاعدة كالقود، والحوكة، والغَيَب، وهو جمع غائب، وكلها على وزن فعل، فقد شبَّهوا الفتحة التي هي حركة العين في هذه الكلمات بحرف الألف، فعوملت معاملة ما كان وزنه فعالًا كجواب، وهيام. ومن شروط قلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما أن يتحرك ما بعدهما إن كانتا عينين، ولذلك صحت العين في نحو: بيان، وطويل، وغيور، لسكون ما بعدهما.
قال ابن جني معلقًا على ذلك: "ألا ترى إلى حركة العين التي هي سبب الإعلال كيف صارت على وجه آخر سببًا للتصحيح، وهذا وجه غريب المأخذ" انتهى.
ومن باب إتمام الفائدة وإكمال النفع نذكر مثالًا آخر لهذا الباب، أورده ابن جني في (الخصائص)، ولم يذكره السيوطي عملًا بمبدئه في التلخيص والاختصار، وذلك قول كَلْحَبة العريني:
إذا المرء لم يخش الكريهة أوشكت
…
حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا
ومعنى البيت: أن الإنسان إذا لم يخشَ مواجهة الشدائد والنوازل قاربت حبال الهوينى أي: الصبر والاتئاد عنده أن تتقطع عند إحساسه بأقل بادرة منها، قال ابن جني معلقًا على البيت: "وهذا عندهم قبيح، وهو إعادة الثاني مظهرًا بغير لفظه الأول، وإنما سبيله أن يأتي مضمرًا نحو: زيد مررت به، فإن لم يأت مضمرًا وجاء مظهرًا، فأجود ذلك أن يُعاد لفظه الأول البتة نحو: زيد مررت بزيد كقول الله
سبحانه: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ} (الحاقة: 1، 2)، و {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ} (القارعة: 1، 2) وقوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء
…
نغص الموت ذا الغنى والفقير
يعني ابن جني: أن وجه الحكم بالقبح على ما قال كلحبة، هو إعادته الاسم الظاهر، وهو المرء بلفظ اسم ظاهر غير لفظه الأول، وهو لفظ الفتى. وكان عليه إما أن يعيد الثاني مضمرًا فيقول: أوشكت حبال الهوينى به، وإما أن يُعيده مظهرًا لكن بلفظ الاسم الأول أي: أن يقول: أوشكت حبال الهوينى بالمرء، واستشهد على إعادة الثاني بلفظه الأول بما جاء في أول سورتي الحاقة والقارعة، وببيت من شواهد سيبويه في (الكتاب) منسوب إلى سواد بن عدي. وقد ذكر السيرافي في شرحه على (الكتاب) أن الاسم الظاهر متى احتيج إلى تكريره في جملة واحدة، كان الاختيار أن يذكر ضميره؛ لأن ذلك أخفَّ، وأنفى للشبهة، واللبس، ولو أعدت لفظه بعينه في موضع ضميره؛ لجاز، ولم يكن ذلك وجه الكلام، وإذا أعدت ذكره في غير تلك الجملة جاز إعادة ظاهره وحسن، كقولك: مررت بزيد، وزيد رجل صالح، قال الله تعالى:{وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124) فأعاد الظاهر؛ لأن قوله: {اللهُ أَعْلَمُ} جملة ابتداء وخبر وقد مرت الجملة الأولى" انتهى.
وإنما تعيد العرب الظاهر بلفظه في جملة واحدة في مقام التفخيم أو التهويل كقوله تعالى: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} (الواقعة: 8)، وقوله عز وجل:{الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ} . ونعود إلى مواصلة حديث ابن جني عن بيت كلحبة حيث قال: "ويمكن أن يجعله جاعل سبب الحسن". يعني: يمكن أن يجعل جاعل