الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن عشر
(تابع صور التعارض والترجيح)
تفضيل السماع والقياس على استصحاب الحال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
إن استصحاب الحال من أصول النحو الغالبة عند الأنباري، فقد قال في (لمع الأدلة):"وهو -أي: الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة" انتهى. ومع عدِّه إيَّاه من أصول النحو الغالبة ذكر أنه أضعف الأدلة فقال: "واستصحاب الحال من أضعف الأدلة ولهذا لا يجوز التمسك به ما وُجد هناك دليل" انتهى. ويدل على ضعفه ما نقله السيوطي من أنه إذا تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع، أو قياس؛ فلا عبرة به أي: لا اعتداد بالاستصحاب، ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه، فيقدم السماع أو القياس على الاستصحاب، وعلة ذلك هي أن الأصل المستصحب إنما جرَّده النحاة، فأصبح من عملهم، ولم يكن من عمل العربي صاحب السليقة، فإذا عرضه السماع فالسماع أرجح؛ لأن ما يقوله العربي أولى مما يجرده النحوي، وإذا عارضه القياس فالقياس أرجح؛ لأن القياس وإن كان تجريدًا فهو حمل على ما قاله العربي، فاستصحاب الحال من أدلة النحو التي تتصف بالقوة تارة وبالضعف تارة أخرى، فهو دليل من الأدلة المعتبرة إن لم يعارضه دليل غيره من سماع أو قياس، فإن عارضه دليل منهما فهو حينئذٍ من أضعف الأدلة.
وقد عرفت فيما تقدم أن التمسك بالأصل تمسك باستصحاب الأصل، فمن تمسك بالأصل من النحويين في إثبات دعواه فقد تمسك بالاستصحاب، وهذا يدلُّك على أن هذا الدليل شائع في سائر المؤلفات النحوية، وليس مقصورًا على ما ورد في مؤلفات الأنباري، كل ما هنالك أن المصطلح هو الذي ظهر في كتب الأنباري متأثرًا بثقافته الفقهية، وحينما طرحنا السؤال الآتي: ما مكانة هذا الدليل بين الأدلة الأخرى عند الأنباري؟ أجاب الأنباري نفسه عن هذا السؤال مرة في (الإغراب في جدل الإعراب)
فقال: "وأما استصحاب الحال فلا يجوز الاستدلال به ما وجد هناك دليل بحال"، ومرتين في كتابه (لمع الأدلة) المرة الأولى عندما ذكر أصول النحو فقال:"أقسام أدلته ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال، ومراتبها كذلك، وكذلك استدلالاتها" فدل كلامه على أن الاستصحاب يقع في المرتبة المتأخرة عن مرتبتي السماع والقياس، والمرة الثانية حين قال عن استصحاب الحال:"استصحاب الحال من أضعف الأدلة، لهذا لا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليل".
كما قيل: يظهر كذلك عدم اهتمام الأنباري بالاستصحاب كغيره من الأدلة في أنه ألف كتابه (لمع الأدلة)، وجعله في ثلاثين فصلًا، تحدث فيها عن أقسام أدلة النحو: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وخصص لدليل النقل ستة فصول من الفصل الثالث إلى التاسع، والقياس أربعة عشر فصلًا من الفصل العاشر إلى الرابع والعشرين. أما استصحاب الحال فقد عقد له فصلًا واحدًا هو الفصل التاسع والعشرون. وقلنا: إن نظرة الأنباري إلى الاستصحاب على أنه أضعف الأدلة مظهر آخر من مظاهر تأثره بالفقهاء، فجمهورهم يصف الاستصحاب بأنه أضعف الأدلة، وبأنه آخِر متمسَّك للناظر، وبأنه آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سُئل عن حادثة يطلب حكمها في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجد يأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات.
ومعنى ما ذكره الأنباري هنا أنه يُشترط لصحة الاحتجاج بالاستصحاب ألا يجد المستدل دليلًا غيره يعارضه، وضرب الأنباري لنا مثلًا على ذلك، فأوضح أنه لا يجوز التمسك بالاستصحاب في إعراب الاسم مع وجود البناء، وهو مشابهة الاسم للحرف، وكذلك لا يجوز التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب، وهو مشابهة الفعل للاسم؛ لأن التمسك بالاستصحاب تمسك بعدم الدليل، فإذا قام الدليل بطل التمسك بالأصل. ويستوي أن يكون هذا الدليل