الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتحضرون ممن يمكن أن يكون قد دخل اللحن على ألسنتهم في رأي البصريين، ولعله من أجل ذلك ألَّف كتابه في لحن العوام؛ ليدل على أنه كان يفرق بين لغات العرب وبين هذا اللحن.
وأهم من ذلك أنه مدَّ النحو ليشمل الشاذ النادر من تلك اللغات مما لم يكن سيبويه والخليل يحفلان به، ولا يريان له قدرًا، ثم قال:"وأكبر الظن أن الذي دفع الكسائي إلى هذا الموقف من نحوهما، وأن يفسح في العربية للغات الشاذة النادرة أنه كان من القراء للذكر الحكيم، وكانت تجري في قراءته حروف تشذُّ على قواعد النحو البصري؛ فخشي أن يُظن بهذه الحروف أنها غير جائزة، وأنها لا تجري على العربية السليمة، وربما خشي اندثارها، وهي جميعًا مروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم غير أن منها ما هو متواتر، وهو القراءات السبع، ومنها ما هو غير متواتر وهو ما وراءها من قراءات، وجميعها صحيح، وينبغي أن نتوسع في قواعد النحو والصرف حتى تشمله" انتهى.
بعض أمثلة العلة النحوية عند المتقدمين من علماء القرن الثاني الهجري في ضوء ما ورد في كتاب سيبويه
قد علمت أن كتاب سيبويه أقدم مصدر نحوي وصل إلينا، وأنه قد حفل بالعلة النحوية، فلا تكاد ترى فيه حكمًا نحويًّا صادرًا عن سيبويه، أو عن أحد شيوخه الذين عُنوا بالقياس والتعليل قد أورده سيبويه غفلًا من ذكر علته، ونستعرض هنا طرفًا من أمثلة العناية بالعلة عند المتقدمين في ضوء ما ورد منها في كتاب سيبويه.
أولًا: من تعليلات شيخ سيبويه الأخفش الأكبر، وهو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد مولى قيس بن ثعلبة من أهل هجر، وأول الأخافشة الثلاثة
المشهورين، أخذ من أبي عمرو بن العلاء وطبقته، ولقي الأعراب فأخذ عنهم، وتوفي بالسنة السابعة والسبعين بعد المائة من الهجرة، ومن تعليلاته ما ذكره سيبويه في (الكتاب) في باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدعاء، قال: "زعم أبو الخطاب أن سبحان الله كقولك: براءة الله من السوء، كأنه يقول: أبرئ براءة الله من السوء، وزعم أن مثله قول الشاعر وهو الأعشى:
أقول لما جاءني فخره
…
سبحان مِن علقمة الفاخر
أي: براءة منه، وأما ترك التنوين في سبحان، فإنما تُرك صرفه لأنه صار عندهم معرفة، وانتصابه كانتصاب الحمد لله. وزعم أبو الخطاب أن مثله قولك للرجل: سلامًا، تريد تسلمًا منك، كما قلت: براءة منك، تريد لا ألتبس بشيء من أمرك، وزعم أن أبا ربيعة كان يقول: إذا لقيت فلانًا فقل له: سلامًا، فزعم أنه سأله ففسره له بمعنى براءة منك، وزعم أن هذه الآية {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان: 63) بمنزلة ذلك؛ لأن الآية فيما زعم مكية، ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك: براءة منكم وتسلمًا، لا خير بيننا وبينكم ولا شر، وزعم أن قول الشاعر وهو أمية بن أبي الصلت:
سلامك ربنا في كل فجر
…
بريئًا ما تغنثك الذموم
على قوله: براءتك ربنا من كل سوء، فكل هذا ينتصب انتصاب حمدًا وشكرًا، إلا أن هذا ينصرف وذاك لا ينصرف" انتهى.
هذا النص يعلل فيه الأخفش الأكبر نصب "سبحان الله"، فيذكر أنه كقولك: براءة الله من السوء؛ أي: أبرئ براءة الله من السوء، أي: أنه منصوب على
المصدرية بفعل محذوف وجوبًا لا يُستعمل، وهو "سَبَحَ" الثلاثي كأنه قال: سَبَحَ سبحانًا، كما يقال: كَفَرَ كفرانًا، وشكر شكرانًا، ومعناه: التبرئة والبراءة من كل ما لا يليق أن يوصف به، فهو واقع موقع التسبيح الذي هو المصدر الحقيقي للفعل سبح، ولزومه للنصب من أجل أنه لا يتمكن في موضع المصادر؛ إذ لا يأتي إلا مصدرًا منصوبًا مضافًا وغير مضاف، وهو غير مصروف؛ لجعله علمًا للتسبيح، وجريه مجرى عثمان ونحوه من الأعلام المختومة بالألف والنون الزائدتين.
وذكر أبو الخطاب أن سبب منعه من الصرف العلمية وزيادة الألف والنون، وذكر أن من مجيئه غير مضاف وغير مصروف قول الأعشى:
…
...
…
...
…
سبحان مِن علقمة الفاخر
ومعناه براءة من علقمة، يقول هذا لعلقمة بن علاثة الجعفري في منافرته لعامر بن الطفيل، وكان الأعشى قد فضل عامرًا، وتبرأ من علقمة وفخره أي: لما سمعت أن علقمة يُفاخر عامرًا تبرأت من قبح فعل علقمة وأنكرته، وواصل الأخفش الأكبر حديثه لسيبويه، فذكر أن مثل ذلك أي: من مجيء الاسم منصوبًا على المصدرية بفعل غير مستعمل قولك للرجل: سلامًا تريد تسلمًا منك أي: براءة منك، وعلى ذلك جاءت الآية الكريمة في سورة الفرقان {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} أي: براءة منكم، وقول أمية بن أبي الصلت: سلامك ربنا
…
إلى آخر البيت. الشاهد فيه قوله: سلامك، ونصبه على المصدر الموضوع بدلًا من اللفظ بالفعل، ومعناه البراءة والتنزيه، وهو بمنزلة سبحانك في المعنى وقلة التمكن في مواضع المصادر، وبريئًا في البيت منصوب على الحال المؤكدة، والتقدير: أبرئك بريئًا؛
لأن معنى سلامك كمعنى أبرئك، ومعنى تغنثك تعلق بك، والأصل تتغنثك؛ فحذفت إحدى التاءين والذموم جمع الذم.
ثانيًا: من تعليلات شيخ سيبويه عيسى بن عمر الثقفي المتوفى سنة تسع وأربعين ومائة من الهجرة، قال سيبويه في (الكتاب) في باب ما ينتصب فيه الصفة لأنه حال وقع فيه الألف واللام:"وكان عيسى يقول: ادخلوا الأولُ فالأول، لأن معناه ليدخل، فحمله على المعنى، وليس بأبعد من: لِيُبك يزيد ضارع لخصومة" انتهى.
وتفصيل هذا الأمر أن الأصل في الحال أن تكون نكرة لا معرفة، وذلك على سبيل اللزوم؛ لأن الغالب أن تكون مشتقة، وأن يكون صاحبها معرفة، فالتزم تنكيرها؛ لئلا يتوهم كونها نعتًا إذا كان صاحبها منصوبًا، وحمل غيره عليه، فإن وردت بلفظ المعرفة أُوِّلت بنكرة؛ محافظة على ما استقر لها من لزوم التنكير، ومما سمع من ذلك قول العرب: ادخلوا الأول فالأول. فاللفظ الأول الواقع بعد واو الجماعة منصوب على الحالية من الواو، والثاني معطوف عليه بالفاء، وهما بلفظ المعرف بأل، فيؤولان بنكرة أي: مرتبين واحدًا فواحدًا.
بيد أن سيبويه حكى أن عيسى بن عمر كان يقول: "ادخلوا الأول فالأول"، معللًا ذلك بقوله:"لأن معناه ليدخل"، أي: بإضمار فعل بالحمل على المعنى أي: بقرينة المعنى. وبيان ذلك أن فعل الأمر لا يسند إلى الاسم الظاهر، وعيسى بن عمر ليس ممن يغتفرون في التابع ما لا يُغتفر في المتبوع، فلا يصح عنده أن يكون الرفع على البدلية من واو الجماعة؛ لأن البدل على نية إحلاله محل المبدل منه، ولا يصح هنا هذا الإحلال؛ إذ لا يقال: ادخل الأول فالأول بالرفع على الفاعلية بخلاف نحو: دخلوا الأول فالأول، فإن رفع ما بعد واو الجماعة على
البدلية من واو الجماعة، واللفظ الثاني معطوف عليه، وصح جعل الأول بدلًا وحمله على الفعل؛ لصحة إحلاله محل المبدل منه، إذ يجوز أن يقال: دخل الأول فالأول.
ويجوز أن يكون الرفع على البدلية عند من يغتفر في التابع ما لا يُغتفر في المتبوع كأبي سعيد السيرافي الذي خرج الرفع على البدلية من واو الجماعة، وقال في شرحه على كتاب سيبويه معلقًا على حمل الرفع على المعنى:"ولم يجز ذلك سيبويه، لأن لفظ الأمر للمواجَه -يعني: للمخاطب- لا يجوز أن يُعرى من ضمير، وإذا أبدل الظاهر منه فكأنه لا ضمير فيه، ألا ترى أنه لا يجوز: ادخلا الزيدان، ولا ادخلوا غلمان زيد، فتبدل من ضمير الاثنين والجماعة المخاطبين لأنا لا نقول: ادخل غلمان زيد، فإذا أبدلنا؛ فقد أبطلت الواو، ولم يفسر سيبويه علته، بل جوزه على وجه من وجوه ما يُحمل على المعنى".
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.