الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم تركتَها على مذهب فَعَلَ، فأتاها النصبُ من نصْبِ فَعَلَ. وهو وجهٌ جيدٌ؛ كما قالوا:((نهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قِيلَ وقالَ وكثرةِ السؤال))، فكانتا كالاسمين فهما منصوبتان. ولو خُفِضَتا على أنهما أُخرِجَتا من نية الفعل كان صوابًا؛ سمعتُ العربَ تقول: مِن شُبَّ إلى دُبَّ بالفتح، ومِن شُبٍّ إلى دُبٍّ؛ يقول: مذ كان صغيرًا إلى أنْ دَبَّ، وهو فَعَلَ". انتهى.
وكلام الفرّاء يشير إلى أنّ علة البناء في هذا الظرف هي استصحاب الأصل، وأصله الفعلُ الماضي آنَ، ولم يرتضِ السيوطيّ استصحابَ الأصل دليلًا في هذه المسألة، فذكر في (الهمع) أن كلام الفرّاءِ قد رُدَّ بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه أل، كما لا تدخل على قِيلَ وقالَ، ولجاز فيه الإعرابُ كما جاز في قِيلَ وقالَ. انتهى. وقول السيوطيُّ: "ولجاز فيه الإعراب
…
" إلخ. معناه: أنّ قِيلَ وقالَ يجوز فيهما الإعرابُ على أنهما أخرجتَا من نيةِ الفعلِ كما قال الفرّاءُ؛ فيجوز: نهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قِيلٍ وقالٍ بالجرّ، ولا يجوز ذلك في الآنَ، فدلّ ذلك على بطلان هذه العلة.
استصحاب الحال من أضعف الأدلة
في ضوء ما تقدّم ترى أنّ التمسك بالأصل تمسُّكٌ باستصحاب الأصل، فمن تمسك بالأصل من النحويين في إثبات دعواه فقد تمسك بالاستصحاب، وهذا يدلُّكَ على أنّ هذا الدليل شائع في سائر المؤلفات النحوية، وليس مقصورًا على ما ورد في مؤلفات الأنباريّ، كل ما هنالك أنّ المصطلح -كما قلنا من قبل- هو الذي ظهر في كتب الأنباري متأثرًا بثقافته الفقهية. وإذا كان الأنباريُّ يرى أن الاستصحاب من أصول النحو الغالبة، ومن الأدلة المعتبرة، فهذا يدعونا إلى أن نطرح السؤال الآتي، وهو: ما مكانةُ هذا الدليل بين الأدلة الأخرى عند الأنباري؟
لقد أجاب الأنباريّ عن هذا السؤال مرةً في (الإغراب في جدل الإعراب) فقال: "وأمّا استصحابُ الحال فلا يجوز الاستدلالُ به ما وُجد هناك دليلٌ بحال"، ومرتين في كتابه (لُمع الأدلة)؛ المرةَ الأولى عندما ذكَرَ أصول النحو، فقال:"أقسامُ أدلته ثلاثة: نقلٌ، وقياسٌ، واستصحابُ حالٍ، ومراتبُها كذلك، وكذلك استدلالاتُها". فدلّ كلامُه على أنّ الاستصحاب يقع في المرتبة المتأخرة عن مرتبتي السماع والقياس. والمرة الثانية حين قال عن استصحاب الحال: "استصحابُ الحال من أضعف الأدلة؛ لهذا لا يجوز التمسكُ به ما وُجد هناك دليلٌ". وقد قيل: يظهر كذلك عدم اهتمام الأنباريّ بالاستصحاب كغيره من الأدلة في أنه ألّفَ كتابه (لمع الأدلة) وجعله في ثلاثين فصلًا تحدّث فيها عن أقسام أدلة النحو: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وخصّص لدليل النقل ستةَ فصولٍ من الثالث إلى التاسع، وللقياس أربعة عشرَ فصلًا من العاشر إلى الرابع والعشرين، أمّا استصحابُ الحال فقد عقَدَ له فصلًا واحدًا هو الفصل التاسع والعشرون.
ونظرة الأنباري إلى الاستصحاب على أنه أضعف الأدلة مظهر آخر من مظاهر تأثره بالفقهاء، فجمهورهم يصف الاستصحاب بأنه أضعف الأدلة، وبأنه آخرُ متمسَّكٍ للناظر، وبأنه آخر مدارِ الفتوى؛ فإنّ المفتي إذا سئل عن حادثة يَطلب حكمَها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجد يأخذ حكمَها من استصحاب الحال في النفي والإثبات.
ومعنى ما ذكره الأنباريّ هنا أنه يُشترط لصحةِ الاحتجاجِ بالاستصحابِ عدم وجود دليل آخر يعارضه، وضرب الأنباري لنا مثلًا على ذلك، فأوضح: أنه لا يجوز التمسكُ بالاستصحاب في إعراب الاسم مع وجود البناء، وهو مشابهة الاسم للحرف، وكذلك لا يجوزُ التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب، وهو مشابهة الفعل للاسم؛ لأنّ التمسك بالاستصحاب تمسكٌ بعدم
الدليل، فإذا قام الدليلُ بطل التمسكُ بالأصل، ويستوي أن يكون هذا الدليلُ سماعيًّا أو قياسيًّا؛ لأنه إذا تعارض استصحابُ الحال مع دليل آخرَ من سماع أو قياس فلا عبرةَ بالاستصحاب، ولا اعتداد به، ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه، فيُقَدَّمُ السماعُ أو القياسُ عليه.
وقد بيَّن الأنباريّ ضَعفَ الاستدلال بالاستصحاب في المسألة الرابعة عشرة من مسائل (الإنصاف)، وهي مسألة نعم وبئس؛ إذ ذهب البصريون إلى أنهما فعلان، واستدل بعضهم على فعليتهما باتصال الضمير بهما على حدّ اتصاله بالفعل المتصرف، فإنه قد جاء عن العرب قولُهم: نعما رجلين، ونعموا رجالًا، كما استدل بعضهم على فعليتهما باتصال تاء التأنيث الساكنة بهما، كقولهم: نعمت المرأة هند، وبئست الجارية دعد، فهذه التاء يَختصّ بها الفعل الماضي لا تتعدّاه. ومن البصريين من استدل على فعليتهما فقال: الدليل على أنهما فعلان ماضيان أنهما مبنيان على الفتح، ولو كانا اسمين لمَا كان لبنائهما وجهٌ؛ إذ لا علةَ ها هنا توجب بناءَهما غير الأصل، أو غير استصحاب الأصل.
ولم يرتضِ الأنباريُّ الاستدلالَ بهذا الدليل الأخير؛ لأنه استدلالٌ بالاستصحاب، فقال:"وهذا تمسكٌ باستصحاب الحال، وهو من أضعف الأدلة، والمعتمَدُ عليه ما قدَّمْناه". انتهى. أي: أنّ المعتمد عليه في إثبات فعليتهما هو اتصال الضمير المرفوع بهما كما يتصل بكل فعل متصرف، واتصالهما بتاء التأنيث الساكنة. وخلاصة القول: أنّ استصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة، وهو في الوقت نفسه من أضعف الأدلة، فلا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليلٌ.