الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَوْ حَفَرَهُ الَّذِينَ طَلَبُوا الْحَفْرَ كَانُوا مُتَطَوِّعِينَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ يُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي النَّفَقَاتِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُ الَّذِينَ طَلَبُوا الْكَرْيَ بِالْكَرْيِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ كَانَ لَهُمْ مَنْعُ الْآخَرِينَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يَدْفَعُوا إلَيْهِمْ حِصَصَهُمْ مِنْ مُؤْنَةِ الْكَرْيِ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ أَرَادَ كُلُّهُمْ تَرْكَ الْكَرْيِ فِي ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَا يُجْبِرُهُمْ الْإِمَامُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُجْبِرُهُمْ الْإِمَامُ فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى كَرْيِ النَّهْرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْبِدَايَةُ بِالْكَرْيِ مِنْ أَعْلَاهُ.
فَإِذَا جَاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ رَفَعَ عَنْهُ مُؤْنَةَ الْكَرْيِ وَكَانَ عَلَى مَنْ بَقِيَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ الْكَرْيُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ إلَى آخِرِهِ بِحِصَصِ الشُّرْبِ وَالْأَرَاضِي وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الشَّفَةِ مِنْ الْكَرْيِ شَيْءٌ لِأَنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ وَبِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذُوا فِي الْفَتْوَى كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي النَّهْرِ إذَا كَانُوا عَشَرَةً فَمُؤْنَةُ الْكَرْيِ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُ الْمُؤْنَةِ إلَى أَنْ يُجَاوِزَ أَرْضَ أَحَدِهِمْ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ عَلَى الْبَاقِينَ أَتْسَاعًا إلَى أَنْ يُجَاوِزَ أَرْضًا أُخْرَى ثُمَّ يَكُونُ عَلَى الْبَاقِينَ أَثْمَانًا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ إلَى آخِرِ النَّهْرِ وَعِنْدَهُمَا الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِمْ أَعْشَارًا مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ إلَى آخِرِهِ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَإِنْ كَانَتْ فُوَّهَةُ النَّهْرِ لِأَرْضِهِ فِي وَسَطِ أَرْضِهِ فَكَرَى إلَى فُوَّهَةِ النَّهْرِ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْكَرْيُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْقُطُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَرْضَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَمَتَى جَاوَزَ الْكَرْيُ أَرْضَهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْمَاءَ لِيَسْقِيَ أَرْضَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَفْتَحُ حَتَّى يَفْرُغَ الْكُلُّ لِأَنَّهُ لَوْ فَتَحَ قَبْلَ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَاءِ قَبْلَ الشُّرَكَاءِ وَلِهَذَا قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ يَبْدَأُ بِالْكَرْيِ مِنْ أَسْفَلِ النَّهْرِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الْخَاصُّ بَيْنَ قَوْمٍ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ إذَا وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إصْلَاحِهِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فَإِصْلَاحُ أَوَّلِهِ عَلَيْهِمْ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذَا بَلَغُوا دَارَ رَجُلٍ مِنْهُمْ هَلْ يُرْفَعُ عَنْهُ مُؤْنَةُ الْإِصْلَاحِ لَا رِوَايَةَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ حَاكِيًا عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ رَأَيْتُ فِي كُتُبِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ يُرْفَعُ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ النَّهْرُ عَظِيمًا عَلَيْهِ قُرًى يَشْرَبُونَ مِنْهَا وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى بِالْفَارِسِيَّةِ (كَامٍ) فَاتَّفَقُوا عَلَى كَرْيِ هَذَا النَّهْرِ فَبَلَغُوا فُوَّهَةَ نَهْرِ قَرْيَةٍ هَلْ يُرْفَعُ عَنْهُمْ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ فَلَا رِوَايَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأَصْلِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي النَّوَادِرِ وَأَنَّهُ يُرْفَعُ عَنْهُمْ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ بِالِاتِّفَاقِ وَعَلَى قِيَاسِ النَّهْرِ الْخَاصِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُرْفَعَ عَنْهُمْ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْكَرْي أَرَاضِيَ قَرْيَتِهِمْ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الشِّرْبِ وَفِيهِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِير الشُّرْب وَرُكْنِهِ وَشَرْطِ حِلِّهِ وَحُكْمِهِ]
(كِتَابُ الشِّرْبِ)
(وَفِيهِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ)(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرْطِ حِلِّهِ وَحُكْمِهِ) أَمَّا تَفْسِيرُهُ شَرْعًا فَالنَّصِيبُ مِنْ الْمَاءِ لِلْأَرَاضِيِ لَا لِغَيْرِهَا وَأَمَّا رُكْنُهُ فَالْمَاءُ لِأَنَّ الشِّرْبَ يَقُومُ بِهِ وَأَمَّا شَرْطُ حِلِّهِ أَنْ يَكُونَ ذَا حَظٍّ مِنْ الشِّرْبِ وَأَمَّا حُكْمُهُ فَالْإِرْوَاءُ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ مَا يُفْعَلُ لِأَجْلِهِ وَإِنَّمَا تَشْرَبُ الْأَرْضُ لِتُرْوَى كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
الْمِيَاهُ أَنْوَاعٌ
الْأَوَّلُ مَاءُ الْبَحْرِ وَهُوَ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِالشَّفَةِ وَسَقْيُ الْأَرْضِ وَشَقُّ الْأَنْهَارِ حَتَّى إنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْرِيَ نَهْرًا مِنْهَا إلَى أَرْضِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ وَالِانْتِفَاعُ بِمَاءِ الْبَحْرِ كَالِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْهَوَاءِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ.
وَالثَّانِي مَاءُ الْأَوْدِيَةِ الْعِظَامِ كَجَيْحُونَ وَسَيْحُونُ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنِّيلِ لِلنَّاسِ فِيهَا حَقُّ الشَّفَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَحَقُّ سَقْيِ الْأَرْضِ بِأَنْ أَحْيَا
وَاحِدٌ أَرْضًا مَيْتَةً وَكَرَى مِنْهَا نَهْرًا لِيَسْقِيَهَا إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ وَلَا يَكُونُ النَّهْرُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ وَلَهُمْ نَصْبُ الْأُرْجِيَّةِ وَالدَّوَالِي إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَاجِبٌ وَذَلِكَ بِأَنْ يَمِيلَ الْمَاءُ إلَى هَذَا الْجَانِبِ إذَا انْكَسَرَتْ ضِفَّتُهُ فَتُغْرِقُ الْقُرَى وَالْأَرَاضِي وَكَذَا شَقُّ السَّاقِيَةِ وَالدَّالِيَةِ.
وَالثَّالِثُ مَا يَجْرِي عَلَى نَهْرٍ خَاصٍّ لِقَرْيَةٍ فَلِغَيْرِهِمْ فِيهِ شَرِكَةٌ فِي الشَّفَةِ وَهُوَ الشِّرْبُ وَسَقْيُ الدَّوَابِّ.
وَالرَّابِعُ مَا أُحْرِزَ فِي حَبٍّ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهِ وَلَهُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ بِالْإِحْرَازِ فَصَارَ كَالصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ إلَّا أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي سَرِقَتِهِ لِقِيَامِ شُبْهَةِ الشَّرِكَةِ فِيهِ حَتَّى لَوْ سَرَقَهُ إنْسَانٌ فِي مَوْضِعٍ يَعِزُّ وُجُودُهُ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابًا لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
الْمَاءُ الَّذِي فِي بِئْرِ رَجُلٍ أَوْ حَوْضِ رَجُلٍ فَلِغَيْرِهِ نَوْعُ شَرِكَةٍ مِنْ حَيْثُ الشَّفَةِ وَسَقْيِ دَوَابِّهِ حَتَّى إذَا أَخَذَ إنْسَانٌ مِنْ حَوْضِ غَيْرِهِ أَوْ بِئْرِهِ مَاءً لِلشِّرْبِ فَلَيْسَ صَاحِبُ الْحَوْضِ وَالْبِئْرِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ فَإِنْ كَانَتْ الشَّفَةُ تَأْتِي عَلَى الْمَاءِ كُلِّهِ ذَكَرَ شِيحُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لَهُ مَنْعُ ذَلِكَ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ الْمَاءِ وِلَايَةَ الْمَنْعِ هَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي الْعُيُونِ نَهْرٌ فِي مَدِينَةٍ أَجْرَاهُ الْإِمَامُ لِلشَّفَةِ فَأَرَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَيْهِ بَسَاتِينَ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الشَّفَةِ وَسِعَهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَضَرَّ لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
نَهْرٌ لِقَوْمٍ وَلِرَجُلٍ أَرْضٌ بِجَنْبِهِ لَيْسَ لَهُ شِرْبٌ مِنْ هَذَا النَّهْرِ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَشْرَبَ وَيَتَوَضَّأَ وَيَسْقِيَ دَوَابَّهُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهُ أَرْضًا أَوْ شَجَرًا أَوْ زَرْعًا وَلَا أَنْ يَنْصِبَ دُولَابًا عَلَى هَذَا النَّهْرِ لِأَرْضِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ الْمَاءَ مِنْهُ بِالْقُرَبِ وَالْأَوَانِي وَيَسْقِيَ زَرْعَهُ أَوْ شَجَرَهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلِأَهْلِ النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعُوهُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالْوَجِيزِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَصَحُّ هَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالتَّبْيِينِ وَالظَّهِيرِيَّةِ.
وَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ لَيْسَ لَهُمْ شِرْبٌ مِنْ هَذَا النَّهْرِ أَنْ يَسْقُوا دَوَابَّهُمْ مِنْهُ قَالُوا إنْ كَانَ الْمَاءُ لَا يَنْقَطِعُ بِسَقْيِ الدَّوَابِّ وَلَا يَفْنَى لَيْسَ لِأَهْلِ النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَنْقَطِعُ بِسَقْيِهِمْ بِأَنْ كَانَتْ الْإِبِلُ كَثِيرَةً كَانَ لَهُمْ حَقُّ الْمَنْعِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ تَنْكَسِرُ ضِفَّةُ النَّهْرِ وَيَخْرُبُ بِالسَّقْيِ كَانَ لَهُمْ حَقُّ الْمَنْعِ وَإِلَّا فَلَا.
وَكَذَا الْعَيْنُ وَالْحَوْضُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ الْمَاءُ بِغَيْرِ إحْرَازٍ وَاحْتِيَالٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّهْرِ الْخَاصِّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ السِّقَايَةِ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا كُلُّ مَاءٍ أُعِدَّ لِلشِّرْبِ حَتَّى قَالُوا فِي الْحِيَاضِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلشِّرْبِ لَا يَجُوزُ مِنْهَا التَّوَضُّؤُ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَيَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ مَاءَ السِّقَايَةِ إلَى بَيْتِهِ لِيَشْرَبَ أَهْلُهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ مِنْ نَهْرِ الْغَيْرِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ قَنَاتِهِ اُضْطُرَّ لِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُضْطَرَّ وَإِنْ سَقَى أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ النَّهْرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الْمَاءِ وَإِنْ أَخَذَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ يُؤَدِّبُهُ السُّلْطَانُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ إنْ رَأَى ذَلِكَ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّهْرِ الْخَاصِّ أَوْ مِنْ حَوْضِ رَجُلٍ أَوْ مِنْ بِئْرِ رَجُلٍ مَاءً بِالْجَرَّةِ لِلْوُضُوءِ أَوْ لِغَسْلِ الثِّيَابِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْبِئْرُ أَوْ الْعَيْنُ أَوْ الْحَوْضُ أَوْ النَّهْرُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُرِيدُ الشَّفَةَ مِنْ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ إذَا كَانَ يَجِدُ مَاءً آخَرَ بِقُرْبِ هَذَا الْمَاءِ فِي غَيْرِ مِلْكِ أَحَدٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُ ذَلِكَ يُقَالُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ إمَّا أَنْ تُخْرِجَ الْمَاءَ إلَيْهِ أَوْ تَتْرُكَهُ لِيَأْخُذَ بِنَفْسِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْسِرَ ضِفَّتَهُ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ الشَّفَةِ فِي الْمَاءِ الَّذِي فِي حَوْضِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَقِيلَ هَذَا إذَا احْتَفَرَهَا فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ أَمَّا إذَا احْتَفَرَهَا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ فَلَيْسَ لَهُ
مَنْعُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوَاتَ كَانَ مُشْتَرَكًا وَالْحَفْرُ لِإِحْيَاءِ حَقٍّ مُشْتَرَكٍ وَهُوَ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فَلَا يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِي الشَّفَةِ وَلَوْ مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ الْعَطَشَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُحْرَزًا فِي الْأَوَانِي فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي يَخَافُ الْهَلَاكَ مِنْ الْعَطَشِ أَنْ يُقَاتِلَ صَاحِبَ الْمَاءِ بِالسِّلَاحِ عَلَى الْمَنْعِ وَلَكِنْ يُقَاتِلُهُ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ كَذَا فِي الْكَافِي.
هَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ كَثِيرٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مِقْدَارَ مَا يَرُدُّ رَمَقَهُمَا أَوْ كَانَ يَكْفِي لِأَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ يَرُدُّ رَمَقَهُمَا كَانَ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْبَعْضَ وَيَتْرُكَ الْبَعْضَ وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِي إلَّا لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَتْرُكُ الْمَاءَ لِلْمَالِكِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
(وَأَمَّا الْكَلَأُ فَعَلَى أَوْجُهٍ) أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَالنَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءُ فِي الِاحْتِشَاشِ وَالرَّعْيِ كَالشَّرِكَةِ فِي مَاءِ الْبِحَارِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ نَبَتَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إنْبَاتٍ لَا يَمْنَعُهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ الدُّخُولِ فِي أَرْضِهِ لِأَجْلِ الْكَلَأِ قَالَ مَشَايِخُنَا إذَا وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَبَيْنَ مَنْ يُرِيدُ الْكَلَأَ إنْ كَانَ الْمُرِيدُ لِلْكَلَأِ يَجِدُ الْكَلَأَ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يُقَالُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الْكَلَأَ أَوْ تَأْذَنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فَيَأْخُذُ حَقَّهُ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. .
وَأَمَّا مَا أَنْبَتَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِأَنْ سَقَى أَرْضَهُ وَكَرَبَهَا لِيُنْبِتَ فِيهَا الْحَشِيشَ لِدَوَابِّهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِرِضَاهُ لِأَنَّهُ كَسْبُهُ وَالْكَسْبُ لِلْمُكْتَسِبِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَلَوْ دَخَلَ إنْسَانٌ أَرْضَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَاحْتَشَّ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ سَقَاهُ وَقَامَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ أَيْضًا وَعَنْ مَشَايِخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إذَا قَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَسَقَاهُ فَقَدْ مَلَكَهُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ إنْ احْتَشَّهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا نَبَتَ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْحَشِيشِ إلَّا إذَا قَطَعَهُ فَحَزَمَهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِمَّنْ أَخَذَ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْمَرَاعِي فَإِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ فِي جَوَازِهِ فَإِنَّهُ يُؤَاجِرُ قِطْعَةً مِنْ أَرْضِهِ مَعْلُومَةً ثُمَّ يُبِيحُ لَهُ كَلَأَهُ كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
ثُمَّ تَفْسِيرُ الْكَلَأِ كُلُّ مَا يَنْجُمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَيْ يَنْبَسِطُ وَيَنْتَشِرُ وَلَا يَكُونُ لَهُ سَاقٌ فَهُوَ كَلَأٌ وَمَا كَانَ لَهُ سَاقٌ فَهُوَ شَجَرٌ فَعَلَى هَذَا قَالُوا الشَّوْكُ الْأَحْمَرُ وَالشَّوْكُ الْأَبْيَضُ يُقَالُ لَهُ الْغَرْقَدُ مِنْ الشَّجَرِ لَا مِنْ الْكَلَأِ حَتَّى لَوْ نَبَتَ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ وَأَخَذَ غَيْرُهُ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْهُ فَأَمَّا الشَّوْكُ الْأَخْضَرُ اللَّيِّنُ تَأْكُلُهُ الْإِبِلُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّوَادِرِ فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ جَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَأِ وَفِي رِوَايَةٍ جَعَلَهُ مِنْ الشَّجَرِ وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ بَلْ أَرَادَ بِمَا قَالَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَأِ مَا يَنْبَسِطُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَلَا يَكُونُ لَهُ سَاقٌ وَأَرَادَ بِمَا قَالَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الشَّجَرِ إذَا كَانَ لَهُ سَاقٌ فَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ إذَا نَبَتَ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ فَهُوَ مِلْكُهُ وَلَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ النَّاسِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَالشَّوْكُ وَالشَّرَكُ كَالْكَلَأِ وَالْقِيرِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْفَيْرُوزَجِ كَالشَّجَرِ وَمَنْ أَخَذَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ضَمِنَ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ الْحَطَبُ فِي الْمُرُوجِ وَهِيَ مِلْكٌ لِرَجُلٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَطِبَهَا إلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْتَطِبَ وَإِنْ كَانَ يُنْسَبُ إلَى قَرْيَةٍ وَأَهْلِهَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي الْكُبْرَى وَإِنْ كَانَ يُنْسَبُ ذَلِكَ إلَى قَرْيَةٍ وَإِلَى أَهْلِهَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْتَطِبَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ مِلْكُهَا وَكَذَلِكَ الزِّرْنِيخُ وَالْكِبْرِيتُ وَالثِّمَارُ فِي الْمُرُوجِ وَالْأَوْدِيَةِ كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
الْمُحْتَطِبُ يَمْلِكُ الْحَطَبَ بِنَفْسِ الِاحْتِطَابِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَشُدَّهُ وَيَجْمَعَهُ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ الْمِلْكُ وَالسَّاقِي مِنْ الْبِئْرِ لَا يَمْلِكُ بِنَفْسِ مِلْءِ الدَّلْوِ حَتَّى يُنَحِّيَهُ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
لَوْ كَانَ فِي