المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل من الدعاء مختصر - الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

[ابن الطقطقي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المحقق

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌الفصل الأول في الأمور السّلطانيّة والسّياسات الملكيّة

- ‌فصل من الدّعاء مختصر

- ‌الدولة الأولى: دولة الأربعة وهم المعروفون بالخلفاء الراشدين

- ‌شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل الاختصار

- ‌شرح كيفية ذلك

- ‌شرح مبدإ الحال في انتقال الملك من الأكاسرة إلى العرب

- ‌شرح الحال في تحيّز الجيش إلى العراق واستخلاص الملك من الفرس

- ‌ذكر طرف مستملحة وقعت حينئذ

- ‌ذكر ما آلت إليه حال يزدجرد

- ‌شرح كيفيّة تدوين الدّواوين

- ‌شرح مبدإ وقعة الجمل وكيفية الحال في ذلك

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك

- ‌حديث الخوارج وما كان منهم وما آلت بهم الحال إليه

- ‌كرامة لأمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه

- ‌وفاة الأربعة

- ‌وفاة أبي بكر- رضي الله عنه

- ‌مقتل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه

- ‌ذكر الشّورى وصفة الحال في ذلك

- ‌مقتل عثمان بن عفّان

- ‌مقتل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام

- ‌الدولة الثانية: الدولة الأموية وهي التي تسلّمت الملك من الدولة الأولى

- ‌ذكر شيء من سيرة معاوية، ووصف طرف من حاله

- ‌كلام في معنى البريد

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه يزيد

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك على وجه الاختصار

- ‌شرح كيفية وقعة الحرّة

- ‌شرح كيفيّة غزو الكعبة

- ‌ثم ملك بعده ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية

- ‌شرح كيفية ذلك على وجه الاختصار

- ‌ثمّ ملك ابنه عبد الملك بن مروان

- ‌ثمّ ملك ابنه الوليد

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه سليمان بن عبد الملك

- ‌ثمّ ملك بعده عمر بن عبد العزيز بن مروان

- ‌ثمّ ملك بعده يزيد بن عبد الملك

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه هشام بن عبد الملك

- ‌شرح مقتل زيد بن عليّ بن الحسين إمام الزيديّة رضي الله عنه

- ‌ثمّ ملك بعده الوليد بن يزيد بن عبد الملك

- ‌ثمّ ملك بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان

- ‌ثمّ ملك بعده مروان بن محمّد بن مروان

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك على سبيل الاختصار

- ‌[الكلام على الدولة العباسية]

- ‌ذكر انتقال الملك من بني أميّة إلى بني العبّاس

- ‌شرح ابتداء أمر أبي مسلم الخراسانيّ ونسبه

- ‌مقدّمة أخرى قبل الخوض فيها

- ‌وها هنا موضع حكاية

- ‌شرح ابتداء الدولة العباسيّة

- ‌شرح كيفيّة الوقعة بالزّاب وخذلان مروان وانهزامه

- ‌شرح مقتل مروان الحمار [3]

- ‌وهي التي تسلمت الملك من الدولة الأموية

- ‌أول خليفة ملك منهم: السفّاح

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌ذكر شيء من سيرته ومقتله

- ‌ذكر وزارة خالد بن برمك وشيء من سيرته

- ‌ثمّ ملك بعد أخوه أبو جعفر المنصور

- ‌شرح كيفيّة الحال في بناء بغداد

- ‌ذكر السّبب في فعل المنصور ما فعل ببني الحسن عليهم السلام

- ‌شرح خروج النّفس الزكيّة

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك على سبيل الاختصار

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك على سبيل الاختصار

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح كيفيّة خلع عيسى بن موسى

- ‌شرح السّبب في بنائها

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي أيّوب الموريانيّ للمنصور

- ‌مكرمة

- ‌ذكر القبض على أبي أيّوب سليمان الموريانيّ

- ‌وزارة الربيع بن يونس للمنصور

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه محمّد المهديّ

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي عبيد الله معاوية بن يسار للمهديّ

- ‌وزارة أبي عبيد الله يعقوب بن داود للمهديّ

- ‌شرح السّبب في القبض عليه وكيفيّة ما جرى

- ‌وزارة الفيض بن أبي صالح للمهديّ

- ‌انقضت أيّام المهديّ ووزرائه ثمّ ملك بعده ابنه موسى الهادي

- ‌شرح كيفيّة الوقعة بفخّ

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة إبراهيم بن ذكوان الحرّانيّ للهادي

- ‌خلافة هارون الرّشيد

- ‌شرح كيفيّة الحال في خروج يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ- بن أبي طالب عليه السلام

- ‌شرح الآية التي ظهرت في قضيّة يحيى بن عبد الله

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌شرح أحوال الدّولة البرمكيّة وذكر مبدئها ومآلها

- ‌ذكر وزارة يحيى بن خالد للرّشيد

- ‌سيرة ولده الفضل بن يحيى

- ‌سيرة جعفر بن يحيى البرمكيّ

- ‌أمارة تدلّ على انحراف دولتهم

- ‌شرح السّبب في نكبة البرامكة وكيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح مقتل جعفر بن يحيى والقبض على أهله

- ‌وزارة أبي العبّاس الفضل بن الرّبيع

- ‌ثمّ ملك الأمين: محمّد بن زبيدة

- ‌شرح الفتنة بين الأمين والمأمون

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه عبد الله المأمون

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة ذي الرّئاستين الفضل بن سهل للمأمون

- ‌وزارة أخيه الحسن بن سهل للمأمون

- ‌وزارة أحمد بن أبي خالد الأحول للمأمون

- ‌وزارة أحمد بن يوسف بن القاسم للمأمون

- ‌وزارة أبي عباد ثابت بن يحيى بن يسار الرازيّ للمأمون

- ‌وزارة أبي عبد الله محمّد يزداد بن سويد للمأمون وهو آخر وزرائه

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه المعتصم أبو إسحاق محمّد

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح السّبب في بناء سامرّا وكيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أحمد بن عمّار بن شاذي للمعتصم

- ‌وزارة محمّد بن عبد الملك الزيّات للمعتصم

- ‌ثمّ ملك بعده هارون الواثق بويع سنة سبع وعشرين ومائتين

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه جعفر المتوكّل

- ‌شرح مقتله على سبيل الاختصار

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي جعفر محمّد بن الفضل الجرجرائي للمتوكّل

- ‌وزارة عبيد الله بن يحيى بن خاقان

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه محمّد المنتصر

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أحمد بن الخصيب للمنتصر

- ‌ثمّ ملك بعده المستعين وهو أحمد بن المعتصم

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي صالح بن محمّد بن يزداد

- ‌ثمّ ملك بعده المعتزّ باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة الإسكافيّ للمعتزّ

- ‌وزارة أبي موسى عيسى بن فرخان شاه للمعتزّ

- ‌وزارة أبي جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباريّ للمعتزّ

- ‌ثمّ ملك بعده المهتدي باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة سليمان بن وهب بن سعيد للمهتدي

- ‌ثمّ ملك بعده المعتمد على الله

- ‌شرح حال صاحب الزنج ونسبه وما آل أمره عليه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان للمعتمد

- ‌وزارة الحسن بن مخلد للمعتمد

- ‌وزارة أبي الصّقر إسماعيل بن بلبل

- ‌وزارة أحمد بن صالح بن شيرزاد القطربّلي للمعتمد

- ‌وزارة عبيد الله بن سليمان بن وهب للمعتمد

- ‌ثمّ ملك بعده المعتضد ابن أخيه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه المكتفي باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة العبّاس بن الحسن

- ‌ثمّ ملك بعده المقتدر باللَّه

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح حال الدّولة العلويّة وابتدائها وانتهائها على سبيل الاختصار

- ‌شرح ابتداء هذه الدّولة

- ‌شرح انتهائها

- ‌رجعنا إلى تتمة خلافة المقتدر

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة ابن الفرات

- ‌وزارة الخاقانيّ

- ‌وزارة عليّ بن عيسى للمقتدر

- ‌وزارة حامد بن العبّاس

- ‌وزارة أبي القاسم عبيد الله بن محمّد بن عبيد الله ابن يحيى بن خاقان

- ‌وزارة أبي العبّاس أحمد بن عبيد الله بن أحمد ابن الخصيب للمقتدر

- ‌وزارة أبي عليّ محمّد بن عليّ بن مقلة للمقتدر

- ‌وزارة أبي القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد للمقتدر

- ‌وزارة أبي القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانيّ للمقتدر

- ‌وزارة الحسين بن القاسم بن عبيد الله ابن سليمان بن وهب للمقتدر

- ‌وزارة أبي الفضل جعفر بن الفرات

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه القاهر

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌شرح حال دولة آل بويه وابتدائها وانتهائها

- ‌ثمّ ملك بعد القاهر ابن أخيه الراضي باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة عبد الرحمن بن عيسى بن الجرّاح

- ‌وزارة أبي جعفر بن محمّد بن القاسم الكرخيّ للرّاضي باللَّه

- ‌وزارة سليمان بن الحسن بن مخلد للراضي باللَّه

- ‌وزارة أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات للراضي باللَّه

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه المتّقي باللَّه أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة أبي عبد الله البريديّ للمتّقي

- ‌وزارة أبي إسحاق محمّد بن إبراهيم الإسكافيّ المعروف بالقراريطي للمتّقي

- ‌وزارة البريديّ مرّة ثانية

- ‌وزارة أبي العبّاس أحمد بن عبيد الله الأصفهانيّ للمتقي

- ‌وزارة أبي الحسن عليّ بن أبي عليّ بن مقلة للمتّقي

- ‌ثمّ ملك بعده أبو القاسم عبد الله المستكفي ابن المكتفي بن المعتضد

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌ثمّ ملك بعده المطيع للَّه أبو القاسم الفضل بن المقتدر

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه عبد الكريم أبو بكر الطّائع لأمر الله

- ‌ثمّ ملك بعده القادر أبو العبّاس أحمد ابن إسحاق بن المقتدر

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله

- ‌شرح حال الدّولة السلجوقيّة وابتدائها وانتهائها

- ‌ذكر ابتداء حالهم

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة ابن جهير

- ‌وزارة رئيس الرّؤساء عليّ بن الحسين بن أحمد ابن محمّد عمر بن المسلمة

- ‌ثمّ ملك بعده ابن ابنه المقتدي بأمر الله

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة ابنه عميد الدّولة محمّد بن محمّد ابن محمّد بن جهير للمقتدي

- ‌وزارة أبي شجاع ظهير الدين محمّد بن الحسين الهمذانيّ للمقتدي

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه المستظهر باللَّه أبو العبّاس أحمد

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي المعالي هبة الله بن محمّد ابن المطّلب للمستظهر

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه المسترشد أبو منصور الفضل بن المستظهر باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة الشريف أبي القاسم عليّ بن طراد الزّينبيّ

- ‌وزارة الوزير أبي نصر أحمد بن الوزير نظام الملك للمسترشد

- ‌وزارة أنوشروان خالد بن محمّد القاشانيّ للمسترشد

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه الرّاشد باللَّه أبو جعفر منصور بن المسترشد

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌ثمّ ملك بعده عمّه المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمّد بن المستظهر

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة نظام الدّين أبي نصر المظفّر بن محمّد ابن جهير البغداديّ للمقتفي

- ‌وزارة مؤتمن الدّولة أبي القاسم عليّ ابن صدقة للمقتفي

- ‌وزارة عون الدّين أبي المظفّر يحيى بن هبيرة للمقتفي

- ‌ثمّ ملك بعده المستنجد باللَّه المظفّر يوسف

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة ولده محمّد بن يحيى بن هبيرة

- ‌وزارة شرف الدّين أبي جعفر محمّد بن أبي الفتح بن البلديّ للمستنجد باللَّه

- ‌ثمّ ملك بعده ولده المستضيء أبو محمّد الحسن بن المستنجد باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة ظهير الدّين أبي بكر منصور بن أبي القاسم نصر بن العطّار

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه الإمام الناصر لدين الله أبو العبّاس أحمد بن المستضيء بأمر الله

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة جلال الدين أبي المظفّر عبيد الله

- ‌وزارة معزّ الدين سعيد بن عليّ بن جديدة الأنصاريّ

- ‌وزارة مؤيّد الدين أبي المظفّر محمّد ابن أحمد بن القصّاب

- ‌وزارة السيّد نصير الدين ناصر بن مهديّ العلويّ الرازيّ للناصر

- ‌وزارة مؤيّد الدين محمّد بن عبد الكريم برز [2] القمّي للناصر

- ‌ثمّ ملك بعده ولده أبو نصر محمّد الظاهر بأمر الله ابن الناصر لدين الله

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌ثمّ ملك بعده ولده أبو جعفر المنصور المستنصر باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة نصير الدّين أبي الأزهر أحمد ابن محمّد بن الناقد

- ‌ثمّ ملك بعده ولده أبو أحمد عبد الله المستعصم باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة مؤيّد الدين أبي طالب محمد بن أحمد بن العلقميّ

الفصل: ‌فصل من الدعاء مختصر

‌فصل من الدّعاء مختصر

اللَّهمّ إني أبرأ إليك من حولي وقوتي، وألجأ إلى حولك وقوّتك، أحمدك على أن أوجدتني من العدم، وفضّلتني على كثير من الأمم، وجعلت في يدي زمام خلقك واستخلفتني على أرضك. اللَّهمّ فخذ بيدي في المضايق واكشف لي وجوه الحقائق ووفقني لما تحب، واعصمني من الزلل، ولا تسلب عني ستر إحسانك وقني مصارع السوء واكفني كيد الحساد وشماتة الأضداد، والطف بي في سائر متصرفاتي، واكفني من جميع جهاتي. يا أرحم الراحمين!! ويحسن بالملك الفاضل إكرام فضلاء رعيّته واختصاصهم بالبرّ. قال بعض الحكماء: لا يجوز أن يكون الفاضل من الرجال إلّا مع الملوك مكرّما، أو مع النسّاك متبتّلا [1]، كالفيل لا يحسن أن يرى إلّا في موضعين: إما في البرّية وحشيا وإما للملوك مركبا. كما قال الشاعر:

كمثل الفيل إمّا عند ملك

وإمّا في مراتعه منيعا

(وافر) ومما يكره للملك: مخالطة الأنذال والسوقة والجهال فإنّ سماع ألفاظهم الساقطة ومعانيهم المرذولة، وعباراتهم الدنية، مما يحط الهمّة ويضع المنزلة، ويصدئ القلب ويزري [2] بالملك. ومخالطة الأشراف ومعاشرة أفاضل الرّجال، مما يعلي الهمّة ويذكي القلب، ويفتق الذهن ويبسط اللسان. وتلك قاعدة مطّردة للملوك، ما زالوا يدخلون إليهم عوام الرعيّة ويعاشرونهم ويستخدمونهم، ولم يخل أحد من الخلفاء من مثل هذا وكأن لسان حالهم يقول: نحن نخلّي الكبار كبارا، فإذا اختصصنا عاميا نوّهنا بذكره وقدّمناه حتى يصير من الخواص. كما أننا إذا أعرضنا [3] عن أحد من الخواص أرذلناه حتى يصير من أراذل العوام.

[1] متبتّلا: ممعنا في العبادة والإخلاص للخالق. منقطعا للعبادة والتّسبيح.

[2]

يزري: يحط بالمقدار.

[3]

أعرضنا: تركنا وأهملنا.

ص: 42

وكذلك هو، فإنّ هذه خاصيّة من خواصّ الملك، وقد سبق ذكرها وكل هذا مأخوذ من الخواصّ الإلهية، فإنّ العناية الإلهية إذا صدرت ذرّة منها إلى النفوس، صار ذلك الإنسان نبيّا أو إماما أو ملكا. وإذا صدرت في حقّ الزمان صار ذاك اليوم يوم العيد الكبير، وليلة القدر، وأيّام الحج، وأيّام المواسم والزيارات لسائر الأمم، وإذا صدرت تلك الذرّة في حقّ المكان، صار بيت مكّة، والبيت المقدّس والمشاهد والجوامع والزيارات والمتعبّدات، ومواضع التقرّبات.

وها هنا موضع حكاية: كان ببغداد حمّال يقال له: عبد الغني بن الدّرنوس فتوصّل في أيام المستنصر [1] حتى صار برّاجا [2] في بعض أبراج دار الخليفة، فما زال يحسن التوصّل إلى ولد المستنصر وهو المستعصم آخر الخلفاء، وكان في زمن أبيه محبوسا فما زال هذا البرّاج يتعهده بالخدمة طول مدة الأيام المستنصرية إلى أن توفي المستنصر وجلس على سرير الخلافة ولده أبو أحمد عبد الله المستعصم، فعرف لهذا البرّاج حقّ الخدمة، ورتبة متقدم البرّاجين، وفي آخر الأمر استحبّه في باطن داره، واختصّه وقدّمه حتى بلغ إلى أنه صار إذا دخل إلى الوزير ينهض له، ويخلي المجلس من جميع الناس، إذا كان ابن الدرنوس حاضرا وسبب إخلاء المجلس الوزيريّ عند حضور ابن الدّرنوس أنه يمكن أن يكون قد جاء في مشافهة من عند الخليفة. ولقّب: نجم الدين الخاص، وصار من أخصّ الناس بالخليفة. وبلغ من منزلته أنه كان يتعصّب لصاحب الديوان يعرض مطالعاته ومهامّه على يد نجم الدين الخاصّ، وكان يمدّه في كلّ سنة بمال طائل حتى يحفظ غيبه، ويزكّيه في الحضرة الخليفية. وجرى بيني وبين جمال الدين علي بن محمد الدّستجرداني- رحمه الله كلام في معنى هذا ابن الدّرنوس، فصوّبت أنا رأي المستعصم في الإحسان إليه، وقلت: إنّه خدمه وأثبت عليه حقا، وقد كافأه فلا عيب في هذا. وقال جمال الدين- رحمه الله ما معناه: إن تسليطه لمثل ذلك

[1] المستنصر: الخليفة العباسي قبل الأخير من خلفاء بغداد. وهو أبو المستعصم. كانت خلافته/ 623- 640/ هـ.

[2]

البرّاج: آمر برج الحراسة في القصر الخلافي.

ص: 43

الأحمق على أعراض الناس وأموالهم، وإدخاله في المملكة حتى كاد أن يوّلي الوزراء ويعزلهم، قبيح من المستعصم ودليل على جهله، وإلّا فإن كان مراده الإحسان إليه مكافأة له على سابق خدمته، فقد كان يحب أن يكون ذلك بمال يعطاه أو برفع منزلة لا يختلّ بسببها أمر في المملكة ولا يتطرّق بها قدح في عقل الخليفة، وكان نظر جمال الدين في هذا المعنى أدقّ من نظري، والحقّ في جانبه- رحمه الله وكانت هذه المفاوضة بيني وبينه في كتاب كتبته فيه اقتضى الحال ذكر هذه القضية وكتب هو الجواب عنه، وأعاد كتابي إليّ لأني التمست منه إعادة كتابي، والكتابان هما في هذا التاريخ عندي بخطّي وخطّه رحمه الله.

وممّا يليق بالملك ويكمل فضله: أن يكون عالي الهمّة رحيب الصّدر محبّا للرئاسة معدا لها أسبابها، طامح البصر إليها معملا فكره في توسيع مملكته وعلوّ درجته، غير مخلد إلى التنعّم ولا جانح إلى الترف، ولا منهمك في اللّذات. قال بعض حكماء الفرس: همم النّاس صغار، وهمم الملوك كبار. وألباب الملوك مشغولة بكلّ شيء عظيم وألباب السّوقة [1] مشغولة بأيسر الأشياء. وليعلم الملك أن الرئاسة عروس مهورها الأنفس. نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين علي- عليه السلام في صفّين [2] فالتفت إلى عمرو بن العاص وقال: من يطلب عظيما يخاطر بعظيم. وإني نظرت فيما أحاول فإذا الموت في طلب العزّ، أحسن عاقبة من الحياة مع الذلّ، قال بعض الشعراء:

هي النفس إن ماتت فقد مات قبلها

كرام وإن تسلم فللحدثان

إذا النّفس لم تشره إلى طلب العلا

فتلك من الأموات في الحيوان

(طويل) ومن الغاية في المعنى قول امرئ القيس:

ولو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة

كفاني- ولم أطلب- قليل من المال

ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل

وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي

[1] السّوقة: عوّام الناس، نقيض الملوك والخواصّ.

[2]

صفّين: موقع وشريعة ماء جرت فيه المعركة المشهورة بين أنصار عليّ بن أبي طالب، وأنصار معاوية بن أبي سفيان وانتهت المعركة إلى التحكيم عام/ 37/ هـ.

ص: 44

ومما يكمل فضيلة الملك: أن تكون قوّة الاختيار عنده سليمة لم تعترضها آفة فيكون يختار الرجال اختيارا فاضلا، كان الناصر [1] آية الدنيا في اختيار الرجال فكان من توصّلاته إلى معرفة الرّجل إن أشكل عليه، أن يشيع بين الناس أنّه يريد أن يوليه المنصب الفلانيّ، ثم يتمادى في إبرام ذلك أيّاما، فيمتلئ البلد بالأراجيف، لذلك الرجل فيفترق فيه الناس: فقوم يصوّبون ذلك الرأي ويصفون فضائل الرجل، وقوم يغلّطون الخليفة ويذكرون عيوب الرجل، وللخليفة عيون وأصحاب أخبار لا يؤبه لهم، يخالطون أصناف الناس، فيكتب أصحاب الأخبار إليه بما الناس فيه من الغليان في ذلك، فيعرف بصحّة نظره وتمييزه أيّ القولين أرجح وأصوب، فإن رجح في نظره تفضيل الرجل، ولّاه وخلع عليه، وإن ترجّح عنده قول الطاعنين عليه وتبيّن له نقصه، تركه وأعرض عنه وفي الجملة فحسن الاختيار أصل عظيم، قال الشاعر:

من كان راعيه ذئبا في حلوبته [2]

فهو الّذي نفسه في أمره ظلما

يرجو كفايته والغدر عادته

ومن يرد خائنا يستشعر النّدما

(بسيط) ومما يكره للملوك: المبالغة في الميل إلى النساء، والانهماك في محبّتهنّ، فأمّا مشاورتهنّ في الأمور: فمجلبة للعجز، ومدعاة إلى الفساد، ومنبهة [3] على ضعف الرّأي اللَّهمّ إلا أن تكون مشاورتهن يراد بها مخالفتهن، كما قال- عليه السلام:«شاوروهنّ وخالفوهن» وفي هذا الحديث سؤال وجواب.

إن قال قائل: إذا كان المراد مخالفتهن في آرائهن فأي فائدة في الأمر بمشاورتهن وقد كان يكفي في هذا أن يقال خالفوهن فيما يشرن به؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الأمر الأول للإباحة، والأمر الثاني للوجوب. يعني إذا شاورتموهن فخالفوهن. والآخر: أن الصواب لا يزال في خلاف آرائهن، فإذا أشكل

[1] الناصر: أبو العباس أحمد بن المستضيء. تولى الخلافة العباسية في بغداد/ 575- 622/.

[2]

الحلوبة: الأغنام والأنعام التي تحلب، وقد استعارها الشاعر للرعايا من البشر.

[3]

منبهة: دليل.

ص: 45

عليكم الصّواب فشاوروهنّ فإذا ملن إلى شيء فاعلموا أن الصواب في خلافه. وفي هذا تظهر فائدة الأمر بمشاورتهن يعني بها يستدلّ على الصّواب. وحدث أن عضد الدولة [1] فنا خسرو بن بويه شغفته امرأة من جواريه حبّا، فاشتغل بها عن تدبير المملكة، حتّى ظهر الخلل في مملكته، فخلا به وزيره وقال له: أيها الملك: انّ هذه الجارية قد شغلتك عن مصالح دولتك حتّى لقد تطرق النّقص عليها من عدّة جهات، وما سبب ذلك الا اشتغالك عن إصلاح دولتك بهذه الأمة، والصّواب أن تتركها وتلتفت إلى إصلاح ما قد فسد من مملكتك قال: فبعد أيام جلس عضد الدولة على مشترف له على دجلة، ثم استدعى الجارية فحضرت، فشاغلها ساعة حتى غفلت عن نفسها، ثم دفعها إلى دجلة فغرقت وتفرغ خاطره من حبها، واشتغل بإصلاح أمور دولته، فاستعظم النّاس هذا الفعل من عضد الدولة، ونسبوه فيه إلى قوّة النفس، حين قويت نفسه على قتل محبوبته.

وأنا أستدلّ بهذا الفعل على ضعف نفس عضد الدولة لا على قوّتها، فإنه لو لم يحس من نفسه بالانفعال العظيم لحبّها، لما توصّل إلى إعدامها، ولو تركها حيّة ثم أعرض عنها لكان ذلك هو الدليل على قوّة نفسه.

ولكلّ صنف من الرعية صنف من السياسة فالأفاضل يساسون بمكارم الأخلاق والإرشاد اللطيف، والأوساط يساسون بالرّغبة الممزوجة بالرهبة، والعوامّ يساسون بالرّهبة، وإلزامهم الجدد [2] المستقيم، وقسرهم [3] على الحقّ الصّريح.

واعلم أن الملك لرعيته كالطبيب للمريض: إن كان مزاجه لطيفا لطّف له التدبير ودسّ له الأدوية المكروهة في الأشياء الطيّبة، وتحيّل عليه بكلّ ممكن حتى يبلغ غرضه من برئه، وإن كان مزاجه غليظا عالجه بمرّ العلاج وصريحه وشديدة. ولذلك لا ينبغي للملك أن يتهدّد من يكفى في تأديبه الإعراض والتقطيب،

[1] عضد الدولة: اسمه فنّا خسرو، أعظم ملوك بني بويه المتنفذين في بغداد، مدحه الشاعر المتنبي واستوزر الصاحب ابن عبّاد. توفي 372 هـ.

[2]

الجدد: الجادّة المستقيمة.

[3]

القسر: الإرغام والإجبار.

ص: 46

وكذلك لا ينبغي أن يحبس من يكفي في تأديبه التّهديد، كما أنه لا ينبغي أن يضرب من يكفي في تأديبه الحبس، ولا أن يقتل بالسيف من يكفي في تأديبه ضرب العصا وتمييز هذه الحالات، بعضها من بعض أعني معرفة المزاج الّذي يكفي فيه التهديد ولا يحتاج إلى الحبس. أو يكفي فيه الحبس ولا يحتاج إلى الضّرب- يحتاج إلى لطف حدس وصحّة تمييز وصفاء خاطر ويقظة تامّة وفطانة كاملة. فما أشدّ ما تتشابه الأخلاق. وتلتبس الأمزجة والطّباع.

ويجب على الملك أن ينظر في أمر القتل وإزهاق النفس، فيعلم أنّه الحادث الّذي لا حياة للحيوان بعده في الدنيا، وأنه لو اجتهد أهل الأرض كلّهم على إعادته إلى الحياة لم يقدروا على ذلك. وبحسب هذا الحال، يجب أن يكون تثبّته في إزهاق النّفس وهدم الصّورة وتأنيّه وتروّيه، حتى تقوم الأدلّة على وجوب القتل، فإذا وجب استعمله على الوضع المعهود، من غير تأنّق فيه وتنوّع غريب، وتمثيل بالمقتول. ورد عن سيد البشر- صلوات الله عليه وسلامه-:«إياكم والمثلة [1] ولو بالكلب العقور [2] » . لما ضرب ابن ملجم- لعنه الله- عليّ بن أبي طالب بالسيف قبض ابن ملجم وحبس حتّى ينظر ما يكون من أمر عليّ- عليه السلام فجمع عليّ ولده وخاصّته وقال: يا بني عبد المطّلب- لا تجتمعوا من كلّ صوب تقولون قتل أمير المؤمنين لا تمثّلوا [3] بالرجل، فإنّي سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم ينهى عن المثلة ولو بالكلب العقور. وانظروا إذا أنا متّ من ضربي، فاضربوا الرجل ضربة بضربة [4] .

ومن فوائد التأني والتثبّت في القتل. الأمن من النّدم حين لا يجدي النّدم.

[1] المثلة: القتل مع التنكيل وتشويه الجثّة.

[2]

الكلب العقور: الهائج للعضّ.

[3]

لا تمثّلوا بالرّجل: لا تقتلوه قتلة المتشفّي مع التنكيل.

[4]

ذكر واقعة اغتيال الإمام عليّ وارد في موضع لاحق.

ص: 47

كان أفاضل الملوك والخلفاء يستعملون هذه الخصلة كثيرا، فلا يسرعون إلى قتل رجل معروف مشهور، خوفا أن يحتاجوا إليه بعد ذلك، فيتعذر عليهم بل كانوا يحبسونه في غوامض دورهم، ويقيمون له كلّ ما يحتاج إليه من أطعمة شهيّة، وفواكه وثلج وأشربة وفرش وثير، ويحملون إليه كتبا يلهو بها ويقطعون خبره عن الناس، حتى يثبت في نفوس أهله وأصحابه أنّه قد هلك، ثمّ تستصفى أمواله وأموال أصحابه، وتستخرج ذخائره وودائعه، ويصير في عداد الموتى. فلا يزال كذلك، حتّى تدعوهم الحاجة إليه فيخرجوه مكرما وقد تأدب وتهذّب.

من لم يؤدّبه والداه

أدّبه الليل والنّهار

(منسرح) وهاهنا مزلّة ربما وقع فيها أفاضل الملوك، وهي أن بعض الملوك ربّما كان معجبا بنفسه، محبّا لأن ينتشر عنه حديث صرامة وشهامة، وسياسة قاهرة.

فيستهين بالقتل ويسهّل أمره ويبادر إليه. وغرضه إثبات الهيبة وإقامة السياسة، من غير التفات إلى ما في طيّ ذلك من إزهاق النفس، التي حرّمت إلا بالحق. وهذا من أخطر الأمور على الملك والصّواب ألا يزال في نفسه كارها للقتل، صادفا عنه مهما أمكن، حتّى تدعو إليه ضرورة ليس فيها حيلة، فحينئذ يقدم عليه بنفس قوية وجنان ثابت. فإنّ قتل واحد أصلح من تركه حتى يحتاج إلى قتل خمسة، وقتل خمسة خير من تركهم حتى يدبّ فسادهم حتى تبلغ الحاجة إلى قتل مائة، ومن أجل ذلك قال الله تعالى: وَلَكُمْ في الْقِصاصِ حَياةٌ 2: 179 [1] وقيل: القتل أنفى للقتل. قال الشاعر:

بسفك الدما يا جارتي تحقن الدّما

حتى يراق على جوانبه الدم [2]

(طويل)

[1] سورة البقرة، الآية/ 179/.

[2]

صواب البيت.

بسفك الدّما يا جارتي تحقن الدّما وبالقتل تنجو كلّ نفس من القتل انظر طبعة بيروت ص 43، ورحما ص 3. وألما ص 53.

ص: 48

وقال المتنبي:

لا يسلم الشّرف الرفيع من الأذى

حتّى يراق على جوانبه الدّم

(كامل) أوصى بعض الحكماء بعض الملوك قال: أيّها الملك، إنّما هو سيفك ودرهمك فازرع بهذا من شكرك، واحصد بهذا من كفرك. جاء رجل الى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وقال له يا رسول الله خذ الحدّ مني. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفت إلى يمينه، فدار الرجل حتى حاذاه وأعاد القول فأعرض- عليه السلام عنه مرة أخرى، فعاود القول والتمس أخذ الحدّ منه فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم إزهاق نفسه، والتفت إلى أهل الرجل وأصحابه كمن يعلّمهم الاعتذار عنه، وقال: كأنه متغير في عقله- قالوا يا رسول الله ما نعرفه إلّا عاقلا. فحينئذ لم يبق للنبيّ صلى الله عليه وسلم حيلة، فأمر باستيفاء الحدّ منه. والمطامير الغامضة التخليد فيها يقوم مقام القتل، مع الأمن من النّدم المخشيّ فيه. وأما أصناف العقوبات. فيجب على الملك الكامل أن ينعم النّظر فيها أيضا. فكم من عقوبة قد أتت على مهجة المعاقب، من غير أن يراد إزهاق نفسه. وأصعب ما فيها التعذيب بالنار وهي عقوبة غير مباركة، لأن العقوبة بالنار مختصّة باللَّه- عز وجل فلا يجوز للعبد أن يشاركه فيها. والنّظر في أصناف العقوبات موكل إلى نظر الملك الفاضل، وبحسب ما يقتضيه الحال الحاضر، ولكنّ الأصل الكلّي فيه، أن يكون الملك في نفسه كارها لذلك غير متحلّ به، لا يبادر إليه ولا يقدم عليه، إلا إذا دعت إليه ضرورة ماسة لا يقضى فيها حقّ نفسه، ولا يشقى بها غيظ صدره. وهذا مقام صعب لا يرتقي إليه أحد، إلا من أخذ التوفيق بيده- قيل- إنّ عليا عليه السلام صرع في بعض حروبه رجلا، ثم قعد على صدره ليحتزّ رأسه، فبصق ذلك الرّجل في وجهه، فقام علي- عليه السلام وتركه. فلما سئل عن سبب قيامه وتركه قتل الرجل، بعد التمكن منه، قال: إنه لما بصق في وجهي اغتظت منه فخفت إن قتلته أن يكون للغضب والغيظ نصيب في قتله. وما كنت أن أقتله إلا خالصا لوجه الله تعالى.

ص: 49

قال أبرويز [1] : الملوك يشتمون بالأفعال لا بالأقوال، ويسفّهون بالأيدي لا بالألسن. وقد نظم هذا المعنى شاعر العرب [2] فقال:

وتجهل أيدينا ويحلم رأينا

ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم

(طويل) ومما يكره للملك- الانهماك في اللّذات وسماع الأغاني، وقطع الزّمان بذلك قال الشاعر أبو الفتح البستي:.

إذا غدا ملك باللهو مشتغلا

فاحكم على ملكه بالويل والحرب

أما ترى الشّمس في الميزان هابطة

لمّا غدا وهو برج اللهو والطّرب

(بسيط) وما دخل الخذلان على ملك من طريق اللهو واللعب، كما دخل على جلال الدين [3] بن خوارزم شاه- فإنّه لما هرب من المغول تبعوه، فكان إذا رحل عن بلدة نزلوها بعده، وإذا أصبح في مكان أمسوا هم في المكان يريدون قصده. وهو مع ذلك مواصل لشرب الخمر، عاكف على الدفّ والزّمر، لا ينام ألّا سكران، ولا يصبح إلّا مخمورا نشوان. وعسكره في كلّ يوم يقلّ، وأمره كلّ يوم يزيد اضطرابا، ورأيه في كلّ لحظة يفيل، وحدّه يفلّ، وهو لا يشعر بذلك ولا يلتفت إليه، حتى قال شاعره يخاطبه:

شاها ز مى گواه چهـ بر خواهد، خاست

وز مستى هر زمان چهـ بر خواهد خاست

[1] أبرويز: هو كسرى أبرويز، ملك ساسانيّ احتلّ أورشليم/ 614/ م وتغلّب عليه هرقل. اغتيل في السّجن عام/ 628/ م.

[2]

شاعر العرب: لقب من لم يحضر في ذاكرة المؤلف من الشعراء.

[3]

جلال الدين خوارزم شاه: آخر ملوك الدولة الخوارزمية التي أسسها خوارزم شاه في بلاد ما وراء النهر ومن مدنها بخارى وسمرقند واجتاحها المغول بقيادة جنكيزخان وتيمور لنك وقضى عليها/ 1431/ م، حوالي/ 645/ هـ.

ص: 50

شه مست وجهان خراب ودشمن پس و پيش

پيداست كزين ميان چهـ بر خواهد خاست [1]

(دو بيت) وممن دخل عليه النقص من الملوك بسبب اللهو واللعب- محمّد بن زبيدة الأمين كان كثير اللهو واللعب منهمكا في اللذات. قيل- إنه لعب يوما هو ووزيره الفضل بن الرّبيع بالنّرد، فتراهنا في خاتميهما، فغلب الأمين فأخذ الخاتم، وأرسل في الحال وأحضر صائغا. وكان على خاتمه مكتوبا «الفضل بن الربيع» ، فقال للصائغ- اكتب تحته (يصفع) ، فنقش الصائغ ذلك في الحال، ثم أعاد الخاتم إلى الفضل بن الربيع وهو لا يعلم ما نقش عليه، ثم مضت على ذلك مدة، فبعد أيام دخل الفضل بن الربيع عليه. وهو لا يعلم ما نقش عليه فقال له- ما على خاتمك مكتوب؟ قال اسمي واسم أبي فتناوله الأمين ثم قال له- ما هذا المكتوب تحت اسمك فلمّا قرأه الفضل بن الربيع فهم القضية، وقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم، وهذا والله هو الخذلان المبين! أنا وزيرك ولي اليوم كذا وكذا يوما أختم الكتب بهذا إلى الأطراف، وهو على هذه الصفة هذا والله آخر الدولة ودمارها والله لا أفلحت ولا أفلحنا معك! فكانت الفتنة بعد ذلك بيسير.

وكان المستعصم آخر الخلفاء شديد الكلف باللهو واللّعب، وسماع الأغاني، لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة، وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين معه على التنغّم واللذّات، لا يراعون له صلاحا، وفي بعض الأمثال (الحائن لا يسمع صياحا)[2] وكتبت له الرّقاع [3] من العوامّ، وفيها أنواع التحذير، وألقيت وفيها الأشعار في أبواب دار الخلافة، فمن ذلك:

قل للخليفة مهلا

أتاك ما لا تحبّ

[1] هذا الشعر نظم على طريقة الدوبيت وقد نقله ابن طباطبا بالفارسيّة وقد حذف من طبعة بيروت ص 45، وأثبت مع الشكل في ألما ص 55. وترجمته أيها الشّاه، ماذا يستفاد من معاقرة الخمرة، ومن معاقرة الخمرة على الدوام ماذا يستفاد؟!. الشاه في سكر والعالم من حوله خراب، والأعداء محيطون بكل جانب، والعاقبة لا تخفى.

[2]

الحائن: من حان قدره فلا ينفع فيه التحذير من المصيبة.

[3]

الرّقاع: جمع رقعة وهي القطعة المكتوبة.

ص: 51

ها قد دهتك فنون

من المصائب غرب [1]

فانهض بعزم وإلّا

غشاك ويل وحرب

كسر وهتك [2] وأسر

ضرب ونهب وسلب

(مجتثّ) وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المستعصميّة، من قصيدة أوّلها:

يا سائلي ولمحض الحقّ يرتاد

أصخ فعندي نشدان وإنشاد

وا ضيعة الناس والدّين الحنيف وما

تلقاه من حادثات الدّهر بغداد

هتك وقتل وأحداث يشيب بها

رأس الوليد وتعذيب وأصفاد [3]

(بسيط) كلّ ذلك وهو عاكف على سماع الأغاني، واستماع المثالث والمثاني [4] وملكه قد أصبح واهي المباني.

ومما اشتهر عنه: أنه كتب إلى بدر الدين لؤلؤ [5] صاحب الموصل، يطلب منه جماعة من ذوي الطّرب، وفي تلك الحال وصل رسول السلطان هولاكو إليه، يطلب منه منجنيقات وآلات الحصار، فقال بدر الدين: انظروا إلى المطلوبين، وابكوا على الإسلام وأهله! وبلغني أن الوزير مؤيّد الدين محمّد بن العلقميّ [6]، كان في أواخر الدولة المستعصمية ينشد دائما:

كيف يرجى الصلاح من أمر قوم

ضيّعوا الحزم فيه أيّ ضياع

فمطاع المقال غير سديد

وسديد المقال غير مطاع

(خفيف)

[1] غرب: هنا، كثيرة دافقة.

[2]

الهتك: فضح الأعراض والأستار.

[3]

الأصفاد: القيود والسلاسل.

[4]

المثالث والمثاني: من مجالس الغناء أو منظوماتها المغنّاة.

[5]

بدر الدين لؤلؤ: أتابك الموصل في زمان المستعصم آخر خلفاء بني العباس في بغداد.

[6]

هو وزير المستعصم، استبقاه هولاكو بعد فتح بغداد، وكان حكيما أريبا.

ص: 52

قالوا: ولا ينبغي للرجل الكامل إلا أن يكون في الغاية القصوى من طلب الرّئاسة أو في الغاية القصوى من تركها:

إذا ما لم تكن ملكا مطاعا

فكن عبدا لخالقه مطيعا

وإن لم تملك الدنيا جميعا

كما تهواه فأتركها جميعا

(وافر) ها هنا موضع حكاية تشتمل على أدوات الرئاسة: قيل: ورد أبو طالب الجارحيّ الكاتب- ولم يكن في عصره أكتب ولا أفضل منه- إلى (الرّيّ)[1] قاصدا حضرة ابن العميد [2] ، فلم يجد عنده قبولا، ولا رأى عنده ما يحب، ففارقه وقصد أذربيجان وسار إلى ملكها، وكان فاضلا لبيبا، اختبره وعرف فضله، فلما سأله المقام عنده وأفضل عليه، فأقام لديه على أفضل حال، فكتب إلى ابن العميد يوبّخه على جهل حقّه وتضييعه لمثله، فمن جملة الكتاب:

حدّثني: بأيّ شيء تحتجّ إذا قيل لك، لم سمّيت الرئيس؟ وإذا قيل لك ما الرّئاسة؟ أتدري ما الرّئاسة؟ الرّئاسة، أن يكون باب الرئيس مصونا في وقت الصّون ومفتوحا في وقت الفتح، وأن يكون مجلسه عامرا بأفاضل النّاس، وخيره واصلا إلى كلّ أحد، وإحسانه فائضا، ووجهه مبسوطا، وخادمه مؤدّبا، وحاجبه كريما طلقا وبوّابه لطيفا، ودرهمه مبذولا، وطعامه مأكولا، وجاهه معرّضا، وتذكرته مسوّدة بالصلات والجوائز والصدقات، وأنت!! فبابك لا يزال مقفلا، ومجلسك خاليا وخيرك مقنوطا منه، وإحسانك غير مرجوّ، وخادمك مذموما، وحاجبك هرّارا [3] وبوّابك شرس الأخلاق، ودرهمك في العيّوق [4] ، وتذكرتك محشوّة بالقبض على فلان واستئصال [5] فلان، ونفي فلان، فباللَّه عليك هل عندك

[1] الرّيّ: مدينة كانت مزدهرة في العهد البويهي، خرّبها الفتح المغولي حوالي/ 617/ هـ.

[2]

ابن العميد: أبو الفضل محمّد ولي الوزارة لركن الدولة البويهي. أديب وشاعر. مات سجينا/ 366/ هـ.

[3]

هرّارا: عبوسا في وجه القادمين، يهرّ كالكلب.

[4]

العيّوق: أقصى البعد. نجم كالثريّا.

[5]

استئصال فلان: قتله واغتياله.

ص: 53

غير هذا؟ ولولا أن أكون قد دست بساطك، وأكلت من طعامك، لأشعت هذه الرقعة، ولكنّي أرعى لك حقّ ما ذكرت، فلا يعلم بها، إلا الله وأنت، وو الله ثمّ والله ثمّ والله، ما لها عندي نسخة ولا رآها مخلوق غيري، ولا علم بها فأبطلها أنت إذا وقفت عليها وأعدمها، والسّلام على من اتّبع الهدى.

ويجب أن يكون الملك مجازيا على الإحسان بمثله، وعلى الإساءة بمثلها لتكون رعيّته دائما راجين لبرّه، خائفين من سطوته. وما أحسن قول النابغة للنعمان بن المنذر في هذا الباب!! وهو:

ومن أطاعك فانفعه بطاعته

كما أطاعك، وادلله على الرّشد

ومن عصاك فعاقبه معاقبة

تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد [1]

(بسيط) وقالت الفرس: فساد المملكة واستجراء الرعيّة وخراب البلاد، بإبطال الوعد والوعيد. ولا يليق بالملك الفاضل أن يكون افتخاره بزخارف الملك، ممّا حوته واشتملت عليه خزائنه من نفائس الذخائر، وطرائف المقتنيات فإنّ تلك ترّهات لا حقائق لها، ولا معرّج لفاضل عليها، وكذلك لا ينبغي له أن يكون فخره بالآباء والأجداد، وإنما ينبغي أن يكون فخره بالفضائل التي حصّلها، والأخلاق التي كمّلها، والآداب التي استفادها، والأدوات التي استجادها.

افتخر بعض الأغنياء عند بعض الحكماء بالآباء والأجداد، وبزخارف المال المستفاد، فقال له ذلك الحكيم: إن كان في هذه الأشباه فخر، فينبغي أن يكون الفخر لها لا لك، وإن كان آباؤك كما ذكرت أشرافا، فالفخر لهم لا لك.

قال العسجدي: كان بعض الحكماء إذا وصف عنده إنسان يقول: هو عصامي أم عظاميّ؟ فإن قيل له: هو عصاميّ نبل في عينه. وإن قيل: هو عظامي لم يكترث به وقوله عصاميّ إشارة إلى قول القائل:

نفس عصام سوّدت عصاما

وعلّمته الكرّ والإقداما

[1] الضّمد: الظّلم.

ص: 54

وصيّرته ملكا هماما [1]

(رجز) يعني أنه بعقله وبنفسه صار رئيسا، وقوله عظاميّ يعني أنه يفتخر بالآباء والأجداد والعظام النّخرة. قال العسجديّ [2] لبعض أصحاب ابن العميد [3] ذي الكفايتين: كيف رأيت الوزير؟ فقال: رأيته يابس العود، ذميم العهود، سيّئ الظنّ بالمعبود. فقال العسجديّ: أما رأيت تلك الأبّهة والصّيت، والموكب والتجمّل الظاهر والدار الجليلة والفرش السنيّ، والحاشية الجميلة؟ فقال ذلك الرجل: الدولة غير السؤدد والسلطنة غير الكرم، والحظّ غير المجد. أين الزوّار والمنتجعون؟

وأين الآملون والشاكرون؟ وأين الواصفون الصادقون؟ وأين المنصرفون الرّاضون وأين الهبات وأين التفضلات؟ وأين الخلع والتشريفات؟ وأين الهدايا وأين الضّيافات هيهات هيهات لا تجيء الرئاسة بالتّرهات، ولا يحصل الشرف بالخزعبلات! أما سمعت قول الشاعر:

أبا جعفر ليس فضل الفتى

إذا راح، في فرط إعجابه

ولا في فراهة برذونه [4]

ولا في ملاحة أثوابه

ولكنّه في الفعال الجميل

والكرم الأشرف النّابه

(متقارب) ولمؤلّف هذا الكتاب- أصلح الله شأنه، وصانه عمّا شأنه- في هذا المعنى

ليس فضل الفتى على النّاس في ثوب

ودار وبغلة ولجام

إنّما الفضل في تفقّد جار

ونسيب وصاحب وغلام

(خفيف)

[1] عصام: حاجب الملك النعمان، والبيت المذكور من أمثال العرب للفتى الّذي يسمو بجدّه وكدّه معتمدا على نفسه وحدها.

[2]

العسجديّ: لم نعثر له على ترجمة في المراجع القريبة. ويبدو أنه متأدب في مجالس الأمراء والوزراء كابن العميد.

[3]

ابن العميد: أبو الفضل، محمّد وزير وشاعر وأديب. توفي 366 هـ.

[4]

البرذون: البغل. الدابّة من الخيول التركيّة. فراهة البرذون: نشاطه.

ص: 55

قالوا- السّياسات خمسة أنواع- سياسة المنزل، والقرية، والمدينة، والجيش والملك. فمن حسنت سياسته في منزله، حسنت سياسته في قريته. ومن حسنت سياسته في قريته، حسنت سياسته في مدينته، ومن حسنت سياسته في مدينته حسنت سياسته للجيش، ومن حسنت سياسته للجيش، حسنت سياسته للملك. وأنا لا أرى هذا لازما: فكم من عامّي حسن السّياسة لمنزله، ليس له قوة سياسة الأمور الكبار. وكم من ملك حسن السياسة لمملكته، ليس يحسن سياسة منزله والمملكة تحرس بالسيف وتدبّر بالقلم. واختلفوا في السيف والقلم أيهما أفضل وأولى بالتقديم:

فقوم يرون أن يكون القلم غالبا للسيف، واحتجوا على مذهبهم لأن السيف يحفظ القلم فهو يجري معه مجرى الحارس والخادم، وقوم يرون أن يكون السّيف هو الغالب، واحتجّوا بأن القلم يخدم السيف لأنه يحصّل لأصحاب السيوف أرزاقهم فهو كالخادم له. وقوم قالوا: هما سواء ولا غنى لأحدهما عن الآخر. قالوا المملكة تخصب بالسّخاء، وتعمر بالعدل وتثبت بالعقل، وتحرس بالشجاعة، وتساس بالرّياسة. وقالوا: الشّجاعة لصاحب الدولة. ومن وصايا الحكماء: اجعل قتال عدوّك آخر حيلتك، وانتهز الفرصة وقت إمكانها، وكل [1] الأمور إلى أكفائها.

ومن ركب ظهر العجلة لم يأمن الكبوة ومن عادى من لا طاقة له به فالرأي له مداراته وملاطفته، والتضرّع إليه حتّى يخلص من شره ببعض وجوه الخلاص.

قالوا: وينبغي للملك ملاطفة أعدائه وإخوان أعدائه فبدوام الإحسان اليهم تزول عداوتهم. وإن أصرّوا على عدوانه بعد إحسانه، كانوا قد بغوا عليه، ومن بغي عليه فلينصرنّه الله. وعظ بعض الحكماء بعض أفاضل الملوك فقال: الدّنيا دول فما كان فيها لك أتاك على ضعفك، وما كان فيها عليك لم تدفعه بقوّتك. والشرّ مخوف، ولا يخافه إلا العاقل والخير مرجو يطلبه كلّ أحد وطالما تأتّى الخير من ناحية الشرّ، وتأتّى الشرّ من جهة الخير، وهذا مأخوذ من قوله عز وجل: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 2: 216 [2]

[1] كل: فعل أمر من وكل: بمعنى أسند المنصب أو المسئوليّة.

[2]

سورة البقرة، الآية/ 216/.

ص: 56

وها هنا موضع حكاية. تقدم نور الدين [1] صاحب الشأم إلى أسد الدين شيركوه [2] عمّ صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالتوجّه إلى مصر لأمر ندبه إليه فقال أسد الدين شيركوه: يا مولانا. ما أتمكن من هذا دون أن يجيء صحبتي يوسف ابن أخي- يعني صلاح الدين- قال فتقدّم نور الدين إلى صلاح الدين بالتوجّه صحبة عمّه أسد الذين شيركوه، فاستعفاه صلاح الدين من التوجّه وقال: ليس لي استعداد. فتقدم نور الدين بإزاحة علله، وجزم عليه في التوجّه قال صلاح الدين فخرجت مع عمّي كارها وأنا كمن يقاد إلى المذبح، فلمّا وصلنا مصر وأقمنا بها مدّة، كان منّي ما كان من تملّك مصر، ثم ملكها صلاح الدين وعرضت مملكتها، وتملّك الشأم [3] وسيأتيك نبأ هذا مفصّلا مشروحا عند الكلام على الدولة الصلاحيّة إن شاء الله تعالى ووفق ما قالوا: العدوّ عدوّان، عدوّ ظلمك، وعدوّ ظلمته. فأما العدوّ الّذي ظلمته، فلا تثق إليه واحترز منه مهما أمكنك، وأما العدو الّذي ظلمك، فلا تخفه كلّ الخوف، فإنه ربما استحيا من ظلمك وندم، فرجع لك إلى ما تحبّ منه وإن أصرّ على ظلمك انتصف لك منه من إليه يلجأ المظلومون.

وربّما نفع العدوّ وضرّ الصديق! قال الإسكندر [4] : انتفعت بأعدائي أكثر مما انتفعت بأصدقائي، لأن أعدائي كانوا يعيّرونني ويكشفون لي عيوبي، وينبهونني بذلك على الخطأ فأستدركه. وكان أصدقائي يزيّنون لي الخطأ ويشجّعونني عليه وقال الشاعر:

وما ساءني إلا الذين عرفتهم

جزى الله خيرا كلّ من لست أعرف

(طويل) وقيل للإسكندر: بم نلت هذه المملكة العظيمة على حداثة السنّ؟ قال:

باستمالة الأعداء وتصييرهم بالبرّ والإحسان أصدقاء. وتعاهد الأصدقاء أعظم الإحسان وأبلغ الإكرام.

[1] نور الدين: هو ابن عماد الدين زنكي. حاكم حلب بعد اغتيال أبيه. ملك الشام ومصر وحارب الصليبيين وانتزع منهم الرّها وبانياس وضمّ إليه الموصل. توفي ودفن في دمشق، سنة/ 569/ هـ.

[2]

أسد الدين شيركوه بن شاذي، أضحى وزير العاضد الفاطمي في مصر بعد خدمته لنور الدين توفي/ 564/ هـ.

[3]

الشأم: لغة في الشّام، مثل الشام، وهي مشهورة جدّا في البلاد.

[4]

الإسكندر: هو الإسكندر المقدوني أو الكبير، من أشهر الغزاة الفاتحين لقبه ذو القرنين هزم داريوس ملك الفرس واحتلّ مصر وأسّس الإسكندرية. مات في بابل عام/ 323/ قبل الميلاد.

ص: 57

قال بعض الحكماء: لا يردّ بأس العدوّ القاهر مثل التذلّل والخضوع كما أن النبات الرّطب يسلم من الريح العاصفة بلينه، لأنه يميل معها كيف مالت. وما لهج [1] الملوك بشيء أشدّ من لهجهم بالصّيد والقنص، وهو الشيء الّذي طالما اتّفقت فيه النكت العجيبة، والطّرف الغريبة، وكان المعتصم ألهج الناس به: بنى في أرض دجيل [2] حائطا طوله فراسخ كثيرة، وكان إذا ضرب حلقة يضايقونها ولا يزالون يحدّون الصيد حتى يدخلوه وراء ذلك الحائط، فيصير بين الحائط وبين دجلة، فلا يكون للصيد مجال فإذا انحصر في ذلك الموضع دخل هو وولده وأقاربه وخواصّ حاشيته، وتأنّقوا في القتل وتفرجوا فقتلوا ما قتلوا وأطلقوا الباقي. وقيل:

إنّ المعتصم دوّغ [3] عدّة من حمر الوحوش وأطلقها، لأنّه بلغه أنّ أعمارها طويلة وها هنا موضع حكاية طريفة عجيبة: حدّثني صفيّ الدين عبد المؤمن بن فاخر الأرمويّ، قال: حدثني مجاهد الدين أيبك الدّويدار [4] الصغير. قال: خرجنا مرة في خدمة الخليفة المستعصم إلى الصيد، وضربنا حلقة حلقة قريبا من الجلهمة- وهي قرية بين بغداد والحلّة- ثم تضايقت الحلقة حتى صار الفارس منّا يصيد الحيوان بيده، فخرج في جملة حمر الوحش حمار كبير الجثة، عليه وسم، فقرأناه وإذا هو وسم المعتصم. قال: فلما رآه المستعصم وسمه بوسمه وأطلقه. وكان بين المعتصم والمستعصم حدود خمسمائة [5] سنة! ومن طريف ما سمعت من امر الصّيد، ما حدّثني به رجل من أهل الأدب ببغداد قال: حدثني محمّد بن صالح البازياريّ [6] قال: تصيدنا بين يدي السلطان (أباقا)[7] يوما، فطار- ونحن بين يديه- ثلاثة كراكي [8] على سمت مستقيم

[1] لهج بالشيء: تحدّث عنه.

[2]

دجيل: ناحية في الأهواز فيها نهر بهذا الاسم.

[3]

دوّغ: أنهك بالمطاردة.

[4]

الدويدار: كلمة فارسية بمعنى كاتب الملك أو حامل الدّواة.

[5]

هنا يشير إلى مدى تعمير حمار الوحش.

[6]

البازياريّ: محترف تدريب الباز أو الصقر على الصيد.

[7]

السلطان أباقا: ابن هولاكو المغوليّ، حالف الصليبيين وانهزم جيشه في الأناضول أمام بيبرس، وتغلب عليه قلاوون قرب حمص. مات/ 680/ هـ.

[8]

الكراكيّ: جمع كركي وهو طائر بريّ طويل الساقين والمنقار.

ص: 58

فأطلقنا شاهينا فعلا وانحطّ على الأعلى من الكراكيّ فلطمه، فوقع على الثاني فكسره، ثم وقعا كلاهما على الثالث فكسراه، ووقعت الثلاثة بين يدي السّلطان، قال: فتعجّب من ذلك غاية العجب، وخلع علينا جميعنا. وقال الصاحب علاء الدين في جهان كشاي: إن حلقة جنكزخان كان أمدها مسير ثلاثة شهور. وما أرى هذا إلا مستبعدا. وما لهج الملوك بالصيد هذا اللهج الشّديد. ولا كلفوا به هذا الكلف العظيم. وأطلقوا للبازياريّة الأموال الجليلة، وأقطعوهم الإقطاعات السنيّة، وسهّلوا عليهم حجابهم، وقطعوا معظم زمانهم فيه باطلا ولا عبثا. فإنّ القنص يشتمل على فوائد كثيرة جليلة النّفع. منها- وهو الغرض الأشرف منه- تمرين العساكر على الرّكض والكرّ والعطف، وتعويدهم الفروسيّة، وإدمانهم للرمي بالنشّاب، والضرب بالسّيف والدبّوس، واعتياد القتل والسّفك، وتقليل المبالاة بإراقة الدّماء وغصب النفوس. ومنها اختبار الخيول، ومعرفة سبقها وصبرها على دوام الركض ومنها أن حركة الصيد حركة رياضية تعين على الهضم وتحفظ صحّة المزاج ومنها: فضل لحم الصيد على باقي اللحوم، لأنه بقلقه من الجوارح تثور حرارته الغريزيّة، فتزيد في حرارة الإنسان. قال بعض الحكماء- وخير اللحم ما أقلقه الجارح إقلاقا. ومنها- الطّرف العجيبة التي تتّفق فيه، وقد تقدم ذكر شيء منها.

وكان يزيد بن معاوية أشدّ الناس كلفا بالصّيد، لا يزال لاهيا به، وكان يلبس كلاب الصيد الأساور من الذّهب، والجلال المنسوجة منه، ويهب لكلّ كلب عبدا يخدمه. قيل: إن عبيد الله بن زياد أخذ من بعض أهل الكوفة أربعمائة ألف دينار جباية وجعلها في خزن بيت المال. فرحل ذلك الرجل من الكوفة وقصد دمشق ليشكو حاله إلى يزيد- وكانت دمشق في تلك الأيام فيها سرير الملك- فلما وصل الرجل إلى ظاهر دمشق، سأل عن يزيد فعرفوه أنه في الصيد، فكره أن يدخل دمشق وليس يزيد حاضرا فيها. فضرب مخيّمه ظاهر المدينة وأقام به ينتظر عود يزيد من الصيد. فبينما هو في بعض الأيام جالس في خيمته، لم يشعر إلا بكلبة قد دخلت عليه الخيمة، وفي قوائمها الأساور الذّهب،

ص: 59

وعليها جلّ [1] يساوي مبلغا كثيرا، وقد بلغ منها العطش والتعب، وقد كادت تموت تعبا وعطشا، فعلم أنها ليزيد، وأنها قد شذّت منه. فقام إليها وقدّم لها ماء، وتعهّدها بنفسه. فما شعر إلا بشاب حسن الصورة على فرس جميل، وعليه زيّ الملوك، وقد علته غبرة فقام إليه وسلّم عليه، فقال له- أرأيت كلبة عابرة بهذا الموضع؟ فقال- نعم يا مولانا، ها هي في الخيمة قد شربت ماء واستراحت، وقد كانت لما جاءت إلى ها هنا، جاءت على غاية من العطش والتّعب. فلما سمع يزيد كلامه، نزل ودخل الخيمة، ونظر إلى الكلبة وقد استراحت، فجذب بجلّها ليخرج بها فشكا الرّجل إليه حاله، وعرّفه ما أخذ منه عبيد الله بن زياد. فطلب دواة وكتب له بردّ ماله وخلعة سنيّة، وأخذ الكلبة وخرج. فردّ الرّجل [2] من ساعته إلى الكوفة ولم يدخل دمشق.

وكان السلطان مسعود [3] يبالغ أيضا في ذلك، ويلبس الكلاب الجلال الأطلس الموشاة، ويسوّرها بالأساور. وكان يقلل في بعض الوقت الالتفات إلى أمين الدولة ابن التلميذ [4] الطبيب النصرانيّ، وكان فاضلا ظريفا فقال:

من كان يلبس كلبه

وشيا ويقنع لي بجلدي

فالكلب خير عنده

مني، وخير منه عندي

(كامل) وحدّثني الأمير فخر الدين بغدي بن قشتمر قال- ضرب جدّي الملك قشتمر حلقة للصّيد، فوقع فيها إنسان قصير جدّا، كصغير يكون عمره خمس سنين، وقد طالت أظفاره وشعر بدنه طولا مفرطا. قال: فامسكوه وأحضروه بين يدي

[1] الجلّ: ثوب تصان به الدابّة أو الحيوان وجمعها جلال وأجلال.

[2]

ردّ إلى الكوفة: رجع إليها.

[3]

مسعود: هو مسعود بن محمّد السلجوقي. خلع المسترشد وأقام المكتفي من خلفاء بغداد.

توفي/ 547/ هـ.

[4]

ابن التّلميذ: طبيب نسطوري، له شعر طريف وملح. مات/ 561/ هـ.

ص: 60

الناصر [1] فاستنطقوه فلم ينطق، فأحضروا له الطعام فلم يأكل والماء فلم يشرب، فاجتهدوا معه بكل ممكن على أن يتكلّم، وهو صامت لا ينطق ببنت شفة. فقال له بعض الحاضرين: فأيّ شيء تريد؟ فلم يتكلّم. فقال له: تريد نطلقك؟ فحرّك رأسه يعني نعم. قال: فتقدّم الناصر بإطلاقه. فلما أطلق عدا أشدّ من عدو الغزال ثم دخل البريّة. سئل بزرجمهر [2] عن أردشير [3] فقال: أحيا الليل للحكمة، وفرّغ النهار للسّياسة وقيل له: لأيّ حال عمّ كسرى بمعروفه جميع رعيّته قال: خوفا أن يفوته المستحقّ قيل له: فكيف يمكن أن يعمّ بمعروفه جميع رعيّته؟

قال: نعم كان ينوي لهم الخير، فإذا نوى لهم الخير فقد عمّهم بمعروفه. روي عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه أنه قال: يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن. قالوا: لأن الناس يخافون من عواجل العقوبة أشدّ مما يخافون من آجلها.

ومما لا يليق بالملك الكامل- الإفاضة في مجلسه في وصف الطّعام والنّساء لئلا يشارك بذلك العامّة. لأن العامّة قد قنعوا من عيشهم باليسير واقتصروا عليه، وتركوا الأمور الكبار. فإذا أرادوا أن يفيضوا في حديث، لم يكن لهم إلا وصف أنواع الأطعمة ووصف أصناف النّساء. وقال الأحنف بن قيس [4] : جنّبوا مجالسنا ذكر الطّعام والنساء. قال أبرويز لابنه: لا توسّعنّ جندك فيستغنوا عنك، ولا تضيّق عليهم فيضجروا منك، وأعطهم عطاء قصدا، وأمنعهم منعا جميلا، ووسّع عليهم في الرّجاء ولا توسّع عليهم في العطاء. ولما سمع المنصور هذا الكلام صادف منه موضعا قابلا للشّحّ الغالب عليه، فقال: هذا هو رأي. وهذا معنى قول القائل: أجع كلبك يتبعك. فقام إليه بعض القوّاد وقال: يا أمير المؤمنين أخاف أن يلوح له غيرك برغيف فيدعك ويتبعه! قالوا: سياسة الرّئاسة،

[1] الناصر: هو الخليفة أبو العبّاس أحمد بن المستضيء بأمر الله. امتدّ حكمه/ 575- 622/

[2]

بزرجمهر: ابن البختكان، وزير وحكيم فارسي. روى قصة انتساخ كليلة ودمنة.

[3]

أردشير: مؤسس المملكة الساسانية الفارسية، اشتهر بحكمته.

[4]

الأحنف بن قيس: سيّد بني تميم في البصرة، ضرب المثل بحلمه وحكمته. توفي/ 74/ هـ

ص: 61

أشد من الرئاسة. كما أن سياسة الخدمة أشدّ من الخدمة. وكما أن التوقّي بعد شرب الدواء أشدّ من الدواء. كذلك ربّ الصنيعة، أشدّ من الصنيعة، وعلى الرئيس أن يصبر على مضض الرئاسة. قال بعض حكماء الترك، ينبغي أن يكون في قائد الجيش عشر خصال من أخلاق الحيوان- جرأة الأسد، وحملة الخنزير [1] ، وروغان الثعلب، وصبر الكلب على الجراح، وغارة الذّئب، وحراسة الكركي، وسخاء الدّيك وشفقة الدّجاجة على الفراريج، وحذر الغراب، وسمن تعرو، (وهي دابة تكون بخراسان تسمن على السّفر والكمد) . قالوا:

والفاضل من طلاب الرئاسة هو الّذي يكون مطبوعا على المعرفة، مخلوقا فيه صحة التمييز مكتسبا للعلم بما جرى في الدنيا من تصاريف الدهور، وتنقّل الدّول عارفا بمداراة الأعداء كتوما لشرّه، إذا كان قطب السياسة عليه يدور. وأن يستمدّ لعقله من عقول العقلاء، فإنّ العقل الفرد لا يقوم بنفسه. وينبغي أن يكون ذا رويّة عند اشتباه الآراء، وعزيمة عند اختلاف الأهواء، حتى يكشف.

وأما الحزم فهو الأصل الّذي يبني عليه في تحصين المملكة. وقد كان يجب تقديمه وذكره في أوّل الكتاب عند أخواته من الخصال المحمودة، ولكن العقل يشتمل عليه ويستلزمه، فأكتفي بذكره عنه. ولا بأس بذكر نبذة في هذا الموضع منه. قالوا: أحزم الملوك من ملك جدّه هزله، وقهر رأيه هواه، وعبّر عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن حظّه، ولا غضبه عن كيده. وكان يقال:

الحازم من الملوك من يبعث العيون [2] على نفسه ويتفقدها، حتى لا يكون الناس بعيبه أعلم منه بعيب نفسه. وقالوا: أحزم الملوك من حمل رعيّته على التخلّق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، بالرفق والتوصّل الحسن والتأنّي اللطيف. وخطر لي في هذا المعنى سرّ لطيف وهو أنّ الرعيّة إذا تدرّجوا إلى التخلّق بأخلاق الملك والتأدّب بآدابه، صاروا مستحسنين لصادرات أحواله وأفعاله لأنّهم هم يفعلونها ويعتمدونها

[1] الحملة: الهجمة الشرسة.

[2]

العيون: قصد بها الجواسيس.

ص: 62

فلا يصير أحد منهم يذمّ سيرته، ولا يزري عليه، ومتى كانت طباعهم منافية لطباعه، وأخلاقهم مضادّة لأخلاقه، أغروا بالإزراء عليه، والذمّ لأفعاله، وهذا سرّ لطيف منطو في قولهم! وقالوا: أحزم الملوك من تقدّم بإحكام الأمر قبل نزول حاجته. وتدارك المهمّ قبل وقوعه. قيل للإسكندر [1] : ما علامة دوام الملك؟ قال: الاقتداء بالحزم والجدّ في كل الأمور. قيل: فما علامة زواله؟ قال الهزل فيه. وقال أنوشروان [2] : الحزم حفظ ما ولّيت وترك ما كفيت. وقال آخر أحزم الملوك من ملك أمره، ودبّر خصاله، وقمع شهوته وقهر نوازعه. قالوا:

ينبغي أن يكون أول أمر الملك الحزم، فإذا وقع الأمر فينبغي أن يكون حينئذ الجدّ والاجتهاد. قيل لبعض فضلاء الملوك: نراك إذا وفد عليك وافد أطلت مجالسته، وربما لا يكون أهلا لذلك. قال: إنّ حقيقة حال الرجل لا تبين في مجلس أو مجلسين، فأنا أطاول عشرته وأختبره في عدة مجالس، فإن كان فاضلا اصطفيته، وإن كان ناقصا تركته. وقال آخر: لا ينبغي لأحد أن يدع الحزم لظفر ناله عاجز، ولا يرغب في تضييعه لنكبة دخلت على حازم. قالوا: من لم يقدّمه الحزم أخّره العجز. وقيل لعبد الملك [3] بن مروان: ما الحزم؟ قال: اختداع الناس بالمال واستمالتهم به، فإنّهم أتباعه، أين كان كانوا، وكيف مال مالوا. وقال بعض الملوك لبعض الحكماء: متى تكون الثّقة بالعدوّ حزما؟ قال: إذا شاورته في أمر هو لك وله. وقال مسلمة بن عبد الملك [4] : ما فرحت بظفر ابتدأته بعجز، ولا ندمت على مكروه ابتدأته بحزم.

[1] الإسكندر: الفاتح المشهور، اشتهر بحكمته وقيادته للجيوش. انتصر على داريوس ملك الفرس، وبنى الإسكندرية في مصر توفي/ 323/ ق م.

[2]

أنوشروان: ملك ساساني حارب الروم البيزنطيين واستولى على اليمن. اشتهر بعدله وإصلاحاته. مات/ 579/ م.

[3]

عبد الملك بن مروان: خامس الخلفاء الأمويين. كان فصيحا حكيما، وطد دعائم الدولة.

توفي/ 86/ هـ.

[4]

مسلمة بن عبد الملك: أمير أموي، وقائد جيش قضى على ثورة يزيد بن المهلب عامل خراسان. توفي/ 120/ هـ.

ص: 63

ومما يجب على الملك الفاضل: إمعان النظر في أمر الأسرار، وصونها وتحصينها وحراستها من الإفشاء والذّياع، وهذا باب يحتاج فيه إلى التّأني التامّ، فكم من مملكة خربت وكم من نفس تلفت بسبب ظهور سر واحد! وحفظ السرّ وكتمانه من أفضل ما اعتنى به الإنسان، فمما جاء في ذلك في الحديث «من كتم سرّه ملك أمره» وقال علي- عليه السلام «الرأي تحصين السرّ» . أسرّ بعض الناس إلى رجل حديثا وأمره بكتمانه، فلما انقضى الحديث قال له: فهمت؟ قال: نسيت. وقال عمرو بن العاص [1] : إذا أفشيت سرّي إلى صديقي فأذاعه كان اللوم لي لا له. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأنّي أنا كنت أولى بصيانته منه. ومن أناشيد هذا الباب:

إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه

فصدر الّذي يستودع السرّ أضيق

(طويل) قالوا: لا ينبغي أن يكون سرّ الملك إلا عند واحد، فإنه إذا كان عند واحد كان أحرى ألا يظهر، إما رغبة وإما رهبة، لأنه إن ظهر تحقّق الملك أن ظهوره قد كان من جهة ذلك الرجل، ومتى كان السرّ عند جماعة ثم ظهر، أحال كلّ واحد منهم على الآخر، فإن عاقبهم الملك جميعا كان قد ظلمهم إلا واحدا، وإن ترك معاقبتهم طمعوا وتطرّفوا على إفشاء أسراره. قال الشاعر:

وسرّك ما كان عند امرئ

وسرّ الثلاثة غير الخفي

(متقارب) فإن احتاج الملك إلى إظهار سرّه لجماعة فأصلح ماله أن يفضي به إلى كلّ واحد منهم على سبيل الانفراد، ويوصيه بالكتمان ويوهمه أنّه ما أفضى إلى غيره به، فذلك أجدر لأن ينكتم السر. شاور بعض ملوك الفرس وزراءه في أمر، فقال واحد منهم: لا ينبغي للملك أن يستشير بأحدنا إلا خاليا به، فإنه أكتم للسرّ

[1] عمرو بن العاص: قائد عربي شهير، فتح مصر وبنى فيها مدينة الفسطاط في عهد عمر بن الخطاب. نصر معاوية بدهائه. توفي عام/ 43/ هـ.

ص: 64

وأحزم في الرأي، وأجدر بالسلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة [1] بعض.

وما اعتنت دولة بتحصين الأسرار والمبالغة في حفظها كالدولة العبّاسيّة، فإنّ لها من هذا الباب عجائب، وكم من نعمة أزالوها عن أربابها، ونفس أزهقوها بسبب كلمة منقولة، أو حكاية مقولة. جرى في أيام الناصر [2] قضية ظريفة لا بأس بذكرها ها هنا.

كان للناصر ولدان هما ولدا ولده، وكان قد أقطعهما بلاد خوزستان [3] وتوجّها إليها وأقاما بها ففي بعض الليالي أفكر الناصر في أمرهما واشتاقهما، وخاف عليهما من حادث يحدث بتلك الناحية، فأرسل في الحال إلى وزيره القمّي [4] وقال له: أرسل في هذه الساعة إليهما من يأمرهما بالوصول إلى بغداد، ولا تشعر بهذا مخلوقا. فأحضر الوزير نجّابا في ذلك الحال. وكان جماعة من النّجابين يبيتون في كلّ ليلة بباب الديوان، يبيت أحدهم وتحت رأسه راحلته وزاده ونفقته، وقد ودّع أهله، فإن عرض في الليل مهمّ توجّه فيه فلما حضر النّجاب بين يديّ الوزير شافهه بالمراسلة، وقال له تخرج في هذه الساعة، وإياك أن يعلم هذا أحد فيكون عوضه نفسك. ثم تقدّم الوزير يحمل مفتاح باب من أبواب السّور له، فلما مضى ليخرج اجتاز ببعض الدروب وامرأتان في منظرتين متقابلتين تتحدثان، فقالت إحداهما للأخرى: ترى هذا النّجاب إلى أين يمشي في هذا الوقت؟ فقالت لها الأخرى يمشي إلى دستر لإحضار أولاد الخليفة فإنه قد خاف عليهما وقد اشتاقهما لأن جدتهما هناك قد طالت. فلما سمع النّجاب ذلك ترجّع من ساعته إلى الديوان، واستأذن على الوزير. فلما علم الوزير برجوعه انزعج لذلك وأحضره، وسأله عن سبب عوده، فقال له: يا مولانا جرى الساعة في الدرب الفلاني كيت وكيت، وخفت أن أتوجّه

[1] الغائلة: الشرّ والبطش.

[2]

الناصر: هو الخليفة العباسي الرابع والثلاثون ولي الخلافة/ 575/ هـ وتوفي/ 622/ هـ.

واسمه أحمد بن المستضيء بأمر الله، وسبقت ترجمته.

[3]

خوزستان: إقليم في غربي إيران من مدنه: عبادان وتستر وخرّم شهر.

[4]

القمّي: هو محمّد بن عبد الكريم أصله من قم ونشأته في بغداد. استوزره الخليفة العباسيّ الناصر. توفي/ 629/ هـ.

ص: 65

وينتشر هذا الحديث، فما تشكّون في أنني أنا الّذي أظهرته فيكون ذلك سبب هلاكي، فقال الوزير: قد عرفنا ذلك اخرج وتوجّه في أمان الله تعالى فإن الشياطين تنقل عظائم الأخبار. ومما يجري هذا المجرى، ما حدّثني به بعض أهل بغداد. قال: حدّثني صديق لي قال: كنّا نتمشى في دولاب بستان البقل، وقد أمعنّا في الدخول إلى أقصاه، فسمعنا صوت قائل يقول: مات أباقا [1]، قال: فنظرنا فلم نبصر أحدا. ثم إنّنا أرحنا اليوم، فلما فشا الخبر كان كما قال. قيل: إن صاحب الموصل- وأظنه بدر الدين [2]- قال لمجد الدين بن الأثير الجزري [3] : أريد أن تعين لي في هذه الساعة على رجل دين أمين يكون موضعا للسرّ أحمّله مشافهة سريّة إلى الخليفة، ويتوجّه في هذه الساعة فأفكر ابن الأثير ساعة ثم قال يا مولانا:

ما أعرف أحدا بهذه الصفة إلا أخي [4] . قال: فقم وعرّفه ذلك. وأرسله إلى داره، وحكى لأخيه ما جرى عند السلطان، وقال له يا أخي والله ما شهدت لك إلا بما أعرفه منك، فتوجّه إلى خدمة السلطان، وامتثل ما يشير به. فحضر ابن الأثير عند السّلطان وشافهه بالمراسلة، وقال له: تتوجّه في هذه الساعة. فحضر ابن الأثير إلى داره ليودّع أخاه فوجده قائما في الدهليز ينتظره، فقال له: شافهك السّلطان بالحديث. قال: نعم، قال: فما هو؟ قال: يا أخي الساعة شهدت لي عنده بالدين والأمانة وحفظ السرّ، فيجوز أن أكذّبك في الحال؟ قال لي شيئا ما أقوله إلا لمن أمرني أن أقوله له. قال فبكى مجد الدين أخوه ودعا له. ومن الأشعار المقولة في ذلك قول الحماسيّ:

[1] أباقا: سلطان مغولي خلف أباه هولاكو. سبقت ترجمته.

[2]

بدر الدين: هو بدر الدين لؤلؤ، عامل المستعصم على الموصل سبقت ترجمته.

[3]

مجد الدين: أبو السعادات المبارك بن محمد الشيبانيّ. صاحب كتاب (جامع الأصول في أحاديث الرسول) توفي/ 606/ هـ.

[4]

لمجد الدين بن الأثير هذا، أخوان آخران، هما عزّ الدين أبو الحسن المؤرّخ، وضياء الدين أبو الفتح الكاتب صاحب كتاب «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» ولم يحدّد في روايته أيهما المقصود بحكاية الأمانة على السرّ.

ص: 66

وفتيان صدق لست مطلع بعضهم

على سرّ بعض غير أنّي جماعها [1]

لكلّ امرئ شعب من القلب فارغ

وموضع نجوى لا يرام اطّلاعها

يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم

إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها

(طويل) ومن جيّد ما قيل في ذلك:

لا تسألي القوم: ما مالي وكثرته

وسائلي القوم: ما مجدي وما خلقي

هل أطعن الطعنة النجلاء عن عرض

وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق

(بسيط) ومن جيّده قول الصابئ:

فقل لصديقي كن على السّرّ آمنا

إذا لم يكن بيني وبينك ثالث

(طويل) وقال الآخر:

وإنك كلّما استودعت سرّا

أنمّ من النّسيم على الرّياض [2]

(وافر) ولمؤلّف هذا الكتاب في ذلك من جملة أبيات:

وما احتفر الأصحاب للسرّ حفرة

كصدري ولو جار الشّراب على عقلي

(طويل) وقوله في ذلك أيضا:

وإن يكن الزجاج ينمّ طبعا

فسيّدنا أنمّ من الزّجاج

(وافر) ومن الأمور التي يجب تدقيق الفكر فيها، والتثبّت التامّ والتأني في تأمّلها:

حديث السّعايات والنمائم. فكم من نمّام أو ساع قد شفى غيظه بإيقاع مسكين بين يدي ملك قاهر، في تهمة هو بريء منها، ثم اشتبه الأمر على الحاكم فأهلك الرجل البريء بغير ذنب، ثم لمّا علم ندم حين لا ينفع الندم، فعمّ الضرر بذلك الساعي

[1] جماعها: جامعها وكاتمها.

[2]

قوله «أنم من النسيم على الرياض» كناية عن البوح بالسرّ وإفشائه.

ص: 67

والمسعيّ إليه، لأنهما أهلكا دينهما بما فعلاه. والمسعى به لتعجّله العقوبة. فعمّ الضرر الثلاثة، ومما جاء في ذلك في التنزيل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ 49: 6 [1] ومما جاء في الحديث: «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يرفعن إلينا عورة [2] أخيه المسلم» . رفع إنسان إلى يحيى بن خالد [3] بن برمك قصّة يقول فيها: إنه قد مات رجل تاجر غريب، وقد خلّف جارية حسناء وولدا رضيعا، ومالا كثيرا، والوزير أحقّ بهذا. فكتب يحيى بن خالد على رأس القصّة: أما الرّجل فرحمه الله. وأما الجارية: فصانها الله، وأما الطّفل: فرعاه الله. وأما المال: فثمّره الله. وأما الساعي إلينا بذلك: فلعنه الله. قيل: لما تولى عبد العزيز بن مروان [4] دمشق- ولم يكن في بني أمية ألبّ منه وكان حدث السنّ- طمع فيه أهل دمشق، وقالوا:

صبيّ لا علم له بالأمور، وسيسمع كلّ ما نقول له فقام إليه رجل وقال: أصلح الله الأمير. نصيحة!! فقال: ليت شعري ما هذه النصيحة، التي قد ابتدأتني بها من غير يد سبقت مني إليك؟ هات نصيحتك. قال: لي جار وهو عاص خالع للطاعة- وذكر له عيوبا- فقال له عبد العزيز: إنّك أيها الرجل ما اتّقيت الله تعالى، ولا أكرمت أميرك ولا حفظت جوارك! إن شئت نظرنا فيما تقول، فإن كنت صادقا لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذبا عاقبناك وإن استقلتنا أقلناك. فقال: بل أقلني أيها الأمير، قال: اذهب حيث شئت، لا صحبك الله، إنّي أراك شرّ رجل!.

[1] سورة الحجرات، الآية/ 6/.

[2]

العورة: هنا، ما يكره المرء الاطّلاع عليه من قبل غيره.

[3]

يحيى بن خالد بن برمك: أبو الفضل وجعفر، وقد كان مربّيا وكاتبا للرشيد ثم استوزره ومن بعده ولداه حتى كانت نكبة البرامكة المشهورة. مات سجينا في الرقّة سنة/ 190/ هـ.

[4]

عبد العزيز بن مروان: المعروف أنه ولي مصر لأبيه مروان بن الحكم الأموي واستمرّ إلى أن توفي عام/ 85/ هـ وهو والد الخليفة عمر بن عبد العزيز.

ص: 68

كان الوزير عليّ بن محمد بن الفرات وزير المقتدر يبغض السّعاة. فكان إذا رفع أحد إليه قصة فيها سعاية بأحد، يخرج حاجبه إلى الباب، والناس على طبقاتهم وقوف فيقول: أين صاحب هذه السعاية؟ قد قال لك الوزير: كذا وكذا فيفتضح ذلك الرجل في ذلك الجمع، فترك الناس السعايات في أيامه. قال عبد الرحمن بن عوف [1]رضي الله عنه:«من عرف فاحشة فأفشاها كان هو الّذي أتاها» كتب قباذ [2] الملك لابنه كسرى عهدا، فمن جملته «يا بنيّ: لا تدخل في مشورتك بخيلا فإنه يقصّر بك عن غاية الفضل، ولا جبانا فإنّه يضيّق عليك الأمور عند انتهاز الفرصة. يا بني: ليكن أبغض رعيّتك إليك أكثرهم تكشيفا لمعايب الناس، فإن في الناس عيوبا أنت أحقّ من سترها وكره ما تكشف من غائبها فإنّما إليك الحكم على ما ظهر، والله يحكم فيم غاب. فاذكره للرعيّة ما تكره لنفسك واستر العورة يستر الله عليك ما تحبّ ستره. ولا تعجل إلى صديق ساع، فإنّ الساعي غاشّ وإن قال قول النّصيح. وأعط الناس من عفوك مثل ما تحبّ أن يعطيك من فوقك» .

ومن مليح ما قيل في ذلك قول مهيار [3] يخاطب بعض الوزراء:

يا سيف نصري والمهند تابعي

وربيع دهري والزّمان مصاف [4]

[1] عبد الرحمن بن عوف: صحابيّ سابق إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة. شهد المعارك وجرح يوم أحد. كان جوادا سخيّا. توفي في المدينة المنورة/ 32/ هـ.

[2]

قباذ: والد كسرى أنوشروان الملك الساسانيّ المشهور. وقد سبقت ترجمة كسرى.

[3]

مهيار: هو مهيار الدّيلميّ تلميذ للشريف الرضيّ. اعتدّ بأصله الفارسيّ في شعره. وله ديوان. توفي/ 428/ هـ.

[4]

مصاف: محترّ بحر الصيف.

ص: 69

ومعيد أيّامي عليّ بدائنا [1]

سمنا وهنّ على الأنام عجاف

أخلاقك الغرّ السّجايا مالها

حملت قذى الواشين وهي سلاف؟ [2]

والإفك [3] في مرآة رأيك ما له

يخفى وأنت الجوهر الشفّاف؟

(كامل) ومن مليح قول القائل:

سعى إليك بني الواشي فلم ترني

أهلا لتكذيب ما ألقى من الخبر

ولو سعى بك عندي في الذّكرى

طيف الخيال لبعت النوم بالسّهر

(بسيط) اختلفوا في الملك القاهر العسوف، والملك المقتصد الضّعفى: ففضلوا القاهر العسوف واحتجّوا بأن القويّ العسوف يكفّ الأطماع عن رعيته، ويحميهم من غيره بقوّته. وله أنفة تعصمهم من شرّ غيره، فتكون رعيّته بمثابة من كفي شرّ جميع الناس وابتلي بشرّ واحد. وأما المقتصد الضعيف: فيهمل رعيّته فيسلّط عليهم كلّ أحد ويدوسهم كلّ حافر، فيكونون بمثابة من كفي شرّ واحد وابتلي بشرّ جميع الناس، وبين الحالين بون بعيد.

وقال بعض الحكماء. سلطان يخافه الرعية، خير من سلطان يخافها. قال أنوشروان: عندي لمن عرّض دمه سفكه، ولمن جاوز حدّه تقويمه، ولمن تعدّى طوره قمعه. قال بعض الحكماء: أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلا بالانفراد.

فالملك متى وقع فيه الاشتراك فسد. وأما الّذي لا يصلح إلا بالاشتراك- فالرأي، متى وقع فيه الاشتراك وثق فيه بالصّواب. ولا يجوز لملك أن يصغر في نفسه أمر عدوه، وإن كان صغيرا في نفس الأمر. ولا يجوز لجلساء الملك أن يصغّروا أمر عدوّه، فإنّهم إن صغّروه حتى ظفر به العدوّ كان وهنا له، إذ قد غلبه عدوّ صغير وإن ظفر هو بالعدوّ لم يكن قد صنع طائلا. لمّا رجع رسول الله- صلى الله عليه

[1] البدائن: سمان الإبل والأنعام، والعجاف: المهزولات.

[2]

السّلاف: الخمرة.

[3]

الإفك: الكذب.

ص: 70

وسلم- من وقعة بدر ومعه الأسرى والغنائم، وقد قتل الله رءوس المشركين، تلقّاه الناس من ظاهر المدينة عن أميال فجعلوا يهنئونه بالفتح، وجعل الناس يسأل بعضهم بعضا عمن هلك وسلم، فقال بعض الصحابة: والله ما قتلنا إلا عجائز صلعا. فأقبل عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم باللوم ولم يزل كالمعرض عنه، ثم قال له: أولئك يا ابن أخي الملأ. ومن مليح ما رأيت في هذا المعنى، قول حكيم الهند لبعض ملوكهم: لا تحقرنّ أمر الأعداء وإن صغروا، فإن الزبير [1] إذا جمع جعل منه حبل يشدّ به الفيل. وإغباب [2] الرأي من الأمور المهمّة. وأجود الرأي ما وقع فيه التأني والتثبّت، وبذلك يؤمن زلل الرّأي. قال الأحنف بن قيس [3] لأصحاب عليّ- عليه السلام أغبّوا [4] الرأي فإنّ إغبابه يكشف لكم عن محضبه.

واستشير بعض العقلاء في أمر فسكت، فقيل له: لم لا تتكلم؟ فقال: ما أحبّ الخبز إلا بائتا [5]، ولما عزم الخوارج على مبايعة عبد الله بن وهب [6] فرغوا من البيعة قال: اتركوا الرأي يغبّ- أي يأتي عليه يوم وليلة- وكان يستعيذ باللَّه من الرأي الفطير. [7] قالوا: مرّ الحارث بن زيد بالأحنف بن قيس، فقال له: لولا أنّك عجلان لشاورتك

[1] الزّئبر: ما يظهر من درز الثوب. وهو أو هي الخيوط أو نتافتها. وبلغة العوام، الزّغبر.

[2]

إغباب الرأي: تأجيل إنفاذه، والتمهّل فيه.

[3]

الأحنف بن قيس: أبو بحر التميميّ- داهية وفصيح وحليم وصاحب رأي ومشورة. توفي في الكوفة/ 72/ هـ.

[4]

أغبّوا الرأي: بينوه. تريثوا في إصداره.

[5]

الخبز البائت: هنا، استعارة للرأي المبيّت، بلا استعجال في إنفاذه.

[6]

عبد الله بن وهب الراسبيّ: زعيم الخوارج من الأزد، قتل في معركة النهروان في حربه مع عليّ/ 38/ هـ.

[7]

الفطير: ضدّ الناضج، الفجّ.

ص: 71

وهذا دليل على كراهيتهم للرأي الفطير. وكانوا لا يشاورون الجائع حتى يشبع، ولا الأسير حتى يطلق، ولا الطالب حتى يببلغ حاجته، ولا العطشان حتى يروى، ولا الضالّ حتى يهتدي. وقال بعض الشعراء يصف عاقلا:

عليم بأعقاب الأمور كأنّما

يخاطبه من كلّ أمر عواقبه

وما أعرف أحسن من قول ابن الروميّ [1] في تفصيل الرأي المختمر على الرأي الفطير:

نار الرّويّة نار جدّ منضجة

وللبديهة نار ذات تلويح

وقد يفضّلها قوم لعاجلها

لكنّه عاجل يمضي مع الرّيح

(بسيط) ومما يوجبه العقل الصحيح، أنّ الإنسان لا يدخل في أمر يعسر الخروج منه، قال الشاعر:

ما من الحزم أن تقارب أمرا

تطلب البعد منه بعد قليل

فإذا ما هممت بالشيء فانظر

كيف منه الخروج بعد الدّخول

(خفيف) قالوا: وأفضل من ذلك أن الإنسان لا يدخل نفسه في أمر يحتاج في الخروج منه إلى فكر، قال معاوية بن العاص- رضي الله عنهما ما بلغ من دهائك؟ قال: ما دخلت في أمر إلا وأحسنت الخروج منه، فقال معاوية: لكني أنا ما دخلت في أمر أحتاج في الخروج منه إلى فكر.

ومن الأمور المهمّة للملك، حسن نظره في إرسال الرّسل، فبالرسول يستدل على حال المرسل. قال بعض الحكماء: إذا غاب عنكم حال الرجل، ولم تعلموا مقدار عقله، فانظروا إلى كتابه ورسوله، فهما شاهدان لا يكذبان. ويجب أن يكون في الرّسول خصال- منها العقل، ليميّز به الأمر المستقيم من المعوجّ.

[1] ابن الروميّ: عليّ بن العبّاس، شاعر عباسي مشهور، عرف بتشاؤمه، توفي/ 283/ هـ

ص: 72

والأمانة والعفاف لئلا يخون مرسلة، فكم من رسول برقت له بارقة طمع من جهة من أرسل إليه، فحفظ جانبه وترك جانب مرسلة. أرسل معاوية- رضي الله عنه إلى ملك الروم رسولا من أقاربه كان يعتمد عليه لتقرير أمر الهدنة، واشترط معاوية شروطا غليظة، فلما حضر الرّسول عند ملك الروم، اجتهد به على تخفيف تلك الشروط فلم يقبل. فخلا به وقال له: بلغني أنّك فقير، وأنك إذا أردت الركوب إلى معاوية تستعير الدوابّ. قال: كذلك هو.

قال: فما أراك تعمل لنفسك شيئا، وهذا المال الّذي عندنا كثير، فخذ منه ما يغنيك إلى الأبد ودع معاوية. وأحضر له عشرين ألف دينار فأخذها وخفف له الشروط وأمضى الهدنة، ثم رجع إلى معاوية. فلما نظر معاوية في الكتاب علم بالحال فقال له: ما أراك عملت إلا له! وعزم على مؤاخذته، فقال له: يا أمير المؤمنين، أقلني [1] قال: قد أقلتك، وأعرض عنه [2] . وفيما فعل كمال الدين محمّد بن الشّهرزوري [3] حين أرسله أتابك زنكي صاحب الموصل إلى بغداد لتقرير أمر الرّاشد [4]- منبهة على وجوب تدقيق النظر في اختيار الرسل- وذلك أنه لمّا خلع الراشد ببغداد فارقها وحضر إلى الموصل مستعينا بأتابك زنكي، وخلا به ووعده ومنّاه أنه إن عاد إلى الخلافة أن يفعل معه ويصنع فتهوّس أتابك زنكي بذلك وضمن له صلاح الحال مع السلطان مسعود، ثم إن أتابك زنكي عزم على مراسلة الديوان ببغداد في هذا المعنى فاختار للرسالة كمال الدين بن الشهرزوريّ قاضي الموصل، فأرسله ووصّاه بالاحتجاج والمبالغة في تقرير أمر الراشد ونقض ما

[1] أقلني: نحّ عني العقوبة والمسئوليّة. اعف عنّي.

[2]

أعرض عنه: انصرف عنه وقاطعه. هجره.

[3]

كمال الدين الشهرزوريّ: قاضي الموصل عند أتابك زنكي وكانت للمؤرّخ ابن الأثير به معرفة على ما يبدو من الرواية.

[4]

الراشد: الخليفة العباسي الثلاثون. أزاحه السلطان مسعود السلجوقي، ولجأ إلى الموصل ثم فرّ إلى أصفهان حيث قتل عام/ 532/ هـ.

ص: 73

أبرموه من خلافة المقتفى [1] فتوجّه كمال الدين إلى بغداد، قال ابن الأثير صاحب التاريخ [2]- حكى لي كمال الدين المذكور، قال: لما حضرت بالديوان قيل لي:

تبايع أمير المؤمنين؟ فقلت أمير المؤمنين عندنا بالموصل وله في أعناق الخلق بيعة متقدمة قال- وطال الحديث في ذلك، وعدت إلى منزلي فلما جاء الليل جاءتني عجوز سرّا واجتمعت بي وأبلغتني رسالة من المقتفى، مضمونها المعاتبة لي على ما قلت واستنزالي عنه، فقلت: غدا أخدم خدمة يظهر أثرها، فلما كان الغد، حضرت بالديوان وقيل لي في معنى البيعة، فقلت: أنا رجل فقيه قاض، ولا يجوز لي أن أبايع إلا بعد أن يثبت عندي خلع المتقدّم. فأحضروا الشهود فشهدوا عندي بفسق الرّاشد فقلت: هذا ثابت لا كلام فيه، ولكن لا بدّ لنا في هذه الدعوى من نصيب، لأن أمير المؤمنين المقتفى حصلت له خلافة الله في أرضه والسلطان فقد استراح ممن كان يقصده فنحن بأيّ شيء نرجع؟ فرفع الأمر إلى المقتفى، فأمر أن يعطى أتابك [3] زنكي [4] صريفين ودرب هارون وحربي ملكا، فبايعت المقتفي وعدت، وقد حصل لي مال صالح وتحف وهدايا. وما أدري والله من أيّ حاليه أعجب؟! من فعله هذا وخيانته لمرسله وتسويد وجهه مع من استجار به، فإنه لم يكن الفائدة من إرسال كمال الدين إلا تقوية أمر المقتفى وتأكيد خلع الراشد، أم من حكايته عن نفسه مثل هذه الفعلة؟!.

وكذلك ما جرى لعميد الملك الكندري وزير السلطان طغرلبك: أرسله السلطان طغرلبك ليخطب له امرأة، فمضى الكندري وخطبها لنفسه وتزوجها

[1] المقتفى: خليفة عباسي أجلسه السلطان مسعود على سدّة الخلافة بعد الراشد. توفي/ 555/ هـ.

[2]

هو المؤرّخ من أبناء الأثير الإخوة الجزريّين الثلاثة.

[3]

أتابك: لقب تركي أطلقه السلاجقة على بعض رجال البلاط والوزراء والقادة، وقد تمكن بعضهم من السيطرة وإنشاء دول كدولة زنكي في الموصل.

[4]

جدّ الأتابكة المتنفذ في الموصل وقد امتد حكم أسرة الأتابكة إلى الجزيرة والشام، بدءا من عماد الدين زنكي إلى بدر الدين لؤلؤ.

ص: 74

وعصى على طغرلبك. فلما ظفر به طغرلبك [1] لم يقتله، واستبقاه في خدمته احتياجا إلى كفايته.

ومن الأشعار المقولة في ذلك قول القائل:

إذا كنت في حاجة مرسلا

فأرسل حكيما ولا توصه

(متقارب) وأجود من هذا المعنى وأكمل قول الآخر:

إذا أرسلت في أمر رسولا

فأفهمه وأرسله أديبا

فإن ضيّعت ذاك فلا تلمه

على أن لم يكن علم الغيوبا

(وافر) ومما يزين الملك، اصطناع العوارف إلى أشراف رعيّته، فبذلك تميل أعناقهم إليه ويدخلون بذلك في زمرة خدمه وحاشيته. وما زال أفاضل الملوك يلحظون هذا المعنى فيفضلون دائما على أشراف رعيتهم أنواع الإفضال ليسترقّوهم بذلك. كان معاوية- رضي الله عنه أشدّ الملوك لهجا بهذا المعنى. كان يعطي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن العباس- رضي الله عنهما في كلّ سنة جملا طائلة من المال. وكفاك من ذلك، أن عقيل بن أبي طالب- رضي الله عنه فارق أخاه عليّ بن أبي طالب- عليه السلام وقصد معاوية مستميحا وما ذاك لشحّ عند أمير المؤمنين- عليه السلام فإنّه كان- صلوات الله عليه وسلامه- يباري الريح جودا وكرما، وكان جميع ما يدخل له من أملاكه يخرجه في الصدقات والمبرات، ولكن عقيلا كان يريد من مال المسلمين أكثر من حقّه، وما كان دين أمير المؤمنين- عليه السلام يقتضي ذلك وكان معاوية- رضي الله عنه يعطي لأجل مصلحة الدنيا، ولا يفكر فيما كان يفكر فيه أمير المؤمنين- عليه السلام وانظر إلى كمال الدين حيدرة [2] ابن عبيد الله الحسيني الموصلي وكان شيخ أهله ومقدّمهم سنّا وزهدا وفضلا وورعا كيف استماله صاحب الموصل

[1] طغرل بك: مؤسّس سلالة السلاجقة. قضى على البويهيين في بغداد/ 447/ هـ. وخلع عليه الخليفة العباسيّ القائم لقب السلطان وملك المشرق والمغرب.

[2]

حيدرة بن عبيد الله: ترجم له المؤلف من خلال رأيه فيه، ولم تذكره المراجع من كتب الأعلام.

ص: 75

بدر الدين [1] بما أسداه إليه من الإنعام حتى مدحه، وانخرط في زمرة شعرائه، فمن شعره فيه:

هنيئا بجدّ ساعدتك سعوده

وتمّ له يوم التفاخر عيده

وبشرى بإقبال أهلّ بشيره

كما وفدت عند الهناء وفوده

وأنّى لبدر الدين ذي الفخر والعلا

نديد، وكلا، أن يصاب نديده

(طويل) ومع أنّه صار من شعرائه، وانخرط في زمرة مدّاحه، كان بدر الدين، بعد موت كمال الدين حيدرة إذا اجتاز على ترتبه- وهي تربة مفردة ظاهر الموصل جنوبية قبلية- يترك العسكر ويدخل إليه يزوره، ويدعو لنفسه عند ضريحه.

(رحمهما الله تعالى)

[1] بدر الدين: لعلّه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل الأتابك من آل زنكي. توفي/ 656/ هـ، وقد مرّت ترجمته غير مرّة.

ص: 76

الفصل الثاني في الكلام على دولة دولة

وفيه:

الدولة الأولى: دولة الأربعة الراشدين الدولة الثانية: الدولة الأميّة الدولة الثالثة: الدولة العبّاسيّة

ص: 77

لقد تم الكلام على الأمور السلطانية والسياسات الملكية، وعلم بذلك سيرة الملك الفاضل المستحق للرئاسة، وخواص الملك التي يتميز بها عن الرعايا، والحقوق الواجبة لذلك على رعيته، والحقوق الواجبة لهم عليه واندرج في أثناء ذلك الكلام على كليات أحوال الدول على سبيل الإجمال. وكل ما مضى في هذه الأوراق من اللطائف والمحاسن فقد وفر الله تعالى منه حظّ المولى الملك الفاضل، حاطه الله تعالى بأنواع ألطافه، وبلّغه أقصى الغايات من إسعاده وإسعافه، لأن الله تعالى هداه بسابق عنايته إلى محاسن الشّيم، وفضّله بخافي لطفه على كثير من الأمم.

وهذا أوان الشروع في الكلام على دولة دولة:

ص: 78