الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو لا يعلم فمات. وذلك في سنة تسع وستين ومائة. وقال أبو العتاهية يصف جواريه وقد برزن بعد موته وعليهنّ المسوح:
رحن في الوشي وأقبلن عليهنّ المسوح [1]
…
كلّ نطّاح من الدّهر له يوم نطوح
لست بالباقي ولو عمّرت ما عمّر نوح
…
فعلى نفسك نح إن كنت لا بدّ تنوح
(رمل)
شرح حال الوزارة في أيّامه
في أيّامه ظهرت أبّهة الوزارة بسبب كفاءة وزيره أبي عبيد الله معاوية بن يسار فإنّه جمع له حاصل المملكة، ورتّب الديوان، وقرّر القواعد. وكان كاتب الدنيا وأوحد النّاس حذقا وعلما وخبرة. وهذا شرح طرف من حاله.
وزارة أبي عبيد الله معاوية بن يسار للمهديّ
هو من موالي الأشعريّين [2] . كان كاتب المهديّ ونائبة قبل الخلافة، ضمّه المنصور إليه، وكان قد عزم أن يستوزره، لكنه آثر به ابنه المهديّ، فكان غالبا على أمور المهديّ لا يعصي له قولا، وكان المنصور لا يزال يوصيه فيه ويأمره بامتثال [3] ما يشير به، فلمّا مات المنصور وجلس المهديّ على سرير الخلافة، فوّض إليه تدبير المملكة وسلّم إليه الدواوين. وكان مقدّما في صناعته فاخترع أمورا: منها أنه نقل الخراج إلى المقاسمة- وكان السّلطان يأخذ عن الغلات خراجا
[1] المسوح: جمع مسح. وهو كساء من شعر خشن يلبس في حال الحزن أو التزهّد.
[2]
الأشعريّون: موالي أبي موسى الأشعري الصّحابيّ وهو أحد الحكمين بين عليّ ومعاوية.
[3]
الامتثال: الطاعة.
فوّض إليه تدبير المملكة وسلّم إليه الدواوين. وكان مقدّما في صناعته فاخترع أمورا: منها أنه نقل الخراج إلى المقاسمة- وكان السّلطان يأخذ عن الغلات خراجا مقرّرا ولا يقاسم- فلمّا ولي أبو عبيد الله الوزارة قرّر أمر المقاسمة، وجعل الخراج على النّخل والشّجر، واستمرّ الحال في ذلك إلى يومنا، وصنّف كتابا في الخراج، وذكر فيه أحكامه الشرعيّة ودقائقه وقواعده، وهو أول من صنّف كتابا في الخراج، وتبعه الناس بعد ذلك فصنّفوا كتب الخراج، وكان شديد التكبّر والتجبّر.
روي أنّ الرّبيع لمّا قدم من مكّة بعد موت المنصور، وأخذ البيعة للمهديّ حضر من ساعة وصوله إلى باب أبي عبيد الله، فقال له ابنه الفضل: يا أبي، نبدأ به قبل أمير المؤمنين، وقبل منزلنا؟ قال: نعم يا بنيّ، هو صاحب الرجل والغالب على أمره. قال: فوصل الربيع إلى باب أبي عبيد الله الوزير فوقف ساعة حتّى خرج الحاجب ثم دخل فاستأذن له فأذن له. فلمّا دخل عليه لم يقم له، ثمّ سأله عن مسيره وحاله فأخبره وشرع الربيع يحدّثه بما جرى في مكّة من موت المنصور واجتهاده في أخذ البيعة للمهديّ، فسكّته وقال: قد بلغني الخبر فلا حاجة إلى إعادته فاغتاظ الربيع ثم قام فخرج، وقال لابنه الفضل: عليّ كذا وكذا إن لم أبذل مالي وجاهي في مكروهة وإزالة نعمته. ومضى الربيع إلى المهديّ فاستحجبه [1] واختصّ به كما كان مع أبيه فشرع في إفساد حال أبي عبيد الله الوزير بكلّ وجه، فلم يتّفق له ذلك. فخلا ببعض أعدائه وقال له: قد ترى ما فعل معك أبو عبيد الله- وكان قد أساء إليه- وما فعل معي أيضا فهل عندك تدبير في أمره؟ قال الرجل لا والله ما عندي حيلة تنفذ عليه فإنّه أعفّ الناس يدا ولسانا، ومذهبه مذهب مستقيم وحذقه في صناعته ما عليه مزيد وعقله وكفاءته كما علمت. ولكنّ ابنه رديء الطريقة مذموم السّيرة، والقول يسرع إليه. فإن تهيّأ حيلة من جهة ابنه فعسى ذلك فقبّله الربيع بين عينيه، ولاح له وجه الحيلة عليه، فسعى بابنه [2] إلى المهديّ
[1] استحجبه: جعله حاجبه.
[2]
سعى به: وشى به.
أنواعا من السّعايات وأخذ يرميه بالزّندقة [1] . وكان المهديّ شديدا على أهل الإلحاد والزّندقة، لا يزال يتطلع عليهم ويفتك بهم. فلمّا رسخ في ذهن المهديّ زندقة ابن الوزير استدعى به، فسأله عن شيء من القرآن العزيز فلم يعرف فقال لأبيه وكان حاضرا: ألم تخبرني أنّ ابنك يحفظ القرآن؟ قال بلى يا أمير المؤمنين ولكن فارقني مذ مدّة فنسيه. فقال له: قم فتقرّب إلى الله بدمه. فقام أبو عبيد الله فعثر ووقع وارتعد، فقال له العبّاس بن محمّد عمّ المهديّ: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تعفي الشيخ من قتل ولده، ويتولّى ذلك غيره. فأمر المهديّ بعض من كان حاضرا بقتله فضربت عنقه. واستمرّ أبوه على حاله من الخدمة إلا أنه ظهر عليه الانكسار وتنمّر قلبه [2] ، وتنمّر قلب المهديّ منه. فدخل بعض الأيّام على المهديّ ليعرض عليه كتبا قد وردت من بعض الأطراف، فتقدّم المهديّ بإخلاء المجلس فخرج كلّ من به إلا الرّبيع، فلم يعرض أبو عبيد الله شيئا من الكتب، وطلب أن يخرج الربيع فقال له المهديّ: يا ربيع اخرج. فتنحى الربيع قليلا، فقال المهديّ: ألم آمرك بالخروج؟ قال: يا أمير المؤمنين، كيف أخرج وأنت وحدك وليس معك سلاح؟ وعندك رجل من أهل الشّأم اسمه معاوية، وقد قتلت بالأمس ولده، وأوغرت صدره- على هذه الحال وأخرج؟! فثبت هذا المعنى في نفس المهديّ إلا أنه قال: يا ربيع، إنّي فكيف أدعك معه أثق بأبي عبيد الله في كلّ حال. وقال لأبي عبيد الله الوزير: اعرض ما تريد فليس دون الرّبيع سرّ. ثم قال بعد ذلك المهديّ للربيع: إني أستحي من أبي عبيد الله بسبب قتل ولده فأحجبه عنّي.
فحجب عنه، وانقطع بداره، واضمحلّ أمره، وتهيّأ للربيع ما أراده من إزالة نعمته ومات أبو عبيد الله معاوية بن يسار في سنة سبعين ومائة.
[1] الزندقة: الخروج على الدين.
[2]
تنمّر قلبه: شحن بالحذر والكراهية.