الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك! فانظر إلى هذا وإلى أبيه عبد الملك حين خرج إلى قتال مصعب بن الزبير، وصدّته عاتكة بنت يزيد بن معاوية فلم يلتفت إليها، واستشهد بذينك البيتين! وقد سبق شرح ذلك في ترجمة عبد الملك بن مروان. ولم تكن دولة يزيد طائلة، ولا وقع فيها من الفتوح والوقائع ما تحسن حكايته. وكانت وفاته في سنة خمس ومائة عشقا وصبابة.
ثمّ ملك بعده أخوه هشام بن عبد الملك
كان هشام بخيلا شديد البخل، إلا أنّه كان غزير العقل حليما عفيفا. امتدّت أيّامه وجرى فيها وقائع. فمن وقائعها الشهيرة: قتل زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
شرح مقتل زيد بن عليّ بن الحسين إمام الزيديّة رضي الله عنه
كان زيد من عظماء أهل البيت- عليهم السلام علما وزهدا وورعا وشجاعة ودينا وكرما. وكان دائما يحدّث نفسه بالخلافة، ويرى أنّه أهل لذلك.
وما زال هذا المعنى يتردّد في نفسه، ويظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه، حتّى كانت أيّام هشام بن عبد الملك، فاتّهمه بوديعة لخالد بن عبد الله القسريّ أمير الكوفة، فحمله إلى يوسف بن عمر أميرها في ذلك العصر، فاستخلفه أن ما لخالد عنده مال، وخلّى سبيله فخرج ليتوجّه إلى المدينة فتبعه أهل الكوفة وقالوا له: أين تذهب- يرحمك الله- ومعك مائة ألف سيف نضرب بها دونك، وليس عندنا من بني أميّة إلا نفر قليل؟ لو أنّ قبيلة واحدة منّا صمدت لهم لكفتهم بإذن الله، ورغّبوه بهذا، وأمثاله، فقال لهم: يا قوم إنّي أخاف غدركم، فإنّكم فعلتم بجدّي الحسين- عليه السلام ما فعلتم، وأبى عليهم. فقالوا: نناشدك الله إلا ما رجعت، ونحن نبذل أنفسنا دونك، ونعطيك من الأيمان والعهود والمواثيق ما تثق به، فإنّا نرجو أن تكون المنصور. وأن يكون هذا الزمان الّذي يهلك فيه بنو أميّة. فلم يزالوا به
حتّى ردّوه. فلمّا رجع إلى الكوفة أقبلت الشّيعة تختلف [1] إليه يبايعونه، حتّى أحصى ديوانه خمسة عشر ألفا من أهل الكوفة، سوى أهل المدائن والبصرة، وواسط والموصل [2] . وأهل خراسان والريّ وجرجان والجزيرة وأقاموا بالكوفة شهورا ثم تمّ الأمر لزيد وخفقت الألوية على رأسه. قال: الحمد للَّه الّذي أكمل لي ديني، والله إنّي كنت أستحيي من رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم أن أرد عليه الحوض [3] غدا، ولم آمر في أمّته بمعروف، ولم أنه عن منكر فلما اجتمع الناس مع زيد أظهر أمره، ونابذ من خالفه فجمع له يوسف [4] بن عمر جموعا وبرز إليه وعبّأ كلّ منهما أصحابه والتقى الفريقان، وجرى بينهم قتال شديد فتفرّق أصحاب زيد عنه وخذلوه، فبقي في شرذمة يسيرة فأبلى هو- رضي الله عنه بلاء حسنا، وقاتل قتالا شديدا فجاءه سهم فأصاب جبينه فطلب حدّادا فنزع السّهم من جبينه فكانت فيه نفسه فمات- رضي الله عنه من ساعته، فحفر له أصحابه قبرا في ساقية ودفنوه فيه وأجروا الماء على قبره خوفا أن يمثّلوا به، فلما استظهر يوسف بن عمر أمير الكوفة تطلّب قبر زيد فلم يعرفه، فدلّه عليه بعض العبيد فنبشه وأخرجه فصلبه، فبقي مدّة مصلوبا، ثمّ أحرق وذرى رماده في الفرات رضي الله عنه وسلّم عليه، ولعن ظالميه وغاصبيه حقّه، فلقد مضى شهيدا مظلوما) .
وفي أيّامه انبثّت دعاة بني العبّاس في البلاد الشرقيّة، وتحرّكت الشيعة خفية وغزت جنود هشام التّرك بما وراء النّهر، وكانت لجنوده الغلبة، ثمّ بعد ذلك قتل خاقان.
[1] تختلف إليه: ترد على منزله جيئة وذهابا.
[2]
المدائن والبصرة وواسط والموصل: من مدن العراق، والأولى كانت عاصمة الفرس.
[3]
الحوض: مورد الماء العذب الموعود به بالجنّة.
[4]
يوسف بن عمر: أبو يعقوب الثّقفيّ، ولي اليمن ثمّ العراق لهشام بن عبد الملك فقتل سلفه في الإمارة خالد بن عبد الله القسريّ. كان بطّاشا كالحجّاج. حبسه الخليفة يزيد بن الوليد وقتل في سجنه عام/ 127/ هـ.