الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاطره، واعتذر ذلك العالم عن هذا القول بأن هيبة السّلطان كانت عظيمة وسطوته مرهوبة، فما تجاسرت أن أقول بين يديه غير الحقّ. فهذا كان اعتقاد النّاس في بني العبّاس. وما قويت دولة من الدول على إزالة مملكتهم ومحو أثرهم سوى هذه الدولة القاهرة. نشر الله إحسانها وأعلى شأنها.
فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة، محا أثر بني العبّاس كلّ المحو، وغيّر جميع قواعدهم. حتّى إن الّذي كان يتلفّظ باسم بني العبّاس كان على خطر من ذلك.
وها هنا موضع حكاية
حدّثني نصر المليسيّ الحبشيّ أحد خدّام السّلطان- مدّ الله معدلته [1]، وأعلى في الدارين درجته- وكان قبل ذلك للخليفة المستعصم قال: لما ملكت بغداد أخرجوني وأنا صغير في جملة الخدم، فلازمنا خدمة الدّركاه [2] أيّاما. فلمّا بعدنا من بغداد أحضرنا السّلطان هولاكو يوما بين يديه، وكان علينا زيّ الخلافة، فقال:
أنتم كنتم قبل هذا للخليفة، وأنتم اليوم لي. فينبغي أن تخدموني خدمة جيدة بنصيحة وتزيلوا من قلوبكم اسم الخليفة، فذاك شيء كان ومضى. وإن آثرتم تغيير هذا الزّي، والدّخول في زيّنا كان أصلح. قال: قلنا: السّمع والطاعة. ثم غيّرنا زينا ودخلنا زيّهم.
شرح ابتداء الدولة العباسيّة
روي أنّ الرسول- صلوات الله عليه- كان يجري على لفظه الشريف ما معناه البشارة بدولة هاشميّة. فزعم ناس أنه قال: تكون لرجل من ولدي. وزعم ناس أنه- عليه الصلاة والسلام قال لعمّه العبّاس- رضي الله عنه وسلّم-:
إنّها تكون في ولدك، وأنه حين أتاه بابنه عبد الله أذّن في أذنه وتفل في فيه، وقال
[1] معدلته: سلطان عدله.
[2]
الدّركاه: القصر أو السّدّة السلطانية باللغة الفارسية.
«اللَّهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» ثمّ دفعه إلى أبيه وقال له: خذ إليك أبا الأملاك. فمن زعم هذا الزعم قال: إن الدولة العباسيّة هي الدولة المبشّر بها، وكانت دولة بني أميّة مكروهة عند الناس ملعونة مذمومة، ثقيلة الوطأة مستهترة بالمعاصي والقبائح فكان الناس من أهل الأمصار ينتظرون هذه الدولة صباح مساء، وكان محمّد بن عليّ بن أبي طالب- عليه السلام وهو المعروف بابن الحنفيّة، قد اعتقد فيه أنّه صاحب الدّولة بعد قتل أخيه الحسين- عليه السلام ما عدا الإماميّة، فإنّ اعتقادهم إمامة عليّ بن الحسين زين العابدين- عليه السلام وإمامة بنيه واحدا بعد واحد إلى القائم محمّد بن الحسن عليه السلام .
فلما مات محمّد بن الحنفية [1]عليه السلام أوصى إلى ابنه أبي هاشم عبد الله. وكان أبو هاشم من رجال أهل البيت- عليهم السلام فاتّفق أنّه قصد دمشق وافدا على هشام بن عبد الملك، فبرّه هشام ووصله، ثمّ رأى من فصاحته ورياسته وعلمه ما حسده عليه وخاف منه، فبعث إليه وقد رجع إلى المدينة من سمّه في لبن. فلمّا علم بذلك عدل إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، وكان نازلا بالحميمة من أرض الشأم، فأعلمه أنّه ميّت وأوصى إليه، وكان صحبته جماعة من الشّيعة فسلّمهم إليه وأوصاه فيهم ثمّ مات- رضي الله عنه فتهوّس محمّد بن عبد الله بالخلافة منذ يومئذ، وشرع في بثّ الدّعوة سرّا، وما زال الأمر على ذلك حتّى مات وخلّف أولاده. وهم جماعة: منهم إبراهيم الإمام، والسفّاح والمنصور، فقام إبراهيم الإمام بالأمر بعد أبيه، واستكثر من إرسال الدّعاة إلى الأطراف، خصوصا إلى خراسان فإنّهم كانوا أشدّ وثوقا بأهل خراسان من غيرهم من أهل الأمصار.
[1] محمّد بن الحنفيّة: ابن علي بن أبي طالب وأخو الحسن والحسين ولكن أمّه غير فاطمة الزهراء، بل هي خولة بنت جعفر الحنفيّة وإليها ينسب. كان أسود اللون، تقيّا ورعا. دعا المختار الثقفيّ إلى إمامته. حبسه عبد الله بن الزبير ليكرهه على بيعته. توفي بالطائف/ 81/ هـ.
أمّا أهل الحجاز. فقليلون. وأما أهل الكوفة والبصرة، فكان أهل البيت مذعورين لما جرى منهم على أمير المؤمنين- عليه السلام والحسن والحسين- عليهما السلام من الخذلان والغدر، وسفك الدّم. وأمّا أهل الشام ومصر- فهواهم في بني أميّة، وحبّ بني أميّة رسخ في قلوبهم. فلم يبق لهم من يسكنون إليه من أهل الأمصار إلا أهل خراسان.
وكان يقال- إنّ الرايات السّود الناصرة لأهل البيت تخرج من خراسان.
فأرسل إبراهيم الإمام جماعة من الدّعاة إلى خراسان، وكاتب مشايخها ودهاقينها فأجابوه ودعوا إليه سرّا. وأرسل في آخر الأمر أبا مسلم، فمضى إلى هناك وجمع الجموع. كلّ ذلك والأمر سرّ، والدّعوة مخفية لم تظهر بعد.
فلمّا كانت أيام مروان الحمار بن محمّد بن مروان- آخر خلفاء بني أميّة- كثر الهرج والمرج، ونما الشّرّ وثارت الفتن، واضطرب حبل بني أميّة، واختلفت كلمتهم وقتل بعضهم بعضا- أظهر أبو مسلم دعوة بني العباس، واجتمع إليه كلّ من له في ذلك رأي من أهل خراسان، وجرّ عسكرا كثيفا ليقاتل به أمير خراسان وهو نصر بن سيّار [1] . فلمّا بلغ نصرا حال أبي مسلم وجموعه، راعه ذلك فكتب إلى مروان الحمار:
أرى بين الرّماد وميض نار
…
ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن لم يطفها عقلاء قوم
…
يكون وقودها جثث وهام
فإنّ النار بالعودين تذكى
…
وإنّ الحرب أوّلها كلام
فقلت من التعجّب ليت شعري
…
أأيقاظ أميّة أم نيام؟
فكتب إليه مروان: إنّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم أنت هذا الداء الّذي قد ظهر عندك. فقال نصر بن سيّار لأصحابه: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده. وتواترت الأخبار إلى مروان بهذا الأمر، وحبله كلما جاء خبر
[1] نصر بن سيّار: أمير داهية شجاع ولّي على خراسان عام/ 120/ هـ من قبل هشام بن عبد الملك فغزا وفتح وأقام بمرو، وحين قويت الدعوة العبّاسيّة حذّر مروان بن محمّد وأخذ يتنقّل في طلب النجدة ضدّ أبي مسلم قائد الدعوة العباسية. مات بساوة/ 131/ هـ.
يضطرب، وأمره في كلّ يوم يضعف. ثم بلغه أن الّذي تدعو الدعاة إليه هو إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس أخو السفّاح والمنصور، فأرسل إليه وقبض عليه، وأحضره إلى حرّان فحبسه فيها، ثمّ سمّه في الحبس فمات.
ثمّ جرت بين أبي مسلم وبين نصر بن سيّار وغيره من أمراء خراسان حروب ووقائع، كانت الغلبة فيها للمسوّدة وهم عسكر أبي مسلم، وإنّما سمّوا- المسودة لأنّ الزّي الّذي اختاروه لبني العبّاس هو لون السّواد. فانظر إلى قدرة الله تعالى وأنه إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه، وإذا أراد أمرا فلا مردّ لأمره.
لما قدّر الله انتقال الملك إلى بني العبّاس هيّأ جميع الأسباب- فكان إبراهيم الإمام ابن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بالحجاز أو بالشام جالسا على مصلاه مشغولا بنفسه وعبادته ومصالح عياله، ليس عنده من الدّنيا طائل، وأهل خراسان يقاتلون عنه ويبذلون نفوسهم وأموالهم دونه، وأكثرهم لا يعرفه ولا يفرّق بين اسمه وشخصه. وانظر إلى إبراهيم الإمام، هو بتلك الحالة من الانقطاع بداره واعتزال الدّنيا وهو بالحجاز أو بالشام، وله مثل هذا العسكر العظيم في خراسان يبذلون نفوسهم دونه، لا ينفق عليهم مالا، ولا يعطي أحدهم دابّة ولا سلاحا. بل هم يجبون إليه الأموال ويحملون إليه الخراج في كلّ سنة.
ولما قدّر الله تعالى خذلان مروان، وانقراض ملك بني أميّة، وكان مروان خليفة مبايعا، ومعه الجنود والأموال والسّلاح، والدّنيا بأجمعها عنده، والنّاس يتفرّقون عنه وأمره يضعف، وحبله يضطرب، فما زال يضمحلّ حتّى هزم وقتل، فتعالى الله!!.
ولمّا غلب أبو مسلم على خراسان واستولى على كورها [1] وقويت شوكته سار إلى العراق بالجنود. وكان لمّا قبض مروان على إبراهيم الإمام وحبسه بحرّان [2] وكان لهم بها شيعة- منهم أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال. وكان من كبار
[1] كورها: قراها المسكونة، جمع كورة: وهي البقعة المأهولة أو القرية.
[2]
حرّان: مدينة قديمة تقع ما بين النهرين في تركيا اليوم، نقل إليها مروان بن محمّد الأموي مقرّ إدارته في أواخر أيّام الدولة الأمويّة.