المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌شرح الحال في تحيز الجيش إلى العراق واستخلاص الملك من الفرس - الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

[ابن الطقطقي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المحقق

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌الفصل الأول في الأمور السّلطانيّة والسّياسات الملكيّة

- ‌فصل من الدّعاء مختصر

- ‌الدولة الأولى: دولة الأربعة وهم المعروفون بالخلفاء الراشدين

- ‌شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل الاختصار

- ‌شرح كيفية ذلك

- ‌شرح مبدإ الحال في انتقال الملك من الأكاسرة إلى العرب

- ‌شرح الحال في تحيّز الجيش إلى العراق واستخلاص الملك من الفرس

- ‌ذكر طرف مستملحة وقعت حينئذ

- ‌ذكر ما آلت إليه حال يزدجرد

- ‌شرح كيفيّة تدوين الدّواوين

- ‌شرح مبدإ وقعة الجمل وكيفية الحال في ذلك

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك

- ‌حديث الخوارج وما كان منهم وما آلت بهم الحال إليه

- ‌كرامة لأمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه

- ‌وفاة الأربعة

- ‌وفاة أبي بكر- رضي الله عنه

- ‌مقتل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه

- ‌ذكر الشّورى وصفة الحال في ذلك

- ‌مقتل عثمان بن عفّان

- ‌مقتل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام

- ‌الدولة الثانية: الدولة الأموية وهي التي تسلّمت الملك من الدولة الأولى

- ‌ذكر شيء من سيرة معاوية، ووصف طرف من حاله

- ‌كلام في معنى البريد

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه يزيد

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك على وجه الاختصار

- ‌شرح كيفية وقعة الحرّة

- ‌شرح كيفيّة غزو الكعبة

- ‌ثم ملك بعده ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية

- ‌شرح كيفية ذلك على وجه الاختصار

- ‌ثمّ ملك ابنه عبد الملك بن مروان

- ‌ثمّ ملك ابنه الوليد

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه سليمان بن عبد الملك

- ‌ثمّ ملك بعده عمر بن عبد العزيز بن مروان

- ‌ثمّ ملك بعده يزيد بن عبد الملك

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه هشام بن عبد الملك

- ‌شرح مقتل زيد بن عليّ بن الحسين إمام الزيديّة رضي الله عنه

- ‌ثمّ ملك بعده الوليد بن يزيد بن عبد الملك

- ‌ثمّ ملك بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان

- ‌ثمّ ملك بعده مروان بن محمّد بن مروان

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك على سبيل الاختصار

- ‌[الكلام على الدولة العباسية]

- ‌ذكر انتقال الملك من بني أميّة إلى بني العبّاس

- ‌شرح ابتداء أمر أبي مسلم الخراسانيّ ونسبه

- ‌مقدّمة أخرى قبل الخوض فيها

- ‌وها هنا موضع حكاية

- ‌شرح ابتداء الدولة العباسيّة

- ‌شرح كيفيّة الوقعة بالزّاب وخذلان مروان وانهزامه

- ‌شرح مقتل مروان الحمار [3]

- ‌وهي التي تسلمت الملك من الدولة الأموية

- ‌أول خليفة ملك منهم: السفّاح

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌ذكر شيء من سيرته ومقتله

- ‌ذكر وزارة خالد بن برمك وشيء من سيرته

- ‌ثمّ ملك بعد أخوه أبو جعفر المنصور

- ‌شرح كيفيّة الحال في بناء بغداد

- ‌ذكر السّبب في فعل المنصور ما فعل ببني الحسن عليهم السلام

- ‌شرح خروج النّفس الزكيّة

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك على سبيل الاختصار

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك على سبيل الاختصار

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح كيفيّة خلع عيسى بن موسى

- ‌شرح السّبب في بنائها

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي أيّوب الموريانيّ للمنصور

- ‌مكرمة

- ‌ذكر القبض على أبي أيّوب سليمان الموريانيّ

- ‌وزارة الربيع بن يونس للمنصور

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه محمّد المهديّ

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي عبيد الله معاوية بن يسار للمهديّ

- ‌وزارة أبي عبيد الله يعقوب بن داود للمهديّ

- ‌شرح السّبب في القبض عليه وكيفيّة ما جرى

- ‌وزارة الفيض بن أبي صالح للمهديّ

- ‌انقضت أيّام المهديّ ووزرائه ثمّ ملك بعده ابنه موسى الهادي

- ‌شرح كيفيّة الوقعة بفخّ

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة إبراهيم بن ذكوان الحرّانيّ للهادي

- ‌خلافة هارون الرّشيد

- ‌شرح كيفيّة الحال في خروج يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ- بن أبي طالب عليه السلام

- ‌شرح الآية التي ظهرت في قضيّة يحيى بن عبد الله

- ‌شرح كيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌شرح أحوال الدّولة البرمكيّة وذكر مبدئها ومآلها

- ‌ذكر وزارة يحيى بن خالد للرّشيد

- ‌سيرة ولده الفضل بن يحيى

- ‌سيرة جعفر بن يحيى البرمكيّ

- ‌أمارة تدلّ على انحراف دولتهم

- ‌شرح السّبب في نكبة البرامكة وكيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح مقتل جعفر بن يحيى والقبض على أهله

- ‌وزارة أبي العبّاس الفضل بن الرّبيع

- ‌ثمّ ملك الأمين: محمّد بن زبيدة

- ‌شرح الفتنة بين الأمين والمأمون

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه عبد الله المأمون

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة ذي الرّئاستين الفضل بن سهل للمأمون

- ‌وزارة أخيه الحسن بن سهل للمأمون

- ‌وزارة أحمد بن أبي خالد الأحول للمأمون

- ‌وزارة أحمد بن يوسف بن القاسم للمأمون

- ‌وزارة أبي عباد ثابت بن يحيى بن يسار الرازيّ للمأمون

- ‌وزارة أبي عبد الله محمّد يزداد بن سويد للمأمون وهو آخر وزرائه

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه المعتصم أبو إسحاق محمّد

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح السّبب في بناء سامرّا وكيفيّة الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أحمد بن عمّار بن شاذي للمعتصم

- ‌وزارة محمّد بن عبد الملك الزيّات للمعتصم

- ‌ثمّ ملك بعده هارون الواثق بويع سنة سبع وعشرين ومائتين

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه جعفر المتوكّل

- ‌شرح مقتله على سبيل الاختصار

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي جعفر محمّد بن الفضل الجرجرائي للمتوكّل

- ‌وزارة عبيد الله بن يحيى بن خاقان

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه محمّد المنتصر

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أحمد بن الخصيب للمنتصر

- ‌ثمّ ملك بعده المستعين وهو أحمد بن المعتصم

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي صالح بن محمّد بن يزداد

- ‌ثمّ ملك بعده المعتزّ باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة الإسكافيّ للمعتزّ

- ‌وزارة أبي موسى عيسى بن فرخان شاه للمعتزّ

- ‌وزارة أبي جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباريّ للمعتزّ

- ‌ثمّ ملك بعده المهتدي باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة سليمان بن وهب بن سعيد للمهتدي

- ‌ثمّ ملك بعده المعتمد على الله

- ‌شرح حال صاحب الزنج ونسبه وما آل أمره عليه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان للمعتمد

- ‌وزارة الحسن بن مخلد للمعتمد

- ‌وزارة أبي الصّقر إسماعيل بن بلبل

- ‌وزارة أحمد بن صالح بن شيرزاد القطربّلي للمعتمد

- ‌وزارة عبيد الله بن سليمان بن وهب للمعتمد

- ‌ثمّ ملك بعده المعتضد ابن أخيه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه المكتفي باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة العبّاس بن الحسن

- ‌ثمّ ملك بعده المقتدر باللَّه

- ‌شرح الحال في ذلك

- ‌شرح حال الدّولة العلويّة وابتدائها وانتهائها على سبيل الاختصار

- ‌شرح ابتداء هذه الدّولة

- ‌شرح انتهائها

- ‌رجعنا إلى تتمة خلافة المقتدر

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة ابن الفرات

- ‌وزارة الخاقانيّ

- ‌وزارة عليّ بن عيسى للمقتدر

- ‌وزارة حامد بن العبّاس

- ‌وزارة أبي القاسم عبيد الله بن محمّد بن عبيد الله ابن يحيى بن خاقان

- ‌وزارة أبي العبّاس أحمد بن عبيد الله بن أحمد ابن الخصيب للمقتدر

- ‌وزارة أبي عليّ محمّد بن عليّ بن مقلة للمقتدر

- ‌وزارة أبي القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد للمقتدر

- ‌وزارة أبي القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانيّ للمقتدر

- ‌وزارة الحسين بن القاسم بن عبيد الله ابن سليمان بن وهب للمقتدر

- ‌وزارة أبي الفضل جعفر بن الفرات

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه القاهر

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌شرح حال دولة آل بويه وابتدائها وانتهائها

- ‌ثمّ ملك بعد القاهر ابن أخيه الراضي باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة عبد الرحمن بن عيسى بن الجرّاح

- ‌وزارة أبي جعفر بن محمّد بن القاسم الكرخيّ للرّاضي باللَّه

- ‌وزارة سليمان بن الحسن بن مخلد للراضي باللَّه

- ‌وزارة أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات للراضي باللَّه

- ‌ثمّ ملك بعده أخوه المتّقي باللَّه أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة أبي عبد الله البريديّ للمتّقي

- ‌وزارة أبي إسحاق محمّد بن إبراهيم الإسكافيّ المعروف بالقراريطي للمتّقي

- ‌وزارة البريديّ مرّة ثانية

- ‌وزارة أبي العبّاس أحمد بن عبيد الله الأصفهانيّ للمتقي

- ‌وزارة أبي الحسن عليّ بن أبي عليّ بن مقلة للمتّقي

- ‌ثمّ ملك بعده أبو القاسم عبد الله المستكفي ابن المكتفي بن المعتضد

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌ثمّ ملك بعده المطيع للَّه أبو القاسم الفضل بن المقتدر

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه عبد الكريم أبو بكر الطّائع لأمر الله

- ‌ثمّ ملك بعده القادر أبو العبّاس أحمد ابن إسحاق بن المقتدر

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله

- ‌شرح حال الدّولة السلجوقيّة وابتدائها وانتهائها

- ‌ذكر ابتداء حالهم

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة ابن جهير

- ‌وزارة رئيس الرّؤساء عليّ بن الحسين بن أحمد ابن محمّد عمر بن المسلمة

- ‌ثمّ ملك بعده ابن ابنه المقتدي بأمر الله

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة ابنه عميد الدّولة محمّد بن محمّد ابن محمّد بن جهير للمقتدي

- ‌وزارة أبي شجاع ظهير الدين محمّد بن الحسين الهمذانيّ للمقتدي

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه المستظهر باللَّه أبو العبّاس أحمد

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة أبي المعالي هبة الله بن محمّد ابن المطّلب للمستظهر

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه المسترشد أبو منصور الفضل بن المستظهر باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة الشريف أبي القاسم عليّ بن طراد الزّينبيّ

- ‌وزارة الوزير أبي نصر أحمد بن الوزير نظام الملك للمسترشد

- ‌وزارة أنوشروان خالد بن محمّد القاشانيّ للمسترشد

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه الرّاشد باللَّه أبو جعفر منصور بن المسترشد

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌ثمّ ملك بعده عمّه المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمّد بن المستظهر

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة نظام الدّين أبي نصر المظفّر بن محمّد ابن جهير البغداديّ للمقتفي

- ‌وزارة مؤتمن الدّولة أبي القاسم عليّ ابن صدقة للمقتفي

- ‌وزارة عون الدّين أبي المظفّر يحيى بن هبيرة للمقتفي

- ‌ثمّ ملك بعده المستنجد باللَّه المظفّر يوسف

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة ولده محمّد بن يحيى بن هبيرة

- ‌وزارة شرف الدّين أبي جعفر محمّد بن أبي الفتح بن البلديّ للمستنجد باللَّه

- ‌ثمّ ملك بعده ولده المستضيء أبو محمّد الحسن بن المستنجد باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة ظهير الدّين أبي بكر منصور بن أبي القاسم نصر بن العطّار

- ‌ثمّ ملك بعده ابنه الإمام الناصر لدين الله أبو العبّاس أحمد بن المستضيء بأمر الله

- ‌شرح حال الوزارة في أيّامه

- ‌وزارة جلال الدين أبي المظفّر عبيد الله

- ‌وزارة معزّ الدين سعيد بن عليّ بن جديدة الأنصاريّ

- ‌وزارة مؤيّد الدين أبي المظفّر محمّد ابن أحمد بن القصّاب

- ‌وزارة السيّد نصير الدين ناصر بن مهديّ العلويّ الرازيّ للناصر

- ‌وزارة مؤيّد الدين محمّد بن عبد الكريم برز [2] القمّي للناصر

- ‌ثمّ ملك بعده ولده أبو نصر محمّد الظاهر بأمر الله ابن الناصر لدين الله

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌ثمّ ملك بعده ولده أبو جعفر المنصور المستنصر باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة نصير الدّين أبي الأزهر أحمد ابن محمّد بن الناقد

- ‌ثمّ ملك بعده ولده أبو أحمد عبد الله المستعصم باللَّه

- ‌شرح حال الوزارة في أيامه

- ‌وزارة مؤيّد الدين أبي طالب محمد بن أحمد بن العلقميّ

الفصل: ‌شرح الحال في تحيز الجيش إلى العراق واستخلاص الملك من الفرس

ذلك. ففي تلك الحال وصل كتاب من فارس بخمود النار، فازداد كسرى غمّا إلى غمّه وفي تلك الحال قام الموبذان [1] وقص الرؤيا التي رآها، قال: رأيت- أصلح الله الملك- كأنّ إبلا ضعافا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فقال له كسرى: فأيّ شيء يكون تأويل هذا؟ قال أصلح الله الملك، حادث يحدث من جهة العرب وفشا الحديث بذلك بين العجم وتحدّث به الناس فسكن الرّعب قلوبهم وثبتت هيبة العرب في نفوسهم. ثم تتابعت أمثال هذه المنذرات الخواذل إلى آخر الأمر: فإنّ رستم لما خرج لمحاربة سعد بن أبي وقّاص رأى في منامه كان ملكا قد نزل من السماء، وجمع قسيّ الفرس وختم عليها وصعد بها إلى السماء، ثم انضمّ إلى ذلك ما كانوا يشاهدونه من سداد منطق العرب، وطمأنينة نفوسهم، وشدّة صبرهم على الشدائد ثم ما جرى في آخر الأمر من اختلاف كلمتهم بعد موت شهريار وجلوس يزدجرد على سرير المملكة وهو صبيّ حدث ضعيف الرأي. ثم الطّامّة الكبرى وهي انعكاس الريح عليهم في حرب القادسيّة، حتى أعمتهم بالغبار وعمّتهم بالدمار، وفيها قتل رستم [2] وانفلّ جيشهم. فانظر إلى هذه الخواذل، واعلم أن للَّه أمرا هو بالغه.

‌شرح الحال في تحيّز الجيش إلى العراق واستخلاص الملك من الفرس

كان ثغر [3] فارس من أثقل الثّغور على العرب، وأعظمها في نفوسهم وأكثرها هيبة. وكانوا يكرهون غزوة ويجنبون عنه استعظاما لشأن الأكاسرة، ولما هو مشهور من تدويخهم الأمم، حتى كان آخر أيام أبي بكر- رضي الله عنه فقام رجل من الصحابة يقال له: المثنّى [4] بن حارثة- رضي الله عنه وندب

[1] الموبذان: حكيم الحكماء باللغة الفارسيّة.

[2]

رستم: آخر قوّاد الفرس، هزمه سعد بن أبي وقّاص في القادسيّة.

[3]

الثّغر: مصطلح قديم لمنطقة الحدود والتناحر مع الأعداء.

[4]

المثنّى بن حارثة: صحابيّ وقائد، نسبه إلى بني شيبان. غزا بلاد فارس في أيّام أبي بكر، وأمدّه بخالد بن الوليد لفتح العراق وفارس. توفي متأثرا بجراحة عام/ 14/ هـ.

ص: 82

الناس إلى قتال فارس وهوّن عليهم الأمر، وشجّعهم على ذلك، فانتدب معه جماعة وتذكر الناس ما كان رسول الله- صلوات الله عليه- يعدهم به من تملّك كنوز الأكاسرة.

ولم يتمّ في ذلك أمر في خلافة أبي بكر، حتّى كانت أيام عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما وكتب إليه المثنّى بن حارثة يخبره باضطراب أمور الفرس وبجلوس يزدجرد بن شهريار [1] على سرير الملك وبصغر سنّه وكان قد جلس على السرير وعمره إحدى وعشرون سنة- فقوي حينئذ طمع العرب في غزو الفرس.

فخرج عمر- رضي الله عنه وعسكر ظاهر المدينة، والناس لا يعلمون أين يريد، وكانوا لا يتجاسرون على سؤاله عن شيء حتى إنّ بعضهم سأله مرة عن وقت الرحيل فزجره ولم يعلمه، فكانوا إذا أعضل عليهم أمر، وكان لا بد لهم من استعلامه منه استعانوا عليه بعثمان بن عفان أو بعبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنهما وإذا اشتدّ الأمر عليهم ثلّثوا بالعبّاس- رضي الله عنه فقال عثمان لعمر: يا أمير المؤمنين ما بلغك وما الّذي تريد؟ فنادى عمر رضي الله عنه الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إليه فأخبرهم الخبر ووعظهم وندبهم إلى غزو الفرس وهوّن عليهم الأمر. فأجابوا جميعا بالطاعة، ثم سألوه أن يسير معهم فقال: أفعل ذلك إلا أن يجيء رأي هو خير من هذا. ثم بعث إلى أصحاب الرأي وأعيان الصحابة وعقلائهم فأحضرهم واستشارهم، فأشاروا عليه بأن يقيم ويبعث رجلا من كبار الصحابة ويكون هو من ورائه يمدّه بالأمداد. فإن كان فتح فهو المطلوب، وإن هلك الرجل أرسل رجلا آخر. فلما انعقد إجماعهم على هذا الرأي صعد عمر المنبر- وكانوا إذا أرادوا يكلّمون الناس كلاما عامّا صعد أحدهم المنبر وخاطب الناس بما يريد- فلمّا صعد عمر قال: «أيّها الناس إنّي كنت عازما على الخروج معكم، وإن ذوي اللبّ والرأي منكم قد صرفوني عن هذا الرأي، وأشاروا

[1] يزدجرد بن شهريار: آخر ملوك الساسانيين. هزمه العرب في القادسيّة وفي نهاوند. مات اغتيالا وانقرضت بمقتله دولة الفرس الساسانيين عام/ 31/ هـ.

ص: 83

«بأن أقيم وأبعث رجلا من الصحابة يتولى أمر الحرب» ثم استشارهم فيمن يبعث، وفي تلك الحال وصل إليه كتاب من سعد بن أبي وقّاص وكان غائبا في بعض الأعمال، فأشاروا على عمر بسعد رضي الله عنهما وقالوا: إنّه الأسد عاديا.

ووافق ذلك حسن رأي من عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في سعد بن أبي وقّاص، فاستحضره وولاه حرب العراق وسلّم الجيش إليه- فسار سعد بالناس، وسار عمر بن الخطاب- رضي الله عنه معهم فراسخ [1] ، ثم وعظهم وحثهم على الجهاد وودعهم، وانصرف إلى المدينة، وتوجّه سعد، فجعل ينتقل في البريّة التي بين الحجاز والكوفة يستعلم الأخبار، ورسل عمر تأتيه وكتبه يشير عليه فيها بالرأي بعد الرأي، ويمدّه بالجنود بعد الجنود، حتّى استقر رأيه على قصد القادسيّة وهي كانت باب مملكة الفرس. فلما نزل سعد بالقادسية احتاج هو ومن معه إلى الأقوات فبعث ناسا وأمرهم بتحصيل شيء من الغنم والبقر، وقد أجفل أهل السواد قدّامهم، فوجدوا رجلا فسألوه عن الغنم والبقر فقال: لا علم لي بذلك وإذا هو الراعي، وقد أدخل الدوابّ في أجمة هناك. قالوا: فصاح ثور منها: كذب الراعي ها نحن في هذه الأجمة. فدخلوا إليها واستاقوا منها عدّة، وأحضروها إلى سعد فاستبشروا بذلك وعدّوها نصرة من الله تعالى. والثور إن لم يكن قد تلفظ بحروف يكذّب بها الراعي فإنّ صياحه في تلك الساعة حتى يستدلّ بصياحه على الدوابّ عند شدة الحاجة إليها تكذيب صريح للراعي. وهو من الاتّفاقات العظيمة الدّالّة على النصر والدولة والاستبشار به واجب. وحين ورد الخبر إلى العجم بوصول سعد بالجيش، ندبوا له رستم [2] في ثلاثين ألف مقاتل، وكان جيش العرب من سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف. ثم اجتمع إليهم بعد ذلك ناس فالتقوا، فكان العجم يضحكون من نبل العرب ويشبّهونها بالمغازل.

وها هنا موضع حكاية تناسب ذلك، لا بأس بإيرادها: حدّثني فلك الدين

[1] فراسخ: جمع فرسخ وهو مقياس قديم للمسافات.. يبلغ/ 8000/ مترا.

[2]

رستم: قائد الجيش الفارسيّ في القادسية، انتهت المعركة بمصرعه.

ص: 84

محمد [1] بن أيدمر قال: كنت في عسكر الدّويدار الصّغير لما خرج إلى لقاء التتر بالجانب الغربيّ من مدينة السّلام، في واقعتها العظمى سنة ستّ وخمسين وستّمائة قال: فالتقينا بنهر بشير من أعمال دجيل، فكان الفارس منّا يخرج إلى المبارزة، وتحته، فرس عربيّ وعليه سلاح تامّ كأنّه وفرسه الجبل العظيم، ثم يخرج إليه من المغول فارس تحته فرس كأنه حمار، وفي يده رمح كأنه المغزل، وليس عليه كسوة ولا سلاح فيضحك منه كلّ من رآه. ثم ما تمّ النهار حتّى كانت لهم الكرّة [2] فكسرونا كسرة عظيمة كانت مفتاح الشرّ ثم كان من الأمر ما كان.

ثم تردّدت الرسل بين رستم وسعد، فكان البدويّ يأتي إلى باب رستم وهو جالس على سرير الذهب، وقد طرحت له الوسائد المنسوجة بالذّهب، وفرش له الفرش المنسوج بالذهب وقد لبس العجم التيجان وأظهروا زينتهم وأقاموا الفيلة في حواشي المجلس. فيجيء البدويّ، وفي يده رمحه، وهو متقلّد سيفه متنكّب قوسه فيربط فرسه قريبا من سرير رستم، فيصيح العجم عليه ويهمّون بمنعه فيمنعهم رستم ثم يستدنيه [3] فيمشي إليه متكئا على رمحه يطأ به ذلك الفراش وتلك الوسائد فيخرّقها بزج رمحه وهم ينظرون. فإذا وصل إلى رستم راجعه الحديث، فكان رستم لا يزال يسمع منهم حكما وأجوبة تروعه وتهوله.

فمن ذلك أنّ سعدا- رضي الله عنه كان يبعث في كلّ مرّة رسولا. فقال رستم لبعض من أرسل إليه: لم لم يبعثوا إلينا صاحبنا بالأمس؟ قال: لأنّ أميرنا يعدل بيننا في الشدّة والرّخاء. وقال يوما لآخر: ما هذا المغزل الّذي في يدك؟

يعني رمحه فقال: إنّ الجمرة لا يضرّها قصرها، وقال مرّة أخرى لآخر: ما بال سيفك أراه رثّا؟ فقال: إنه خلق المغمد حديد المضرب. فراع رستم ما رأى من أمثال هذا وقال لأصحابه: انظروا فإن هؤلاء لا يخلو أمرهم من أن يكون صدقا أو

[1] فلك الدين محمّد بن أيدمر: من معارف ابن طباطبا ومعاصريه، ولم تترجم له المراجع المعروفة.

[2]

كانت لهم الكرّة: كناية عن الانتصار.

[3]

يستدنيه: يدعوه ليدنو منه.

ص: 85

كذبا، فإن كانوا كاذبين فإن قوما يحفظون أسرارهم هذا الحفظ، ولا يختلفون في شيء. وقد تعاهدوا على كتمان سرّهم هذا التعاقد، بحيث لا يظهر أحد سرّهم- لقوم في غاية الشدّة والقوة وإن كانوا صادقين فهؤلاء لا يقف حذاءهم أحد. فصاحوا حوله، وقالوا: الله الله أن تترك ما أنت عليه لشيء رأيته من هؤلاء الكلاب، بل صمّم على حربهم. فقال رستم: هو ما أقول لكم. ولكنني معكم على ما تريدون.

ثم اقتتلوا أياما كان في آخرها انعكاس الريح عليهم حتّى أعماهم الغبار، فقتل رستم، وانفلّ [1] الجيش، وغنمت أموالهم وأجفل [2] الفرس يطلبون مخاضات دجلة ليقعوا في الجانب الشرقيّ وقد تبعهم سعد عبر المخاضات، وقتل منهم مقتلة عظيمة أخرى بجلولاء [3] ، وغنم أموالهم وأسر بنتا لكسرى ثم كتب سعد إلى عمر- رضي الله عنهما بالفتح، وقد كان عمر في تلك الأيّام شديد التطلّع إلى أمر الجيش، فكان كلّ يوم يخرج إلى ظاهر المدينة راجلا يتنسم الأخبار، لعلّ أحدا يصل فيخبره بما كان منهم، فوصل البشير من عند سعد بالفتح فرآه عمر فقال له:

من أين جئت؟ قال: من العراق، قال: فما فعل سعد والجيش؟ قال: فتح الله عليهم. كلّ ذلك والرّجل سائر على ناقته وعمر يمشي في ركابه، وهو لا يعلم أنه عمر. فلمّا اجتمع الناس وسلّموا على عمر بإمرة المؤمنين عرفه البدويّ فقال: هلا أعلمتني- رحمك الله- أنّك أمير المؤمنين؟ قال: لا بأس عليك يا أخي. ثمّ كتب عمر إلى سعد: قف مكانك ولا تتبعهم، واقتنع بهذا، واتّخذ للمسلمين دار هجرة ومدينة يسكنونها، ولا تجعل بيني وبينهم بحرا، فاتّخذ لهم سعد الكوفة، واختطّ بها المسجد الجامع، واختط الناس المنازل ومصرّها [4] سعد، ثم حكم في المدائن، وملك الكنوز والذّخائر.

[1] انفلّ الجيش: هزم وتفرّق فلولا.

[2]

أجفل: خاف وفزع.

[3]

جلولاء: موقع بين العراق وبلاد فارس فيه انتصر المسلمون على يزدجرد الثالث آخر الملوك الساسانيّين.

[4]

مصرها: جعلها مصرا أي مدينة للإقامة بها.

ص: 86