الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يغلب الشراب عليه يغلبون على رأيه ويحسّنون له هلاكي؟ قال: فإنّي لجالس وعندي بنيّة لي، والكانون بين يديّ، وقدّامي رقاق وكامخ [1] ، وأنا أشطره بالكامخ وأسخّنه بالنار وآكل وأطعم الصّغيرة- وإذا بوقع حوافر الخيل، فظننت أنّ الدّنيا قد زلزلت، فقلت: هذا ما كنت أخافه وإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا والهادي في وسطهم على دابّة، فلما رأيته وثبت فقبّلت يده ورجله وحافر فرسه فقال لي: يا عبد الله: إني فكّرت في أمرك فقلت: ربّما سبق إلى ذهنك أني إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا حسن رأيي فيك فيقلقك ذلك فصرت إلى منزلك لأؤنّسك وأعلمك أن ما كان عندي من الحقد عليك قد زال جميعه. فهات وأطعمني ممّا كنت تأكل، لتعلم أني قد تحرّمت بطعامك، فيزول خوفك. فأدنيت إليه من ذلك الرقاق والكامخ فأكل، ثمّ قال: هاتوا ما صحبناه لعبد الله فدخل أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها. فقال: هذه لك، فاستعن بها على أمرك واحفظ هذه البغال عندك لعلّي أحتاج إليها لبعض أسفاري- ثمّ انصرف. ومن كلامه ما قاله لإبراهيم ابن مسلم بن قتيبة، وقد مات له ولد فجاء الهادي يعزّيه وكان عنده بمنزلة عظيمة، فقال له:«يا إبراهيم، سرّك ابنك وهو عدوّ وفتنة، وحزنك وهو صلاة ورحمة؟» فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين: ما بقي منّي جزء فيه حزن إلا وقد امتلأ عزاء. وفي أيّامه خرج صاحب فخّ [2] ، وهو الحسين بن عليّ بن الحسن ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام .
شرح كيفيّة الوقعة بفخّ
كان الحسين بن عليّ من رجال بني هاشم وسادتهم وفضلائهم، وكان قد عزم على الخروج، واتّفق معه جماعة من أعيان أهل بيته، ثمّ وقع من عامل المدينة تهضّم [3] لبعض آل عليّ عليه السلام . فثار آل أبي طالب بسبب ذلك،
[1] الرّقاق: الخبز المنبسط الرقيق، والواحدة منه الرّقاقة. الكامخ: إدام يؤتدم به أو هو المخلّل،
[2]
فخّ: موقع بين مكّة والمدينة.
[3]
التهضّم: الظلم والجور.
واجتمع إليهم ناس كثيرون، وقصدوا دار الإمارة فتحصّن منهم عاملها، فكسروا السّجون وأخرجوا من بها. وبويع الحسين بن عليّ- عليه السلام ثمّ نما أمرهم، فأرسل إليهم محمّد بن سليمان- وقالوا: سليمان بن المنصور- في عسكر فالتقوا بموضع يقال له فخّ بين مكّة والمدينة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثمّ قتل الحسين بن عليّ- رضي الله عنه وحمل رأسه إلى موسى الهادي، فلمّا وضع الرأس بين يديه قال لمن أحضره: كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إنّ أقلّ ما أجزيكم به حرمانكم. ولم يطلق لهم شيئا.
وكان الحسين بن عليّ- رضي الله عنه صاحب فخّ شجاعا كريما. قدم على المهديّ فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فروا ما تحته قميص رضي الله عنه وسلّم عليه) .
ولم تطل مدّة الهادي، فيقال: إن أمّه الخيزران أمرت جواريها بقتله، فجلسوا على وجهه حتّى مات. وسبب ذلك قد اختلف فيه، فقيل. إنّ الخيزران كانت متبسّطة [1] في دولة المهديّ تأمر وتنهى، وتشفع وتبرم وتنقض، والمواكب تروح وتغدو إلى بابها. فلمّا ولي الهادي وكان شديد الغيرة كره ذلك، وقال لها: ما هذه المواكب التي يبلغني أنها تغدو وتروح إلى بابك؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكّرك، أو بيت يصونك؟ والله- وإلا أنا نفي من قرابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد قوّادي وخاصّتي لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله. ثمّ قال لأصحابه: أيّما خير، أنا وأمّي أم أنتم وأمّهاتكم؟
قالوا: بل أنت وأمّك، قال: فأيّكم يحبّ أن يتحدّث الرّجال بخبر أمّه فيقال: فعلت
[1] متبسّطة: متسلّطة، متحكّمة.