الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: غاب عنهم واضمحل ما كانوا يفترونه: من أن شركائهم تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى، كما قال تعالى:{وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} الآية، وكقوله:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وضلال ذلك عنهم مذكور في آيات كثيرة، كقوله تعالى:{وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30)} وقوله: {فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)} وقد قدمنا معاني "الضلال" في القرآن وفي اللغة بشواهدها.
•
قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88)}
اعلم أولًا أن "صد" تستعمل في اللغة العربية استعمالين:
أحدهما: أن تستعمل متعدية إلى المفعول، كقوله تعالى:{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية، ومضارع هذه المتعدية "يصد" بالضم على القياس، ومصدرها "الصد" على القياس أيضًا.
والثاني: أن تستعمل "صد" لازمة غير متعدية إلى المفعول، ومصدر هذه "الصدود" على القياس، وفي مضارعها الكسر على القياس، والضم على السماع، وعليهما القراءتان السبعيتان في قوله:{إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} بالكسر والضم.
فإذا عرفت ذلك: فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} محتمل لأن تكون "صد" متعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، على حد قوله في الخلاصة:
وحذف فضلة أجز إن لم يضر
…
كحذف ما سيق جوابًا أو حصر
ومحتمل لأن تكون "صد" لازمة غير متعدية إلى المفعول. ولكن في الآية الكريمة ثلاث قرائن تدل على أن "صد" متعدية، والمفعول محذوف، أي: وصدوا الناس عن سبيل الله.
الأولى: أنا لو قدرنا "صد" لازمة، وأن معناها: صدودهم في أنفسهم عن الإسلام: لكان ذلك تكرارًا من غير فائدة مع قوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا} بل معنى الآية: كفروا في أنفسهم، وصدوا غيرهم عن الدين فحملوه على الكفر أيضًا.
القرينة الثانية: قوله تعالى: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} فإن هذه الزيادة من العذاب لأجل إضلالهم غيرهم، والعذاب المزيدة فوقه: هو عذابهم على كفرهم في أنفسهم، بدليل قوله في المضلين الذين أضلوا غيرهم:{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الآية، وقوله:{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} الآية، كما تقدم إيضاحه.
القرينة الثالثة: قوله: {بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} فإنه يدل على أنهم كانوا يفسدون على غيرهم مع ضلالهم في أنفسهم، وقوله:{فَوْقَ الْعَذَابِ} أي: الذي استحقوه بضلالهم وكفرهم.
وعن ابن مسعود: أن هذا العذاب المزيد: عقارب أنيابها كالنخل الطوال، وحيات مثل أعناق الإبل، وأفاعي كأنها البخاتي تضربهم. أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها! العلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ