الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالسابق انصبه بفعل أضمرا
…
حتمًا موافق لما قد أظهرا
•
قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}
أمر الله جل وعلا عباده في هذه الآية الكريمة: أن يدعوه بما شاءوا من أسمائه، إن شاءوا قالوا: يا ألله، وإن شاءوا قالوا: يا رحمن، إلى غير ذلك من أسمائه جل وعلا.
وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)} وقوله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)} .
وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أنهم تجاهلوا اسم الرحمن في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ .. } الآية. وبين لهم بعض أفعال الرحمن جل وعلا في قوله: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)} ولذا قال بعض العلماء: إن قوله: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)} جواب لقولهم: {قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ .. } الآية. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح "في سورة الفرقان".
•
.
أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة الناس على لسان نبيه
- صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه كما قدمنا = أن يقولوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} أي: كل ثناء جميل لائق بكماله وجلاله ثابت له، مبينًا أنه منزه عن الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، سبحانه وتعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا.
فبين تنزهه عن الولد والصاحبة في مواضع كثيرة، كقوله:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} إلى آخر السورة، وقوله:{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3)} وقوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)} وقوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) .. } الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وبين في مواضع أخر: أنه لا شريك له في ملكه، أي: ولا في عبادته؛ كقوله: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22)} وقوله: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)} وقوله: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} وقوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ .. } الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
ومعنى قوله في هذه الآية: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} يعني أنه لا يذل فيحتاج إلى ولي يعز به؛ لأنه هو العزيز القهار، الذي كل شيء تحت قهره وقدرته، كما بينه في مواضع كثيرة، كقوله:{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} الآية، وقوله {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)} والعزيز: الغالب، وقوله:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} والآيات
بمثل ذلك كثيرة.
وقوله: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)} أي: عظمه تعظيمًا شديدًا. ويظهر تعظيم الله في شدة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه، والمسارعة إلى كا ما يرضيه، كقوله تعالى:{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} ونحوها من الآيات، والعلم عند الله تعالى.
وروى ابن جرير في تفسيره هذه الآية الكريمة عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصغير والكبير من أهله هذه الآية {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا .. } الآية.
وقال ابن كثير: قلت: وقد جاء فى حديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى هذه الآية آية العز.
وفي بعض الآثار: أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة. والله أعلم.
ثم ذكر حديثًا عن أبي يعلى من حديث أبي هريرة مقتضاه: أن قراءة هذه الآية تذهب السقم والضر، ثم قال: إسناده ضعيف، وفي متنه نكارة. والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وسلم، صلى الله عليه وسلم.
وهذا آخر الجزء الثالث من هذا الكتاب المبارك. ويليه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى، وأوله "سورة الكهف" وبالله التوفيق.