المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الله جل ذكره: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} [النساء: 163] - اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح - جـ ١

[شمس الدين البرماوي]

فهرس الكتاب

- ‌1 - كِتابُ بَدء الوحْي

- ‌باب كيف كان بَدْءُ الوَحْي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلُ الله جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]

- ‌2 - كِتَابُ الإِيمَانِ

- ‌1 - بابُ الإِيمَانِ، وقوْلِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "بُنِيَ الإِسلَامُ عَلَى خَمْسٍ

- ‌2 - بابٌ دُعَاؤكُمْ إِيمَانُكُمْ (باب: دعاؤكم إيمانكم)

- ‌3 - بابُ أُمُورِ الإِيمَانِ

- ‌4 - بابٌ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ

- ‌5 - بابٌ أيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ

- ‌6 - باب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ

- ‌7 - بابٌ مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبَّ لِنَفْسِهِ

- ‌8 - بابٌ حُبُّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الإِيمَانِ

- ‌9 - بابُ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ

- ‌10 - بابٌ عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنصَارِ

- ‌11 - بابٌ

- ‌12 - بابٌ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ

- ‌13 - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ"، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]

- ‌14 - بابٌ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌15 - بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ

- ‌16 - بابٌ الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌17 - بابٌ {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]

- ‌18 - بابٌ مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72]، وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93]، عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61]

- ‌19 - بابٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لِقَوْلهِ تَعَالَى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]، فَإذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]

- ‌20 - بابٌ إِفْشَاء السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ

- ‌21 - بابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ، وَكُفْرِ بعد كُفْرِ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌22 - بابٌ الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيةِ، وَلَا يُكَفَّرُ صاحِبُهَا بارْتِكَابِهَا إِلَّا بالشِّرْك لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّة"، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]

- ‌22 / -م - بابٌ {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]، فسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ

- ‌23 - بابٌ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ

- ‌24 - بابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ

- ‌25 - بابٌ قِيَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌26 - بابٌ الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌27 - بابٌ تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌28 - بابٌ صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ

- ‌29 - بابٌ الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ

- ‌30 - بابٌ الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]؛ يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ

- ‌31 - بابُ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ

- ‌32 - بابٌ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ

- ‌33 - بابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]، وَقَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ

- ‌34 - بابٌ الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ: ({وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]

- ‌35 - بابٌ اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌36 - بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ

- ‌37 - بابُ سؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ عليه السلام يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]

- ‌38 - باب

- ‌39 - بابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ

- ‌40 - بابٌ أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌41 - بابُ مَا جَاء أَنَّ الأَعمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى

- ‌42 - بابُ قَوْلِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "الذين النَّصِيحَةُ، لِلهِ وَلِرَسولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم" وَقَوْلهِ تَعَالَى: {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91]

- ‌3 - كتاب العلم

- ‌1 - بابُ فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وَقولهِ عز وجل: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]

- ‌2 - بابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثم أَجَابَ السَّائِلَ

- ‌3 - بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ

- ‌4 - بابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: (حَدَّثَنَا) أوْ (أَخْبَرَنَا) و (أَنبأَنَا)

- ‌5 - بابُ طرح الإِمَامِ المَسْئَلَةَ عَلَى أصحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ

- ‌6 - بابُ مَا جَاء فِي العِلْمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} القِرَاءَةُ وَالعَرضُ عَلَى المُحَدِّثِ

- ‌7 - بابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ

- ‌8 - بابُ مَنْ قَعَدَ حَيْث ينتهي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرجَةً فِي الحلْقَةِ فَجَلسَ فِيها

- ‌9 - بابُ قَوْلِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ مُبَلغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ

- ‌10 - بابٌ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ} [محمد: 19]

- ‌11 - بابُ مَا كانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُهم بِالمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا

- ‌12 - بابُ مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعلُومَةً

- ‌13 - بابٌ مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقّهْهُ فِي الدِّينِ

- ‌14 - بابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ

- ‌15 - بابُ الاِغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحكمَةِ

- ‌16 - بابُ مَا ذُكرَ فِي ذَهابِ مُوسَى صَلى اللهُ عَلَيهِ فِي البحْرِ إِلَى الْخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]

- ‌17 - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "اللهُمَّ عَلِّمْهُ الكتَابَ

- ‌18 - بابٌ مَتَى يَصح سَمَاعُ الصَّغيِر

- ‌19 - بابٌ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ

- ‌20 - بابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلّمَ

- ‌21 - بابُ رَفْعِ العِلْمِ، وَظُهُورِ الجَهْلِ

- ‌22 - بابُ فَضْلِ العِلْمِ

- ‌23 - بابُ الفُتيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا

- ‌24 - بابُ مَنْ أَجَابَ الفُتيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ

- ‌25 - بابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ ويُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءهُمْ

- ‌26 - بابُ الرِّحْلَةِ فِي المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ

- ‌27 - بابُ التَّنَاوُبِ فِي العِلْمِ

الفصل: ‌باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الله جل ذكره: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} [النساء: 163]

1 -

كِتابُ بَدْء الوحْي

‌باب كيف كان بَدْءُ الوَحْي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلُ الله جَلَّ ذِكْرُهُ:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]

(باب: كيف كان بدو الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)

(ش): ابتدأَ البخاريُّ بذلك لمَا أَشرتُ إليه من أنَّ الوحي هو مادَّة الشَّريعة؛ فإنَّ قَصْده جَمْعَ حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو وَحْيٌ.

ولفْظ: (باب) ساقطٌ في بعض النُّسَخ اكتفاءً بالتَّرجمة، وفي بعضها مذكورٌ، فهو مرفوعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا بابٌ، ويُقرأ بلا تنوينٍ على إضافته إلى ما بعدَه، لكنْ على تقديرِ مضافٍ، أي: هذا بابُ جَوابِ كيفَ كان، أو بَيانِ كيفَ كان؛ فإنَّ (باب) لا يُضاف لجُملةٍ، وأيضًا فلاستِقامة المَعنى المُراد، ويُقرأ أيضًا بالتنوين على أنَّ الجملة بعدَه استئنافٌ يُشعِر بما يُراد من التَّرجمة.

قيل: وَيجوز فيه التَّسكين على جِهَة التعداد للأَبواب بصُورة الوَقْف. ولا يَخفى بُعدُه.

(كَيْفَ) في محلِّ نصب خبر (كان) إنْ جُعلتْ ناقصةً، وحالًا إنْ

ص: 13

جُعلتْ تامةً، وتقديمها واجبٌ، لأنَّ الاستِفهام له الصَّدْر.

قلتُ: والضَّابط في (كيف): أنَّها إنْ وقَعت قبْل ما لا يَستغني عنها فمحلُّها بحسَب الافتِقار إليها، ففي نحو: كيف أنت؟ رفْعٌ؛ لأنَّها خبر المُبتدأ، وكيف كُنتَ؟ نصبٌ إنْ قُدِّرت (كان) ناقصةً خبرًا لها، وكيف ظننت زيدًا؟ نصبٌ مفعولًا ثانيًا لـ (ظَنَّ)، وبعضُهم يُطلق في هذا النَّوع أنَّها خبَرٌ (1)، ومرادُه باعتبار الأصل قبْل دُخول النَّاسِخ.

وإنْ وقعتْ قبل ما يَستغني عنها نحو: كيف جاءَ زيدٌ؟، وكيف كانَ زيدٌ؟ إنْ قُدرت (كان) تامةً بمعنى وُجِد أو نحو ذلك، فمحلُّها نصبٌ على الحال، وقد يَأْتي مفعولًا مُطلَقًا، نحو:{كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1]؛ لاقتِضاء الكلام ذلك.

(بَدْءُ) بالهمْز وسُكون الدَّال مصدرُ (بدَأَ)؛ بمعنى: البُدَاءة، وبضم أوَّله، وتشديد الواو بلا همزٍ: مصدرُ بَدَا يَبدُو، أي: ظَهَرَ، قيل: والأحسن الأوَّل؛ لجَمْعه المعنيَين، وقيل: بالعكس؛ لأنَّه الأظهَر في المَقصود، والظاهر أنَّ أحدهما لا يَستلزِم الآخَر.

فإنْ قيل: إنما أَوردَ في الباب نفْس الوحي، وهو حديث النِّيَّة لا كيف بدأَهُ؛ قيل: قد ذكَر بعدَه حديث عائشة: أنَّ ابتداءَه كان رُؤيا منامٍ، وغير ذلك، ولا يَضُرُّ نقْص الترجمة عن المُترجَم؛ إنما يُعاب العكس.

(الْوَحْيِ) مصدر وَحَى يَحِي، كَوَعَدَ يَعِدُ، ويقال: أَوحَى يُوحِي

(1)"خبر" ليس في الأصل.

ص: 14

رُباعيًّا بمعناه، وإنْ كان الأكثَر في الاستعمال مصدرُ الثلاثي، وفعل الرُّباعي.

ومعنى الوَحْي في اللُّغة: الإِعلام بخَفاءٍ، وقيل: بسُرعةٍ، ومنه: الوَحاءَ الوَحاءَ.

وأما في عُرف الشارع فهو: إعلامُ اللهِ -تعالى- أَنبياءَه الشَّيءَ بكتابٍ، أو برسالةِ ملَكٍ، أو منامٍ، أو إلْهامٍ، أو نحو ذلك على ما سيأْتي.

وربَّما جاءَ بمعنى: الأَمْر، نحو:{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111].

وبمعنى التَّسخير، نحو:{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، أي: سخَّرَها لهذا الفعل، وهو اتخاذُها من الجبَل بُيوتًا

إلى آخِره، فهو ضربٌ من التَّكوين، كما في قوله تعالى:{كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117]، وربَّما عُبِّر عن ذلك بإلْهامها لكن المُراد به هدايتُها لذلك، وإلا فالإلْهام حقيقةً إنما يكون لعاقلٍ.

ويُطلق على الإشارة نحو: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11].

وربَّما أُطلق الوَحْي على المُوحَى كالقرآن والسنَّة من إطلاق المَصدر على المَفعول، قال الله تعالى:{إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4].

(وَقَوْلُ اللَّهِ)، جوَّز (ع) رفعَه بالابتداء، وجرَّه عطْفًا على المُضاف

ص: 15

إليه على حَذْف مضافٍ آخَر، أي: وباب معنى قَول الله، أو: وباب ذِكْر قَولِ الله.

قيل: ويجوز عَطْفه على اسمِ (كان)، وضُعِّفَ بأنَّ كلام الله لا يُكيَّف.

قلتُ: يصحُّ على تقدير مضافٍ، أي: كيف نُزول قَولِ الله؟ أو: كيف فَهْم معنى قَولِ الله تعالى، أو نَحو ذلك، أو أنَّ المُرادَ بكلام الله تعالى المُنزَّل المَتلوُّ لا مَدلُولُه، وهو الصِّفَة القائمة بذاته تعالى.

واعلَمْ أنَّ البُخاريَّ من عادته أنْ يَستدلَّ للتَّرجمة بما وقَع له من قرآنٍ، أو سنَّةٍ، أو غير ذلك، فذكَر الآيةَ لبَيان أنَّ الوَحْيَ سنَّةُ الله -تعالى- في أَنْبيائه.

قال (ط): معنى الآية: أنَّه أُوحي إليه كما أُوحِي إلى الأَنْبياء وحْيَ إرسالٍ لا وحْيَ إلهامٍ.

قلتُ: مُراده: لا وحي إلهام فقطْ، وإلا فلا يسَعُه نفي الإلهام للأنبياء.

وقيل: أَفرَد نُوحًا بالذِّكْر مَبدوءًا به قبل تعميم الأَنْبياء؛ لأنَّه أوَّل مشرِّعٍ على قولٍ، وأوَّل رسولٍ عُوقِب قومُه بتكذيبهم إيَّاه.

ففيه تهديدٌ لأُمة النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يقَعوا في ذلك فيُعاقَبون.

* * *

ص: 16

1 -

حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ: أَنَّهُ سَمعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".

الحديث الأول (ع):

حديث النِّيَّة، وصدَّر البخاريُّ به لأمورٍ:

أحدها: مناسبتُه للآية المذكورة في التَّرجمة؛ لأنَّه أَوحى للكلِّ الأَمرَ بالنيَّة، قال الله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، والإخلاص: النيَّة.

ثانيها: إنَّ أوَّل واجباتِ المُكلَّف القَصْد إلى النَّظَر المُوصِل؛ لمَعرفة الله تعالى، فالقَصْد سابقٌ دائمًا.

ثالثها: بَيان أنَّ كلَّ أمرٍ ينبغي أن يكون بإخلاصٍ ونيةٍ حتى يكون مَقْبولًا مُنتفَعًا به، فلذلك لمَّا أَخلَص البخاريُّ النية وصفَّى الطَّويَّة نفَع الله بكتابه البَريَّة.

رابعها: أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا قَدِم المَدينة خطَب بهذا الحديث؛ لأنَّه مَبدأً لكمال ظُهوره ونَصره، فناسَب الابتداءَ بذِكْره في ابتداء الوَحْي إليه، وافتِتاح نبُوَّته ورسالته.

ص: 17

خامسها: أنَّه أَقامَه مُقام الخُطبة لكتابه؛ لأنَّ فيه إخلاصَ العمل لله تعالى؛ لأنَّه المستحِقُّ للمَحامد، ولهذا كان في الحديث الحثُّ على الإخلاص.

قال ابن مَهْدِي: مَن أراد أن يُصنِّف كتابًا فلْيبدأ به.

وهذا أحد الأَجوبة عن عدَم افتتاحهِ بالحمْد، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"كلُّ أَمر ذِي بالٍ لا يُبدَأُ فيه بحمْدِ اللهِ فهُو أَجْذَمُ".

وجوابٌ ثانٍ: أنَّ هذا الحديث وإنْ كان صَحيحًا لكنَّه ليس على شَرْط البُخاري.

وثالثٌ: أنَّه محمولٌ على ابتداء الخُطَب ونحوها لا مُطلَقًا حتى يكون شاملًا للمُصنَّفات.

ورابعٌ: أنَّه منسوخٌ؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا صالَح في الحُدَيْبِيَة إنما بدأَ في الكتاب بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

وخامسٌ: أنَّه اكتفَى بالابتداء بـ (بسم اللهِ) عن الحمْد، فقد جاء في روايةٍ بلفْظ:"لا يُبدَأُ فيه باسمِ اللهِ".

وسادسٌ: أنَّه حَمِد الله بقَلْبه ولسانه وإنْ لم يكتُبه.

وقيل في الجواب غير ذلك أيضًا.

(حدثنا) ذكَره في ثلاثةٍ في الإسناد، وفي الرَّابع:(أخبَرني)، وفي الباقي:(سَمعتُ)، إشارةً إلى الفَرق بينهما، وهو قَول الجمهور، وإنْ سوَّى ابن عُيَيْنة بينها كما نقلَه البخاري في (كتاب العلم) عنه.

ص: 18

وفيه أيضًا: الرَّدُّ على من قال: إنَّ يَحيى لم يَسمع من التَّيْمِي، وعلى مَن قال: إنَّ التَّيْمِي لم يَسمَع من عَلْقَمة كما نقَل هاتين المقالتَين الواهيتَين ابنُ ماكُولا في أول "تَهذيب مُستَمرِّ الأَوهام".

ومِن لطائف هذا الإسناد: ثلاثةٌ تابعيُّون يَروي بعضُهم عن بعضٍ: يحيى، ومحمد، وعَلْقَمة.

ومنها: أنَّ أوَّله مكيَّان، والباقي مَدَنيُّون.

[واعلم: أنَّ في (سمعتُ فلانًا) مُضافًا مَحذوفًا؛ أي: كلامَه، والجملة بعدَه حاليةٌ تُبين المَحذوف](1).

وقيل: (سَمع) يتعدى لمفعولَين ثانيهما الجُملة.

واعتُرض بأنَّ ذلك لا يكون إلا في باب: ظَنَّ، وأُجيب: بمنْع الحصْر.

وسيأْتي في آخر (الإيمان) في حديث النُّعمان فيه زيادةُ بيانٍ.

(يَقُولُ) أتى به مضارعًا بعد سَماع الماضي إما حكايةً لحالِ وقْت السَّماع، أو لإحضار ذلك في ذِهْن السَّامعين.

(الْمِنْبَرِ) -بكسر الميم- مِن النَّبْر، وهو الارتفاع؛ لأنَّه آلتُه، وسيأْتي فيه مَزيد بيانٍ، واللام فيه للعَهْد، أي: مِنْبَر مسجدِ النبي صلى الله عليه وسلم.

(إنما الأعمال بالنيات) في روايةٍ: (بالنيَّة)، وروايةٍ:(العَمَل بالنِّيَّاتِ)، وروايةٍ:(العَمَل بالنِّيَّة).

(1) ما بين معكوفتين ليس في الأصل.

ص: 19

والتَّركيب في كلِّها يُفيد الحَصْر باتفاق المُحقِّقين، وهو مِن حصْر المُبتدأ في الخبَر، ويُعبِّر عنه البَيانيُّون بقَصْر المَوصوف على الصِّفَة، وربَّما قيل: قَصْر المُسنَد إليه على المُسنَد.

ووجه الحَصْر فيما فيه (إنَّما) إمَّا مَفْهومًا، أو مَنْطوقًا على الخلاف في العربية والأُصول.

وقيل: الحصْر من عُموم المُبتدأ باللام، وخُصوص خبَره على حدِّ: صَديقي زيدٌ؛ لعُموم المُضاف إلى المَعرفة، وخُصوص خبَره، ففي الرواية الأُخرى كما سبَق الجملة بدون (إنما)، والتقدير: كلُّ الأعمال بالنيَّة؛ إذ لو كان عملٌ بلا نيةٍ لم تصدُق هذه الكُليَّة، نعَمْ، خرَج من العُموم جُزئياتٌ بدليلٍ كما أوضحتُه في "شرح العُمدة"، وسيَأْتي الإشارةُ لطرَفٍ منه (1).

والأعمال: جمع عَمَل، أعمُّ من عمَل اللِّسان والقَلْب، وسائر الجَوارح، لكنَّ المُراد في الحديث هو: الثالث؛ لأنَّ عمَل القَلْب من التوحيد، والإجلال، والخوف، والنية، ونحوِ ذلك لا يدخُل؛ لعدَم احتياجه للنيَّة (2) لصَراحة القَصْد به؛ ولأن النيَّة لو افتقَرت إلى نيةٍ ونيَّتُها إلى نيةٍ أُخرى لتَسلْسَل، وهو محالٌ، ومن القَلْبي أيضًا الكفُّ عن الأَفعال، فلا تحتاج التُّروك إلى نيَّةٍ؛ لأنَّها كفٌّ إلا أنْ تقترن بقَصْد تعبُّدٍ

(1)"وسيأتي الإشارة لطرف منه" ليس في الأصل.

(2)

"للنية" ليس في الأصل.

ص: 20

فيَحتاج كقَصْد التارِك الثَّوابَ، أو لتمييزٍ عن عادةٍ ونحوها كالصوم، فيَحتاج إلى النيَّة، وأما عمَل اللِّسان وهو: القَول؛ فلا يحتاج إلى نيةٍ؛ لصَراحته أيضًا كالقراءة، والأذان، والذِّكْر إلا لغرَضِ الإِثابة على ذلك كما سبَق نحوه في التُّروك.

قلتُ: وخُروج هذه الأُمور ونحوها عن اعتِبار النيَّة فيها إما لاستحالة دُخولها، وإما لخُروجها بدليلِ من باب تخصيص العُموم، فانحصرت النيَّة في أعمال الجوارح إلا أنْ يرجع إلى التُّروك كغَسل النَّجاسة؛ فلذلك قال الشَّافعيُّ وأحمد: إنَّ الحديث يدخُل فيه ثلُث العِلْم.

قال البيهقي: إذْ كَسْب العبد إما بقلْبه، أو بلسانه، أو ببقية الجَوارح، وما بالقَلْب -كالنيَّة وما في معناها- أحد الثَّلاثة بل أَرجَحها؛ لأنَّها تكون عبادةً بانفرادها بخلاف غيرِها، وهذا أَحَد التَّأْويلات فيما رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"نيَّة المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِه"، ولأنَّ القول والعمَل بالجَوارح يدخلُها الفَساد بالرِّياء بخلاف النيَّة.

نعَمْ، حديث:"مَنْ هَمَّ بحسَنةٍ ولم يَعملْها كُتبتْ له واحدةً، ومَن عمِلَها كُتبتْ له عَشْرًا"، فربَّما يُوهم تعارُض الحديثَين من حيث إنَّ الأول يقتضي أنَّ النيَّة أرفَع من العمَل، والثاني يَقتضي أنَّها دُونه، وجوابه: إما أنَّ المُراد: أنَّ مَنْ همَّ بحسَنةٍ إذا لم يعملْها خلاف العامِل، والعامل لم يعمَل حتى همَّ، فوُجِد الأَمران.

أما "نيَّة المرء خيرٌ مِن عمَله"؛ فباعتِبار أنَّ مُقتضاها تخليد

ص: 21

المؤمن في الجنَّة، والكافِر في النَّار؛ إذ المؤمن ناوٍ أنْ يُطيع الله لو بقِيَ أَبدًا، والكافر نيَّتُه أنْ يستمرَّ كافرًا لو بقِيَ أبدًا، فقُوبل التأْبيد بالتأْبيد، وإلا فالعمَل متناهٍ، فيُجازى إما بقَدْره أو بالإضْعاف الذي يَشاؤُه الله تعالى.

وإما أَنَّ المراد: أنَّ النية خيرٌ من العمَل [بلا نيَّةٍ، وإلا لَزِم أنْ يكون الشيء خيرًا من نفْسه، أي: فأَفْعَل التَّفضيل ليس على بابهِ.

وإما أنَّ المراد: أن الجزء من العبادة الذي هو النية خيرٌ من بقيَّة الأَجْزاء سِوى النيَّة؛ لاستِحالة الرِّياء في النيَّة.

وإما أنَّ المُراد: خيرٌ من جُملة] الخَيرات، وتكون (مِن) للتَّبعيض؛ لأن النيَّة عمَلُ أشرفِ الأعضاءِ، وهو القَلْب.

قلتُ: وهو قريبٌ مما قبلَه.

وإما أنَّ القصد من الطاعات تنوير القَلْب، وتنويرُه بها أكثرُ؛ لأنَّها صفَتُه، وإما: أنَّ الضَّمير في (عمَله) لكافرٍ في واقعةٍ: وهي أن مُسلِمًا نوى بناءَ قنْطرةٍ، فسبَقَه الكافرُ فبناها.

فإن قيل: هذا في الحسَنة، فما الحُكم في نيَّة السيِّئة؟

قيل: المَشهور أنَّه لا يُعاقَب على نيَّة السيئة بمجرَّدها بدليل: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286]؛ لأن اللام للخَير، فجِيءَ بالكسْب الذي لا يَحتاج إلى تصرُّفٍ، وعلى للشَّرِّ، فجِيءَ بالاكتِساب الذي فيه تصرُّفٌ ومُعالَجةٌ.

ص: 22

قال (ك): والحقُّ أنَّ النيَّة في السيِّئة (1) يُعاقَب عليها نفْسها لا على الفِعْل المَنْوِيِّ، حتى لو عزَم على تَرْك صلاةٍ بعد عشرين سنةً يأْثم في الحال وإنْ لم يَتحقَّق تَركٌ لذلك المَنْوِيِّ.

فالفَرْق بينهما أنَّ ناوي الحسَنة يُثاب على تلك الحسنة بنيَّتها، وناوي السَّيِّئة لا يُعاقب عليها بل على نيَّتها.

قلتُ: فيما قالَه نظرٌ.

فإنْ قيل: مَن جاء بنيَّته الحسَنة، فقد جاء بالحسَنة؛ فيكون له عشْر أَمثالها، كمن جاءَ بالحسَنة المَنويَّة، فيَلزم أنْ لا فَرْقَ في ذلك بين نية الحسَنة وفعلِها؛ فالجواب: لا نُسلِّم أنَّ نيَّة الحسَنة إتيانُ الحسَنة وإنْ أَتى بحسنةٍ؛ إذ المُراد الإتْيان بالمَنويِّ لا بالنيَّة وحدَها.

قلتُ: لأنَّها المُراد بالعمَل غالبًا -كما سبَق في: "الأَعمال بالنيَّات"- أنَّ المُراد أَفْعالُ الجَوارِح، وكما في:"نِيَّةُ المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عمَلِهِ"، فإنَّه قابلَ بينهما.

والباء في النيَّات تحتمل السَّبَبيَّة، والمُصاحَبة.

قلتُ: ويتخرَّج عليهما أنَّ النيَّة شرطٌ في العبادة، أو رُكْنٌ، وفيه نظَرٌ، بينَّاه في "شرح العُمدة".

والنيَّة -بتشديد الياء- مِن نَوَى إذا قَصَد، وأصلُها: نِوْيَةٌ، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت في الياء، وقد تُخفَّف مِن وَنِيَ: إذا فَتَرَ؛ لأنَّ

(1)"في السيئة" ليس في الأصل.

ص: 23

مُوجَب النيَّة وتصحيحها يحتاجُ إلى نَطْو، أي: بُعدٍ، والنَّطْو: البُعد، يُقال: أرضٌ نطَيَّةٌ، ومكان نَطِيٌّ، ذكَره الجَوْهَري.

وأَما جمْع النِّيَّة في روايةٍ، وإفرادها في أُخرى، فلأَنَّ المَصدَر لا يُجمَع إلا باعتِبار الأنْواع والأَفْراد على الأصل، والجمْع على قَصْد التَّنْويع، أو أَنَّها لمَّا قابلت الأَعمال في روايةِ الجمْع، وكان كلُّ عملٍ له نيَّةٌ جُمعت، وهو قريبٌ مما قبْلَه إنْ أُريد بالتَّنويع باعتبار أَعمال العاملِين، ومُغايرٌ له إنْ قُصد بالتَّنويع باعتبار قَصْد رِضَا اللهِ عز وجل وقصْد دُخول الجنَّة، ومراتب ذلك كما قرَّره الخوئي، أي: بالخاء المعجمة.

قلت: وفيه نظَرٌ؛ فإنَّ التَّنْويع موجودٌ باعتبار تغايُر العامِلين، أو باعتبار مقاصِد النَّاوِي.

واعلم أنَّ وجود العمل صُورةً يُمكن بلا نيَّةٍ، فلا بُدَّ من تقْدير محذوفٍ؛ ليصحَّ المعنى، وتقدير ذلك المَحذوف كونًا مُطلَقًا لا فائدةَ فيه، إنما هو باعتبار اقتضاء اللُّغة، وأيضًا فوُجود العمَل يُمكن بلا نيةٍ، والمقصود إنما هو بَيان الشَّرعي، فقدَّرَه قوم: إنَّما صِحَّة الأعمال؛ لأَنَّ الأَقْرب لنفْي حقيقة الشَّيء نفْي صِحَّته، فرُجِّح على غيره من المُقدَّرات، وإنْ كان الكُلُّ مَجازًا، وهذا قول الشَّافعية، وكَثيْرٌ.

وقدَّره قوم: إنَّما كَمالُ، قالوا: لأنَّ نفْي الصِّحة يَستدعي نفْيَ الكمالِ وغيرِه، فيَكثُر المَجاز، بخلاف تقْدير: كمال، فإنَّه تقليلٌ للمَجاز.

قلتُ: ضُعِّف؛ بأنَّ نفْي الكمال إنما هو بعد وُجود الصِّحَّة،

ص: 24

فليس في تقدير نفْي الصِّحة إلا مجازٌ واحدٌ.

وقدَّره قومٌ: إنما اعتِبارُ، وهو يحتمل اعتِبارَه من حيث الصِّحة، ومن حيث الكَمال، فيُطلَب التَّرجيح من خارجٍ، ونحوه تقدير: إنما اجتلاب، وشِبْهه.

وقال قومٌ -وهو الحقُّ-: لا حاجةَ للتَّقدير؛ لأنَّ المُراد نفْي الحقيقة الشَّرعية، وإذا فُقد شرطها أو رُكنها انتفتْ حقيقةً، والواقع صُورةً مختلًا ليس شرعيًّا.

ويجري مثل ذلك في نحو: "لا صَلاةَ إلا بطُهُورٍ"، أو "إلَاّ بفاتِحَةِ الكِتَاب"، وحينئذٍ فيَخرُج ذلك عن دلالة الاقتِضاء بالكُلِّية.

وسيأتي في أواخر (كتاب الإيمان)، في (باب ما جاءَ أنَّ الأَعمال بالنيَّة) مَباحثُ تتعلَّق بالحديث.

(وإنما لكل امرئٍ ما نوى) الامْرِئ والمَرْء بمعنًى، و (ما) في قوله:(ما نَوَى) إما موصولٌ اسميٌّ، والعائدُ محذوفٌ، أي: الذي نَواهُ، أو حَرْفيٌّ، أي: نيَّتُه، فهو مُستغنٍ عن العائد؛ لأن الضَّمير لا يعُود على الحَرْف.

والحَصْر في هذه الجُملة عكس ما قبلَها؛ لأنَّه حصرُ الخبَر في المبتدأ، أو يُقال: قَصْر الصِّفَة على الموصوف؛ لأنَّ المَقصُور عليه في (إنما) دائمًا المُؤخَّرُ، فإنْ قُلنا: إنَّ تقديم الخبر يُفيد الحَصْر؛ فالحصْر في التَّركيب من وجهين.

ص: 25

ثم المراد في هذه الجُملة غيرُ المراد في التي قبلَها، فإما: باعتبار أنَّ الأُولى نبَّهت على أنَّ الأَعمال لا تَصير حاملةً لثوابٍ أو عقابٍ إلا بالنيَّة، والثانية: على أنَّ العامِل يكون له من العمَل على قَدْر نيَّته، ولهذا أُخِّرت عن الأُولى لترتُّبها عليها، وإما لأنَّ الأُولى للصِّحة، والثانية لترتيب الثَّواب؛ إذْ لا يَلزم من الصِّحة الثَّواب على رأْي الأكثَر.

قال (خ): أَفادت الثانية تعيين العمَل بالنيَّة؛ لأنَّه لو نَوى صلاةً إنْ كانت فائتةً، وإلا فهي تطوُّعٌ لم يُجزئْه عن فرْضه؛ لأنَّه لم يمحض النيَّة، ولم يُعيِّن بها شيئًا.

(فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا) سقَط من رواية البخاري هنا ما في بقيَّة الروايات من قوله صلى الله عليه وسلم قبلَه: (فمَنْ كانتْ هِجْرتُه إلى اللهِ ورسوله؛ فهِجْرتُه إلى اللهِ ورسولهِ)، [ففيه الخَرم، وهو سُقوط بعض الحديث.

فإنْ قيل: كان المُناسِب ذِكر الشِّقِّ الآخَر؛ لأنَّه الذي يتعلَّق بمَقْصُوده، وجوابه: يَنبغي أنْ تكون النيَّة لله ولرسوله.

قيل: لعلَّ النَّظَر فيما ذُكر لكَونه الغالِبَ على النَّاس].

قال (خ): ولستُ أَدري كيف وقع هذا الإغفال؟ وقد ذكَره البخاري في غير موضعٍ لكنْ من غير طَريق الحُمَيدي عن سُفْيان، لكنَّها وقعتْ لنا برواية الأثْبات، انتهى.

وممن أخرَجَها من هذه الطَّريق الإِسْمَاعِيْلي في "مُستخرَجه"، فلنَشْرح هذه الزيادة هنا تعجيلًا للفائدة: فالهجرة فِعْلَةً من الهَجْر (1)،

(1)"من الهجر" ليس في الأصل.

ص: 26

وهو التَّرْك، والمُراد هنا تَرك الوطَن إلى غيره؛ لأنَّ المَقصود هِجْرة مَن هاجَر من مكة إلى المدينة، وقد وقَع قبْل هجرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم كذلك هجرةُ بعض الصَّحابة للحبَشة مرَّتين، وبالجُملة فحُكم الهِجْرة من دار الكُفر إلى دار الإسلام مُستمِرٌّ على التَّفْصيل المذكور في الفقه.

وقد تُطلق الهجرة كما في بعض الأحاديث على هجْر ما نهى الله ورسوله، وعلى هجْر المُسلم أَخاه، وهجْر المرأَة في المَضْجَع، وغير ذلك.

ومُناسبة ذِكْر الهجرة هنا: أنَّها من قاعدة الأَعمال بالنيَّة، والحديث واردٌ على سبَبٍ، وهو هجرةٌ وقعتْ على غير ذلك.

والفاء في: (فهجرته) داخلةٌ في جواب الشَّرط إنْ كانت (مَنْ) شرطيَّةٌ؛ لعدَم صلاحية الجواب للشرطية؛ لكونه جملةً اسميةً، فإن قُدِّرت مَن موصولة، وهي مبتدأ، فالفاء في خبره لتضمُّن المُبتدأ معنى الشَّرطِ، لكنْ المبتدأُ والخبر، والشَّرط والجزاء لا بُدَّ من تغايُرهما، وظاهرهما هنا الاتحاد، فلا بُدَّ مِن تأْويل التغايُر، فقيل تقديره: فمَن كانت هجْرتُه إلى اللهِ ورسولهِ نيَّةً وقَصْدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حُكمًا وشَرعًا، وعلى هذا فنصب المقدَّر على التَّمييز على حدِّ:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال: 65]، أي: رجلًا أو نحوَه، وإنْ كان التَّمييز في الحديث تمييز نِسبةٍ، وفي الآية تمييزُ مُفردٍ لا على الحال؛ لأَنَّ الحال المبيِّنة لا تُحذَف، ولذلك منعَ الرَّنْدي في "شرح الجُمَل" تعلُّق الجارِّ في:(بسم الله) بحالٍ محذوفةٍ، أي: أَبتَدئُ

ص: 27

مُتبرِّكًا، وقيل: الخبر في الثاني محذوفٌ، والتقدير: فهجرته إلى الله ورسوله مقبولةٌ أو صحيحةٌ، وقيل المُراد: فله ثَوابُ مَن هاجَر إلى الله ورسوله، فاُقيم السبب مُقام المُسبَّب، وقيل: المراد في الثاني (1) ما عُهد في الذِّهن، وفي الأول المُشخَّص في الخارج مثل:

أَنَا أَبُو النَّجْمِ وشِعْري شِعْري

أي: شِعْري الذي سَمعتُموه هو شِعْري المستقِرُّ المَعهود في الأَذْهان، فلا حاجةَ لتقدير محذوفٍ، وإنما قال: إلى (الله ورسوله) ولم يقُل: (إليهما) وإنْ كان الأَصل الرَّبط بالضَّمير؛ لكَونه أخصَر؛ إما لأنَّ في الظاهِر استِلْذاذًا بذِكْره صريحًا، ولذلك لم يأْتِ مثله في الجُملة التي بعدَه إِعراضًا عن تكرار لفْظ الدُّنيا، وإما لئلا يُجمع بين اسم الله ورسوله في ضميرٍ بل يُفرَدان كما في حديث:"بِئْسَ الخَطِيْبُ أَنتَ، قلُ: ومَنْ يَعصِ اللهَ ورَسولَهُ"، على ما فيه من البَحْث المَشهور.

و (إلى) في: (إلى دُنْيا) مُتعلِّقةٌ بـ (هجرة) إنْ قُدِّرت (كان) تامةً، وبمحذوفٍ إنْ قُدِّرت ناقصةً، ويكون هو خبرَها.

(ودنيا) بضمِّ الدال: فُعْلَى مِن الدُّنُوِّ، وحكى ابن مالِك وغيرُه كسْرَها، وإنما قيل لها ذلك؛ لأنَّها سابقةٌ على الدار الآخِرة، وجمْعها: دُنَى، نحو: كُبْرى وكُبَر، ويُنسب إليها دُنيويٌّ ودينيٌّ ودُنياويٌّ، وأَلِفها مقْصورةٌ للتأْنيث، فلذلك منعت صَرْفه، فلا تنونَ، وقال التَّميمي:

(1) في الأصل: "بالثاني".

ص: 28

منعت مع الوَصْف، وهو سَهوٌ؛ لأنَّ ألِف التأْنيث تمنعَ وحدَها.

نعَمْ، حكى ابن جِنِّي في لُغةٍ نادرةٍ تَنوينها، وقد أَورد ابن مالك أنَّها إذا كانت أَفعل تفضيلٍ، فكيف أنث مع كونه نَكِرةً، والقياس (أَدْنىَ) مُفردًا مُذكَّرًا، كما لم يُقل: قُصْوَى في أَقْصَى، ثم أجاب بأنَّ ذلك لإجرائه (1) هنا مُجرى الأَسماء، فلمَّا خُلع الوَصْف عن الوصفيَّة صار كرُجْحَى، ومنه قوله:

وإِنْ دَعوتِ إلى جُلَّى وَمَكْرُمةٍ

يَومًا سَراةَ كِرَامِ النَّاسِ فادْعِيْنَا

فإنَّ (جُلَّى) وإنْ كانت تأْنيث (أَجَلَّ) لكنَّه خُلع عن الوصفيَّة، وجُعل اسمًا للحادِثة العَظيمة.

قال (ك): ويدلُّ له قلْبُ الواو ياءً، والقَلْب إنما هو لفُعْلَى وصفًا.

قلتُ: هذا على طريقة البَصريِّين ومُختارِ ابن الحاجِب، أما على طريقة ابن مالك المَقصودة عنده، فتُبدل في الصِّفة لا في الاسم كما هو مقُرَّرٌ بشواهده في محلِّه.

فإن قيل: إنْ أُريد بـ (كانتْ) ما وقَع من الهجْرة في الماضي؛ فلا يُعرف منه حُكم المستقبَل، أو في ما يأْتي في المُستقبَل؛ لأنَّ الشَّرط يخلص للاستِقبال، فلا يعلم حُكم الماضي.

قيل: المُراد أَصل الكَون مُطلَقًا من غير تقييدٍ بزمانٍ، أو أنَّ أَحد الزَّمانيَن يُقاس على الآخَر، أو على أنَّ الإجماع قائمٌ على استِواء

(1) في الأصل: "إجرائه".

ص: 29

الماضي والمُستقبَل؛ لاستِواء المُكلَّفين في ذلك ما لم يَعرِض عارِضٌ.

(يُصِيبهَا) المراد: الحُصول، شُبِّه بإصابة السَّهم الغَرَضَ بجامعِ حُصول المقصود.

(أَوْ امْرَأةً) خُصَّتْ بالذِّكر مع دُخولها في: (دنْيا) إما لأنَّ دُنيا نكرةٌ في إثباتٍ فلا تَعُمُّ.

قلتُ: لكنَّ النَّكِرة في سِياق الشَّرط -كما هنا- تَعمُّ.

وإما لأَنَّ المرأَة سببٌ ورَدَ عليه الحديث، وهو الرجل الذي هاجَر إلى امرأَةٍ هاجرتْ ليَنكِحَها، يُقال لها: أُمُّ قَيْس، وسماها ابن مَنْدَهْ: قَيْلَة، والرجل لا يُعرف اسمه، ولعلَّ إخفاء ذلك لقَصْد السَّتْر.

وإما لأَنَّ المرأَة فِتْنةٌ عظيمةٌ، فنبَّه على التَّحذير منها، ففي الحديث:"ما تَركْتُ بَعْدِي فِتْنةً أَضَرَّ على الرِّجال مِن النِّسَاءِ"، فهو من عطْف الخاصِّ على العامِّ نحو: والملائكة وجبريل وميكائيل، و {فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، نعَمْ، كون العطْف بـ:(أو) قد يستبعد.

فإن قيل: ما وَجْه الذَّمِّ في طلَب الدُّنيا، أو تَزوُّج المرأَة مع إباحة ذلك؟

قيل: الذَّمُّ من حيث إنَّه خرَج في صُورة الطَّالب لفضْل الهجرة وباطنُه خلافُ ظاهره.

(فهجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) فيه ما سبَق من اتحاد الجَواب مع الشَّرط، أو الخبَر مع المُبتدأ في الظَّاهر، وأجوبته السابقة.

ص: 30

واعلم أنَّ هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي علَيها مَدار الإِسلام.

قال أبو داوُد: يَكفي الإنسانَ لدِينه أربعةُ أحاديث: "الأعمال بالنيَّات".

و"مِنْ حُسْن إسلامِ المَرء تَرْكُه ما لا يَعنيه".

و"لا يَكُون المُؤمِن مُؤْمِنًا حتَّى يَرضَى لأَخيه ما يَرضَى لنفْسه".

و"الحَلالُ بيِّنٌ، والحَرام بيِّنٌ".

وعن غير أبي داوُد غيرُ ذلك.

وقد ادعى تواتُر حديث النيَّة، وليس كذلك بل هو فَردٌ من عُمر إلى يَحيى، ثم تَواتَر من بعد يَحيى.

وفيه من الفِقْه ما لا يَنحصر، وسبَق بعضُ ذلك في أثناء شَرْحه، وغالب الأَحكام مفصَّلةٌ في مواضعِها من الفقه.

* * *

2 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها: أَنَّ الْحَارِثَ ابْنَ هِشَامٍ رضي الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَحْيَانًا يَأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ -وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ- فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ ما قَالَ، وَأَحْيَانًا يتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ".

قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِل عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي

ص: 31

الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيتَفَصَّدُ عَرَقًا.

الحديث الثاني (م، ت، س).

إسناده كلُّهم مَدَنيُّون خلا عبدَ الله بن يُوسُف؛ أي: التِّنِّيسي، وليس في الكتُب بهذا الاسم غيرُه.

(حدثنا) كذا في أوَّل السنَد، وفي الذي بعدَه:(أخبرنا)، وفي الثاني بلفظ:(عن)، وقد قال بعض العلماء في المُعنْعَن: إنه مُرسَلٌ، والصَّحيح عند الجُمهور: أنَّه متصِلٌ إذا أمكَن لِقاء الرَّاوي، ونقَل مسلمٌ عن بعض أَهل عصْره أنَّه لا بُدَّ من ثُبوت اللِّقاء، وضعَّفَه.

ولكنْ قال (ن): إنَّ هذا هو الصَّحيح المُختار الذي عليه البُخاريُّ وغيرُه.

وشرط القاضي: زيادةَ كونِه أدركَه إدراكًا بيِّنًا، وأبو المُظفَّر: زيادة طُول الصُّحبة بينهما، لكنْ حُجَّة الصَّحيح المُختار: أنَّ الظَّاهر ممن ليس بمُدلِّسٍ أنْ لا يُطلِق ذلك إلا على السَّماع، [والاستِقراءُ يدلُّ عليه؛ لأنَّ عادتَهم أنهم لا يُطلقون ذلك إلا فيما سَمعوه، فغلَب على الظنِّ مُستند السَّماع]، بخلاف ما إذا أَمكَن التَّلاقي ولم يَثبُت، فإنه لا يَغلِب على الظنِّ الاتصال، فلذلك كان هذا من مُرجِّحات "كتاب البخاري" على "كتاب مسلم".

(أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَام) هو أخو أَبي جَهْل، والحارِث قد يُكتب بدون ألفٍ، مات في طاعُون عَمواس سنة ثمانَ عشرةَ من الهجرة.

ص: 32

(كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ) إسنادُ الإتْيان للوَحْي مَجازٌ، والأصل: كيف يأْتِيك حاملُ الوَحْي، فهو من المَجاز العقْلي؛ لتَحويل الإسناد عمَّن هو له إلى مَن ليس له، كذا قرَّره (ك)، وفيه نظَرٌ من وجهَين:

إحداهما: إذا قُدِّر مضافٌ، وهو (حاملُ) كانَ مِنْ مجاز الحذْف.

وثانيهما: يصير السُّؤال عن كيفيَّة إتْيان حامل الوحي لا عن كيفيَّة وُصول الوحي، ويحتمل أنَّ ذلك من باب الاستعارة بالكناية، شُبِّه الوحي برجلٍ مثلًا، وأُضيف إلى المشبَّه الإتْيان الذي هو من خواصِّ المشبَّه به، نعم، لعلَّ السُّؤال إنما هو عن كيفيَّة ابتداء الوحي، أو كيفيَّة ظُهوره؛ ليُوافِق ترجمة الباب.

(أَحْيَانًا) جمع: حينٍ، وهو الزَّمان وإنْ قلَّ، ونصْبه على الظَّرفيَّة (1)، وعامله يأْتي المذكور بعدَه.

(مِثْلَ صلصلة) منصوبٌ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إتْيانًا مثْلَ، أو حالًا، أي: مُشابِهًا، ويُروى:(في مثْل)، ورجِّح بأنَّ الصَّلصلة حينئذٍ الوحْي بمنزلة القِراءة للقُرآن في فهم الخِطاب بخلاف رواية إسقاط (في)، فإنَّ معناها يَرجع للمذكور بعدَه، وهو تمثُّل الملَك له رجلًا فيكلِّمُه، فتكون القراءة تفسير القرآن.

(صَلْصَلَةِ)(2) بفتح الصَّادَين (3) المهملتَين، وهو الصَّوت المُتدارِك

(1) في الأصل: "الظرف".

(2)

"صلصلة" ليس في الأصل.

(3)

"الصادين" ليس في الأصل.

ص: 33

الذي يُسمَع ولا يَستبين عند أوَّل ما يَقرع السَّمع بل حتى يتفهَّمه السامع، ويَستبينَه، فيتلقَّنه.

(الْجَرَسِ) بفتح الجيم والراء: معروفٌ، والعامة تقوله بالصَّاد، ولا يُعرف في اللُّغة اجتماعها مع جيمٍ في كلمةٍ إلا في: الصَّمْج، وهو القِنْديل، وأما الجِصُّ فمعرَّب.

والمُراد: أنَّ الوحي يأْتي صَوتًا يَقرع سَمعه، ثم يَفهمُه من بعدُ، قيل: وفائدة صَوت الملَك أنَّه يشغَلُه بالوحي عن سائر إِحساسه.

ثم قيل: إنما كان يَنزل بذلك فيما هو وعيدٌ وتهديدٌ.

(فَيُفْصَمُ عَنِّي)؛ أي: يَنفصِل من الفَصْم، وهو القَطْع، قال تعالى:{لَا انْفِصَامَ لها} [البقرة: 256].

ويُروى بضم أوَّله، وفتح ثالثه، على البناء للمَفعول.

قال (ك): ومفعولُ ما لم يُسمَّ فاعله: (عني)، فيكون من تتمَّة الشِّدة في قوله:(وهو أَشدُّه عليَّ)، أي: بحيث (1) يَنقطِع من بدَني شيءٌ.

وفيه نظَرٌ؛ لأنَّ النائب ضميرٌ يَعود لمَا سبَق، بل وعلى تقديره يكون النائب شيءٌ، أو جزء، لا الجارُّ والمَجرور.

وقيل: الفَصْم: الصَّدْع أو الشَّقُّ من غير إبانةٍ، بخلاف القَصْم

(1)"هو" ليس في الأصل.

ص: 34

بالقاف؛ فإنَّه بإبانةٍ، وتكون الإشارةُ بما هو بالفاء والقاف (1) [إلى أنَّ الوَحْي يَعود فكأنَّه لا انفِصالَ له.

قال (ك): والفَرْق بين الفَصْم-بالفاء]، والقاف- بما سبَق جارٍ على مَن يَعتبر مُناسبة اللَّفْظ للمَعنى، وهو بعض الاشتِقاقيِّين؛ لأنَّ القاف من الحُروف الشَّديدة، ومن المُقَلْقَلة بخلاف الفاء، فإنَّها من الرِّخوة، وفيه نظَرٌ.

وفي (يفصم) روايةٌ ثالثةٌ: (يُفصِم) بضم أوله، وكسر ثالثهِ، مِن أَفصَم المطَر، أي: أقلَع، وهو قريبٌ من المعنى السابق.

والمراد على كلِّ حالٍ: إما قطْع الوحْي بمفارقةِ الملَك، أو قطْع الشِّدَّة، أي: يتجلَّى عني ما يَغشَاني من الكَرْب والشِّدَّة.

(وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: فَهِمتُ، أو حَفِظتُ، وأصله مِن الوِعاء، ومنه:{أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12]، شُبِّه بجمْع الشيء في الوِعاء، ويقال في المالِ والمتَاع: أَوعَيتُ، فأنا مُوعٍ.

(يَتَمَثَّلُ لِيَ)؛ أي: يَتصوَّر من المِثال، فالتَّفعُّل فيه لتكلُّفه أنْ يكون مِثال ذلك.

(الْمَلَكُ) اللام فيه للعَهْد، أي: جبريل عليه السلام.

(رَجُلًا)؛ إما منصوبٌ على المَصْدريَّة، أي: تمثُّلَ رجلٍ، فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه، أو على المفعولية إنْ قدِّر تضمين

(1)"والقاف" ليس في الأصل.

ص: 35

تمثَّلَ معنى: اتَّخَذَ، أي: اتخذَ (1) الملَك رجُلًا مِثالًا، وإما على الحاليَّة بتأْويل الجامد بمشتقٍّ، أي: مُشبِهًا رجلًا، وقال ابن السِّيْد: حالٌ موطِّئةٌ، أي: رجلًا مَرئيًّا أو مَحسُوسًا.

وإنما صحَّ أنْ يكون حالًا وهو عند صُدور الفعل ليسَ كذلك؛ لأنَّه من الحال المقدَّرةِ.

وإما على التَّمييز، وهذا التَّمثيل من جبريل عليه السلام على صُورة دِحْيَة أو غيره ليس معناه انقِلاب ذاتِ الملَك بل أنَّه ظهَر في تلك الصُّورة؛ لمَا جعَل الله فيه من قُوَّة يتطوَّر بها.

قال المُتكلِّمون: الملائكة أجسامٌ عُلْويَّةٌ لطيفةٌ تتشكَّل بأيِّ شكلٍ شاءَتْ.

ثم حِكْمة تمثُّله رجلًا تأْنيسُه صلى الله عليه وسلم بما يَعهَد من البشَر.

(فَيُكَلِّمُنِي) رواه البَيْهقي عن القَعْنَبي، عن مالك:(فيُعلِّمُني) بالعين.

(فَأَعِي) أتَى به مُضارِعًا، وفيما سبَق ماضيًا؛ لأنَّ الوَحْي في الأول حصَل قبْل الفَصْم، ولا يُتصوَّر بعدَه، وفي الثاني حالَ المُكالَمَة، ولا يُتصوَّر قبلَها، أو أنه في الأول عند غلَبة التلبُّس بالصِّفات الملَكيَّة، فلمَّا عاد للحال المعهودة أخبَر عن الماضي، وأما في الثاني فهو على حاله، أو أنْ أَعي للحال، وقد وعيتُ قرَّب الماضي باقترانه بـ (قد) للحال فتَساويا، وهذا لأن الثاني صريحٌ يُحفظ في الحال، والأول قريبٌ من أن يُحفظ؛ لاحتياجه إلى الاستِثبات.

(1)"أي: اتخذ" ليس في الأصل.

ص: 36

وحاصل جوابه صلى الله عليه وسلم كيفيَّتان:

إحداهما: هي أشدُّ عليه؛ لاشتمالها على ما يُخالف طبْع البشرية، فيحصل له من الشدَّة، والمشقَّة، وغشيان الكَرْب لثِقَل ما يُلقى إليه أمرٌ عظيمٌ، قال الله تعالى:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5].

قال (خ): إنَّ ذلك لجمْعه في قلْبه، وحُسن حفْظه، أو أنه شِدَّة امتحانٍ له ليَبلُوَ صبْره، ويحسن تأْديبه، فيرتاضَ لاحتمال ما كُلِّف من أَعباء النُّبوة، أو أن ذلك لمَا يَستشعره من الخوف من وُقوع تقصيرٍ فيما أُمر به من حُسن ضبْطه، أو اعتراض ذلك دُونه، فلقد أُنذر بما تَرتاع (1) له النُّفوس، ويعظُم له (2) وجَلُ القُلوب، ومنه قوله تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} الآية [الحاقة: 44].

وقيل في الحِكْمة في ذلك أيضًا: أنْ يُفرَّغ سمعه لصوت الملَك حتى لا يكون فيه موضعٌ لغير صوته، ولا في قلْبه.

والثانية: وهي أيسَر من الأُولى: أَنْ يأْتيه الملَك في صُورة بشَرٍ يأْنسَ به، ويُكلِّمه على المُعتاد.

ووجه الاقتصار على الحالتَين: أنَّ سُنة الله -تعالى- لمَّا جرتْ أنه لا بُدَّ من مُناسبةٍ بين القائل والسَّامع حتى يقَع التَّعليم والتَّعلُّم؛ فتلك المُناسبة: إما باتصاف السامِع بوصْف القائل بغلَبة الرُّوحانيَّة

(1) في الأصل: "ترع".

(2)

في الأصل: "به".

ص: 37

عليه، وهو النوع الأول، أو باتصاف القائلِ بوصْف السامع، وهو النَّوع الثاني، وقيل في الحصر أيضًا: إما يَتمثَّل القائلُ بشَرًا أوْ لا، وقيل أيضًا: إما أن يكون كلامُه ظاهرًا مفهومًا بلا مشقةٍ أوْ لا.

فإنْ قيل: بقِيَ قسْمٌ ثالثٌ، وهو الرُّؤْيا، قيل: المُراد ما يختصُّ به، ويخفَى (1) ولا يُعرَف، والرُّؤيا معروفةٌ، ولا اختصاصَ فيها إلا أنَّها من الأنبياء وحيٌ، أو أنَّ الأمرَين كما يجريان في اليقَظة يكونان في المَنام، فلم يخرُج الحالُ عنها، أو أنَّ السُّؤال إنما وقَع عما يكون من الوحْي في اليقَظة، أو أنَّ رُؤيا المَنام إنما تكون (2) في ابتداء الأَمْر كما في الحديث الآخر:(أَوَّل ما بُدِئَ بهِ مِن الوَحْي الرُّؤْيا الصَّالِحَةِ في النَّومِ)، أو قال:(الصَّادِقَة).

وقيل في مُدَّة ذلك: أنَّها كانت ستَّةَ أشهُرٍ، فالسُّؤال عن الوَحْي إنما كان بعد ذلك، أو أنَّ الأُمور الموجودة بعد إرسال الملَك مُنْغمِرة في الوحي، فلم تُحسَب.

فإن قيل: ما وجه مُطابقَة الجَواب بالثَّاني عن كيفيَّة إتْيان الوَحْي المَسؤول عنها مع ظُهوره في كيفيَّة الحامِل للوَحْي؟

قيل: إنَّ في بَيان كيفيَّة الحامِل والغاية بَيانٌ لكيفيَّة نفْس الوحي بقوله: (فيُكلِّمُني)، قال التُّوْرِبِشْتِي في "شرح المَصابيح": كان صلى الله عليه وسلم

(1) في الأصل: "ولا يخفى".

(2)

في الأصل: "كان".

ص: 38

مُعتنيًا بالبَلاغَة كاشفًا بالعُلوم الغَيبيَّة، وكان يُوفِّر على الأُمَّة حصَّتَهم بقدْر الاستِعداد، فإذا أَراد أن يُنبئهم بما لا عَهْدَ لهم من تلك العُلوم؛ صاغَ لها أمثلةً من عالم الشَّهادة؛ ليعرفوا بما شاهدوه ما لم يُشاهدوه، فلمَّا سألَه الصَّحابة عن كيفيَّة الوَحْي، وهو من المَسائل الغامِضة ضرَبَ لها مثلًا مِن الشَّاهد بالصَّوت المُتدارِك الذي يُسمع ولا يُفهم منه شيءٌ تَنْبيهًا على أنَّ ذلك يَرِد على القَلْب في لِبْسة الجَلال، فتأْخذُه هيبةُ الخِطاب حين وُرودها مَجامع القَلْب، ويُلاقي من ثِقَل القول مما لا عِلْم له بالقَول مع وجود ذلك، فإذا كُشف عنه وجَدَ القول المنزَّل بيِّنًا، فيُلقى في الرُّوع واقِعًا مَوقِع المَسموع، وهذا معنى قوله:(فيَفصِمُ عَنِّي)، وهذا الصَّوت من الوَحْي شبيهٌ بما يُوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا قَضَى اللهُ في السَّماءِ أَمْرًا ضَربَتِ الملائِكَةُ بأجْنحتِها خُضْعانًا لقَوله كأنَّها سِلْسِلةٌ على حَجَرٍ، {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] ".

وقال (ع): ما جاء من مثل ذلك يُجرى على ظاهره وكيفيَّته مما لا يَعلَمه إلا الله.

(قالت عائشة) جَوَّز فيه (ك) أن يكون تعليقًا غير داخلٍ في الإسناد المَذكور، ورُدَّ بأنَّه متصِلٌ في "مسلم"، وغيره.

قلتُ: وفيه نظَرٌ؛ فكم من تعليقٍ للبُخاريِّ يكون كذلك.

(يَنْزِل) بفتح أوله والزاي، ويُروى بضم أوله وتشديد الزاي مفتوحةً.

ص: 39

(لَيَتَفَصَّدُ)؛ أي: يَسيل كما يَسيل دَمُ الفَصْد، وهو قَطْع العِرْق لإِسالته، وهو مبالغةٌ في كثْرة العَرَق، ولهذا أتَى فيه بالتَّفعُّل.

وصحَّفه ابن طاهِر بالقاف، وحكاه العَسْكَري في "كتاب التَّصحيف" عن بعض شُيوخه، وقال: إنْ صحَّ فهو من قولهم: تقَصَّد الشَّيءُ: تكَسَّرَ وتقَطَّع.

(عَرَقًا) تمييزٌ، وهو الرُّطوبة التي تَرشَحُ مِن مَسامِّ البدَن، فُسِّر به الإبهام في نسبة يتفصَّد، والمراد شِدَّة الكَرْب مِن ثقَله كما سبق، ولهذا أَكَّدتْ ذلك بقولها:(في اليوم الشديد البرد).

ثم قال الإِسْمَاعِيْلي في "المُستَخرَج": إنَّ هذا الحديث الذي صدَّر به البُخاري لا يَصلُح لترجمة: بَدْء الوَحْي، إنما يصلُح أن لو قال: باب: كيف يأْتي الوَحْي؟ نعَمْ، الحديث الذي بعدَه يُناسبُها.

قلتُ: والأوَّل أيضًا مناسبٌ إذا كان ضبطُه: بُدُوِّ بالتشديد؛ إذ المراد حينئذٍ: أنَّه في ظُهوره لذلك، على أَنَّه قد سبَق أنَّ بعض (1) التَّرجمة إذا نقَصتْ عمَّا في الباب لا تضرُّ بخلاف العَكْس.

* * *

3 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:

(1)"بعض" ليس في الأصل.

ص: 40

أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ:"مَا أَناَ بِقَارِئٍ"، قَالَ:"فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَناَ بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} "، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُويلِدٍ رضي الله عنها فَقَالَ:"زَمِّلُوني زَمِّلُوني"، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ:"لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي"، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لتصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ -وَكَانَ امْرَأً تنصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ- فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنَ ابْنِ

ص: 41

أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، قَالَ: نعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّي وَفترَ الوَحْيُ.

الحديث الثالث (م، ت).

قال (ن): هو من مَراسِيْل الصَّحابة؛ لعدَم إدراك عائشة ذلك، ولكنَّه حُجَّةٌ عند العُلماء سِوى ما انفَرد به أَبو إسْحاق الإسفراييني مِن كونه لا يُحتجُّ به.

نعَمْ، قال الطِّيْبِي: الظَّاهر أنَّها سمعتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُحدِّث به؛ فإنَّ فيه: (قال: فأَخذَنِي فغَطَّنِي)، فيكون مثل قوله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران: 12] الآيةَ، قُرئ بالتاء، وبالياء.

(من) هنا للتَّبعيض، أو لبَيان الجِنْس.

(الرُّؤْيَا) مصدرٌ كرُجْعَى، وتختصُّ بالمَنام كاختصاص الرَّأْي بالقَلْب، والرُّؤيةِ بالعَين.

وفيه: أنَّ رُؤْيا النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحيٌ، وهو باتفاقٍ.

(الصَّالِحَةُ) رواه البخاري في (التفسير): (الصَّادِقة)، وهاهنا بمعنًى، والوَصْف بذلك للإيضاح؛ لأنَّ غيره يُسمَّى حُلُمًا كما ورد:

ص: 42

"الرُّؤْيا مِن اللهِ، والحُلُم من الشَّيْطَانِ"، وإنْ قيل: الرُّؤيا أَعمُّ، فيَكون الوصْف للتَّخْصيص، أي: لا السيَّئة، أو لا الكاذِبة المُسماة (1) بأَضْغاث أحلامٍ.

وصلاحتها إما باعتبار صُورتها، أو تَعبيرها كما أَشار إليه (ع) وغيرُه، وذلك بأَنْ يُلقي الله تعالى في قلْب النائم الأَشياء كما يَخلُقُها في قلْب اليَقْظان، فتكونَ في اليقَظة كما رأَى في المَنام، أو تكون علامةً على أُمور أُخرى كالغَيم علامةٌ على المطَر.

وسيأْتي فيه في (كتاب الرُّؤْيا) زيادةُ إيضاحٍ.

(رُؤْيَا) بلا تنوينٍ كحُبْلَى.

(مِثْلَ) نصب على الحال، أي: شِبْهَه.

(فَلَقِ الصُّبْحِ) وكذا: (فَرَقه) بفتح أولهما وثانيهما بمعنى: ضِيَاؤه، وحكَى الزَّمَخْشَري في "المُستقصَى" تَسكين اللَّام.

وإنَّما يقال ذلك لما كان واضحًا بيِّنًا، قيل: هو مصدرٌ كالانْفِلاق، والصَّحيح أنَّه بمعنى مَفْلُوق، وهو اسمٌ للصُّبْح، فأُضيفَ أحدُهما للآخَر؛ لاختِلاف اللَّفظَين.

وقد جاء الفَلَق منفرِدًا عن الصُّبح كما في: {أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: 1]، وقيل: لمَّا كان الفَلَق اسمًا للصُّبح ويُستعمَل في غيره أُضيفَ للصُّبْح للتخصيص، مِن إضافة العامِّ إلى الخاصِّ، كما

(1) في الأصل: "المسمى ذلك".

ص: 43

يُقال: عَيْن الشَّيء ونفْسُه.

قال العُلماء: إنما ابتُدِئَ صلى الله عليه وسلم بالرُّؤيا لئلَّا يَفجأَه الملَك ويأْتيَه بصَريح النُّبوَّة بغتةً، فلا تحتملُها القِوَى (1) البَشَرية، فبُدئ بأَوَّل خصائص النُّبوَّة، وتباشير الكَرامة من صِدْق الرُّؤيا، وحبِّ العُزلة، والعِبادة، والصَّبر عليها.

(الْخَلَاءُ) بفتح أوله، والمدِّ: الخَلْوة، وإنما حُبِّبت إليه؛ لأنَّ معها فَراغ القَلْب المُعين على الفِكْر، فالإنسان لا يَنتقل عن سَجيَّته إلا بالرِّياضة، فلَطَف الله تعالى به في بَدْء أَمره صلى الله عليه وسلم بذلك، وقطَعه عن مُخالطة البشَر ليَجِد الوحيُ منه مُتمكَّنًا كما قيل:

أَتَانِي هَواهَا قَبْل أَنْ أَعرِفَ الهوَى

فَصادَفَ قَلْبًا خَاليًا فتَمَكَّنا

(بِغَارِ) هو النَّقْب في الجبَل، وجمعه: غِيْران، وهو قَريبٌ من معنى الكَهْف.

(حِرَاء) بمهملتَين، والتَّخفيف: جبَلٌ على ثلاثةِ أميالٍ من مكة على يَسار السَّائر من مكَّة إلى مِنَى، مصروفٌ إنْ أُريد به المَكان، وممنوعُ الصَّرف إنْ أُريد به البُقعة كما في نظائره من أَعلام الأَمكنة.

قال (خ) والتَّيْمِي: العَوامُّ تَلْحَن فيه في ثلاثة مَواضع: فتح الحاء، وقصر الأَلف، وهي ممدودةٌ، قال (خ): وكسر الراء، وهى

(1)"القوى" ليس في الأصل.

ص: 44

مفتوحةٌ، والتَّيْمِيُّ: تَرْك صَرْفه، وهو مصروفٌ.

فيَجتمع من كلامِهما أربعةٌ في كلِّ حرفٍ من الكلمة لَحْنةٌ، وفي الأَخير اثنتان، وذلك اتفاقٌ غريبٌ لكن ليس شيءٌ مما قالاه لَحنًا، فقد حُكِي في الحاء الفتْح، وحُكِي القَصْر، وكذا الصَّرف وتركه باعتِبار المكان والبُقعة كما سبق، وأما كسر الراء فعلى الإِمالة إذا قُصِر، كذا قاله (ك).

وفيه نظَرٌ؛ لأنَّ سبْق الراء الألفَ مانعٌ منها كما لا يُمال: راشِد، ورافِع.

(يَتَحَنَّثُ) بمُثلَّثة آخره، أي: يتعبَّد، ومعناه: إِلقاؤُه الحِنْث، وهو إِلقاء (1) الإثْم عن نفْسه بالتعبُّد؛ كتَحوَّبَ: أَلقَى الحُوبَ، وتأَثَّم: ألقَى الإثْم.

قال (خ): وليس في الكلام بهذا المعنى غيرُ الثلاثة، وتَفعَّلَ فيما سواها إنما هو بمعنى تَكسَّبَ الشَّيءَ، وتَلبَّسَ به.

لكن زاد غيره: تَحرَّجَ وتَنَجَّسَ: أَلقَى الحرَجَ والنَّجَسَ، وتَخَوَّن: أَلقَى الخِيَانة، وتَهجَّدَ: أَلقَى الهُجود، أي: النَّوم، وتَجزَّعَ: أَلقَى الجزَعَ، وغير ذلك، فلا يحسُن نفْيُ غيرِ الثَّلاثة.

وقال التَّيْمِي: إنَّ (يتحنَّث) بهذا المعنى من المُشكِلات لا يَهتدي له إلا الحُذَّاق، وسُئل عنه ابن الأَعْرابي، فقال: لا أَعرفُه، [وسألتُ أبا

(1)"إلقاء" ليس في الأصل.

ص: 45

عَمْرو الشَّيباني] فقال: لا أَعرفُه، إنما هو (يتحنَّف) مِن الحَنِيْفيَّة.

قال (ش): ورُوي كذلك، أي: يَتبَع دِين الحَنِيْفيَّة، أي: دِين إبراهيم عليه السلام، وذلك على القِياس.

قلتُ: قال ابن هشام في "السِّيرة": إنَّ يتحنَّف بالفاء أصلُه بالثَّاء، فأُبدلتْ كالجَدَث في جَدَف، وهو القَبْر، ونازعَه السُّهَيْلي، وقال: الفاء هي الأَصل، والثاء مُبدلةٌ منْها، وإنَّ القَبْر إنما أصلُه جَدَفٌ من الجَدْف، وهو القَطْع، فأُبدلت الفاء بمُثلَّثةٍ.

(وَهُوَ التَّعَبُّدُ) الضَّمير راجعٌ للمَصدر الذي تضمَّنه (يتحنَّث) على حدِّ: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].

(اللَّيَالِيَ) ظرفٌ ليَتحنَّث لا للتَّعبُّد؛ لفَساد المعنى؛ لأنَّه لا يَتعبَّد بذلك، فهذا التَّفسير اعتراضٌ بين الظَّرف وعاملِه.

قال الطِّيْبِي: يحتمل أنَّ هذا التفسير من قَول الزُّهري أَدرجَه على عادته.

قال: واللَّيالي أُريد بها مَعَ الأَيَّام تغليبًا لليالي؛ لأنَّ اللَّيل أنسَب للخَلْوة.

(ذَوَاتِ الْعَدَدِ) صِفَةٌ لليَالي منصوبٌ بالكسرة، قيل المراد: القِلَّة نحو: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20].

قال (ك): ويحتمل أنْ يُراد الكثرة؛ إذ الكثير يحتاج للعدَد، وهو المُناسِب للمَقام.

قلتُ: وفي "سيرة ابن هشام"، عن ابن إسحاق: أنَّ ذلك كان في

ص: 46

كلِّ سنةٍ شَهْرًا، وأنَّ الشَّهر الذي جاءَه جبريل فيه كان رمَضان.

وهذا التعبُّد يحتمل أن يكون بشَرْع الأَنْبياء قبلَه على القول بأنَّه قبل النُّبوَّة كان مُتعبَّدًا بشرع (1) إما إبراهيم، أو نوح، أو مُوسَى، أو عِيْسى، أو ما ثبَت أنَّه شرعٌ، على الخلاف المشهور فيه.

ويحتمِل أنَّه بمقتضى العقْل عند مَن يقول بقاعدة الحُسْن العَقْلي.

ويحتمل أنَّه بما شُرِع له بوَحْي الرُّؤيا بدليلِ قولها: (ثُمَّ حُبِّب إِليهِ الخَلاءُ)؛ فإنَّ (ثُمَّ) للتَّراخي.

قال (ط): ولو حُمل على اجتِنابه ما كان تَرتكبُه الجاهليَّة لكان أَظهَر.

وفيما قالَه نظَرٌ؛ لأنَّه دائمًا تاركٌ لذلك، فإنْ قصَد حُدوث نيَّة التَّرْك تعبُّدًا، فالتعبُّد لا بُدَّ له مِن استنادٍ لشَرْعٍ.

(يَنْزِعَ) بكسْر الزَّاي، أي: يَرجع إلى أهله، يَحِنُّ إليهم وَيشتاقُهم، وفي رواية "مسلم" في تفسير {اقْرَأْ} [العلق: 1] بلفْظ: (يَرجِع).

(وَيَتَزَوَّدُ) بالرَّفعْ عطْفًا على: (يَتحنَّث)، والزَّاد هو الطَّعام الذي يَستصحبُه المُسافِر، يُقال: زوَّدتُه فتَزوَّدَ.

(لِذَلِكَ)؛ أي: للخَلاء، أو للتعبُّد.

(خَدِيجَةَ)؛ أي: أُم المُؤمنين، وسيأْتي بَيان ترجمتها في (فَضائل أَزواجه صلى الله عليه وسلم).

(1)"الأنبياء قبله" ليس في الأصل.

ص: 47

(لِمِثْلِهَا)؛ أي: لمثْل اللَّيالي.

(جَاءَهُ الْحَقُّ)؛ أي: الأَمْر الحقُّ، وللبخاري في (كتاب تَعبير الرُّؤيا) ولمسلم:(فَجِئه) -بكسر الجيم- من الفُجاءة، والمراد: أنَّه جاءَه بَغْتةً؛ لأنَّه لم يكُن متوقِّعًا مَجيءُ الوَحْي.

وقد فسَّره (ش)، وقال: فَجِئَه بالكسرة، يَفجَؤُه بالفتح، وبالفتح فيها، فأَوهَم أنَّ ذلك في رواية البخاري هنا، وليس كذلك.

(فَجَاءَهُ الْمَلَكُ)؛ أي: جِبْريل، وإنما عطف بالفاء -وهي للتَّعقيب- مع مجيء الملَك والوَحْي معًا؛ لأنَّ الجُملة الثانية تفسيرٌ للأُولى، نحو:{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] على بعض التَّفاسير، وتُسمَّى فاء التَّفسير، وفاء التَّفْصِيل؛ لمَا في مَصحُوبها من بَيان الإجمال فيها قبلها لا سيَّما على تفسير الطِّيْبِي (جاءَه الحَقُّ) بـ: جاءَهُ الوَحْي، أو رسول الحقِّ.

(مَا أَناَ بِقَارِئ) الباء تأكيدٌ؛ لأنَّها في خبر (ما) النافية، ولو كانت استفهاميةً -كما زعم بعضهم- لمَا دخلت الفاءُ.

قال (ن): ولا دلالةَ في قوله في رواية: (ما أَقرأُ) لجَواز أنْ تكون الأُخرى نافيةً.

(فَغَطَّنِي) بمعجمةٍ، ثم مهملةٍ مشدَّدةٍ، أي: ضَغَطَني، وعَصَرني، وتُروى بتاءٍ موضعَ الطَّاء بمعناه، ويُروى:(سَأَبَنِي)، والسَّأب: الخَنْق.

(الْجَهْدَ) -بفتح الجيم-: المَشَقَّة، مرفوعٌ على أنَّه فاعِل (بلَغَ)،

ص: 48

والمفعول محذوفٌ، أي: مَبْلَغًا عَظيمًا، وجوَّزوا الضمَّ على أنَّه لُغةٌ فيما سبق، أو منصوبٌ مفعول (بَلَغ)، والفاعل ضميرُ الملَك؛ لأنَّه بالضمِّ بمعنى: الطَّاقة، والمعنى: أنَّه بلَغ في غَطِّي جُهدَه.

نعَمْ، استبعَده شِهَاب الدِّين التُّورِبِشْتِي بأنَ البِنْية البشَرية لا تَستدعي استِنفاذ القُوَّة الملَكية في الضَّغْط.

وأجاب الطِّيْبِي بأنَّه لم يكُن على صُورته الحقيقيَّة التي تَجلَّى بها عند سِدْرة المُنْتَهى، وعندما رآه مُستويًا على الكُرسيِّ، فاستِفراغ الجُهد إنما هو بحسَب صُورته التي تجلَّى له فيها حينئذٍ، وإذا صحَّت الرِّواية اضْمحلَّ الاستِبعاد.

(أَرْسَلَنِي)؛ أي: أَطلقَني.

(فَغَطَّنِي الثَّالثة) الحِكْمة في الغَطِّ المبالغة في إحضار قلْبه، وتَكريرُه ثلاثًا زيادةٌ في ذلك.

ففيه: أنَّ المعلِّم ينبغي له أن يَحتاط للمُتعلِّم في تنْبيهه، وإحضار مَجامع قَلْبه.

(فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}) ليس في تَرْك البَسملة هنا دلالةٌ على أنَّها ليستْ من أَوائل السُّوَر؛ لأنَّها وإنْ لم تنزِل حينئذٍ فقد نزلتْ بعد ذلك كما نزَل بقيَّةُ القرآن.

وقيل: باسمِ ربِّك: حالٌ، أي: اقْرأ مُفتتِحًا باسم ربِّك، أي: قُل: بِسْم اللهِ الرَّحمن الرَّحيم، ثم اقرأْ، ففيه دليلٌ على قراءتها في هذه السُّورة، وفي كلِّ قراءةٍ.

ص: 49

({الَّذِي خَلَقَ) صِفةٌ تُناسِب ما حصَل من الغَطِّ، وجعلَه توطئةً لقوله بعدُ:({خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ}) = إِيذانًا بأنَّ الإنسان أشرف المَخلُوقات، والعَلَق: جمع عَلَقة، وهي الدَّم المُنْعقِد.

({عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}) ذكَر نعمةَ الله على الإنْسان من بعدِ خَلْقه بأَجلِّ النِّعَم، وهي العِلْم.

({عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}) تنبيهٌ على أنَّه كما يحصُل التَّعلُّم بالقَلَم حصَل بتعليم الله تعالى بلا واسطةٍ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكُن يكتُب حتى يعلَّم بالقَلَم.

وقولُه {مَا لَمْ يَعْلَمْ} إشارةٌ إلى العِلْم اللَّدنِّي، وقد عُلم بهذا أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم:(مَا أنَاَ بقَارئٍ) معناه: لا أُحسِنُ أنْ أَقرأَ بواسطة التَّعليم بالقَلَم.

(رَجَعَ بِهَا)؛ أي: الآياتِ.

(يَرْجُفُ فُؤَادُهُ)؛ أي: يَضطَرِبُ من تلْك الغَطَّة، وفُؤاده، أي: قَلْبه، وقيل: الفُؤاد غير القَلْب، وقيل: باطِن القَلْب، وسُمي القَلْب قَلْبًا لتقلُّبه.

وأما عِلْم خَديجة برجَفان القَلْب، فالظاهر أنَّها رأَتْه حقيقةً، ويجوز أنَّها علِمتْه بالقَرائن.

(زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)، كذا الرِّواية مرَّتين، والتَّزْميل: التَّلْفيف، وهو: التَّدثير أَيضًا، وقد روى البخاريُّ في (سُورة المدَّثِّر):(دَثِّرُوني، وصَبُّوا عليَّ ماءً باردًا، فنزلت: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}).

ص: 50

(الرَّوْعُ) -بفتح الراء-: الفَزَع.

(الْخَبَرَ)؛ أي: ما جرَى مِن مَجيء الملَك، والغَطُّ غير ذلك.

(لَقَدْ خَشِيتُ) جوابُ قسَمٍ محذوفٍ، أي: واللهِ لَقَدْ، والمَجمُوع مَحكيٌّ بـ (قالَ)، ومعنَى خَشْيته على نفْسه -كما قال (ع) - مِن أَنْ لا يَقْوَى على مُقاومة هذا الأَمر، وأنْ لا يُطيق حَمْل أَعباء الوَحْي، فيُزهقَ نفْسه لشِدَّة ما لَقيَه أوَّلّا عند لِقاء الملَك، لا أنَّه خَشِي أن لا يكُون الّذي أَتاه من الله، فإنَّه لم يكُن عنده شكٌّ أنَّه مِن اللهِ.

قال (ع): أو يكُون خبَرًا عن أوَّل ما رأَى من التَّباشير في النَّوم واليقَظة، وسَمع الصَّوت قبل لِقاء الملَك، وتحقُّقه رسالةَ ربِّه، فخافَ أن يكون ذلك من الشَّيطان، أمَّا بعدَه فلم يَخشَ من تَسليط الشَّيطان عليه.

وضعَّف (ن) الثَّاني بأَنَّ صَريح الحديث أنَّ ذلك كان بعد غَطِّ الملَك وإتْيانه بـ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، إلا أن يكون أخبرها بما كان أوَّلًا، لا أنَّه خائفٌ في حال الإِخْبار.

وجوابٌ ثالثٌ للطِّيْبِي: أنَّه لمَّا حصَل له من الغَطِّ انْفعالٌ خَشي أن يحصُل له أمرٌ توهم منه كما يحصُل للبشَر إذا دهَمَ الواحدَ أمرٌ لم يَعهدْه، ولذلك قال:(زَمِّلُونِي).

قال (ك): ويحتمل وجهٌ رابعٌ: فإنَّه خاف شِبْهَ الجُنون على نفْسه، فقد روى صاحب "الغَريبَين" في (باب العين والدال والميم):

ص: 51

أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لخَدِيجة: "أَظُنُّ أنَّه عَرَضَ لي منهُ جُنونٌ"، انتهى.

قلتُ: وفيما قالَه سُوءُ تعبيرٍ مع إمكان رُجوعه إلى ما سبَق، وإنّما عَلم صلى الله عليه وسلم أنَّ الجائي له جبريل لا الشَّيطان؛ لأن الله -تعالى- قد نصَب له دَليلًا على ما يُميِّز بينهما كما نصَب لنا دَليلًا على أنَّ الرَّسول صادقٌ لا كاذبٌ، وهو المُعجِزة.

قلتُ: قال الإِسْمَاعِيْلي: وخبَره لخديجة ومجيئُهما لوَرَقَة على صُورةِ الاستِثبات ليس للارتياب فيما حصَل له، بل لأنَّ الأُمور العظيمة الّتي يُراد انتِشار عِلْمِها يسبقُها مُقدِّماتٌ؛ لتَتمكَّن مِن قُلوب السَّامعين، فأَبدتْ خَديجة ما يعلمه الله تعالى من أَحواله الجَميلة الدَّالَّة على أنَّه لا يُصاب بضَيمٍ، وعرَّفت بذلك مَنْ له عِلْم بالشَّرائع وأَعلام النُّبوات، وقِراءة الكتُب مع وُفور عقْله وبَصيرته في الدِّين، وقَبول النَّاس ما يقُوله، وأيضًا فلحُصول التَّأْنيس له حيث ورَدَ عليه ما يُخالف عادتَه قبل النُّبوَّة، وما بلَغَ من نظْم القُرآن وتأْليفه وإعجازه وخُروجه عن حالِ كلام البشَر، انتهى مُلخَّصًا بالمعنى.

(كلا) معناها هنا النَّفْي والرَّدع عن هذه الخَشْية، وأنَّه مُنزَّهٌ عن ذلك.

(مَا يُخْزِيكَ)، الرِّواية:(ما يُخْزِيْكَ)، وفي نُسَخ الكِرْمَاني:(لا)، وهو وهمٌ، و (يُخزيك) بضم الياء، والخاء (1) المعجَمة، مِن

(1)"والخاء" ليس في الأصل.

ص: 52

الخِزْي، وهو الفَضيحة والهَوان، ورواه مسلمٌ بالمهملة مِن الحُزْن، فيجوز فتح أوَّله وضم ثالثه، وضمُّ أوَّله وكسر ثالثه؛ لأنَّه يُقال: حَزَنَه وأَحزنَه لُغتان فَصيحتان بمعنًى، وقُرئ بهما في السَّبْع.

(أَبَدًا) نصب على الظَّرف.

(إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لأنَّ الجملة ابتدائيةٌ، وهي استئنافيةٌ تُفيد التعليل.

(لَتَصِلُ الرَّحِمَ)؛ أي: تُحسِن للأَقارِب، والإِحسان إمّا بالمال، أو بالزِّيارة، أو بالخِدْمة، أو بغير ذلك.

(الْكَلَّ) بفتح الكاف، وتشديد اللَّام: الثِّقَل، وهو كلُّ ما يُتكلَّف، ومنه الكَلال، وهو الإِعْياء، ونحوُه:{وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} [النحل: 76]، أي: لا يَستقِلُّ بأَمْره، والمراد: أنَّه يُعين الضَّعيفَ، وَيرفع ما عليه من الثِّقَل.

(وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) بفتح أوَّله تَكْسِب على المشهورِ والأكثَرِ في الرِّواية، والأَفْصح كما قالَه (ع).

ورُوي بضمِّ أوله بمعنى: تُكسِبُ غيرَك المالَ المَعدومَ، أي: تُعطيه إيَّاه، فحذف أوَّل مَفعولَيه، وقيل معناه: تُعطي النَّاسَ ما لا يَجدونَه عند غيرك من مَكارمِ الأَخلاق، والعُلومِ، وغير ذلك.

وأمّا بالفتح ففيه خمسة أقوالٍ: فقيل: بمعنى المَضْموم؛ لأنَّه يُقال: كسَبْتُ الرَّجلَ مالًا وأَكسبتُه مالًا، وهو أَفْصح، بل أنكَر الفَرَّاء

ص: 53

تعديةَ (كَسَبَ) لاثنين، وفي "النِّهاية": يُقال: كَسَبْتُ مالًا، وكسَبْتُ زيدًا مالًا، وأكَسبتُه مالًا: أَعنتُه على كَسْبه، وجعلتُه يكسبُه.

وقيل: إنَّ معنى المفتوح: تَكسِبُ المالَ المعدومَ، وتُصيب منه ما يَعجَزُ غيرُك عن تحصيله، والعرَب تَتمادحُ بمثْل ذلك لا سيَّما قُرَيش، يُقال: فُلانٌ يكسِبُ المعدومَ إذا كان مَجْدُودًا يَنالُ ما يُحرَم غيره، وقد كان صلى الله عليه وسلم محظُوظًا في تجارته.

وضعَّفه (ن) بأنَّه لا معنى لذلك هنا إلا أن يُضمَّ إليه زيادةُ أنَّه يَجُود به، ويُنفقه في المَكرُمات.

وقيل: المَعدوم هو الرَّجُل المُحتَاج العاجِز عن الكَسْب؛ لأنَّه بذلك صارَ كالمَعدُوم الميِّت، والمعنى: أنَّ غيرَك يَستفيد المالَ، وأنت تَستفيدُ هذا الّذي كالمَعدُوم لعَجْزه، فتُعينُه؛ فإنَّ الكسْب هو الاستِفادة.

وقال (خ): صوابه: (المُعدِم) بلا واوٍ؛ لأنَّ المَعدُوم لا يدخُل تحت الأفْعال، والمراد: أنَّكَ تُعطي الفقيرَ المعدومَ مالًا يُعينه على افتِقاره، ورَدَّ عليه التَّيْمِي في تَخطئَتِه ما صحَّ في الرِّواية واشتُهِرَ، فيكون هو الصَّواب.

قال (ش): إنَّه بَناه على اختيار الأَفْصح، وهو فتح التاء، أنها على الضمِّ فالمراد به مَعدُومات الفَوائد، ومَكارم الأَخلاق، انتهى.

ويظهر أنَّ البِناء بالعكْس، فتأَمَّلْه.

وفي "تهذيب الأزهري" عن ابن الأَعرابي: رجُلٌ عَديمٌ لا عَقْلَ

ص: 54

له، ومُعدِمٌ لا مالَ له.

(وتقرئ) بفتح أوَّله، يُقال: قَرَيتُ الضَّيفَ أَقْرِيْهِ قِرًى بكسر القاف، والقصر، وقَراءً بفتحها والمدِّ.

(نَوَائِبِ الْحَقِّ) النَّائبَة: الحادِثَة من خيرٍ وشرٍّ، فبالإضافة إلى الحقِّ تخرُج نَوائبُ الباطِل، قال لَبِيْد:

نَوائِبُ مِنْ خيرٍ وشَرٍّ كِلاهُما

فَلا الخَيْرُ مَمدُودٌ ولا الشَّرُّ لازبُ

وبالجُملة فمعنى قول خَديجة: إنَّك لا يُصيبُك مَكروهٌ؛ لمَا جعَلَ اللهُ فيكَ مِن مَكارِم الأَخْلاق، وجَميل الصِّفَات، وذَكرتْ شيئًا من ذلك، وهذه الأُمور سَبيلٌ للسَّلامة مِن السُّوء والمَكارِه.

ففيه مَدْح الإنْسانِ في وَجْهه لمصلحةٍ، وأمَّا حديث:"احثُوا في وُجُوهِ المدَّاحِيْنَ"، فذاكَ في المَدْح في الباطِل. أو المؤدِّي إلى باطلٍ.

وفيه التَّأْنيس لمَنْ حصَل له مَخافةُ شيءٍ، وذِكْر أَسباب السَّلامة له، وذلك أَبلَغ دليلٍ على كَمال خَديجة، وجَزَالةِ رأْيها، وقُوَّة نفْسها، وعَظيْم فِقْهها؛ إذْ جَمعتْ أَنواعَ أُصول المَكارِم؛ لأنَّ الإحسان إمّا للأَقارب، وإما للأَجانب، وإما بالبَدَن، وإما بالمالِ، وإما على ما يستقلُّ بأَمره، وإما على غيره.

(فَانْطَلَقَتْ بِهِ) عَدَّاه بالباء؛ لأنَّها انطلقتْ معه، بخلاف ما لو عُدِّي اللَّازم بالهمز نحو: أَذهبْتُه، فإنَّه لا يَلزم مِن ذلك.

ص: 55

(وَرَقَةَ) بفتْح أَحرُفه.

(نوفَلِ) بفتح النون والفاء.

(الْعُزَّى) بضم العين: تأْنيث أَعَزَّ، والعُزَّى صنَمٌ.

(ابْنَ عَمِّ) بنصْب (ابن) بدَلًا من (وَرَقَة)، فيُكتب بالأَلف، فخَديجة بنت خُوَيلِد بْن أَسَد بْن عبد العُزَّى، فجدُّهما واحدٌ.

قال (ن): ولا يُجرُّ (ابن)، ولا يُكتَب بغير أَلفٍ؛ لأنَّه يَصير صِفةً لعبد العُزَّى، فيكون عبد العُزَّى هو ابن عَمِّ خَديجة، وهو باطلٌ.

قال (ك): ليستْ عِلَّة كتْبه بالألف ما ذكَره، بل لأنَّه ليس بينَ علَمَين؛ لأن الّذي بعدَه (عمِّ) وليس بعَلَمٍ، وأيضًا فلا يتعيَّن البدَليَّة بل يجوز أن يكون صِفةً، أو بَيانًا، انتهى.

(تَنَصَّرَ)؛ أي: صار نَصرانيًّا، وترَك عِبادة الأَوثان.

(الْجَاهِلِيَّةِ) هي ما قَبْل نبُوَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ لِمَا كانُوا عليه من الجَهْل، وقيل: هي زمَن الفَتْرة مُطلَقًا. قلتُ: ويَظهَر أنَّه بمعنى ما قبلَه.

وقيل: إنّما هو (تبَصَّر) -بالمُوحَّدة- مِن البَصيرة؛ لكَونه في زمَن الجاهليَّة كان مُتبَصِّرًا.

(الْعِبْرَانِيَّ) رواية مسلم، وهي في "البخاريّ" في (التفسير):(العَرَبِيَّ)، فرجحَتْ لاتفاقهما عليها.

(بِالْعِبْرَانِيَّةِ) هي على الرِّواية الأُولى، وأمّا على الثّانية فـ:(بالعَرَبيَّة).

ص: 56

قال (ن): حاصلُه أنَّه تمكَّن مِن دِين النَّصارى وكتابهم، وتصرَّف حتّى صار يكتُب الإِنْجيل إنْ شاء بالعرَبيَّة، وإنْ شاء بالعِبْرانيَّة على الرِّوايتين.

قال (ك): ويُفهم منه أنَّ الإنْجيل ليس عِبْرانيًّا، لكنْ قال التَّيْمِي: إن العِبْرانيَّ أُنزل به جميعُ الكتُب مِن التَّوراة، والإِنْجيل، ونحوهما، فيكون الإنْجيل على هذا عِبرانيًّا.

قلتُ: لا تَنافيَ بينهما، بل معنى كلام (ن): أنَّه عرَف العِبْرانيَّ حتّى صار يكتُب به الإنْجيلَ كما يكتُبه النَّصارى، نعَمْ، في "الصحاح": العِبْرانيُّ لُغة اليَهود.

(الإنجيل) قلتُ: هو إِفْعِيْلٌ مِن النَّجْل؛ لأن الأَحكام مَنْجُولةٌ، أي: مُستخرَجةٌ، ومنه: أَنجَلَ فُلانٌ ذكَرًا، فسُمِّي بذلك لأنَّ الله أظهَره للنَّاس، وقيل: مِن التَّناجُل، وهو التَّنازُع؛ لأنَّهم اختلَفُوا فيه، وقرأَه الحسَن بفتح الهمزة، فيكون أَعجميًّا؛ إذْ ليس في العرَبية: أَفْعِيْل بالفتح، قالَه ابن الأَنْبارِي في "الزاهر".

(يَا ابْنَ عَمِّ) يجوز فيه الأَوجُه المَشهورة في (ابنٍ) المُضافِ لأُمٍّ أو عَمٍّ المضافَين لياء المتكلِّم، وذلك حقيقةٌ، ورواه مسلمٌ:(أَيْ عَمِّ)، وهو مجازٌ، جعَلَتْه عَمًّا تَعظيمًا وتَوقيرًا كعادة العرَب في خِطَاب الصَّغير للكبير.

(ابْنِ أَخِيكَ) هو أَيضًا مَجازٌ مِن تعظيمِ وَرَقَة واستِعطافه، أو

ص: 57

التَّقدير: ابنِ أَخِي جَدِّكَ؛ لأن جدَّ وَرَقَة الثّالث أَخو جَدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الرَّابع، ويكون تعبيرًا عن ابن الابن بالابن.

(النَّامُوس) هو جِبْريل؛ لأنَّ الله -تعالى- خَصَّه بالغَيب، وأَصل النَّامُوس صاحِب سِرِّ الخَيْر، ضِدُّ الجَاسُوس، فإنَّه في الشَّرِّ، يُقال: نَمَسْتُ -بفتح الميم- أَنمِسُ -بكسرها- نَمْسًا: كتَمتُ، ونَامَستُه: سَارَرتُه.

(عَلَى مُوسَى) إنّما لم يقُل: (على عِيْسى) مع أنَّ وَرَقَة تَنصَّر وكتَب الإنْجيل؛ لأن مُوسَى متفَقٌ عليه بين اليَهود والنَّصارى، وبعضُ اليَهود يُنكرون نبوَّة عِيْسَى، أو لأنَّ النَّصارى تَتْبع أَحكامَ التَّوراة وتَرجع إليها، على أنَّه قد رَواه الزُّبَير بْن بَكَّار:(نَامُوسُ عِيْسَى)، فيَزول الإشكال.

(يَا لَيْتَنِي) إدخالُ (يا) على (ليت) إمّا على حذْف المُنادَى، أو على أنَّ (يا) حَرفُ تنْبيبهٍ كـ (أَلا) في نحو:

أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيْتنَّ لَيلةً

ورجَّح ابن مالك الثَّاني، قال: لأنَّه قد لا يكُون ثَمَّ مُخاطَبٌ نحو: {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} [مريم: 23]، ولأنَّه إنّما يُحذَف في موضعٍ يُعتاد ذِكْره كما خُرِّج عليه قِراءة الكِسَائيِّ:{أَلَّا يَسْجُدُوا} [النمل: 25]؛ لوُرود: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} [مريم: 12]، فجاءَ بعدَه الأَمر، قال الشاعر:

أَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ علَى البِلَى

ص: 58

لوُرود {يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الأعراف: 134]، فوقَع قبْل الدُّعاء.

قلتُ: لم يقَع هنا أيضًا إلا قبْل الأَمر كالذي قبلَه، فلا يُمثَّل به للدُّعاء.

(فِيهَا) أي: في الدولة، أو النُّبوَّة، أي: في زمَن النُّبوَّة.

(جَذَعًا) بفتح الذال المعجمة، أي: قَويًّا للشَّباب، فاستَعمل فيه الجَذَع وإنْ كان أَصله في البَهائم استعارةً، أو أنَّ المُراد: فكَونَ أوَّل مَنْ يُجيبُكَ ويُؤمِنُ بكَ، كما أنَّ الجَذَعَ أوَّل الأَسنان.

ونصب (جَذَعًا) إما بـ (لَيْتَ) على نصْبها الجُزْأَين نحو:

يا لَيتْ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا

وهو قَول الكِسائيِّ، وإما على أنَّه حالٌ، وفيها خبر (لَيْتَ)، قاله (ع)، وكذا قالَه السُّهَيْلي، وإنَّ العامِل في الحال ما يتعلَّق به الحال مِن معنى الاستِقرار.

وقيل: الخبَر محذوفٌ، أي: يا لَيتَني فيها حَيٌّ أو موجودٌ في حال نُبوَّته، وهو كالذي قبلَه في أنَّ العامِل متعلَّق الحالِ (1)، إلا أنَّ هذا فُسِّر بكونِ خاصٍّ أو مُطلَقِ، وذاك اقتَصر على التَّفسير بكونٍ مُطلَقٍ.

وقال الفَرَّاء: (ليتَ) بمعنى: أَتمنَّى، فنَصب الجُزْأَين، وهو راجعٌ للأول.

(1) ما بين معكوفتين ليس في الأصل.

ص: 59

وقال (خ): نُصب على أنَّه خبر (كان) مقدَّرة، أي: يا لَيتَني أكُون فيها جَذَعًا، يُؤيِّده قولُه بعدَه:(يا لَيتني أكَونُ حيًّا)، وهو راجع للكَون المُطلَق إنْ كان المقدَّر (كان) التامَّة، والنَّصب على الحال إنْ كانت ناقصةً، فحذْفها إنّما يَطَّرِدُ بعدَ:(أن)، و (لَوْ).

ويُروى: (جَذَعٌ) بالرفع، وهو ظاهرٌ، والجارُّ حينئذٍ متعلِّقٌ بما فيه من معنى الفِعْل، كأنَّه قال: يا لَيتَني شابٌّ أو قَويٌّ.

نعم، قال (ع): إنَّ الرَّفع روايةُ الأَصِيْلِي، وإنَّها خِلاف المَشهور.

وقال ابن بَرِّي: المَشهور عند أهل اللُّغة والحديث كأبي عُبَيد وغيره: جَذَعْ بسُكون العين، قال: ومنهم مَنْ يرفعُه خبرًا لـ (لَيتَ)، ومنهم مَنْ يَنصبُه بفِعْلٍ محذوفٍ، أي: جُعلتُ فيها جَذَعًا، انتهى.

فَيُضَمُّ هذا الأَخير لأَقوال المنصوب.

(إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) استُعملت (إذْ) هنا موضعَ (إذا) للاستِقبال كعكسه في نحو: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} [الجمعة: 11]، ونُكتةُ الأَوَّل -كما قال أَهل البَيان- تَنْزيلُ المُستقبَل المَقطُوع بوُقوعه مَنْزِلة الماضي الواقِع، أو استِحضارُه في مُشاهدة السَّامع تعجُّبًا، أو تَعجيبًا، فلذلك قال:(أوَمُخْرِجِيَّ هم) تعجُّبًا واستِبْعادًا.

(أوَمُخْرِجِيَّ) بفتح الواو، لأنَّها عاطفة، نعَمْ، قال ابن مالك: كانَ الأَصل تقديمها على الهمْز كسائر أَدوات الاستِفهام، لأنَّه جُزء الكلام المعطوف، نحو:{وَكَيْفَ تَكفُرُونَ} [آل عمران: 101]، و {فَأَيْنَ

ص: 60

تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26]، {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95]، لكنْ اختُصَّت الهمزة بذلك لأنَّها أَصْل أَدواته، فنُبِّه بذلك على أَصالتها حيثُ رُجع بها إلى الأَصل في الاستِفهام، وهو التَّصوُّر.

وزعَم الزَّمَخْشَريُّ أنَّ العطْف إنّما هو على جُملةٍ مقدَّرةٍ بعد الهمْزة، فيُقدَّر في نحو:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا} [يوسف: 109]: أَمَكَثُوا، لكنْ تقديم بعض المَعطوف مُراعاةً لاستِحقاق تصدُّره أَولى من تقدير جُملةٍ قبْل العاطِف.

قال (ك): إنَّ تقديم العاطِف في الحديث مُمتنِعٌ؛ لأنَّه جوابٌ واردٌ على قوله: (إِذْ يُخرِجُكَ)، استِبْعادًا وتعجُّبًا، فكيف يَستقيم العطْف؟، ولأنَّه إنشاءٌ وما سبَق خبرٌ، والحقُّ أنَّه لما أُريد الاستِبْعاد أُتي بالواو عطْفًا على مقدَّرٍ، تقديره: أَمُعَادِيَّ هم؟، ومُخْرِجِيَّ هُم؟، وإذا دعَت الحاجةُ لمثْل هذا التَّقدير فلا يُستَنكَر، لا سيَّما وقَرينة ذلك وُجود الواو العاطِفة مع تعذُّر العطْف على ما سبَق، انتهى بمعناه.

قلتُ: وحاصلُه مُوافقة الزَّمَخْشَريِّ على العطْف على مقدَّرٍ وإنْ كان المقدَّر هنا على ما قدَّره مُفرَدًا، لكنْ ما قاله ابن مالِك هو قَول سِيْبَوَيْهِ والجُمهور، ولا تقديرَ فيه، فهو أَجْوَد من ادِّعاء تقديرٍ يصحُّ الكلام بدُونه؛ لأنَّ مِن لازِم:(إذْ يُخرِجُكَ قَومُكَ) أنَّه يَخرُج، فكأنَّ وَرَقَةَ قال: تَخرُجُ بإِخْراجِ قَومِكَ، فعُطف عليه: ومُخْرِجِيَّ هم، أي: أَأَخرُجُ، ومُخْرِجِيَّ قَومي.

ومُخْرِجِيَّ جمع: مُخْرِجٍ جمعَ سلامةٍ بالواو والنُّون؛ فلمَّا أُضيف

ص: 61

إلى ياءِ المتكلِّم سقَطتْ نونُ الجمْع، واجتَمعت الواو الّتي هي عَلامة الرَّفعْ مع ياء المتكلِّم، والسابِقُ منْهما ساكنٌ، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمتْ في الياء الثَّانية، وجواز حينئذٍ الفتْح في الياء المُشدَّدة تخفيفًا لئلَّا تجتمع كسرتان وياءَان، وجاز الكَسْر على أَصْل التِقاء الساكنَين؛ لأن ياء المتكلم أصلُها السُّكون، وقد قُرئ بهما في قوله تعالى:{بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22].

ثمّ قال ابن مالك: هو خبرٌ مقدَّمٌ، و (هم) مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، ويمتَنِع العكْس؛ لأنَّه لا يخبر عن نكرة بمعرفة، لأن إضافة (مُخْرِجِيَّ) غير محضةٍ.

ويجوز أن تكُون فاعلًا سدَّ مَسدَّ الخبَر، و (مُخْرِجِيَّ) مبتدأٌ، أي: لاعتِماده على استفهامٍ، لكنْ على جَواز تخريج الفَصِيح على لُغة: أَكَلُوني البَراغِيْث، وإنْ كانت قليلةً، كما خرَّجوا عليها قولَه تعالى:{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء: 3]، وحديثَ:"يَتعاقَبُون فيكُم مَلائِكَةٌ" كما هو مُختار ابن مالك، أما على المَنعْ فتُؤوَّل كما أُوِّلت الآيةُ والحديثُ.

ثمّ قال ابن مالك: ولو رُوي بتخفيف الياءِ على أنَّه مفردٌ غيرُ مضافٍ لجازَ، ويكون (هم) فاعلًا به، ولا يَصحُّ جعْل (مُخْرِجِيَّ) خبرًا مقدَّمًا، و (هم) مبتدأً مؤخَّرًا؛ لئلا يكُون إخبارًا عن الجمْع بالمفرَد.

قال السُّهَيْلي: ولا يصحُّ جعْل (هم) فاعلًا لـ (مُخْرِجِيَّ)؛ لأنَّه

ص: 62

ضميرٌ منفصلٌ كما لا تقول في قمتُ: قامَ أَنا.

قلتُ: وفيه نظَرٌ؛ لأن ذاك في الأَفعال الّتي يتصِل بها الضَّمير المرفوع لفْظًا، واتصافُهم هنا مفصولٌ بضمير المَفعول، وهو ياء المتكلِّم.

(عُودِيَ) مبنيٌّ للمفعول مِن المُعاداة.

(يَوْمُكَ)؛ أي: يومُ انتِشار نبُوَّتكَ، أو: يوم يُخرجُك قَومُك، وهذه الرِّواية هي الوجْه بخلاف ما سبَق في "السِّيْرة":(إنْ أُدْرِكْ يَومَكَ)؛ لأنَّ المُدرِك -بالكسر- دائمًا بعدَ المُدرَك، ووَرَقَة سابقٌ، فـ (اليَوم) هو المدرِك له، لا أنَّه مُدرِكٌ لليَوم.

(يَنْشَبْ) بفتْح الشِّين المعجَمة، أي: يَلبَث.

(أَنْ تُوُفِي) بدَل اشتِمالٍ من (وَرَقَة)؛ أي: لم تَلبَثْ وَفاتُه.

(وَفترَ الوَحْيُ)؛ أي: احتَبَسَ بعد تَتابُعه في النُّزول سنَتين ونِصْفًا، وقال ابن إسْحاق: ثلاثًا.

وقال وَرَقَة في ذلك:

فَإِنْ يَكُ حَقًّا يا خَديجَةُ فاعْلَمِيْ

حَديثُكِ إِيَّانَا فأَحمَدُ مُرسَلُ

وجِبْريلُ يَأْتِيهِ ومِيْكَالُ مَعْهُمَا

مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَح الصَّدْرَ مُنزَلُ

ص: 63

قلتُ: عُلِم مِن هذا أنَّ وَرَقَة آمَنَ؛ لتَصديقه رِسالةَ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.

قال شيخ الإسلام البُلْقِيْني: بل يكون بذلكَ أوَّل مَنْ أَسلَمَ مِن الرِّجال، انتهى.

ومَن يمنعَ يَدَّعي أنَّه أَدرك نُبُوَّتَه صلى الله عليه وسلم لا رِسالتَه، لكنْ في السِّيَر: أنَّه قال له: أَبْشِرْ، فأَنَا أَشهَدُ أنَّك الّذي بَشَّرَ به ابنُ مَرْيَم، وإنَّكَ على مِثْل نامُوسِ مُوسَى، وإنَّك نبَيٌّ مُرسَلٌ، وإنَّك سَتُؤمَرُ بالجِهَادِ، وإنْ أَدركْتُ ذلك لأُجاهِدَنَّ معَكَ. فدلَّ على إيمانهِ به بعد رِسالته.

وفي "مستدرك الحاكم": "لا تَسبُّوا وَرقَةَ؛ فإِنِّي رَأَيْتُ له جنَّةً أو جنَّتينِ".

* * *

4 -

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ-: "بَيْنَا أَنًا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءَ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} إِلَى قَوْلِهِ {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتتَابَعَ".

تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونسٌ وَمَعْمَرٌ:"بَوَادِرُهُ".

ص: 64

(قَالَ ابْنُ شِهَاب) هذا صُورة تعليقٍ، ولكنَّه متصِلٌ كما سنُبيِّنه.

وقاعدة البخاريّ فيما سقَط أوَّل الإسناد فيه سُمِّي تعليقًا: إنْ كان صحيحًا عنده أن يأْتيَ به بصِيغة الجزْم كـ (قالَ)، أو ضعيفًا: أن يأْتي به بصِيغة المبنيِّ للمفعول كـ (قالَ) و (رُوي)، وذلك دليلُ زيادةِ جلالته وتحقيقه، فإنْ قامتْ قرينةٌ على بِنايةٍ على سنَدٍ متقدِّمٍ -كما هنا- فهو من المتصِل صَريحًا، فإنَّ التَّقدير هنا: حدَّثنا يحيى بْن بُكَير، حدّثنا اللَّيْث، عن عَقيل، عن ابن شِهَاب: أنَّه قال: (أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ)، فيكون الأَوَّل ممّا حدَّث به ابن شِهَاب عن عُروة، والثّاني ما حدَّث به عن أَبي سَلَمة، وإنْ لم تقُم قرينةٌ على البِناء على السَّابق؛ فهو ممّا حذَف البُخاريُّ سنَده فيه لغَرَضٍ؛ لكونه مَعروفًا عن الثِّقات، أو نحو ذلك، وربَّما وصلَه البخاريّ في مَواضع أُخَر.

وسيأْتي بَيانُ ذلك في مَواضِعه.

والواو في قول ابن شِهَاب: و (أَخبَرني) عاطفة له على ما رَواه أَولًا عن عروة، كأنَّه قال: أَخبَرني عُروة بكذا، وأخبرني أبو سَلَمة بكذا.

(وَهُوَ يُحَدِّثُ) جملةٌ حاليةٌ من ضمير جابر، أي: قال جابر في حالةِ تحديثه عن فَتْرة الوَحْي.

(بَيْنَا) أصلُه: بَيْنَ، فأُشبعت الفتْحة ألفًا، وهو ظرفُ زمانٍ لازمٍ للإضافة، أُضيف هنا للجُملة الاسمية، وهو يتضمَّن معنى الشَّرطية، فلذلك احتاج لجوابٍ، فإنْ لم يكنْ في جوابه مفاجأَةٌ، ويحتاج

ص: 65

للجَواب ليتمَّ فهو العامِل فيه، وإنْ كان فيه ذلك كما هُنا -وهو الأفْصح خلافًا للأَصمَعي- فالعامِل معنى المُفاجأة، ويَحتاج الجواب ليتمَّ به المعنى حينئذٍ.

(إِذْ قلت) هي هنا للمُفاجَأَة تقَع بعد (بيَّنَّا) كما سبَق، وبعد (بَينما) كقوله:

فَبَينَما العُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيْرُ

وهل هي ظرف زمانِ، أو مكانٍ، أو حرفٌ للمُفاجأة، أو حرفٌ زائدٌ مُؤكِّدٌ؟ أقوالٌ، وعلى الظَّرفيَّة قال ابن جِنِّي: عاملُها الفِعل الّذي بعدَها؛ لأنَّها غير مضافةٍ، وعامل بَينَما وبَينا محذوفٌ يُفسِّره الفِعل المذكُور.

وقال السِّيْرافي: (إذْ) مضافةٌ للجُملة، فلا يَعمل فيها الفِعل بعدَها؛ لأنَّ المضاف إليه لا يَعمل في المُضاف، ولا في (بَينما) و (بَينا)؛ لأنَّ المضاف إليه لا يعمل فيما قبْل المُضاف بل عاملُها محذوفٌ يدلُّ عليه الكَلام، و (إذْ): بدَلٌ مِن (بَينما) و (بَينا).

(جَالِسٌ) مرفوع خبرًا، ويجوز نصْبه حالًا، والخبر محذوفٌ، أي: حاضرٌ، أو نفْس (إذْ) إذا قُلنا في (إذا) الفُجائية ظرفُ مكانٍ، فقد أجازوا في (خَرجتُ فإذا زيدٌ جالسٌ) الرَّفعْ والنَّصب.

(كُرْسِيٍّ) بضم الكاف، وقد يُكسَر، وجمعه: كَرَاسِي بتشديد الياء وتخفيفها، كما في نَظيره من عَوَارِي وسَرَارِي ممّا واحدُه مشدَّد الياء كما قاله ابن السِّكِّيت.

ص: 66

(فرعبتُ) قيَّده الأَصِيْلِي بفتْح الراء وضمّ العَين بمعنى: فَزِعتُ، وغيرُه بضمِّ الراء وكسر العَين على البِناء للمفعول.

(زَمِّلُوني) في أكَثر الأُصول مُكرَّرٌ، وفي بعضها مرَّةً، ورواية مسلم:(دَثِّرُونِي)، وهو مُناسِبٌ لقَوله:(فنزلت: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ})، وقد سبَق تفسيرُه، والجُمهور: أنَّ معناه: المُتَدَثِّر بثيابه، وعن عِكْرمة: المُدثِّر بالنُّبوَّة وأَعبائِها.

({فَأَنْذِرْ})؛ أي: حذِّرْ بالعَذاب مَنْ لم يُؤمن.

({فَكَبِّرْ})؛ أي: عظِّم ربَّك، ونزِّههُ عمَّا لا يَليقُ به.

({وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ})؛ أي: مِن النَّجاسة، وقيل: قَصِّر، وقيل: المُراد بالثّياب النَّفْس؛ أي: طَهِّرْها مِن كلِّ نقْصٍ.

({وَالرُّجْزَ}) بكسر أوَّله، وقَرأَ عاصمٌ بضمِّه، وفُسِّر هنا بالأَوثان؛ لأنَّ الرِّجْز لُغةً: العَذاب؛ فعِبادتُها سبَب العَذاب، وقيل: الرِّجْز الشِّرْك، وقيل: الذَّنْب، وقيل: الظُّلْم.

(فَحَمِيَ) بكسر الميم، أي: كثُر نُزولُه، وازدادَ، كحَمِيَت الشَّمسُ: كثُرت حرارتُها.

(وَتتابَعَ) تأْكيدٌ؛ لأنَّه بمعنى: حَمِيَ.

قال (ن): قيل: أوَّل ما نَزل من القُرآن: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ، وقيل: الفاتحة، والصَّواب ما عليه الجُمهور:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، والقَولان الأَوَّلان باطِلان، ولا يُغترُّ بجلالَة مَنْ نُقلا عنه، ومع كَون الصَّحيح قَول الجُمهور دلائلُه ظاهرةٌ، وأَصرحُها حديث عائشة: (أَوَّلُ ما بُدِئَ

ص: 67

بهِ) إلى: (فقالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ})، و {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} إنّما نَزلتْ بعدَ فتْرة الوَحْي كما في مَواضع من هذا الحديث، وهي قوله:(وهو يُحدِّثُ عَنْ فتْرة الوَحْي) إلى: (فَأنزَلَ اللهُ: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}، وقوله: (فَإِذَا الملَكُ الذِيْ جَاءَنِي بحِرَاء)، وقوله:(فَحَمِيَ الوَحْيُ)؛ أي: بعدَ فَتْرةٍ.

(تَابَعَهُ عَبْدُ الله)؛ أي: تابعَ يحيَى بنَ بُكَير، ويحيى وعبد الله كلاهما شيخُ البُخاريِّ، وكثيرًا ما يذكُر البُخاريُّ في هذا "الجامع" المُتابَعات، وهذا أوَّل مَوضعٍ منها، والمراد أنَّه ثبَت عنده أنَّ عبد الله تابَع يحيَى في رواية هذا الحديث عن اللَّيْث، ولكنْ لم يَذكُر سنَد المتابع هنا، وقد وصَل ذلك عنه في (المُدَّثِّر) في (التفسير).

وتُسمَّى هذه المُتابعة تامةً؛ لأنَّها من أوَّل الإسناد إلى آخِره، فإنْ وقعت المُتابَعة من الأوّل سُميت ناقصةً كما سيأتي أيضًا في هذا الحديث.

وأيضًا فالمتابعة إمّا بدُون ذِكْر المتابَع عنه على الرِّواية كما هنا، فإنَّه لم يذكُر أنَّه تابعَه عن اللَّيْث، وتارةً يُذكر كما سيأتي أيضًا، فوقعت الأنواعُ كلُّها في هذا الحديث.

(وَأبَو صَالِح) وهو عبد الله بن صالح كاتِب اللَّيْث، ومَن زعَم أنَّه عبد الغَفَّار الحَرَّاني فقولُه ليس بجيِّدٍ، فقد وصَل هذه المتابعةَ يَعقوبُ ابن سُفْيان (1) في "تاريخه"، وغيرُه من طريق عبد الله بن صالح.

(1) في الأصل: "شيبان".

ص: 68

(وَتَابَعَهُ هِلَال)؛ أي: تابَع الرَّاويَ عن الزُّهري، وهو بالضَّرورة عَقِيْل الرَّاوي عنه بقرينة قوله:(عن الزُّهري)، فهذه المُتابعة سُمِّي فيها مَنْ تُوبع عنه، وهي أوَّل نوعَي المُتابَعة إلا أنَّها في بعض السَّنَد، فهي ناقصةٌ كما قرَّرناه.

وقد قرَّره (ن) هنا كذلك، ولكنه لمَّا ذكر في مقدِّمة الكتاب أنه تارةً يقول: تابعَه مالكٌ عن أَيُّوب، وتارةً: تابعَه مالك ولا يَزيد، فلا يَعرف الثّانيةَ إلا مَنْ يعرف الطَّبَقات، وربما يُوهم المُخالفة من كلامه، لكنْ جوابه أنَّه هنا عُرفت الطَّبَقات بقَرينة المتابع عنده، وهو الزُّهري فلا تَنافيَ بينها.

وبالجُملة فمُتابعة هلالٍ وصلَها محمّد بن يحيَى الذُّهْلِي في "الزُّهريات".

(وقال يونس) وصلَه البخاريّ في (التفسير).

(ومعمر) وصلَه في (تعبير الرُّؤيا)، وفي (التفسير)، ومسلم في (الإيمان).

(بَوَادِرُهُ)؛ أي: روَياه عن الزُّهري بهذا اللَّفْظ، وهو جمع: بادِرَة، وهي اللَّحمة الّتي بين المنكِبَين والعُنُق، تَضطَرِب عند فَزَع الإنسان، أي: وهاتان -يعني: الرِّوايتين المتقدِّمتَين عن الزُّهري- متوافقتان إلا في هذه اللَّفْظة.

نعَمْ، هذا يصلُح أن يكون متابعةً وأن يكون شاهدًا؛ لاختلاف

ص: 69

لفْظ الرِّوايتين، وتوافُقهما في المعنى، وهو الخَشْية على نفْسه.

واعلم أنَّ فائدة المُتابَعة التَّقْوية، ولهذا تقَع بروايةِ مَنْ لا يُحتجُّ بحديثه مُنفرِدًا، والمُتابعة الثّانية إنّما لم تُجعل أصلًا؛ لأنَّ شَرْط البخاريّ كما قال الحاكم -وإنْ لم يُوافِقْه غيره على ذلك-: أنْ يكون عن الصَّحابي راويان، والمُتابَعة النَّاقصة تُشبه التَّعليق.

* * *

5 -

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلهِ تَعَالَى:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16]. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفتيْهِ -فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أحُرِّكهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكهُمَا -فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ- فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16، 17]. قَالَ: جَمْعُهُ لَهُ فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18]. قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصتْ، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19]. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَمَا قَرَأَهُ.

ص: 70

الحديث الرّابع:

(يُعَالِجُ)؛ أي: لعِظَم ما يَلقاهُ من الملَك، وهو القَول الثَّقيل كما سبق من قوله:(وهو أَشَدُّهُ عَليَّ)، فإنَّه يقتضي الشِّدَّةَ في الحالَين، وأَحدُهما أَشدُّ.

(شِدَّةً) إمّا مفعولٌ به لـ: (يُعالِجُ)، أو مفعولٌ مُطلَقٌ، أي: مُعالَجةً شديدةً.

(وَكَانَ مِمَّا يُحَرّكُ)؛ أي: وكان العِلاج ناشِئًا مِن تَحريك الشَّفَتين، أي: مَبدأ العِلاج منه، أو (ما) بمعنى (مَنْ) في كونها للعاقِل، أي: مِمَّنْ يُحرِّك.

واعلم أنَّ لفْظ (كان) في مثْل هذا يُفيد التَّكرار والاستِمرار.

وقال (ع): معناه الكثْرة، وقيل المَعنى: مِن شأْنه، ودَأْبه ذلك.

(فَقَالَ ابْنُ عبَّاس): هو وما بعدَه اعتراضٌ إلى قوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ)، عطْفًا على:(كان يُعالِجُ)، ونحوه في الجُملة المُعترضة قول الشَّاعر:

فاعلَمْ وعِلْمُ المَرءِ يَنفَعُهُ

أَنْ سَوفَ يَأْتِيْ كُلُّ مَا قُدِرَا

(فَأَنا أُحَرِّكهُمَا) تقديمُ (أنا) على الفِعل يُشعِر بتقْوية الفِعْل، ووُقوعه لا مَحالةَ.

(لك) في بعض النُّسَخ: (لكُم).

(كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) لم يقُل فيه كما قال في الّذي بعدَه كما رأَيتَ؛ لأنَّ ابن عبَّاس لم يُدرِك ذلك، بل صحَّ عنده أنَّه صلى الله عليه وسلم فعَل ذلكَ؛

ص: 71

لأنَّه في أوَّل البِعْثة لم يكُن وُلد.

(يُحَرِّكهُمَا) لا يُنافي هذا ما في قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} [القيامة: 16]؛ لتَلازُم التَّحريكَين غالبًا، أو لأَنَّ تحريك الفَمِ وهو مشتمِلٌ على اللِّسان يصدُق على تحريك الشَّفَتين وتَحريك اللِّسان.

وفيه أنَّه يُستحبُّ للمُعلِّم أن يُرِيَ المتعلِّمَ صُورةَ الفِعْل إذا كان فيه (1) زيادة بيانٍ على ذكْره بالقَول.

وفيه ما يقُوله المُحدِّثون من التَّسلسُل، وهو هنا مُسَلْسَلٌ بالتَّحريك، لكن في طبقَات الصَّحابة والتابعِين لا فيمَن بعدَهم.

(فَأَنْزَلَ اللهُ) عطْفٌ على (كانَ يُعالِجُ).

(قال)؛ أي: ابن عبَّاس في تفسير جَمْعه الواقع في الآية: أنَّ المعنيَّ بذلك: (جَمْعُهُ لَك فِي صَدْرِكَ)، وهذه رواية أبي ذَرٍّ، بسُكون الميم في (جَمْع)، أي: إنَّ علَينا أن نجمَعَه لكَ.

(ويقرأه)؛ أي: قالَه ابن عبَّاس أيضًا في تفسير: (وقُرآنَه)، فيكون المُراد بالقُرآن القِراءة لا المَقروء؛ فإنَّ القُرآن هو القَول المُنزَّل على محمد صلى الله عليه وسلم للإِعجاز، ورواه الأَصِيْلِي:(جَمْعَه لكَ في صَدْرِكَ) بسُكون (جمْع) أيضًا مَصْدرًا، و (صَدرك) فاعلٌ به، ورواه غيره:(جَمَعَه) بفتح الجيم، والميم على أنَّه فِعْلٌ أيضًا، وصَدْرك فاعِلٌ به أَيضًا، ونِسْبة الجَمْع للصَّدر في هاتين الرِّوايتَين مَجازٌ عَلاقتُه الظَّرفيَّة؛

(1)"فيه" ليست في الأصل.

ص: 72

إِذ الصَّدْر ظَرفُ الجَمْع، فيكون مثلَ: أَنبَتَ الرَّبيعُ البَقْلَ.

قال أبو الفُتوح: والمعنى: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يُحرِّك شفَتَيه بما يَسمعُه من جِبْريل قبْل إتمامه استِعجالًا لحِفْظه، واعتِناءً بتلْقينه، فقيل له:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ} ، أي: بالقُرآن {لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16، 17] في صَدْرِك، وبنحو ذلك فسَّره في "الكشاف"، وفي معناه قوله تعالى:{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114].

(فإذا قرأناه)؛ أي: فإذا فَرغ جِبْريل مِن قِراءته فاتَّبعْ قُرآنَه.

(فاستمع) هو تفسيرُ (اتَّبعْ)؛ أي: لا يكُون قِراءتُك مع قراءته بل متَّاخِّرةً عنها، والاستِماع افْتِعالٌ يقتضي تصرُّفًا بخِلاف السَّماع نحو:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]؛ لأن الشَّرَّ لمَّا كان فيه سَعْيٌ أتَى بالافتِعال.

قال (ك): ولذلك قال الفُقهاء: يُسنُّ سَجدةُ التِّلاوة للمُستمع لا للسَّامع.

قلتُ: هذا وَجْهٌ جرَى عليه الرَّافعيُّ في "المُحرَّر"، وصاحِب "الحاوي الصَّغير"، لكنَّ الأَصحَّ المنصوص عليه في "البُوَيْطِي": يُسَنُّ للسَّامع أيضًا وإنْ كان للمُستَمع آكَدُ؛ لعُموم: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21]، وفي بعض الأَحاديث ما يَدلُّ للعُموم أيضًا.

(وَأنصِتْ) بهمزةِ قطْعٍ مفتوحةٍ؛ مِن أَنصَتَ، وهو الأَكَثَر، وبهمزةِ

ص: 73

وصلٍ إذا ابتُدِئَ به، ويُحذَف في الدَّرْج، فإنَّ (نَصَتَ) لُغةٌ فيه أيضًا.

(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نقرَأَهُ)؛ أي: مرةً بعد أُخرى، وقيل المُراد: عَلينا بَيانُ مُجمَله، وشَرْح مُشكِلِه.

ففيه دليلٌ على الرَّاجِح في الأُصول في تَأْخير البَيان عن وَقْت الخِطاب لكنْ لا عنْ وقْت الحاجَة؛ لأن (ثُمَّ) للتَّراخي.

(كَمَا قَرَأَهُ) الهاء للقُرآن، وضمير الفاعِل عائدٌ إلى جِبْريل، وفي بعض النُّسَخ:(قَرَأَ) بحذْف المفعول.

ومُناسبة هذا الحديث للتَّرجمة ما فيه مِن بَيان حالهِ في ابتِداء الوَحْي.

* * *

6 -

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونسٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونسٌ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيح الْمُرْسَلَةِ.

الحديث الخامس (م، س):

وفي سنَده تحديثُ ابن المُبارَك عن اثنَين كلاهما عن الزُّهري بخِلاف تحديث عَبْدَان، فإنَّ فيه ابن المُبارَك عن واحدٍ عن الزُّهري.

ص: 74

ويُوجَد في بعض النُّسَخ قبْل هذا صُورة (ح) -أَي: مُهملةٍ- إشارةً إلى ابتِداءِ إسناد آخَر، إمّا لأنَّها حاءُ التَّحويل، ويَنطِق بها القارئُّ حذَرًا مِن تَوهُّم تركيب الإسنادَين واحدًا، وإما لأنَّها حاءُ الإحالَة بين السَّنَدَين، وإما رَمْزٌ للحديث؛ فإنَّ أَهل المَغرِب إذا وَصَلُوا إليها يقُولون: الحديث، وإما لأنَّها حاء: صَحَّ، وكثيرٌ يُثبتون مَوضِعَها صَحَّ.

قال (ن): وهذه الحاء كثيرةٌ في "مسلم"، وقَليلةٌ في البُخاري.

(أَجْوَدَ النَّاس)؛ أي: أَسخَاهُم، فهو أكَمَل النَّاس شَرَفًا، ومِزَاجًا، وشَكْلًا، وخُلُقًا، وغير ذلك، فيكُون أحسنَهم فِعْلًا لا سِيَّما وهو مُستغْنٍ عن الفَانِيَات بالباقيات الصَّالحات.

(وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) الأَشهَر رفْع (أَجْوَد)، قال (ن): وأَصَحُّ، ويجوز النَّصب، فأَما الرَّفع فمِن وُجوهٍ:

أحدها: أنَّ في اسم (كان) ضميرَ [النبيِّ صلى الله عليه وسلم، و (أَجوَد) مبتدأٌ مضافٌ للمَصدر المُؤوَّل المَسبُوك مِن (ما) المَصدريَّة والفِعْل، أي:] أَجوَدُ أكوانِه، و (في رمضان) خبَره، أي: حاصلٌ له، والجُملة: خبر (كانَ).

ثانيها: كذلك إلا أنَّ خبَر المبتدأ محذوفٌ سدَّ الحالُ مَسدَّه، وهي:(في رمَضان)، أي: حاصِلٌ فيه، فهو على حدِّ:["أَقْرَبُ ما يكُون العَبْد مِنْ ربِّه وهُو ساجِدٌ"](1)، وأَخْطَبُ ما يكُون الأَميرُ قائِمًا.

(1) ما بين معكوفتين ليس في الأصل.

ص: 75

ثالثها، ورابعها: كالوجهَين السَّابقَين إلا أنَّ اسم (كانَ) ضميرُ الشَّأْن.

خامسها: إنَّ الضَّمير للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو اسمُ (كان)، و (أَجوَد): بدَلُ اشتِمالٍ منه.

سادسها: تُقدر في الكَلام (وقْت)، كما في نحو: جاءَكَ مَقدَمَ الحاجِّ، أي: وقْتَ قُدومه، والتَّقدير هنا: كانَ أَجوَدُ أَوقَاتِ أكوانه وقْتُ كَونهِ في رمَضان، وإسناد الجُوْد إلى أَوقاته على سَبيل المَجَاز للمُبالغة، كما في إِسنَاد نحو: نَهارُه صَائِمٌ.

وأمّا النَّصب فعلى أنَّه خبَر (كانَ)، لكنْ لا بإِضافتها لمَا بعدَها بل تكُون:(ما) مَصدريَّةً وقْتيَّةً، أي: كانَ أَجوَدَ مُدَّةَ كَونه في رمَضان، أي: أَجود ممّا هو في غيره، وإنْ كان جُودُه دائمًا؛ لأنَّ رمضان مَوسِمُ الخَير، واللهُ تعالى يتفضَّل فيه على عِباده، فهو مُتابعٌ سُنَّةَ اللهِ في ذلك، أو لأنَّه يُلاقي البشَر بملاقاةِ أَمين الوَحْي، فيَشكُر الله بالإنْعام على عِباده، ويُحسِن إليهم كما أَحسَن إليه، ولأنَّه يُناجي 7 الرَّسُول، وهو جِبْريل، فيُقدِّم بين يدَي نَجْواه صدَقة، وهذا وإنْ كان نُسِخ فالنَّسخ للوُجوب لا يَلزَم منه نسخ الجَواز ولا الاستِحباب.

(حِينَ يَلْقَاهُ) في مَوضع حالٍ، فإنْ جُعل ما قبلَه حالًا؛ فهو من تَداخُل الحالِ؛ لأن الثّانية مِن شيءٍ في الأُولى، فهي حالٌ من حالٍ.

ثمّ يحتمل أنَّ الضَّمير البارِز لجِبْريل عليه السلام، والمُستَتِر

ص: 76

-وهو الفاعل- للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويحتمل العَكْس.

(فَيُدَارِسُهُ) مُتعدٍّ لمفعولَين ثانيهما القُرآن؛ لأن المُفاعَلة في المتعدِّي لواحدٍ تُصيِّرُه متعدِّيًا لاثنَين كجَاذَبْتُه الثَّوبَ، والمعنى: أنَّهما يَتساوَيان قِراءةَ القُرآن كما في عادَة القُرَّاء، هذا يَقرأُ، وهذا يَقرأُ.

ويحتمل أنَّهما يَقرآن معًا، فيكُون دليلًا على مِثْله في القِراءة، والدَّرْس القِراءة بسُرعةٍ.

وفائدة ذلك تَعليم جِبْريل للرَّسول صلى الله عليه وسلم تجويدَ اللَّفْظ، وتصحيحَ إخْراج الحُروف من مَخارجها، وتعليمهما للأُمة كيف يُقرِؤون التلامِذةَ.

(فَلَرَسُولُ الله) بفتح اللام الأُولى؛ لأنَّها لام الابتِداء، تُزاد للتأْكيد، أو جَوابٌ لقسَمٍ مُقدَّرٍ.

(بِالْخَيْرِ) عامٌّ في جميع أَنواعه، فقد كان يَجود على كلِّ حالٍ بما يحتاجه.

(المرسلة) بفتح السين، لأنَّه أَجود منها في عُموم النَّفع، والإِسْراع فيها إمّا على الإِطْلاق، واللام فيها للجِنْس، أو بالرَّحمة فللعَهْد، كما في قوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57]، وكذا:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات: 1]، على بعض التَّفاسير، فالرِّيح مُنتشِرةٌ في سائر الأَقْطار لإحياء الأَرض، وجُودُه صلى الله عليه وسلم مُنتَشِرٌ في الخلْق لإحياء القُلوب.

ثمّ في الحديث تخصيصاتٌ بالتَّرقِّي، فهو أَجوَدُ النَّاس مُطلَقًا، ثمّ

ص: 77

أَجوَدُ في رمَضان، ثمّ أَجوَد عند لِقَاء جِبْريل.

قال (ن): وفي الحديث من الفَوائد الحَثُّ على الجُود، وزيادتُه في رمَضان، وعند الاجتِماع بالصَّالحين، وزِيارةُ أُولي الفَضْل ومُجالسَتُهم، وتَكريرُ ذلك إذا لم يَكره المَزُور ذلك، وكَثْرةُ تلاوة القُرآن في رمَضان، وغيرِه من العُلوم الشَّرعية، وأنَّه يُقال:(في رمَضان) من غير ذِكْر: (شَهْر)، وأنَّ القِراءة أفضَل من التَّسبيح وسائر الأَذْكار؛ إذ لو كان ذلك أفضَل من القِراءة أو مُساوِيًا لها لفَعَلاه، ولا يُقال: إن ذلك كان لتَجْويد الحِفْظ؛ لأنَّ الحِفْظ كان حاصِلًا، والزِّيادة فيه تحصُل ببعض هذه المَجالِس.

* * *

7 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نافعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أخبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكبٍ مِنْ قُرَيْشٍ -وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّامِ- فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبَيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أُدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ

ص: 78

هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَوَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نعمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ، قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ، فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ

ص: 79

كُنْتُمْ تَتَّهِمُونهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ كُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ، وَ {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ

ص: 80

اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ".

قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإسْلَامَ، وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأمِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمن يَختَتِن مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إلا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنهمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ، ثُمَّ كتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أتاهُ كتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهُ نبَيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءَ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ!

ص: 81

هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُم فتبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ.

رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كيْسَانَ ويُونسٌ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ.

الحديث السادس (م د س ت):

الإتْيان فيه أوَّلًا بلفْظ: (حدَّثنا)، وثانيًا:(أَخبَرنا)، وثالثًا:(عَنْ)، ورابعًا:(أخبَرني)؛ إمّا للفَرْق بينها، وإما لحكايةِ الواقع، وإما لأن الكلَّ جائزٌ إذا قُلنا: لا فَرْقَ.

(هِرَقْل) بوَزْن (دِمَشْق) على المشهور، ويُقال: زِبْرِج، وهو غير منصرفٍ؛ لأنَّه علَمٌ أعجميٌّ اسمٌ لملِك الرُّوم يومئذٍ، ملَكَ إحدى وثلاثين سنةً، وفي زمَن مِلْكه مات النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولقَبه: قَيْصَر.

قال الشَّافعي رضي الله عنه: كما يُقال على أَمِيْر المُؤمنين، فكلُّ مَنْ ملَك الرُّوم يُلقَّب بذلك، نحو: كِسْرَى لمن ملَكَ فارِس، والنَّجَاشيُّ لمَن ملَك الحبَشة، وخَاقَان لمَنْ ملَك التُّرْك (1)، وفِرعَون لمَنْ ملَك القِبْط، والعَزِيْز لمن ملَكَ مِصْرَ، وتُبَّع لمن ملَكَ حِمْيَر، كذا قال (ك).

وقال غيرُه: فِرْعَون لمن ملَكَ مِصْر والشَّام، فإنْ أُضيف إليهما

(1) في الأصل: "الروم".

ص: 82

إِسكَنْدرَّية سُمي العَزِيْز، ويُقال: المُقَوْقِس.

قلت: وهذا بناءً على أنَّ العَزيز في قِصَّة يوسف عليه السلام كان مَلِكَ مِصْر، أَمَّا إذا قُلنا: إنَّه كان الوزير، أو صاحب الخَزائن، واسمه: قطفير، وأنَّ الملِك الرَّيَّان بن الوَليْد مِن العَمالِقَة، أو أنَّ اسمه فِرْعَون، إمّا فِرْعَون مُوسَى، أو الّذي مِن نسله، فلا يُقال ذلك له.

وبقِيَ عليه أيضًا بَطْلِيمُوس لمن ملَكَ اليُونان، والفِطيون لمن ملَكَ اليهود أو مَالِخ، والنُّمْرُود لمن ملَك الصَّابئة، والإِخْشِيْد لمن ملَك فَرْغانَة، والنُّعمان لمن ملَك العرَب مِن قِبَل العَجَم، وجَالُوت لمن ملَك البَربَر.

(فِي رَكبٍ) جمع: راكِبٍ كتَجْر جمع: تَاجِر، وهم أَصحاب الإبِل العشَرة فما فوقَها، ومحلُّه النَّصب على الحال، أي: أَرسَل إليه كونَه في رَكْبٍ؛ لأنَّه أَميرُهم، وأرسلَ إليهم في شَأْن الرَّكْب وطلبَهم إليه.

(قُرَيْشٍ) ولَد النَّضْر، وقيل: فِهْر، وقيل غير ذلك، سُمُّوا قُريشًا من القَرْش، وهو الكَسْب والجَمْع؛ لتكسُّبهم أو لتجمُّعهم بعد التَّفرُّق.

وقيل: بدابَّة البحر تُسمَّى القِرْش تَأْكُل ولا تُؤكَل، وتَعلُو ولا تُعلى، والتَّصغير فيه للتَّعظيم، وهو منصرفٌ على الأصح الوارِد في القُرآن على إِرادة الحَيِّ، وقد يُمنَع على إرادة القَبيلة.

(تُجَّارًا) بضمِّ أوله وتشديد ثانيه، وبكسْره وتَخفيفِ ثانيهِ: جمع: تاجِر، كعُذَّال وصُحَّاب جمع: عاذل وصاحِب.

ص: 83

(بِالشَّأمِ) متعلِّق بـ (تُجَّارًا)، أو بـ (كانوا)، أو هو صِفةٌ بعد صِفةٍ لـ (رَكْبٍ).

والشَّأْم -بفتح الشِّين والهمْزة- كرَأْس، وتُخفَّف بتركها، ولغةٌ ثالثةٌ بفتح الشِّين والمدِّ، وهو مُذَكرٌ، وقال الجَوْهَري: يُذكَّر ويُؤنَّث، وهو اسْمٌ للإِقْليم المعروف مِن العَرِيْش إلى الفُرات، ومِن أَيْلَة إلى بحر الرُّوم، وهو دِيار الأَنْبياء، دخلَه نبيُّنا صلى الله عليه وسلم قبْل النُّبوَّة مرَّتين: مرةً مع عمِّه أبي طالب وهو ابن اثنتَي عشْرة سنةً حتّى بلَغَ بُصرَى، ولَقِيَه الرَّاهب، فالتَمَسَ من عمِّه أن يردَّه إلى مكَّة، ومرةً في تِجارةِ لخديجة إلى سُوق بُصرَى، وهو ابن خمسٍ وعشرين سنةَ، وبعد النُّبوَّة مرةً ليلةَ الإِسراء، ومرةً في غزوة تَبُوك.

(مَادَّ) بتشديد الدال: فعلٌ ماضٍ من المُفاعَلة، وهو الاتِّفاق على مُدَّةٍ، مأْخوذةٌ من المَدِّ، أو من المُدَّة، والمراد صُلْحه بالحُدَيْبِيَة في السّادسةِ عشْرَ سنينَ، ثمّ نقضَ أهلُ مكَّة الصُّلْح بقِتالهم خُزَاعَة حُلَفائه صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك سبَبًا لفتْح مكّة.

(وَكُفَّارَ) قال (ش): مفعولٌ معه، وفيه نظَرٌ؛ فالعطْف فيه ظاهرٌ من عطْف عامٍّ على خاصٍّ للتَّشارُك في العامِل.

واعلم أنَّ مُناسَبة الحديث لترجمة (بَدْء الوَحْي): أنَّ أبا سُفْيان ذكَر مَنْ اتبعَه في بَدْء نُبُوَّته وهلُمَّ جَرًّا، وهذا كافٍ مع انضِمامه لمَا في الباب صَريحًا.

ص: 84

(فأتوه) الفاء فَصيحةٌ، وهي العاطفة على مقدَّرٍ، أي: أرسلَ إليه، فجاءَ الرَّسُول، فطَلَب أن يأْتُوه، فأَتَوه على حَدٍّ:{اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء: 63] الآيةَ، أي: فضَرَبَ فانفَجَرتْ.

(إِيلِيَاءَ) بوَزْن: كِبْرِياء، وحَكى البَكْريُّ القَصْر، وحكَى في "المطالع" ثالثةً بحذْف الياء الأُولى بوَزْن: إِعْطاء، ومعناه: بيْت الله، والمُراد: بيْت المَقدِس.

قلتُ: وفي "جامع الأُصول" رابعةٌ: إِيْليَّاء بتشديد الياء الثّانية.

(فِي مَجْلِسِهِ)، المُراد: دَعاهم وهو في مَجلسه، أي: محلِّ حُكمه، وإلا فـ (دعا) يتعدَّى بـ (إلى) نحو:{يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} ، أي: لم يَدعُهم في خَلْوةٍ ولا في الحرم ونحوه، فحُكي أنَّه دَعاهُم وهو في مَجلِس مُلْكه وعليه التَّاج.

(حَوْلَهُ) نصب على الظَّرفيَّة، ويُقال فيه: حَوَالَيهِ، وحَولَيهِ، وحَوالَه، الكُلُّ بمعنًى.

(الرُّومِ) اسمٌ للجِيْل المعروف، قال الجَوْهَري: هم ولَدُ الرُّوم بن عيصو، أي: فغلَب عليهم اسمُ أبيهم.

(تَرْجُمَانه) بفتح التاء، وضم الجيم، وقد تُضمُّ التاء إتْباعًا لها، والتَّرجُمان هو المفسِّرُ لُغةً بلغةٍ، قيل: فالتاء حينئذٍ أَصليَّةٌ، مُعرَّبٌ، وقيل: عرَبيٌّ، مأْخوذٌ من تَرجيم الظَّنِّ، فوَزْنه: تَفْعُلان، أو مِن الرَّجْم بالحِجارة؛ لأنَّ الخِطاب يُرمى، أي: كما يُسمَّي النُّطْق لَفْظًا.

ص: 85

وحكى الجَوْهَري فتْح الجيم بوَزْن: زَعْفَران، وفي نُسخةٍ:(دَعَا بالتَّرجُمان)، فالباء حينئذٍ زائدةٌ للتَّوكيد كما في:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، وإلا فـ (دَعا) مُتعدٍّ بنفْسه.

قلتُ: ويجوز أن يكون على تَضْمين (دَعَا) معنى: استَعانَ.

(فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ) الفاء أيضًا فَصِيحةٌ، أي: فقال للتَّرجُمان: قُل: أَيُّكُمْ أَقْرب، فقال التَّرجُمان ذلك.

وصِلَة أَفْعل التفضيل محذوفةٌ؛ لأنَّه بلا إضافةٍ، ولا ألفٍ ولامٍ، والتقدير: أَيُّكُمْ أَقْرب إليه صلى الله عليه وسلم من غيره.

ووَجْه سُؤاله ذلك أنَّ الأَقْرب أعلَمُ بحاله، وأَبعَدُ من الكَذِب في نسَبه (1)؛ لئلا يكون قد جاءَ في نسَب نفْسه.

وأبو سُفْيان هو: ابن حَرْب بن أُميَّة بن عبْد شَمْس بن عبد مَنَاف جَدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه ابن عبد الله بن عبد المطَّلِب بن هاشِم بن عبد مَنَاف.

قال أبو سُفْيان: لم يكُن في الرَّكْب من بَني عبد مَناف غَيري.

(عِنْدَ ظَهْرِهِ)؛ أي: ليَكُون أهوَنَ عليهم في تكْذيبه؛ لأنَّ مُقابلته بذلك في وجْهه صعبةٌ.

(كَذَبَنِي) بتخفيف الذَّال، أي: نقَل إليَّ الكَذِب.

قال التَّيْمِي: هو مُتعدٍّ لمفعولَين، تقول: كذَبتُه الحديثَ كما في

(1) في الأصل: "نفسه" بدل "نسبه".

ص: 86

صَدَق، قال تعالى:{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا} [الفتح: 27]، وهو من الغَرائب أن يكون بالتخفيف مُتعدِّيًا لاثنين، وبالتَّشديد لواحدٍ.

(يَأثِرُوا) بضم المُثلَّثة، وعليه اقتصَر (ع)، وبكسْرها، أي: يَرْوُوا.

(عَلَيَّ)؛ أي: عنِّي؛ لأنَّ (أثَر) يتعدَّى بـ (عَنْ)، والمعنى: لولا الحياء من أنَّ رِفْقَتي يَروُون عني أني كذَبتُ -وهو قبيحٌ- فأُعابَ به، ولو كان على عَدُوٍّ؛ فإنَّه في الجاهلية قبيحٌ أيضًا، حتّى قيل بقُبحه عقلًا لكنْ لا دليلَ في هذا عليه؛ لاحتمال قُبْحه عُرفًا، أو من الشَّرع السَّابق.

(لكذبت عنه)؛ أي: لأَخبرتُ عنه بكذِبٍ؛ لبُغضي إيَّاه ومحبَّتي نقْصَه، أو أنَّ (عن) بمعنى (على)، أي: لكذبتُ عليه، ويُروى بذلك.

(أَوَّلَ) بالرفْع اسم (كان)، وخبره (أن قال)، ويجوز عكْسُه.

(قَطُّ) بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومةً على الأَشهَر، وبضمِّهما، وبفتح القاف وتخفيف الطاء، وبضمِّ القاف مع التَّخفيف، ولا يُستعمَل إلا في ماضٍ منْفيٍّ، أو ما في معناه كالاستِفهام هنا.

(قَبْلَهُ) في روايةٍ: (مِثْلَهُ)، فيكون نصبُه على البَدَل من هذا القَول.

(مِنْ ملك) بفتح ميمِ (مَنْ) مَوصولًا، وصِلتُه جملة (ملَكَ) الّتي هي فعْلٌ ماضٍ، وفاعله مُستَتِرٌ، وبكسر (مِن) حرف جارٌّ لما بعدَها، و (مَلِكٌ) صفةٌ مشبَّهةٌ في الأصل.

ص: 87

(فَأَشْرَافُ النَّاسِ)؛ أي: كِبارُهم وأَهْل الأَحساب.

(سَخْطَةً) بفتح السين، أي: كراهةً، ويُروى:(سُخْطًا) بضم السين، ونصبُه على أنَّه مفعولٌ لأَجْله.

(إِيَّاهُ) فيه فَصْل الضَّمير مع إمكان وَصْله.

(يَغْدِر) بكسر الدال، أي: يَنقُض العهدَ، ولا شكَّ أنَّ الغَدر مذمومٌ.

(لَا نَدْرِي) إشارةٌ إلى عدَم الجزْم بغَدْره.

(قَالَ)؛ أي: أبو سُفْيان.

(ولم تمكني) بالتاء، أو الياء؛ لأنَّ تأنيث الكلمة مجازيٌّ.

(كَلِمَةٌ) فيها ثلاث لُغاتٍ مشهورة، ثمّ هو من إِطْلاق الكلِمة على الجُملة، والمراد: لم تُمكِنِّي جُملةٌ أُدخل فيها شيئًا أنتقصُه به (غَيْرُ هَذ الْكَلِمَةِ)؛ أي: هذه الجُملة، فيجوز نصب (غير) صفةً لـ (شيئًا)، ورفعُه صفةً لـ (كلمة)، وإنّما جاز ذلك -وهما نكرتان، وغير مضافةٍ لمعرفةٍ- لأنَّها لا تتعرَّف بالإضافة إلا عند توسُّطها بين المتغايرَينِ.

قلت: لكن هذا مذهب ابن السَّرَّاج، والجُمهور على خِلافه كنحو:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، تُعرَب بدلًا من (الذين)، أو صِفةً له تَنْزيلًا للمَوصول مَنْزلة النَّكرة، فجازَ وصفُه بالنَّكَرة.

(قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ) هو أَفْصح مِن (قِتَالِكُمُوهُ) بالاتصال.

(سِجَالٌ) بكسر السِّين: جمع سَجْل، وهو الدَّلْو الكَبير؛ لأن

ص: 88

المُتحارِبين كالمُستَقِين، يَستقي هذا دلوًا، وهذا دلوًا.

وسُوِّغ الإخبارَ به عن مُفردٍ -وهو الحرب- لأنَّ اللام في الحرب للجِنْس، أي: الحُروب بيننا وبينه يُشبه السِّجال، نَوبةٌ لنا، ونَوبةٌ له، كما قال:

فيَومٌ عَلَيْنا وَيومٌ لَنَا

وَيومٌ نُسَاءُ وَيومٌ نُسَرّ

(ونَنَالُ)؛ أي: نُصيبُ.

قلتُ: كان شيخنا البُلْقِيْني يقول: هذه الكلمة أيضًا فيها دَسِيْسةٌ؛ لأنَّهم لم يَنالُوا من النّبيِّ صلى الله عليه وسلم قطُّ، وغايةُ ما في أُحُد أنَّ بعض المقاتلين قُتل، وكانت العِزَّة والنُّصرة للمؤمنين.

(يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ) إلى آخِر الأمور الثّلاثة، وهي بمعنًى لكنْ بالَغ فيها لأنَّها أَشدُّ الأشياء عليه، والإبْعاد منها أهمُّ عنده، أو أنَّه فَهِم أنَّ هِرَقْل من الذين يقُولون من النَّصارى بالإِشْراك، فَأَراد تَنْفيره من دِين التَّوحيد.

(وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ)؛ أي: الّتي هي أُمُّ عِبادات البدَن مُفتَتحةٌ بالتَّكبير مُختَتمةٌ بالتَّسليم.

(وَالصِّدْقِ) هو المُطابِق للواقِع.

(وَالْعَفَافِ) بفتح العين: الكَفِّ عن المَحارِم، وخارِم المُروءَة.

(وَالصِّلَةِ)؛ أي: صِلَة الرَّحِم، وكُلِّ ما أَمر الله عز وجل به أن يُوصَل بالبِرِّ والإكرام والمُراعاة ولو بالسَّلام والترحم.

ص: 89

قيل: يَشمَل المَحرَم وغيره، وقيل: يختصُّ بالمَحرَم حتّى يَخرُج ولَد العَمِّ.

وفيما ذكَر من الأَربعة: تمام مَكارم الأَخلاق؛ لأنَّ الفَضيلة إمّا قوليةٌ، وهي الصِّدْق، أو فِعْليَّةٌ مُتعلِّقةٌ بالله تعالى وهي الصّلاة، أو بنفْسه وهو العِفَّة، أو بغيره وهو الصِّلَة، وأيضًا ففي (لا تُشركوا)، و (اتركوا) التخلِّي من الرَّذائل، والأمر بالصلاة، وكذا التحلِّي بالفَضائل، فالحاصل أنَّه يَأْمر بالكَمالات، ويَنهى عن النَّقائص.

(وكَذَلِكَ الرُّسُلُ)؛ أي: يكُونون أَفضَل القَوم وأشرفَهم؛ لأنَّ مَنْ شَرُف نسَبه كان أَبعَدَ من انتِحال الباطِل، وأقْربَ لانقياد النَّاس إليه.

(يَأْتَسِي) بهمزةٍ بعد الياء، بوزْن: يَفْتَعِل، وفي روايةٍ:(يَتأَسَّى) يَتَفَعَّل، ومعنى كلٍّ منهما: يَقتدي، وَيتبَع.

(أَتْبَاعُ الرُّسُلِ)؛ أي: لأنَّ الأَشراف يأْنَفون من تقدُّم مثْلهم عليهم، والضُّعَفاء لا يأْنَفُون، فيُسرعون إلى الانقِياد واتِّباع الحقِّ، وهذا بحسَب الغالب، وإلا فكان فيهم الأَشْراف كالصِّدِّيق رضي الله عنه وغيره، أما في الأَواخِر فلا يأْنف الأَشراف بل يَفتخِرون.

(أَيَرْتَدُّ) حِكْمة هذا السُّؤال أنَّ مَنْ دخَل على بَصيرةٍ في أَمْرٍ محقَّقٍ لا يَرجع بخلاف مَنْ دخَل في باطلٍ، لا يُقال: فقد ارتَدَّ بعضُ مَنْ آمَنَ؛ لأنَّ وُقوع ذلك لمن لم يكُن في أَوائل الأمر، أو ليس لبُغْض الدِّين بل لمعنًى آخَر كحُبِّ الرِّياسة.

ص: 90

(بَشَاشَه)؛ أي: الإسلام، وهو بفتح الباء، والمعجمة بمعنى: انشِراحه ووُضُوحه، مصدر: بَشَّ إذا انشَرحَ، وسُرَّ.

(الْقُلُوبَ) مفعولٌ، ويُروى:(بَشَاشةَ القُلوبِ) بالإضافة، فـ (بَشاشَة) مفعولٌ، والفاعل ضمير الإيمان، أي: يُخالطُ الإيمانُ انشِراحَ الصُّدور.

(وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ) لطلَبهم الآخِرة، ومَن طلَبَها لا يَرتكب غَدْرًا ولا غيره من القَبائح بخلاف طالِب الدُّنيا، فإنَّه لا يُبالي بالغَدْر ونحوه ممّا يُتوصَّل به إليها.

(بِمَا يَأْمُرُكُمْ) هو من القَليل في إِثْبات أَلِف (ما) الاستفهامية عند دُخول الجارِّ عليها.

(فَذَكَرْتَ أنَّه يَأْمُرُكُمْ) لم يقُل هِرَقْل كما قال أبو سُفْيان، يقول:(اعبُدوا الله) إلى آخره؛ تعظيمًا للرَّسول وتأَدُّبًا، ولهذا قال أوَّلًا:(ماذا يأْمرُكم؟).

(وَلَا تُشْرِكُوا) إنّما أَدخلَه في المَأْمُور وهو منْهيٌّ؛ لأنَّ ضِدَّه وهو التَّوحيد مأْمورٌ به في الشَّرع، والنهي عن الشيء أمرٌ بضِدِّه، والمَطلُوب في النَّهي الكَفُّ، وهو داخلٌ تحت القُدرة، فلا يُقال: كيف يُؤمَر بعَدَم الشِّرك، والعدَمُ غيرُ مقدورٍ؟

(وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ) إنّما تعرَّض له هِرَقْل لذلك، وإنْ لم يقَع في لفْظ أبي سُفْيان؛ لأنَّه من لازم قوله:(وَحْدَه)، ومِن (لا تشرِكوا

ص: 91

به)، ومِن:(واتركُوا ما يقُول آباؤكم)، والذي يقوله آباؤهم هو الأمر بعِبادة الأَوثان، وإنما ترَك الصِّلَة وهي موجودةٌ في كلام أبي سُفْيان؛ لدُخولها في العَفاف؛ لأنَّه الكَفُّ عن المَحارِم، وخَوارِم المُروءة.

فإنْ قيل: لِمَ لم يراعِ هِرَقْلُ الترتيبَ السَّابقَ بل قدَّم سُؤال الاتهام على سُؤال الأَتْباع، والزِّيادة، والارتداد؛ قيل: لأنَّ الواو ليست للتَّرتيب، أو لشِدَّة اهتمامه بنَفْي الكَذِب على الله تعالى.

فإنْ قيل: السُّؤال من أَحدَ عشَر وَجْهًا، والمُعاد في كلام هِرَقْل تسعةٌ، وأَسقط السُّؤال عن القِتال، وعن كيفيَّته.

قيل: لأن مقصودَه بيانُ علامات النُّبوَّة، وأَمْر القِتال لا دَخلَ له فيها إلا بالنَّظَر للعاقِبَة، وهي إذْ ذاك مُغيَّبةٌ، أو أنَّ الرَّاوي اكتفَى بذلك هنا، وذكَره في حديثٍ آخَر كما رواه البخاريّ في (الجهاد)، في (باب دُعاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم للإسلام)، وفيه:(وسألتُكَ هل قاتَلتُموهُ وقاتلَكُم؟ فَزعمتَ أن قد فعَل، وأنَّ حَرْبكم وحَرْبه تكُون دُوَلًا، وكذلك الرُّسُل تُبتلَى، وتكون لها العاقِبَة)؛ أي: وحِكْمة هذا الابتِلاء عِظَم أَجْرهم بكثْرة صبرهم، وبذْلهم وسَعْيهم في طاعته تعالى.

(كُنْتُ أعلم) مَأْخذه إمّا من القَرائن العقليَّة، وإما مِن الأحوال العاديَّة، وإما من الكتُب القديمة.

(أَخْلُصُ)؛ أي: أَصِلُ.

(لَتَجَشَّمْتُ) بجيمٍ، ثمّ معجَمةٍ (1)، أي: تكلَّفْتُ لمَا فيه من

_________

(1)

"بجيم ثمّ معجمة" ليس في الأصل.

ص: 92

مَشقَّةٍ، ورواه مسلم:(لأَحْبَبْتُ).

قال (ع): والأوَّل أَوجَه؛ لأنَّ الحُبَّ للشيء لا يصُدُّ عنه؛ إذ لا يُطَّلع عليه، وإنّما يصُدُّ عن العمَل الّذي يظهَر، فلا يملك في كلِّ حينٍ، ومُراده: لو كُنتُ أتيقَّن الوُصولَ إليه لتكلَّفتُ ذلك لكني أَخافُ أن يَعُوقني عنه عائقٌ، فأَكونَ قد تركتُ مُلْكي، ولم أَصِلْ إلى خِدمته.

واعلم أنَّه لا يُحكم بإيمان هِرَقْل بما ذُكر ولا بما يُذكر بعد ذلك؛ لأنَّه قد قال: (قلتُ مَقالتي آنفًا أختبرُ بها شِدَّتكم على دينكم)، فعُرف أنَّه لم يصدُر منه ذلك عن تصديقٍ قلبيٍّ، واعتقادٍ صحيحٍ بخلاف وَرَقَة.

قال (ن): لا عُذْرَ له في قوله: (لتَجشَّمتُ)؛ لأنَّه عرَف صِدْق النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنّما شَحَّ بالمُلْك، ورغِب في الرِّئاسة، فآثرَها على الإسلام، وقد جاء ذلك مُصرَّحًا به في البخاريّ، فلو أَراد اللهُ هِدايتَه لوفَّقه كما وفَّق النَّجاشيَّ، وما زالتْ عنه الرِّئاسة.

وقال (خ): إذا تَأمَّلتَ معانيَ كلامه، وما استَخرجَه بيَّنتَ حُسن ما استَوصَف من أَمره صلى الله عليه وسلم، وجَوامع شأنه، وللهِ دَرُّه من رجلٍ، ما كان أَعقلَه لو ساعَد مَعقولَه مقدورُه.

وأمّا ابن عبد البَرِّ فزعَم أنَّه آمَن، وآمنَتْ بَطارقتُه، فالله أعلَم.

(ثُمَّ دَعَا) هو مِن تتمَّة حِكاية أبي سُفْيان عنه، أي: دَعا النَّاسَ.

(بِكِتَاب) هو مَدعُوٌّ به، فلهذا عُدِّي بالباء؛ إذ الباء زائدةٌ، أي:

ص: 93

دَعا له الكتاب على سَبيل المَجاز، أو ضمَّن فدَعَا معنى: اشتَغَلَ ونحوه.

(بَعَثَ بِهِ)؛ أي: أَرسلَه، وفي معنى ذلك: بَعثَه وابتَعثَه.

(مع) بفتح العين في الأَفْصح، وبه جاء القُرآن، وقد تُسكَّن، ومعناها الصُّحبة، قيل: إلا أنَّها بالسُّكون حرفٌ لا غيرُ، وبالفتح تكون اسمًا وحرفًا.

(دِحْيَةُ) بفتح الدال على الأشهر، وبكسرها، إمّا مَنْقولٌ من الهِبَة، أو المَرَّة من الدَّحْيِ أو الدَّحْو، وهو البَسْط، قال الله تعالى:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]، وقيل: هو بالكسر: رئيس الجُنْد، ولعلَّ هذا هو الحِكْمة في أنَّ جِبْريل عليه السلام كان يَجيءُ على صُورته.

ودِحْيَة: هو ابن خَلِيْفة بن فَرْوَة الكَلْبي، وكان من أَجمل النَّاسِ وَجْهًا، كان إذا قَدِم المدينةَ لم تَبْقَ مُخدَّرةٌ إلا خرجتْ تنظُر إليه، وكان جبريل يأتي على صُورته لجماله، أَسلَم قديمًا، وشَهِد المشاهِد بعد بَدْرٍ، وبقي إلى خلافة مُعاوية، وشَهِد اليرموك، وسكَن المِزَّةَ -بكسر الميم، وبالزاي: قَريةٌ بدمشق-، بعَث صلى الله عليه وسلم الكتابَ إلى عَظيم بُصرَى ليَدفعَه إلى هِرَقْل، وذلك في آخِر سنة ستٍّ.

(بُصْرَى) بضم المُوحَّدة: مدينةٌ بحَوْران -بفتح الحاء والراء المهملتين-، مشهورةٌ ذات قَلْعةٍ قريبةٌ من طرَف العمارة والبَرِّيَّة الّتي

ص: 94

بين الشّام والحِجاز، ويُجاد فيها عمَل السُّيوف (1).

(عَبْدِ اللهِ) فيه تعريضٌ ببُطْلان قول النَّصارى في المَسِيْح أنَّه ابنُ الله؛ فإنَّ الرُّسُل مُستوُون في أنَّهم عِبادُ الله، تَعالى أن يكون له ولدٌ.

(وَرَسُولهِ) فيه التَّرقِّي من كونه عبدَ اللهِ إلى كونِه رسولَه، وفي رواية:(مِنْ محمَّد بن عبْدِ اللهِ رَسولِ اللهِ).

(عَظِيم الرُّومِ) بالجرِّ بدَلٌ ممّا قبلَه، وقد يُقطَع بالرفْع والنَّصب، والمعنى: الّذي تُعظِّمُه الرُّوم وتُقدِّمه للرِّئاسة عليها.

وإنّما لم يقل: ملِك الرُّوم؛ لأن في ذلك تسليمًا لملْكه واتصافه بما لا يَستحقُّ، وهو بحقِّ الدِّين مَعزولٌ، ومع ذلك لم يخْلُ من نَوع إكرامٍ في المُخاطَبة أَخْذًا بإِذْن الله تعالى في تَليين القَول لمن يَبتدئُه بالدَّعوة إلى الحق إذْ قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] الآية، فلذلك لم يقُل: إلى هِرَقْل.

(سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) لم يقُل: عليكَ؛ لأن الكافِر لا يُسلَّم عليه بل هو مَخْزيٌّ في الدُّنيا بالحَرْب والقتْل والسَّبْي، وفي الآخِرة بالعَذاب الأَبَديِّ، فإنِ اتبَعَ الهُدى دخَل في السَّلام، وإلا فلا سلامةَ له.

ففيه: أنَّ الكافر لا يُبدأُ بالسَّلام.

(أَمَّا بَعْدُ) مَبنيٌّ على الضمِّ على نيَّة الإضافة، أي: بعد ما ذُكِرَ لك، وأَمَّا للتَّفصيل، فتقدِّر أنَّ ما قبلَه قَسيمُه، وتقديره: أَمَّا الابتداء

(1) في الأصل: "السيف".

ص: 95

فـ: باسم الله، وأمّا المَكتُوب فـ: من محمَّدٍ أو نحو ذلك، وأَمَّا بعد ذلك فكَذا.

(بِدِعَايَةِ) أي: بدَعوته، وهي كلمة الشَّهادة الّتي يُدعى بها الأُمَم للدُّخول فيه، فهي شِعاره، وهي مِن دَعَا يَدعُو دِعايةً، كشَكَى يَشكُو شِكَايةً، وهو مصدرٌ بمعنى: مَدْعُوٍّ، ويحتمل أنَّ المراد بالدَّعوة الّتي هي الإسلام كشجَرة الأَراك.

والباء بمعنى: (إلى)؛ فإنَّ حُروف الجرِّ يقوم بعضُها مقام بعضٍ عند بعض النُّحاة.

قال (ن): معناه: آمُرك بكلمة التَّوحيد، وفي رواية لمسلمٍ:(بدِعَايَةِ الإِسْلامِ)، أي: الكلمة الدَّاعية.

ويحتمل أنَّها بمعنى: الدَّعوة نحو: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} [النجم: 58]، أي: كَشْفٌ.

(أَسْلِمْ) بفتح الهمزة وكسر اللام، مِن الرُّباعي.

(تَسْلَمْ) بفتح اللَّام، مِن سَلِمَ الثُّلاثي، وجزمه لكونه جوابَ الأَمْر، أي: إنْ أَسلمتَ سَلِمتَ، وهذا مِن جَوامع الكَلِم.

(يُؤْتك) بالجزم إمّا جوابًا ثانيًا للأمر، أو بدَلًا ممّا قبلَه، أو بَيانًا للجواب الأوَّل.

وفي بعض الرِّوايات: (أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤتِيْكَ الله)، وإعرابه واضحٌ.

(مَرَّتَيْنِ)؛ أي: مرَّة للإيمان بنبيِّهم، ومرةً بالإيمان بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم.

ص: 96

(تَوَلَّيْتَ): أَعرضْتَ.

(الإَرِيسِيِّينَ) مَرويٌّ على أوجهٍ:

أحدها: بفتْح الهمزة، وكسر الراء، وسُكون المُثنَّاة تحت، ثمّ ياءٍ مشدَّدةٍ، ثمّ علامةِ جمع السَّلامة في المُذكَّر، وهي الياء والنُّون.

الثّاني: مِثْلها لكنْ بإبدال الهمزة ياءً، والواحد فيها: أَريسيٌّ، أو يَرِيْسيٌّ نِسبة إلى أَريْس، أو يَرِيْس.

الثّالث والرّابع: كالأوَّلَين بدُون ياء النَّسَب بل جمع: أَريْس، أو يَرِيْس على وَزْن فَعِيْل.

الخامس: بكسر الهمزة، والراء المُشدَّدة، وياءٍ واحدة بعد السِّين.

السّادس: بسُكون الراء، وفتح الياء الأُولى، وتشديد الثّانية.

السابع: بتشديد الراء، وياءٍ واحدة بعد السِّين.

والمعنى في الكُلِّ: المُزارِعين والأُجَراء، قاله ابن الخَشَّاب، وفسَّر ابن السَّكَن رواية: اليَرِيسيِّين باليهود والنَّصاري؛ أي: عليك إثْم رَعاياكَ وأَتباعِك ممّن صدَدتَه عن الإسلام، فاتَّبعَكَ على كُفركَ، فهو تنْبيهٌ على اتباع جميع الرَّعايا، فذكَر هؤلاء، وهو الأَغلَب.

وقيل: هم -على رواية الهمْز- أَتباع عبد الله بن أَرِيْس الّذي وحَّد اللهَ عندما تفرَّقت النَّصارى.

قلتُ: كذا نقَل (ش) تفسيرَ هذا القَول، والذي في "النِّهاية": وقيل: إنَّهم أتباع عبد الله بن أَرِيْس رجلٍ كان في الزَّمن الأوّل، قَتلُوا

ص: 97

نبيًّا بعثَه الله إليهم، انتهى.

ونحوُه قولُ (ن) في "شرح مسلم": والثّاني -أي: من الأقوال في ذلك-: أنَّهم اليهود والنَّصارى، وهم أتباع عبد الله بن أَريس الّذي يَنتسِب إليه الأَروسيَّة من النَّصارى، ولهم مقالة في كُتُب المَقالات، ويُقال لهم: الأَروسِيُّون.

وقال (ط) نقلًا عن الحَرْبي، عن بعض أهل اللُّغة: إن الأَرِيْس الأَمِيْر، والمُورس الّذي يستعمله الأَمير وقد أَرسَه، والأَصل رَأَسَه فقُلب، وغُيِّر في النَّسَب.

وقال (ط): والصَّواب على هذا القول أن يُقال: الإِرِّيسين -بكسر الهمزة، وتشديد الرَّاء-.

وقيل: الأَريسيُّون: الأكَّارون، والأَكَّار هو الزَّارع، ولهذا رُوي في غير الصَّحيح:(فإنَّ علَيكَ إِثْمَ الأَكَّارين).

وقال (ك): إنَّ المَشهور: أَنَّ اليَريسين -بالياء- أَصلٌ لما بالهمزة، خِلافًا لقول التَّيْمِي: إِنَّ الأرِّيسين أَصلٌ لليَريسيين.

وتقديم (عليك) يُفيد الحصْر، أي: ليس إثْمهم إلا عليك، ولا يُنافي ذلك قوله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]؛ لأنَّ المراد هنا إثْم إِضْلاله، فهو مِن فعله، فليس وِزْر أُخرى، وكذلك قال تعالى:{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13]، فما ذكرتُه هو الجمْع بين الآيتين.

ص: 98

وقال الجَوْهَري فيما نقله (ك): الأَريس على مِثال فعيل، والأَريس على مِثال فَسِيْق: الأكَّار، فالأول: جمعه أَريسُون، والثّاني: إِرسيُون، وأَرارِسة، وأَرارايس، والفعل منه: أَرَسَ يَأْرِس أَرْسًا، وقولهم للأَريْس أَريسيٌّ كقول العَجَّاج:

والدَّهْرُ بالإِنْسانِ دَوَّارِيُّ

أي: دَوَّار، وكان أَهل السَّواد ومَن هو على دِين كِسرى أَهلَ فِلاحةٍ، وكانت الرُّوم أهلَ أثاثٍ وضَيعةٍ، فأعلمَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّهم وإنْ كانوا أَهلَ كتابٍ فإنَّ عليهم إِثْم أُولئك.

(ويا أهل الكتاب) عطْفٌ على (بسمِ الله)، أي: وفيهِ يا أَهلَ الكِتاب.

(تعالوا) أصله: تعالَوُوا -بواوَين-، فأُبدلت الأُولى ياءً؛ لوُقوعها رابعةً، فصار: تَعالَيُوا، فقُلبت الياء أَلِفًا، فاجتمع ساكنان، فحُذفت الألف، وهو وإنْ كان لطلَب المَجيء للعُلوِّ لكنْ استُعمل في أعمَّ من ذلك.

(سواء)؛ أي: مُستويةٌ.

{أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ} [آل عمران: 64] الآية، تفسير الكلِمة.

قال (ن): في هذه القِطْعة فوائدُ:

جواز مُكاتبة الكفَّار ودُعائهم للإسلام قبْل المقاتَلة، وهو واجبٌ إذا لم تَبْلغهم دعوةُ الإسلام، وإلا فمُستحبٌّ حتّى لو قُوتلوا قبْل

ص: 99

دُعائهم وإنذارهم جاز، إلا أنَّه تَفُوت السنَّة والفَضيلة بخلاف الضَّرب الأول.

ووُجوب العمَل بخبر الواحد، وإلا لمَا بعثَه مع دِحْيَة وحدَه، وذلك بإجماع مَنْ يُعتدُّ به.

واستحبابُ تصدير الكتُب بالبَسملة ولو كان المبعوثُ إليه كافرًا.

وبيانُ أنَّ المراد في حديث: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبدَأُ فيهِ بحمْدِ اللهِ": أنَّ معناه: بذِكْر الله، وقد رُوي:"بذِكْرِ اللهِ".

وجوازُ السَّفَر بآيةٍ من القُرآن ونحوها إلى بلاد العَدوِّ، فيُحمل النَّهي عن المُسافَرة بالقرآن على الكل، أو على كثيرٍ منه، أي: إذا خِيْف أن يقَع في يَدِ كافرٍ.

وجوازُ مسِّ الجنُب أو الكافر ما فيه قرآنٌ وغيره، ولكنْ غيرُ القرآن أكثَر.

وبَدْءُ الكتاب بنفْسه، فيقول: مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ.

قال الرَّبيع بن أنسَ: ما كان أحد أعظَم حُرمةً من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان الصَّحابة يَكتُبون إليه مُبتدئين بأنفُسهم، هذا على المذهب الصَّحيح، ورخَّص جمعٌ من العُلماء في الابتِداء بالمَكتُوب إليه، فكتَب زيدٌ إلى مُعاوية مُبتدِئًا باسم مُعاوية.

وأنَّه لا يَنبغي لا الإفْراط ولا التَّفريط بل التوسُّط في المُكاتَبة حيث قال: (عَظيْمُ الرُّومِ)، والبَلاغة كما في:(أَسلِمْ تَسلَمْ)، فإنَّه

ص: 100

جمَع المعاني مع الجِناس البَديع.

وأَنَّ مَن أدرك نبيَّين مُتبِعًا لهما فله أَجرهُ مرَّتين، وأنَّ مَن تسبَّب في ضلالةٍ أو منعَ هُدًى أَثِمَ.

واستعمالُ (أَمَّا بعدُ) في المُكاتَبة والخُطَب.

(فَلَمَّا قَالَ)؛ أي: هِرَقْل.

(ما قال) من السُّؤال والجَواب.

(الصَّخَبُ) بفتح الصاد والخاء المُعجَمة: اختِلاطُ الأَصوات، ويُقال: السَّخَب، ويُروي فيه:(النَّخَب) بمعناه أيضًا.

(وَأُخْرِجْنَا) بضم أوَّله، أي: مِن مَجلِسه.

(لَقَدْ أَمِرَ) جواب قسَمٍ محذوفٍ، أي: واللهِ لقد أَمِرَ، وأَمِرَ بفتح الهمزة، وكسر الميم: فعلٌ ماضٍ، أي: عَظُمَ، كأَمِرَ القَومُ، أي: كثُروا.

(أَمْرُ) بسُكون الميم، أي: الشَّأْن، والحال، وهو فاعلُ: أَمِرَ.

(ابْنِ أَبِي كَبْشَة) يُريد النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَ أبا كَبْشَة رجل من خُزَاعَة عَبَدَ الشِّعْرَى مخالفًا لقومه في عبادة الأوثان، فشبهوه به من حيثُ خالفَهم في الأَوثان، ونبيُّنا عَبَدَ اللهَ الملِكَ الدَّيَّانَ، فجعلوه ابنا له تَشبيها به.

وقال (ط) نقلًا عن ابن قُتَيْبة: إنَّ هذا الذي عبَدَ الشِّعْرَى كان مِن بعض أَجداد أُمِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

ص: 101

وقيل: أبو كَبْشَة جَدُّ النبي صلى الله عليه وسلم مِن قِبَل أُمه من الرَّضاعة، وهو الحارِث بن عبد العُزَّى السَّعدي.

وقيل: لأنَّه عمُّ والِد حَلِيْمة السَّعدية.

وقيل: بل هو من قِبَل أُمِّه آمنة؛ لأنَّها بنت وَهْب، وأُمُّ وَهْب قَيْلَة بنت أبي كَبْشَة، واعتمَد الدّمْيَاطِي هذا.

وسمى (ط) هذا: جزء بن غَالِب، وزاد غيره: أنَّه من خُزَاعَة، وهو: عَمْرو بن زَيْد بن أسَد النَّجَّاري، أبو سَلْمى أُمِّ عبد المُطَّلِب.

وقيل: أبو كَبْشَة جَدُّ عبد المطَّلِب لأُمِّه.

قلت: وفي "الرَّوض" للسُّهَيْلي: أنَّها كُنية أبي أُمِّه وَهْب بن عبد مَنَاف.

واعلم أنَّ صاحب "المُحكَم" قال: إنَّ العرَب تُكنى بأَبي كَبْشَة.

قال ابن جِنِّي: وكَبْشَة مُرتَجلًا؛ لأنَّ كَبْشًا لا مؤنَّثَ له من لفْظه، وبالجُملة فذِكْره بذلك إما لمَا سبَق من التَّشبيه، أو لتغيير نسَبه بُغْضًا له وتَحقيرًا.

(أنَّه) بكسر الهمزة: استِئنافٌ بَيانيٌّ، وجُوِّز فتحها على أنَّها مفعولٌ لأَجله، أو بَدَلٌ، أو بَيانٌ، لكنْ يُضعِّفه دخول اللام في خبرها.

(بَنِي الأَصْفَرِ) سُمُّوا بذلك لأنَّ جَيْشًا من الحبَشة غلَب على بلادهم في وقْتٍ، فوَطِئَ نساءَهمِ، فولَدْنَ أولادًا صُفرًا لسَواد الحبَشة وبَياض الرُّوم، وقيل: نسبةً للأَصفر بن الرُّوم بن عيصو بن إسحاق عليه السلام.

ص: 102

قلت: وفي "تاريخ ابن خَلِّكان" في ترجمة ياقُوت الرُّومي: أنَّه بحثَ كثيرًا عن سبَب ذلك حتى رأَى في كتابٍ أنَّ ملِكهم انحرَق، فلم تبْقَ إلا امرأةٌ فاختلَفوا، ثم اتفَقوا على تزويج المرأَة بأوَّل قادِمٍ، فكان عبْدًا حبَشيًّا أبَقَ، فزوَّجها منه، فولَدتْ غُلامًا سَمَّوه الأَصْفَر، ثم جاء مَولى الغُلام فأَرضَوه.

(النَّاطُورِ) بطاءٍ مهملةٍ، ومعجمةٍ: حافِظٌ.

(صَاحِبُ) قال (ع): نصبٌ على الاختِصاص، أو الحال، لا خبرُ (كان)؛ لأنَّ خبَرها إما (أُسقفَّا) أو (يحدِّث).

وجوَّز غيره أنْ يكون خبرًا ثانيًا لـ (كانَ)، ومنعَ (ش) رفْعَه صفةً لـ (ابن النَّاطُور)؛ لأنَّه معرفةٌ و (صاحب) لم يتعرَّفْ بالإضافة؛ لأنَّها في تقْدير الانفِصال، وجوَّزه (ك) لأنَّ الإضافة معنويَّة.

قلتُ: وهو الظَّاهر.

(وَهِرَقْل) مجرورٌ بالفتْحة عطْفًا على (إِيْليَاء)، أي: أنَّه صاحِب إِيْليَاء بمعنى: حاكِمها، وصاحب هِرَقْل، أي: صَديقه، فأُطلق صاحِب بمعنيَين: حقيقةِ ومَجازٍ، وقد جوَّزه الشافعيّ، وقالت الحنَفيَّة بمعنَى شاملٍ لهما، فهو من عُموم المَجاز.

(سُقُفًّا) بضم السِّين، والقاف، وتشديد الفاء، منصوبٌ على الحال، أو مرفوعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، ومعناه: رئيس النَّصارى وقاضيهم، وفي بعض الأُصول:(أُسْقُفَّا) بوزْن: أُترُجٌّ، وجمعه أَساقِفَةٌ،

ص: 103

وأَساقيفٌ، وفي بعضها:(سُقْف) بوزْن: قُفْل، وفي بعضها:(سُقِّف) بضم السِّين، وتشديد القاف مكسورة، فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمَفعول.

قال: في "العُباب": سقَّفْتُه: جعلته أُسْقُفًّا.

(النصارى) واحدُهم نَصْرانيٌّ، سُمُّوا بذلك لنُصرةِ بعضِهم بعضًا، أو لأنَّهم نَزلوا نَصْرانة، اسم مَوضع، أو نصرة أو ناصرة كذلك، أو لقوله تعالى:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52].

(خَبِيثَ النَّفْسِ)؛ أي: مَهمُومًا غير نشَيطٍ ولا مُتنشِّطٍ.

(بَطَارِقَتِهِ) -بفتح الباء- جمع بِطْريق -بكسرها-، وهم قُوَّاد مُلْكه، وخواصُّ دَولته.

(اسْتَنْكَرْنَا): أَنكَرنا.

(هَيْئتَكَ) سَمْتَك وحالتَك، أي: رأَيناها مُخالفةً لسائر الأيام.

(حَزَّاءً) بفتح المُهملة، وتشديد الزاي، والمدِّ، أي: كَهَّانًا.

(يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ) تفسيرٌ له، ويحتمِل أنَّه ذكر النَّوع منه؛ لأنَّ الكَهانة أنواعٌ.

(سَأَلُوهُ)؛ أي: عمَّا استَنكروه منه.

(مَلِكَ) بضم الميم وسُكون اللام، وبفتحٍ ثم كسرٍ، والمراد: رُؤيته طائفةَ أهلِ الخِتَان، وهو قَطْع جِلْدة فَوق الحشَفة، وذلك لأنَّ النصارى لا يَختتِنون، فالمُلْك ينتقِل عنهم إلى أهل الخِتَان.

(هَذهِ الأُمَّةِ)؛ أي: هذا العَصْر.

ص: 104

(يُهِمَّنَّكَ) بضم أوَّله، مِن الرُّباعي، وهو أَهمَّ بمعنى: أَقلَقَ، وأَحزَنَ، أي: هؤلاء أَحقَر مِن أنْ تهتمَّ لهم، أو تُبالي بهم.

(المدائن) -بالهمز-: إنْ كان مُفرده مَدِيْنة فَعِيْلة مِن مَدَنَ، أي: أَقامَ، وبلا همزٍ: إنْ كان مَفْعَلَة مِن دَانَ، أي: ملَكَ، وكذا نقَلَه الجَوْهَري عن جَواب الفَسَوي له لمَّا سألَه عنه، والهمز أَفْصح، وهو الواقِع في القُرآن.

(أتى) مبنيٌّ للمَفعول وقَع جَوابًا لـ (بَيْنا) مُجرَّدًا مِن (إِذْ) و (إذا) نحو:

فبَيْنا نحنُ نرَقُبُه أَتانَا

وهو العامِل في (بينا)؛ لأنَّه جَوابه.

(غَسَّانَ) بفتح العين المعجَمة: مِن مُلوك اليمَن، سكَنُوا الشَّام.

(اذْهَبُوا به)؛ أي: بالرَّجُل المُختتِن.

(هَذَا مَلِكُ) قال (ع): عامة الرُّواة بضم الميم، وسُكون اللام، مصدرٌ، وعند القَابِسِي بفتحٍ ثم كسرٍ، صِفةٌ مشبَّهة، وعند أبي ذَرٍّ:(يَملِكُ) فِعلًا مُضارعًا، وأُراها بضم الميم اتصلَتْ بها فتصحَّفتْ.

وكذا قال في "المَطالِع" أَظنُّه بفتحها لكنَّ (ك) نسبَها لأكَثر أُصول الشَّام، وإنَّ (ن) قال: إنَّه صحيحٌ، ومعناه هذا المذكور يملِكُ هذه الأُمَّة، وكذا وجَّهه السُّهَيْلي في "أَماليهِ" بأنَّ (هذا) مبتدأٌ، و (يملِك) خبَره، ويجوز أَيضًا أنْ تكون نَعْتًا؛ أي: هذا الرجل يملِكُ، فحُذف

ص: 105

المَنْعوتُ كما في قوله:

لو قُلْتُ مَا في قَومِها لم تِيْثَمِ

يفْضُلُها في حَسَبٍ ومَيْسَمِ

أي: أخذ يفضلُها، لكنْ هذا في المُضارِع لا الماضِي، قالَه ابن السَّرَّاج، وحكاه عن الأَخْفَش.

(قَدْ ظَهَرَ) جملة مُستأنفة لا صفةٌ ولا خبرٌ، قال السُّهَيْلي: لكنْ يجوز أَنْ تكون نَعْتًا بعد النَّعْت السابق.

(حِمْصَ) مدينةٌ بالشَّام لا تَنصرف، قال (ك): لأنَّها أَعجميةٌ.

قلتُ: فيه نظَرٌ، فإنَّ ساكِن الوسَط من ذلك يُصرَف حَتْمًا على الأَرجَح كنُوحٍ ولُوطٍ.

وقيل: فيه الوَجْهان في هِنْد، وإنما المَنعْ للتأْنيث والعَلَميَّة، نعَمْ، قال بعضهم: أنَّه كهِنْد في جواز الوَجهَين، والمنعْ أَولى، ولكنَّه مَردودٌ؛ لأنَّ الوجهَين حيث لا يكُون أَعجميًّا وإلا فالمَنعْ مُتحتِّمٌ كجُوْر ومَاه علَمَي بلَدَين، فإنْ أراد (ك) ذلك فحَقٌّ، إلا أنَّه لم يُفصِح بالمراد.

(فلم يَرِم) بفتح الياء، وكسر الراء، أي: لم يُفارِق، ولا يَكاد يُستعمل ذلك إلا في النَّفْي، يُقال: ما رامَ، ولا يَرِيمُ، ولم يَرِمْ.

(مِنْ صَاحِبِهِ)؛ أي: الذي برُوميَة.

(فِي دَسكَرَةٍ)؛ أي: في دُخولها، وهو بناءٌ كالقَصْر حولَه بُيوت للخَدَم والحشَم.

(اطَّلَعَ)؛ أي: خرَجَ مِن حرَمه، وظهَر للنَّاس.

ص: 106

(مَعْشَرَ) هم الجمْع الذي شأْنُهم واحدٌ، فالإنْس مَعشَر، والجِنُّ مَعشَر، والأَنْبياء معشَرٌ.

(الْفَلَاحِ): الفَوز والنَّجاة، يُقال: ليس شيءٌ أجمَع لخِصالِ الخَيْر من لفْظ الفَلاح.

(وَالرُّشْدِ) بضم أوَّله، وسُكون ثانيهِ، وبفتحها: خِلاف الغَيِّ، فهو إِصابة الخَيْر.

وقال الهَرَوي: هو الهُدَى، أي: الدَّلالة الموصِلة إلى البِغْية، والمراد: هل لكُم رغْبةٌ في ذلك.

(فتبَايِعُوا) مَجزومٌ جَوابًا للاستِفهام، نحو:{فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} [الأعراف: 53]، وهو بضمِّ أوَّله، وبعدَه إما مُثنَّاةٌ من الإتْباع، أو موحَّدةٌ من البَيعة، روايتان بمعنًى، والذي في أكثَر الأُصول الثانية، وفي بعضها:(بايعُوا) بصيغة الأمر، و (نبُايع) بالنون.

(فَحَاصُوا) -بمهملتين-: ففَرُّوا، وفي معنى ذلك جاضَ بجيمٍ، وضادٍ معجمةٍ، وقيل معناه: عَدَل.

قال أبو زيد: معناه بالحاء: رجَع، وبالجيم: عَدَل، وقيل في حاصُوا: معناه: جالُوا.

(وَأَيِسَ) يُروى: (يَئِسِ)، وهو الأصل فقُلب.

(آنِفًا) بالمدِّ، وكسر النُّون، وقد تُقصر، ونَصْبه على الحال، أي: قَريبًا، أو هذه السَّاعة، والأُنُف: أول الشيء.

(أَخْتَبِرُ): أَمتحِنُ.

ص: 107

(شِدَّتَكُمْ)؛ أي: رُسوخَكم.

(آخِرَ) بالنَّصب على الأَرجح، أي: آخِر شأْنه في أَمر النبي صلى الله عليه وسلم.

(رَوَاهُ)؛ أي: تابَع هؤلاء الثلاثةُ شُعَيبًا في رواية هذا الحديث عن الزُّهري.

وقد سبَق أنَّ مِثل هذا يُسمَّى متابعةً مقيَّدةً حيث ذكر فيها المتابَع عليه بخلاف المطلَقة، وأنَّ فائدتها التَّقويةُ والتأْكيدُ للترجيح بكثْرة الرِّواية.

قال (ك): ثم يحتمل -وهو الظاهر- أنَّ سنَد البخاريِّ للثَّلاثة هو سنَده إلى شُعَيب، وأن سنَد الزُّهري إلى النبي صلى الله عليه وسلم في روايتهم هو سنَده في رواية شُعيب، ويحتمل أنَّ كلًّا من الأَمرَين بسنَدٍ آخَر، انتهى.

(رواه صَالِحُ) وصلَه البخاري في (الجهاد).

(وَيونسُ) وصلَه في (الجِزْية).

(وَمَعْمَرٌ) وصلَه في (التفسير).

* * *

ص: 108