الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فكل حسنة) أَتَى هنا بـ (كُل)، وهي أَصرح في العُموم من اللام في الحديث السابق.
(يعملها) تقييدٌ للإطلاق في الحديث السابق؛ إذ لا بُدَّ من العمَل في العَشْر والإضعاف، وأما السيِّئة فلا يُكتب له مثْلها إلا بالعمَل، وصرَّح هنا بالفِعْل، وهو: تكتُب المقدَّر في الحديث السابق؛ إذ الجارُّ والمَجرور لا بُدَّ له من متعلَّقٍ.
قال بعض العُلماء: لما وَصَف الإسلام بالحُسن، وحسن الشيء زايدٌ على ماهيَّته تعين أن يكون المُراد هنا الأعمال.
* * *
32 - بابٌ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ
(باب: أحب الدين إلى الله أدومه)
مُناسبته لـ (كتاب الإيمان) أنَّ الدِّين والإسلام والإيمان واحدٌ.
وأَدوَمُه: أَفْعل التفضيل من الدَّوام، وهو شُمول الأزمنة، والشُّمول وإنْ كان لا تفاوُت فيه، لكن أُطلق عُرفًا على المواظَبة في الأَزْمنة، وهي تقبَل التفاوُت.
43 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأةٌ،
قَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، قَالَتْ: فُلَانةٌ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ:"مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
(م).
(امرأة) هي كما في "مسلم": الحَوْلاء -بمهملةٍ تأْنيث أَحْوَل- بنت تُوَيْت -بمُثنَّاةٍ أوَّله وآخِره، على التَّصغير- من بني أسَد.
(قال من هذه) في روايةٍ: (فقال)، عطف على (دخَل)، وأما على حذْفها؛ فهو جواب سؤالٍ، وكأنه قيل: فإذا قال.
(فلانة) لا يَنصرف للتأْنيث والعلَمية؛ لأنَّه كنايةٌ عن كل علَم عاقل.
(تذكر) بفتح المُثنَّاة، و (يُرى) بضم الياء على البناء للمفعول.
(من صلاتها) قال (ك): مفعولٌ له، وفيه نظرٌ؛ إذ يحتمل تذكُر كثيرًا من صلاتها.
(مه) بالسُّكون اسم فِعْلِ للزَّجر بمعنى: انكَفِفْ، فإنْ وصلت نوَّنتَ، فقلتَ: مَهِ مَه، وقال التَّيْمِي: إنْ نكَّرته نوَّنتَ، وهو تنوين التنكير الفارِق بين المعرفة والنَّكِرة.
(عليكم) اسم فعلٍ بمعنى: الزَمُوا، وعمم في المؤنَّث تغليبًا لعُموم الحُكم في الأُمة، وإِلا فالخِطاب للنّساء.
(من الأعمال)؛ أي: مِن دَوامها، دليله السِّياق.
(لا يمل) بفتح الياء والضم.
(حتى تملوا) بتاء الخِطاب، والمَلال على الله تعالى مُحالٌ، وفيه خمسة تأْويلاتٍ:
فقال (خ): معناه: لا يترك الثواب على العمل ما لم تتركوا العمَل تعبيرًا عن التَّرك بالمَلال مِن إطلاق السبَب على المُسبَّب.
قال ابن قُتَيْبة: معناه: لا يملُّ إذا ملِلْتم كـ: فُلانٌ البليغ لا ينقطِع حتى تنقطِع خُصومه؛ إذ لو كان معناه ينقطِعُ إذا انقطعتْ خُصومه لم يكن له فضْلٌ على غيره.
وقيل: معناه: لا يَتناهى حثُّه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جُهدكم، فلا تتكلَّفوا ما لا تُطيقون، فكنَّى عن التناهي بالمَلال؛ لأنَّ مَن تناهتْ قوَّته مَلَّ.
وقال التَّيْمِي: قالوا: معناه: لا يملُّ أبدًا مَللتُم أو لا، مثْل: لا أُكلِّمُك حتى يَشيب الغُراب، أي: وهو لا يَشيبُ، وضعف التشبيه لمُحاليَّة شيْب الغُراب بخلاف ملال العِباد، وأجاب عنه (ك): بأنَّ المؤمن مِن شأنَّه أنْ لا يملَّ، فإنَّ مَلاله محالٌ، وفيه نظَرٌ.
وقال ابن الأنباري: إطلاقه على الله تعالى من مَجاز المُقابَلة نحو: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} [الشورى: 40]، فالتأْويل إما في يملُّ، وهو ثلاثةٌ، أوفي: حتى، أو في تَملُّوا.
(أحب الدين)؛ أي: أحبُّ الطاعة كما في حديث: "مِنَ الدِّيْنِ"،
أي: من طاعة الأئمة، ويحتمل أنَّ المراد: أحبُّ أعمال الدِّين، فحُذف المضاف.
وأما (يَمرُقون من الدِّين)، فالمعنى: من الإيمان بدليل رواية: (يمرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ)، وأجاب التَّيْمِي: بأن الخوارج إنما خرجوا من الطاعة، ولم يخرجوا من دائرة الإسلام اتفاقًا، ثم المراد من الدِّين دين الإسلام لا كلُّ دينٍ ولو كان باطلًا حتى يكون الدَّوام عليه أحبَّ إلى الله، فاللام فيه للعهد.
(إليه)؛ أي: إلى الله تعالى.
قال (ط): القصد من الباب تسمية الأعمال دِيْنًا بخلاف قول المرجئة، وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك خشيةَ مَلالِ الأُمة بالمبالغة في العبادة كما قال تعالى:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} [الحديد: 27] الآيةَ، فذمَّهم الله تعالى على مثْل ذلك، وقد نَدِم ابن عَمْرو لمَّا ضعُف عن العهد، وقال: ليتَني قبلتُ رُخصة النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال (ن): من فوائد الحديث: تسمية الأَعمال دِيْنًا، واستعمال المَجاز في إطْلاق الملَل على الله تعالى، وجواز الحلِف بلا استحلافٍ تفخيمًا للأمر، أو للحثِّ على الطاعة، أو التَّنفير عن مَحذورٍ ونحوه، وقصْد المُداومة حيث لا مَشقَّةَ لمَا فيه من النَّشاط، فإنَّه مع المشقَّة قد يترك الكلَّ أو البعض.
* * *