الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عند جَهْر الصوت بحضْرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل ربَّما جرَّ إلى بُطلان العمَل وهو لا يشعر، قال تعالى:{وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ} [الحجرات: 2] الآيةَ.
فإنْ قلنا: للترجمة جُزءان فدلالته على الجزء الأول أَظهر كالحديث الأول على الجزء الثاني = فهو لفٌّ ونشرٌ، بخلاف ما إذا قُلنا: الترجمة أمرٌ واحدٌ.
* * *
37 - بابُ سؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ، ثُمَّ قَالَ:"جَاءَ جِبْرِيلُ عليه السلام يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]
.
(باب سؤال جبريل)، من إضافة المصدر إلى الفاعل.
(النبي صلى الله عليه وسلم بالنصب مفعولًا.
(وعلم الساعة)؛ أي: القيامة، سُميت بذلك لوقوعها بغتةً، أو لسُرعة حسابها، أو على العكس لطُولها كما يُقال: للأَسوَد كافُور تَلْميحًا، أو أنَّها عند الله على طُولها كساعةٍ عند الخلْق، والتقدير: عِلْم
وقْت الساعة؛ لأنَّ السُّؤال لم يقَع عن نفْس الساعة بل عن وقْتها؛ إذ السؤال بـ (متى).
(وبيان) عطفٌ على سؤال، وإنما جعلَه بيانًا؛ لأنَّ فيه بيان أكثر المسؤول عنه، وإنْ لم يقع فيه بَيان وقْت الساعة، أو أنَّ قوله: لا يعلمُها إلا الله بَيانٌ للحكم.
(ثم قال) إنما عطَف الجملة الفعلية على الاسم أو على جملةٍ اسميةٍ؛ لأنَّ المقصود من هذا كيفية الاستدلال به على جعْل كلِّ ذلك دِيْنًا، فغيَّر الأُسلوب الأول الذي هو بيانُ الترجمة بأسلوبٍ آخر.
(فجعل)؛ أي: النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
(كله) دخلَ فيه عِلْم وقْت الساعة؛ لأنَّه متضمنٌ للإيمان بها، وإنْ كان عِلْم وقتها ليس من الدِّين، وقصَد بالكلِّ الأكثر.
(وما بين) يحتمل أن محلَّه جرٌّ عطْفًا على شؤال، لكن الأَجود أنَّ الواو بمعنى (مع)؛ لأنَّه لم يذكر في الباب ما بيَّنه لعبْد القَيْس حتى تَرجَم عليه، وكذا القول في قوله بعده:(وقَولِ الله) كما سيأْتي.
(لوفد) هم الجماعة المُختارة من القوم ليتقدَّموهم للِقاء العُظماء، واحدهم: وافِدٌ.
(عبد القيس) قَبيلةٌ عظيمةٌ من العرب.
(وقول الله) بالجرِّ عطفٌ على الموصول بأُسلوبٍ آخَر في (وما بيَّن)؛ لأنه لم يذكر معنى الآية، والتقدير: جعَل ذلك دِينًا مع كونه بيَّن
للوفْد أن الإيمان هو الإسلام حيث فسَّر في قصَّتهم الإيمان بما فسَّر به الإسلام هنا، ومع أنَّ الآية دلَّتْ على أنَّ الإسلام هو الدِّين، فعُلم أن الإسلام والإيمان والدِّين بمعنًى واحدٍ، وهو مراد البخاري.
ويحتمل أن محلَّ (ما بيَّن) رفعٌ، و (قولُ) عطفٌ عليه على أنَّه مبتدأٌ حُذف خبره، والتقدير: ما بيَّنه صلى الله عليه وسلم في الآية يدلان على ما ذكَره، أما الحديث، فلتفسيره هناك الإيمانَ بما فسَّر به هنا الإسلامَ، وأما الآية فمِن حيث أفادتْ أنَّ الإسلام هو الدِّين، وإنما ضمَّ ذلك إلى الترجمة لأنَّها لا تدلُّ على أن الإيمان هو الإسلام بل على أن الكلَّ هو الدِّين، فاستظهَر بذلك في تعميم مراده.
* * *
50 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ؛، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإيمَانُ؟ قَالَ: "الإيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالبَعْثِ"، قَالَ: مَا الإسْلَامُ؟ قَالَ: "الإسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، قَالَ: مَا الإحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا المَسْؤلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وإذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي
خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله"، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: "رُدُّوهُ"، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ".
قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإيمَانِ.
الحديث الأول (م د س):
(إسماعيل) هو ابن عُلَيَّة كما عبَّر عنه بذلك في (باب حُب الرسول من الإيمان)، وذكره هنا بالاسم، وذلك دليلٌ على كمال ضبْط البخاري، وأمانتِه في نقْل لفْظ الشيوخ بعينه.
(أبو حيان) -بالياء تحت- ابن سَعيد بن حَيَّان.
(بارزا)؛ أي: ظاهرًا جالسًا مع الناس.
(رجل)؛ أي: شخصٌ في صورة رجل.
(أن تؤمن) إنما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأن المَحدود الشرعي، والتفسير المراد به اللُّغوي حتى لا يَلزم تفسير الشيء بنفْسه، أو أن المراد بالتفسير المتضمِّن للاعتراف، ولهذا عُدِّي بالباء، أي: تُصدِّق مُعترفًا بكذا.
(بالله)؛ أي: بوجوده وبصفاته الواجبة للإله سبحانه وتعالى.
(وملائكته) جمع (مَلَك) نظرًا إلى أصله الذي هو مَلاك مَفْعَل من الألُوكة بمعنى: الرِّسالة، فزيدتْ فيه التاء؛ لتأكيد معنى الجمع، أو لتأْنيث الجمع، والملائكة: أجسامٌ عُلويةٌ نورانيةٌ تتشكَّل بما شاءتْ.
(وبلقائه)، قيل: هو الانتقال إلى دار الجَزاء، ويكون قوله:(بالبَعْث)، أي: عند قيام الساعة، وقيل: اللِّقاء ما يكون بعد البَعْث عند الحِساب.
قال (ن): وليس المراد باللِّقاء رُؤية الله تعالى، فإنَّ أحدًا لا يقطَع بها لنفْسه، فإنَّه لا يدري بما يُختم له، والرُّؤية مختصةٌ بالمؤمن.
قال (ك): وفيه نظَرٌ؛ إذ لا دَخْل لقطْعه بذلك لنفسه، بل يقطع بأنَّه حقٌّ في نفْس الأمر، نعم، إذا قيل: الرؤية من المسائل المختلف فيها لا من ضَروريات الدِّين التي يجب الإيمان بها؛ صحَّ ذلك، انتهى.
قال (خ): المراد باللِّقاء الإيمان برُؤية الله تعالى في الآخرة.
(ورسله)، جمع رسول، وهو النبيُّ المنزَّل عليه كتابٌ، والنبيُّ أعمُّ منه، وإنما أخَّره عن الملائكة لأنَّهم خُلقوا أولًا؛ ولأنَّهم يَسبقون بالمَجيء إلى الرسُل لا لكونهم أفْضل كما يقوله المعتزلة، وإنما لم يَذكُر الإيمان بالكتُب؛ لاستلزام الإيمان بالرسُل له لأنَّها منزلةٌ عليهم.
(وتؤمن بالبعث) إنما أَعاد (تُؤمن) لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجد، وما سبَق إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، والمراد بالبَعث: بَعْث الموتى من القُبور، وما بعدَه من حسابٍ وصراطٍ وجنةٍ ونارٍ، وقيل: المراد بِعْثة الأنبياء.
(أن تعبد الله) العبادة الطاعة بخُضوعٍ، فإنْ حُملت على معرفة
الله تعالى كان عطْف الصلاة والزكاة والصَّوم عليها للتغايُر، والكلُّ إسلامٌ، واقتصَر على الثلاث؛ لأنَّها أركانه، وأظْهَرُ شعائرِه، وتَرَك الحج إما لأنَّه لم يكن فُرض، وإما لأن بعض الرواة شكَّ فيه فأسقطَه، وإنْ بقيت الطاعة على عُمومها، فعطف الثلاثة عطف خاصٍّ على عالم تنْبيهًا على شرَفه ومَرتبته كما في:{وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} [البقرة: 98].
(ولا تشرك) ذكَره بعد (أنْ تعبُد الله)؛ لأنَّ الكفَّار يزعمون عبادتَه تعالى، ويعبدون معه أوثانًا يزعمونها شركًا.
(ويقيم الصلاة) سبَق بَيان الكلِّ، ومعنى الإقامة، والمراد بالصلاة المكتوبة كما في "مسلم"، فإن النافلة وإنْ كانت من الإسلام لكن ليستْ من أركانه، فيُحمل المطلَق هنا على المقيَّد هناك.
(الزكاة المفروضة) قيل: احترازٌ من المُعجَّلة، وقيل: تأْكيدٌ، وقيل: لأن العرَب كانت تدع المال للسَّخاء والجُود، فنبَّه بالفرض على رفْض نيَّة ما كانوا عليه، وقيل: احترازٌ من التطوُّع، فإنَّها زكاة لغويةٌ.
واعلم أن هذا الحديث يقتضي تغايُر الإيمان والإسلام، وسبَق مِرارًا أن البخاري يَرى أنَّهما والدِّين عباراتٌ عن واحدٍ، والمتضح أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفرد لفظٌ، فإنْ اجتمعتْ تغايرتْ كما هنا، على أنَّ في ذلك اضطِرابًا عظيمًا للعلماء.
قال (خ): إنَّ الصحيح أنَّ المسلم قد يكون مؤمنًا، وقد لا يكون، والمؤمن مسلمٌ دائمًا، فهو أخصُّ، قال: وإذ تقرَّر هذا استقامَ تأْويل
الآيات والأحاديث، واعتدل القَول فيها، وذلك أن أَصل الإسلام الاستسلام، فقد يكون المرء مُنقادًا في الظاهر دون الباطِن، وقد يكون صادقًا في الباطن غير منقادٍ في الظاهر.
وقال البَغَوي: جعَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإسلامَ اسمًا لما ظهَر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطَن من الاعتقاد، وليس ذلك لكون الأعمال ليستْ من الإيمان، أو التصديق بالقَلْب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيلٌ لجملةٍ هي كلُّها لمسمًى واحدٍ، وجِماعها الدِّين، ولهذا قال:(يُعلِّمُكم دِينَكُم)، فالتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا.
وقال ابن الصَّلاح: ما في الحديث بَيانٌ لأصل الإيمان، وهو: التصديق الباطِن، ولأصل الإسلام، وهو: الاستِسلام والانقياد الظاهِر، فإنَّ اسم الإيمان يتناول ما فُسِّر به الإسلام، وهو سائر الطاعات؛ لكونها ثمرات التَّصديق الباطِن الذي هو أَصْل الإيمان، وبهذا فسَّر الإيمان في حديث الوفْد بما هو الإسلام هنا، واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان، وهو التَّصديق الباطِن، ويتناول الطاعات، فإنَّ الكلَّ استسلامٌ، فتحقَّق بذلك أنَّهما يجتمعان ويفترقان.
(الإحسان) هو الإخلاص، قال الطِّيْبِي: يُقال على وجهين: الإنْعام على شخصٍ، وتحسين الفِعْل، فالحديث يحتمل الأول؛ لأنَّ المُرائي يُبطل عمَل نفْسه، فقيل له: أحسِنْ إلى نفْسك، واعبُد الله كأنَّك تراه، ومن المعنى الثاني قوله تعالى:{إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36]،
أي: المُجيدين المتقين في تعبير الرُّؤيا، فكأنَّه يسأل: ما الإجادة والإتقان في حقيقة الإيمان والإسلام؟ فأجابَه بما يُنبئ عن الإخلاص.
(كأنك تراه) في محلِّ نصبٍ على الحال من الفاعل، أي: تَعبُد الله متشبِّهًا بمن يَراه.
(فإنَّه يراك) ليس هو نفْس جواب الشرط؛ لأنَّه ليس مُتسبِّبًا عنه بل الجواب مقدَّرٌ، أي: فإنْ لم تكن تراه فاعبُدِ الله، أو اعبد فإنَّه يَراك، كما يُقال: إنْ أكرمتني فقد أكرمتُك أمسِ، أي: إنْ تعتدَّ بإكرامك فاعتدَّ وإكرامي، ويحتمل: فإنْ لم تكن تَراه فلا تغفُل؛ فإنَّه يراك، فإنَّ رؤيته مستلزمةٌ لأنْ لا تغفُل عنه، فالجزاء لازمُه، وهذا قول البَياني، والأول قول النَّحوي.
قال (ن): هذا أصلٌ عظيمٌ من الدِّين، وقاعدةٌ مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدةُ الصدِّيقين، وبُغْية السالكين، وكنز العارفين.
وتلخيص معناه: أنْ تعبُد الله عبادةَ من يَرى الله، وَيراه، فإنَّه لا يستبقي شيئًا من الخُضوع والإخلاص، وحفْظ القَلْب والجوارح، ومُراعاة الآداب ما دام في عبادته، والمعنى: إنك إنما تُراعي الآداب إذا رأَيتَه ورآك، لكونه يَراك، لا لكونكَ تراه، وهذا المعنى موجود وإنْ لم تَرَه؛ لأنَّه يراك.
وحاصله: الحثُّ على الإخلاص، ورعاية المُراقبة، وهو من جَوامع الكَلِم التي أُوتيَها صلى الله عليه وسلم، وقد ندب أهل الحقائق إلى مُجالسة
الصالحين، فيَمتنع من مُلابسة شيءٍ من النقائص احتراما واستحياءًا، فكيف لمَن لا يَزال الله مطَّلِعا عليه في سِرِّه وعلانيته.
وقال (ع): اشتمل الحديث على شرح جميع وظائف العبادة الظاهرة والباطنة من العقائد، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفُّظ من آفات الأعمال، فعُلوم الشريعة راجعةٌ إليه، متشعِّبةٌ منه.
وقال (خ): اختلاف هذه الأسماء الثلاثة يُوهم افتراقًا في أحكامها، وليس كذلك، إنما هو اختلاف ترتُّب وتفضيل لما تضمنه اسم الإيمان من قولٍ وفعلٍ وإخلاصٍ، فأشار في الإحسان إلى الإخلاص، ولم يكن خارجًا عن الجوابَين الأولين، ولهذا في قصَّة الوفْد جعَل الكلَّ إيمانا.
قال (ك): وعُلم منه أن الرُّؤية لا يُشترط فيها خُروج الشعاع ولا انطِباع صورة المرئيِّ في الحدَقة، ولا مُواجهةٌ، ولا مقابلةٌ، ولا رفْع الحجُب، فيجوز أنَّ الله تعالى يُرى يوم القيامة بحالةٍ يخلقها في الحاسَّة؛ إذ هذه الأمور إنما هي في الرُّؤية العادية، ولهذا جوَّز الأشاعرة أنْ يَرى أعمى في الصّين قُبَّةَ الأندلس.
(بأعلم) الباء زائدةٌ لتأْكيد معنى النَّفي، والمراد نفْي علمِ وقْتها؛ إذ الوجود مقطوعٌ به، نعَمْ، الأعلمية لا يَلزم منه نفْي عِلْمها، فيحتمل أنَّهما يعلمان ذلك سواءً، والقصد إنما هو نفْي عِلْم كلٍّ منهما وقتَها، فيُؤوَّل على أنَّهما مستويان في عِلْم وُجودها، أو أنَّه صلى الله عليه وسلم نفَى أن يكون صالحًا لأنْ يُسأل عن ذلك لما عُرف أنَّ المسؤول في الجُملة ينبغي أنْ
يكون أعلَم من السائل.
(أشراطها)؛ أي: علاماتها، وقيل: مقدِّماتها، وقيل: صِغار أُمورها، وهو جمع: شَرَطٍ -بفتح الراء-، والمراد أَشراطها السَّابقة لا المقارِنة المضايِقة لها كطُلوع الشَّمس من مَغربها، وخُروج الدابَّة ونحوها.
(إذا ولدت) أتَى بـ (إذا) لأنَّها لمَا يتحقَّق بخلاف (إنْ)، حتى لو قال شخصٌ: إنْ قامت القيامةُ، أشعَرَ بالشكِّ الذي يكفر به، وجواب الشرط محذوفٌ، أي: فالوِلادة شرَطٌ -بفتح الراء- معدودٌ من الأشراط، وجملة الشَّرْط متضمِّنةٌ له كما في قوله تعالى:{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، التقدير: وأَمْن مَن دخلَه.
واعلم أنَّه عُدَّ من الأَشراط اثنين، والجمْع يقتضي ثلاثةً، فهو حجةٌ لمن قال: أقلُّ الجمْع اثنان، أو أنَّه اكتفَى باثنين لحُصول المقصود كما في الآية المذكورة، وإنما أتى به جمْعَ قِلَّةٍ، والعلامات أكثَر من عشَرةٍ؛ لأنَّ جمع القِلَّة قد يقُوم مَقام الكثْرة، وبالعكس، أو لفَقْد جمع الكثْرة لشرط، أو أنَّ الفَرْق بين القِلَّة والكثرة إنما هو في النَّكِرات لا في المعارِف.
(ربها)؛ أي: مالكَها وسيِّدَها.
قال الأكثر: إنَّه إشار إلى كثْرة السَّراري وأولادهنَّ، فإن ولدَها مِن سيِّدِها سيِّدُها؛ لمصير مآلِ الإنسان لولَده غالبًا، وقد يتصرَّف فيه في حياته بإِذْنِ أو قرينةِ حالٍ أو عُرفٍ.
وقيل: معناه: أن الإماء يَلِدْن الملوك، فتكون أمةً من جُملة الرَّعية، فهو سيِّدها وسيِّد غيرها.
وقيل: تفسُد الأحوال فيكثُر بيع أُمَّهات الأَولاد، ويكثُر تردادها حتى يشتريَها ابنُها ولا يدري، وعلى هذا القول لا تختصُّ بأُمهات الأولاد بل قد تَلِدُ الأمة حُرًّا من غير سيِّدها بوطئ شُبهةٍ، أو يكون رقيقًا لكونه من نكاحٍ أو زنا، فيعتق، ثم يَشتري أُمَّه ولا يَدري.
ولا مُنافاةَ بين إطلاق الربِّ هنا على غير الله تعالى، وحديثِ:"لا يَقُلْ أَحدُكُم: رَبِّي، وليَقُل: سَيِّدي ومَولايَ"؛ لأنَّ هذا من باب التشديد والمُبالغة، أو الرسول مخصوصٌ منه.
(رعاة) بضم الراء: جمع راعٍ كقُضاةٍ وقاضٍ، وفي بعضها: رِعَاء بكسر الراء، والهمز، جمع أيضًا كتاجِر وتجَار.
(البهم) بضم الباء: جمع أَبْهم، وهو الذي لا شِبْهَ له، ورُوي بجرِّ الميم وضمِّها، فمَن جرَّ جعلَه صفةً للإبل، أي: رعاة الإبل السُّود، قالوا: وهي شرُّها وأَدونُها؛ لأنَّ الكِرام منها البِيْض والصُّفر، ومن رفَع جعلَه صفةً للرِّعاء، أي: المَجهولون الذين لا يُعرفون، جمع البَهيم، ومنه أُبهم الأمر، فهو مُبهَمٌ، وهو بضم المُوحَّدة، وسُكون الهاء، قاله (ع)، وغيره.
وقال ابن الأَثِيْر: بضمِّها، ويُروى بفتح الباء، ولا وَجْهَ له بعد ذِكْر الإبِل، فإنَّ البَهْم ليس من صفات الإبل، وإنما هو من صفات ولَد الضَّأْن والمَعْز.
وبالجُملة فمعنى الحديث: اتساع الإسلام بهم حتى يَتطاولون في البُنيان والمَساكِن بعد أنْ كانوا أَصحابَ بَوَادٍ لا يَستقرُّ لهم قَرارٌ، بل يَنتجِعون مواقِعَ الغَيث، فبُسطت لهم الدُّنيا بعد أن كانوا أهل فاقةٍ، حتى صاروا يَتباهَون في إِطالة البُنيان، أو أنَّ العرَب تستولي على الناس وبلادهم، وَيزيدون في بُنيانهم، فهو إشارةٌ إلى اتساع دِيْن الإسلام، كما أنَّ العلامة الأُولى أيضًا فيها اتساع الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكُفر، وسَبْي ذراريهم.
قال البَيْضاوي: لأنَّ بُلوغ الأمر الغايةَ مُنْذرٌ بالتَّراجع المُؤذن بأنَّ القيامة ستَقوم، لامتناع شرعٍ آخَر بعدَه، وهو تعالى لا يَترك عِباده سُدًى.
وقال (ط): معناه: أنَّ ارتفاع الأَسافِل من العَبيد والسِّفْلة الجمَّالين وغيرهم من علامات القِيامة، وهذا معنى قول الطِّيْبِي: المَقصود انقِلاب الأحوال.
(في البنيان)؛ أي: يَتفاخَروا في طُول البُنيان، وتتكثَّر به.
(في خمس) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: عِلْم وقْت الساعة في جُملة خمسةٍ، أو متعلِّق بـ (أَعلم).
ووجْه الحصْر في الآية حتى يُوافق الحصْر في الحديث تقديم: (عنْده)، والحصْر في الباقي ظاهر للعارف بالقواعد، وهذه الخمْس تحتمل أن الحصْر فيها لكونها المسؤول عنها، وإلا فالأُمور التي لا يعلمُها إلا الله لا حَصْرَ لها، أو يُقال: إنَّ غير الخمس عائدٌ إليها.
قلتُ: الحصر أنَّها لا يَعلمها إلا الله، لا أنَّ الله لا يَعلم إلا إيَّاها.
(الآية) نصب بفِعْل محذوفٍ، أي: أَعني، أو اقرأ الآيةَ، أو بالرفْع لأنَّه مبتدأٌ وخبره محذوفٌ، أي: الآية مقروءةٌ، أو بالجرِّ، أي: إلى الآية، أي: مَقطعها وتمامها.
ووجه سُؤال الساعة -وجبريل يعلَم أنَّ وقتَها غير معلومِ لخلْق الله- التَّنبيه على أنَّه لا يطمع أحدٌ في الاطِّلاع عليه، والفَصْل بين ما يُمكن معرفته وما لا يُمكن.
(ثم أدبر)؛ أي: الرجل السائل.
(فلم يروا شيئًا) مبالغةٌ حيث لم يقُل: لم يَروه، أو لو يَروا أحدًا، أي: لم يَروا عينَه ولا أثَره.
(هذا جبريل)، فيه أنَّ الملَك يتمثَّل لغير النبيِّ، وأن يراه غيره قائلًا سامعًا.
(يعلم)؛ أي: بسبب سُؤاله؛ ليعلموا من الجواب، وإن كان نفس السؤال ليس تعليمًا، وأيضًا فسؤاله لغرَض التَّعليم.
(جعل ذلك كله من الإيمان)، وفي الأول:(جعَلَهُ كلَّهُ دِيْنا)، وهو ظاهرٌ، وأما هنا فـ (مِنْ) تبعيضيةٌ، والمراد بالإيمان هو الكامل، فيكون الكل داخلًا فيه، وإما ابتدائية، فمَبْدأ الإسلام والإحسان منه، وهذه القصَّة قبْل حَجَّة الوَداع.
وفي الحديث: أنَّ العالم إِذا سُئل عما لا يَعلَم يُصرِّح بأنَّه لا يَعلمه، ولا ينقُص ذلك من جلالته بل يدلُّ على ورَعه وتقْواه، وأنَّه