المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - باب أمور الإيمان - اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح - جـ ١

[شمس الدين البرماوي]

فهرس الكتاب

- ‌1 - كِتابُ بَدء الوحْي

- ‌باب كيف كان بَدْءُ الوَحْي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلُ الله جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]

- ‌2 - كِتَابُ الإِيمَانِ

- ‌1 - بابُ الإِيمَانِ، وقوْلِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "بُنِيَ الإِسلَامُ عَلَى خَمْسٍ

- ‌2 - بابٌ دُعَاؤكُمْ إِيمَانُكُمْ (باب: دعاؤكم إيمانكم)

- ‌3 - بابُ أُمُورِ الإِيمَانِ

- ‌4 - بابٌ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ

- ‌5 - بابٌ أيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ

- ‌6 - باب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ

- ‌7 - بابٌ مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبَّ لِنَفْسِهِ

- ‌8 - بابٌ حُبُّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الإِيمَانِ

- ‌9 - بابُ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ

- ‌10 - بابٌ عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنصَارِ

- ‌11 - بابٌ

- ‌12 - بابٌ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ

- ‌13 - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ"، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]

- ‌14 - بابٌ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌15 - بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ

- ‌16 - بابٌ الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌17 - بابٌ {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]

- ‌18 - بابٌ مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72]، وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93]، عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61]

- ‌19 - بابٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لِقَوْلهِ تَعَالَى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]، فَإذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]

- ‌20 - بابٌ إِفْشَاء السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ

- ‌21 - بابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ، وَكُفْرِ بعد كُفْرِ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌22 - بابٌ الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيةِ، وَلَا يُكَفَّرُ صاحِبُهَا بارْتِكَابِهَا إِلَّا بالشِّرْك لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّة"، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]

- ‌22 / -م - بابٌ {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]، فسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ

- ‌23 - بابٌ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ

- ‌24 - بابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ

- ‌25 - بابٌ قِيَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌26 - بابٌ الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌27 - بابٌ تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌28 - بابٌ صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ

- ‌29 - بابٌ الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ

- ‌30 - بابٌ الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]؛ يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ

- ‌31 - بابُ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ

- ‌32 - بابٌ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ

- ‌33 - بابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]، وَقَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ

- ‌34 - بابٌ الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ: ({وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]

- ‌35 - بابٌ اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌36 - بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ

- ‌37 - بابُ سؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ عليه السلام يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]

- ‌38 - باب

- ‌39 - بابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ

- ‌40 - بابٌ أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌41 - بابُ مَا جَاء أَنَّ الأَعمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى

- ‌42 - بابُ قَوْلِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "الذين النَّصِيحَةُ، لِلهِ وَلِرَسولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم" وَقَوْلهِ تَعَالَى: {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91]

- ‌3 - كتاب العلم

- ‌1 - بابُ فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وَقولهِ عز وجل: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]

- ‌2 - بابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثم أَجَابَ السَّائِلَ

- ‌3 - بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ

- ‌4 - بابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: (حَدَّثَنَا) أوْ (أَخْبَرَنَا) و (أَنبأَنَا)

- ‌5 - بابُ طرح الإِمَامِ المَسْئَلَةَ عَلَى أصحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ

- ‌6 - بابُ مَا جَاء فِي العِلْمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} القِرَاءَةُ وَالعَرضُ عَلَى المُحَدِّثِ

- ‌7 - بابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ

- ‌8 - بابُ مَنْ قَعَدَ حَيْث ينتهي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرجَةً فِي الحلْقَةِ فَجَلسَ فِيها

- ‌9 - بابُ قَوْلِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ مُبَلغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ

- ‌10 - بابٌ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ} [محمد: 19]

- ‌11 - بابُ مَا كانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُهم بِالمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا

- ‌12 - بابُ مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعلُومَةً

- ‌13 - بابٌ مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقّهْهُ فِي الدِّينِ

- ‌14 - بابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ

- ‌15 - بابُ الاِغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحكمَةِ

- ‌16 - بابُ مَا ذُكرَ فِي ذَهابِ مُوسَى صَلى اللهُ عَلَيهِ فِي البحْرِ إِلَى الْخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]

- ‌17 - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "اللهُمَّ عَلِّمْهُ الكتَابَ

- ‌18 - بابٌ مَتَى يَصح سَمَاعُ الصَّغيِر

- ‌19 - بابٌ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ

- ‌20 - بابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلّمَ

- ‌21 - بابُ رَفْعِ العِلْمِ، وَظُهُورِ الجَهْلِ

- ‌22 - بابُ فَضْلِ العِلْمِ

- ‌23 - بابُ الفُتيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا

- ‌24 - بابُ مَنْ أَجَابَ الفُتيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ

- ‌25 - بابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ ويُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءهُمْ

- ‌26 - بابُ الرِّحْلَةِ فِي المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ

- ‌27 - بابُ التَّنَاوُبِ فِي العِلْمِ

الفصل: ‌3 - باب أمور الإيمان

رُوي: أنَّ الفَرَزْدَق حضَر جنازةً، فسألَه بعضُ الأئمَّة: يا فَرَزْدَق! ما أعددْتَ لهذه الحالةِ؟، فقال: شهادةُ أنْ لا إلهَ إلا الله، فقال: هذا العَمُود، فأَين الأَطْناب؟

ثم ذكر (ك): التَّرديد حينئذٍ في وجْه الاستِعارة، وأنواعَها مما لا يتعلَّق به حكمٌ، فحذَفناهُ.

* * *

‌3 - بابُ أُمُورِ الإِيمَانِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} الآية [البقرة: 177]، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} ، الآية [المؤمنون: 1].

(باب: أمور الإيمان)

أي: الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ عنده الأَعمال والأَقوال هي الإيمان، فالإضافة بيانيَّةٌ، أو الأمور التي للإيمان في تحقيق حقيقته، وتكميلِ ذاتِه، فالإضافة بمعنى اللام.

(وَقَوْلِ الله) فيه الوَجْهان السَّابقان، والإشعارةُ بآية:{لَيْسَ الْبِرَّ}

ص: 126

إلى قوله فيها: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، أي: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آمَنَ، أو: ولكنَّ ذا البِرِّ مَن آمَنَ، وقُرئ:{لَيْسَ الْبِرَّ} بالنَّصب على أنَّه خبرُ (ليس) قُدِّمَ.

والشاهد في الآية: أنَّه حصَر المُتقِين في قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} ، أي: للشِّرْك على أَصحاب هذه الصِّفات والأعمال، فهُم المُوقنُون، أو المؤمنُون الكاملُون.

وأما آية: {قَدْ أَفلَحَ} ، أي: دخَل في الفَلاح، فحصر الإيمان الذي به الفلاح والنَّجاة في هذا الأعمال المذكورة.

قال (ط): أوَّل منازِل الإيمان هو التَّصديق، والاستكمال إنما هو بهذه الأُمور، فبوَّب البخاري أبوابَه على الاستكمال بقوله:(باب أُمور الإيمان)، (باب الجهاد)، (باب الصلاة من الإيمان).

* * *

9 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبَو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الإيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ".

(م عو هـ).

(بِضْعٌ) في أكثَر الأُصول: (بِضْعةٌ)، وأوَّلهما مكسورٌ، والفتح لغةٌ قليلةٌ، ومعناها: القِطْعة، ثم استُعملا في العدَد ما بين الثلاثة

ص: 127

والعشرة على الصحيح، وقيل: من ثلاثٍ لتسعٍ.

(وَسِتُّونَ) في "مسلم": (وسَبْعُون)، وكذا في أبي داود، والتِّرمِذي، والنَّسائي بالجزْم، وصوَّبها (ع)، وإنْ رجَّح بعضهم (السِّتين) لأنَّها المتيقَّن.

قال (ن): رواية: (سَبْعون) زيادةٌ من ثقةٍ، فتُقبَل.

وردَّه (ك) بأنَّ زيادة الثِّقة أنْ يُزاد لفْظٌ في الرِّواية، وإنما هو اختلافُ روايتَين لا مُنافاةَ بينهما في المعنى؛ إذ ذِكْر الستِّين لا يَنفي أكثَر، أو أنَّه أخبَر بالستِّين، ولمَّا زيد أَخبَر بالسَّبعين، فكلاهما صوابٌ، وفي مسلم روايةٌ:(وسِتُّون، أو وسَبْعُون) على الشكِّ.

(شُعْبَةً) هي غُصن الشَّجرة، وفرعُ كلِّ أصلٍ، فشُبِّه الإيمان بشجرةٍ ذات أغصانٍ وشُعبٍ كما شُبِّه في حديث:"بُنيَ الإسلامُ" بخِباءٍ ذاتِ عَمَدٍ.

قال (خ): الإيمان يتشعَّب إلى أُمورٍ جِماعُها الطَّاعة، فلذلك تفاضَلَ الناسُ في درج الإيمان وإنْ استَوَوا في الأصل، فكان بَدْء الإيمان الشَّهادةُ دعاهُمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليها، وكان مَن أجابَه إليها مؤمنًا، ثم نزلت الفَرائضُ، فخاطبَهم عند طلَبها بنحو:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6]، وهذا الحُكم في اسم كلِّ أمرٍ ذي شُعَبٍ كالصلاة، فلو أنَّ رجلًا مرَّ بمسجدٍ فيه مَن افتتَح الصلاةَ، ومَن ركَع، ومَن سجَد، فإنَّه يقول: رأَيتُهم يُصلُّون مع اختلاف أَحوالهم، وتفاضُل أعمالهم.

ص: 128

ولذا قال التَّيْمِي: المراد أنَّ مَن وُجدتْ فيه هذه الخِصال، فهو مُؤمنٌ على سبيل الكمال، فإيمانُ كلِّ واحدٍ بقدْر ما يُوجد فيه منها.

واعلم أنَّ تفاصيل هذه الشُّعَب وأسمائها لا تكليفَ فيه، ولا يَقدح في الإيمان الجهْلُ بذلك، فلذلك بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعلاها وأَدونَها، فعُلم أنَّ ما بينهما من الطَّاعات هو الباقي كما كلَّفَنا بالإيمان بملائكته وإنْ لم نعلَم أسماءَ الأكثَر، ولا أَعيانَهم.

قال (ن): بيَّن أعلاها، وهو لا إله إلا الله، فتبيَّن أنَّ التوحيد واجبٌ على كل مكلَّفٍ، ولا يصحُّ شيءٌ من الشُّعب إلا بعد صِحَّتها، وبيَّن أَدناها، وهو ما يُدفع به ضررُ المسلمين، فما بينهما تمام العدَد نُؤمن به وإنْ لم نَعلم أَعيانَ أفراده، كما نُؤمن بالملائكة وإنْ لم نَعرف أعيانَهم وأَسماءَهم، انتهى.

وخاضَ قومٌ مرَّةً في تَفاصيلها، فقال ابن حِبَّان: تتبَّعتُ معنى هذا الحديث مدةً، وعدَدتُ الطَّاعات، فإذا هي تَزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعتُ إلى السنَّة فعددت كل طاعةٍ عدَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان، فإذا هي تنقُص، فضمَمتُ ما في الكتاب والسنَّة، فإذا هي تسعةٌ وسبعون، لا تَزيد ولا تَنقص، فعلمتُ أنَّه المراد.

نعَمْ، قال البَيْضاوي: يحتمل أنَّ المراد بهذا العدد، وهو سبعٌ وسبعون التكثيرُ على حدٍّ:{إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80]، وذلك أنَّ لفْظ (السبْع والسَّبعين) يكون للتَّكثير كثيرًا؛ لاشتمال السَّبعة

ص: 129

على تقاسيم المُتَعَدِّد، فإنَّه ينقسم إلى فردٍ وزوج، وكلٌّ منهما أوَّلٌ ومركبٌ، وينقَسم إلى مُنطِقٍ وأَصَمَّ، والكلُّ في السَّبعة، فإذا أُريد المُبالغة جُعلت آحادها أعشارًا.

لكنْ مدار الخصال على أصلٍ واحدٍ، وهو تكميل النَّفس على وجهٍ يُصلح مَعاشه، ويحسِّن مَعاده، وذلك بأن يعتقد الحقَّ، ويستقيم في العمَل، وإليه أَشار صلى الله عليه وسلم بقوله لسُفْيان الثَّقَفي حين سأله قَولًا جامعا:"قُلْ آمنْتُ باللهِ، ثم استَقِمْ".

وقال علي بن عِيْسى النَّحْوي: السَّبعة أكمَل الأعداد؛ لأن الستَّة أوَّلُ عددٍ تامٍّ، وهي مع الواحد سبعةٌ، فكانت كاملةً؛ إذ ليس بعد التَّمام سِوى الكمال، فلذلك سُمي الأَسَد سبُعًا لكمال قُوَّته، ثم السَّبعون غاية الغاية؛ إذِ الآحادُ غايتها العشَرات، وأما الستَّة، فلأنَّ العدد إما زائدٌ، وهو ما أَجزاؤه أكثَر منه كاثني عشَر، فإنَّ لها نِصْفًا، وثلثًا، وربعًا، وسدسًا، ونصف سدسٍ، ومجموعُ هذه الأجزاء أكثَر من اثني عشر، وإما ناقصٌ، وهو ما أَجزاؤه أقلُّ كالأربعة، لها نصفٌ وربعٌ، وإما تمامٌ، وهو ما أَجزاءه مثلُه كالستَّة، فإنَّ أجزاءَها نصفٌ، وثلثٌ، وسدسٌ.

فذَكَر التَّمام بجعل آحاده عشراتٍ مبالغةً؛ إما لكون الإيمان هذا العدَد في الواقع، أو لقَصْد التكثير مبالغةً.

وقال الطِّيْبِي: الأظهر أنَّ المعنى فيه التَّكثير، وأنَّ ذِكْر البِضْع للترقِّي؛ لأنَّ الشُّعَب لا نهايةَ لها لكثْرتها، إذ لو أُريد التعديد لم يُبهِم.

ص: 130

ثم ذكر (ك) تقْسيمًا لشُعب الإيمان نقْلًا عن غيره، وقال في آخِر الكلام: يمكِن تَعداد الشُّعب بأَضبَط مما ذكَروا، وأنقَح من التَّكرار بأَنْ يُقال: الشَّأْن لا يخلو من المَبدأ، والمَعاد، والمَعاش، وهي إما أن تتعلَّق بنفْس الرجل فقط، وتُسمَّى النَّفْسانيَّة، وإما بغيره من خاصَّته، وهم أَهل منزلته، وتُسمَّى المنزليَّة، وإما بغيره من عامة الناس، وتمسى بالبدَنيَّة، والنَّفسية إما باطنيَّةٌ، وإما ظاهريهةٌ، والظاهرية إما قوليَّةٌ، أو فِعليَّةٌ.

فالبَدَنيَّة إما أنْ تتعلَّق بذات الله تعالى، وهي تسعةٌ: الإيمان بوُجود الصانع، والتوحيد الذي هو أَصْل صِفات الجَلال، والصّفات السَّبعة المُسمَّاة بصِفات الإكرام، وهي: الحياة، والعِلْم، والإرادة، والقُدْرة، والسَّمْع، والبصَر، والكلام، وإما بفِعْل الله تعالى وحُكمه، وهي أربعةٌ: الإيمان بملائكته، وكتُبه، ورسُله، وحُدوث العالم.

والمَعاديَّة أُمهاتها ثمانيةٌ، وهي: البعث، والموقف، والحساب، والميزان، والصِّراط، والشَّفاعة، والجنة، والنار، وما يتعلَّق بهما.

والمنزليَّة كذلك ثمانيةٌ: التعفُّف عن السِّفاح، وعقْد النكاح، والقِيام بحُقوقه، والبِرُّ بالوالدَين، وتربية الأَولاد، وصِلَة الرَّحِم، وطاعة السادات، والإحسان إلى المَماليك.

والبدَنيَّة أُصولها أربعة عشَر: القِيام بالإِمارة، واتباع الجَماعة، ومُطاوعة أُولي الأَمر، والمُعاوَنة على البِرِّ، وإحياء مَعالم الدِّين، والأَمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنكر، وحِفْظ الدِّين بالقتْل والقِتال،

ص: 131

وحفْظ النَّفْس بالكفِّ عن الجِنايات، وإِقامة حُدود الجِراح، وحفْظ العقْل بالنَّهي عن المُسكِرات والمجنِّنات، وحفْظ المال بطلَب الحقوق وأدائها، وحفْظ الأنساب بإقامة حُدود الزِّنا، وحفْظ الأَعراض بحدِّ القَذْف والتَّعزير، ودفْع الضَّرر عن المسلمين.

والظَّاهريَّة القوليَّة خمسةٌ: التلفُّظ بالكلمة، وصِدْق اللَّهجة، وتلاوة القرآن، والتعلُّم، والتَّعليم للشَّرائع.

والظاهريَّة الفِعلية ماليَّةٌ، أو بدَنيَّةٌ، أو مركبةٌ منهما، عشرةٌ: الطَّهارة، وستْر العورة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام بأمر الجنائز، والصِّيام، والحج، والوفاء بالنُّذور، وتعظيم الأَيمان، وأداء الكفَّارات.

والباطنيَّة إما تخليةٌ عن الرَّذائل، وأُمهاتها ثمانيةٌ: حبُّ المال، وحبُّ الجاه، والحِقْد، والحسَد، والرياء، والنِّفاق، والعُجْب، وإما تحليةٌ بالفَضائل، وكُلِّياتها أحد عشر: التَّوبة، والخوف، والرجاء، والحياء، والشُّكر، والوَفاء، والصَّبر، والإخلاص، والمَحبَّة، والتوكُّل، والرِّضا بالقضاء.

وعُلِم هذا بالاستِقراء، فمثْل هذا الحصْر لا يكون عقليًّا بل استقرائيٌّ لا يُفيد إلا ظنًّا، والله أعلم.

(وَالْحَيَاءُ) -بالمَدِّ-: تغيُّر وانكِسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعاب به ويُذمُّ، وربما عُرِّف بأنَّه: انحصارُ النَّفْس خوفَ ارتكاب القَبائح، واشتقاقه من الحياة، يُقال: حَيِيَ الرجل: نقَصَتْ حياتُه، كنَسِيَ

ص: 132

الرجل: إذا اعتلَّ نسَاه، وهو عِرْقٌ في الفَخِذ، وحَشِيَ إذا اعتلَّ حَشاه، فكأنَّه لخَوفه المذمَّة تنتقصُ حياته وتضعُف، كذا قرَّره الزَّمَخْشَري.

وعكَس الوَاحِديُّ ذلك، فقال: استَحيَى الرجل: قَويتْ حياتُه لشِدَّة عِلْمه بمواقع العَيب والذَّمِّ، قال: والحَياة مِن قُوَّة الحِسِّ.

(شعبة مِنَ الإيمَانِ) لأنَّه يحجُز صاحبَه عن المعاصي؛ لأن الإيمان امتثالُ المأْمور، وترك ارتكاب المَنْهيِّ، وإنما أَفرده بالذّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي لسائر الشُّعَب.

قال (ن): وفي حديثِ في "الصحيح": "الحَياءُ مِنَ الإِيْمانِ"؛ أي: لأنَّه يكون تخلُّقًا واكتِسابًا، وقد يكُون غَريزةً لكن استعماله على قانون الشَّرع يحتاج لعلاجٍ ونيَّةِ، فكان من الإيمان، ولما سبق من كونه باعثًا على فعل الخير مانعًا من المعاصي، وفي رواية:(خير كله) فقد يستشكل بأن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق، فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن يجاب بأن ذلك ليس حياءً بل عجزًا، ومهانة وضعفًا، وتسميته حياءً مجاز مِن مَجاز المُشابَهة.

قيل: هذا الحديث نصٌّ إطْلاق اسم الإيمان الشَّرعي على الأعمال.

قال (ك): ليس نَصًّا؛ إذ معناه: شُعَب الإيمان بِضْعٌ، وكذا لأنَّ الإماطة غيرُ داخلةٍ في الإيمان والتَّصديق بل خارجةٌ عنه.

* * *

ص: 133