الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنَّه بالسنَّة، وقيل: كان بالقُرآن، فعلى الأول يكون فيه نسخ السنَّة بالقرآن.
قال (ط): الآية المذكورة أَقطَع لحُجَج الجهميَّة والمُرجئَة في قولهم: الأَعمال لا تُسمَّى إيمانًا.
* * *
31 - بابُ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ
(باب: حسن إسلام المرء)؛ أي: باب ما فيه حُسنه.
41 -
قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَني زيدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئة بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا".
(قال مالك) هو تعليقٌ بالجَزْم، فله حُكم الصِّحة خلافًا لقَول ابن حَزْم أنَّ انقِطاعه قادِحٌ في صِحته، لكنْ جوابه: أنَّ الحكم تضمَّنه للجزْم وإنْ كان مُنقطِعًا صُورةً؛ لما عُلم من عادة البخاري في جَزْمه، نعَمْ، الساقط فيه يحتمل أن يتعدَّد، فيكون مُعضَلًا أيضًا، ولا يُسمى مُرسَلًا إلا عند من يُفسِّره بمعنى المُنقطِع بخلاف من يُخصِّصه بالساقط
بين النبي صلى الله عليه وسلم والراوي.
وفي السنَد كونه مُسلسَلًا بـ (أَخبَر) بالإفراد على طريقةِ مَن يُفرِّق في ذلك.
قال (ط): أسقَط البخاري بعضَ هذا الإسناد، وقال: وهو مشهورٌ في غيرِ المُوطَّأ: (إذا أسلَم الكافرُ، فحسُن إسلامه كتَب الله تعالى له كلَّ حسنةٍ كان زَلَفها، ومَحا عنه كلَّ سيِّئةٍ كان زلَفَها، وكان عمَلُه بعدُ الحسَنة بعشْر أَمثالها إلى سبْع مئةِ ضِعْفٍ، والسيئة بمثلها إلا أنْ يتجاوز الله عنْها)، ورواه الدَّارَقُطْني في "غرائب مالك" من تِسعِ طُرُقٍ، وفيها كلِّها:(يُكتَبُ له كلُّ حسَنةٍ عَمِلَها في الكُفر).
قال (ش): إنَّ هذا التعليق أسنده البَزَّار بلفْظ: (يُكتب لَه في الإِسلام بكُلِّ حسنةٍ عمِلَها في الشِّرْك)، وإنما اختصَره البخاريُّ؛ لأنَّ قاعدة الشرع أنَّ المُسلم لا يُثاب على عمل لم يَنوِ به القُربة.
قال: ثم وَجْه مطابقته أنَّه لمَّا وصف الإسلام بالحُسن، وحُسن الشيء زائدٌ على ماهيَّته؛ تعيَّن أنْ يكون ذلك هو الأَعمال؛ لقَبولها الزِّيادة والنَّقص بخلاف العَقائد، انتهى.
وقال بعض العَصْريين: إنَّ أبا ذَرٍّ الهرَوي وصلَه في روايته، والنَّسائي في "السنن"، والحسَن بن سُفْيان في "مسنده"، والإِسْمَاعِيْلي عنه، والدَّارَقُطْني، وسَمُّويه في "فوائده"، انتهى.
قال (ط): لله تعالى أنْ يتفضَّل على عباده بما شاء كما قال عليه
الصلاة والسلام لحَكِيْم بن حِزَام: "أَسلَمْتَ على مَا سَلَفَ مِن خيرٍ"، فالحديث على ظاهره، فإنَّ الكافر إذا تقرَّب بصدَقةٍ، وصِلَة رَحِمٍ، وعِتْقٍ، ونحوه، ثم أَسلَم يُكتب له كلُّ ذلك، ويُثاب عليه إذا مات مُسلمًا.
قال (ن): وحديث أبي سعيد وحكيم دليلٌ عليه، انتهى.
وقال المَاوَرْدي: الجارِي على القاعِدة أنَّ الكافِر لا يتقرَّب وإنْ أطاعَ، والثَّواب إنما هو على التَّقريب، فيُؤوَّل حديث حَكِيْم ونحوه بأنَّه اكتسَب أَخلاقًا جميلةً، فيَنتفع بها في الإسلام، أو أنَّه حصَل له بها جميلٌ، وهو باقٍ في الإسلام، أو أنَّه يُزاد في حسَناته التي يفعلُها في الإسلام بسبَب ذلك.
وقال (ع): أنَّه بتركه ما فعلَه هداه الله للإسلام، فإنَّ ظُهور الخير فيه دليلٌ على سَعادة العُقبى، انتهى.
وما سبَق عن (ط) و (ن) هو الأَظْهر؛ لأنَّ العقْل لا يَتخيَّله، والشَّرع وردَ به، فورود قَبوله ودَعوى مُخالفته الأصل غير ظاهرةٍ.
وأما قول الفقهاء: لا تصحُّ العبادة من الكافر، ولو أَسلَم لم يُعتدَّ بها، والمراد: لا يُعتدُّ بها في أَحكام الدنيا، ولا تعرُّض له في الثواب في الآخرة، بل قد يُعتدُّ ببعض ذلك في الدُّنيا كتكفير الكافر في الظِّهار ونحوه، ويُجزئه ذلك، وإذا اغتَسَل في كُفره عن جَنابةِ ونحوها لا يُعيد في وجهٍ بل يُصلِّي بذلك.
(يقول) إنما لم يقُل: (قال) موافقةً لـ (سَمعَ) لكون كليهما في
الماضي؛ لغَرَض الاستِحضار كأنَّه يقول: إلا أَنْ يُريد اطلاع الحاضِرين على ذلك مُبالغةً في تحقُّق وُقوعه مثل: {كَمَثَلِ آدَم} [آل عمران: 59] الآيةَ، حيث قال: فيكون، ولم يقُل: فكان، كذا قال (ك).
وقد سبَق في حديث النيَّة في مثْل ذلك أنَّ (يقول) إما حالٌ، أو مفعولٌ ثانٍ لـ (سمع)، فالمضارع للحال حيثُما قُدِّر، أي: لحكاية الحال.
(فحسن) عطفٌ على أَسلَم، وجواب الشرط:(يكفر) بالرفْع، كذا الرِّواية على حدّ قوله:
وإِنْ أَتاهُ خليلٌ يَومَ مَسألةٍ
…
يقُول لا غائبٌ مالي ولا حرَمُ
ويجوز الجَزْم فتكسر الراء حينئذٍ؛ لالتقاء الساكنين، ومعنى حُسن الإسلام: الدخول فيه ظاهرًا وباطنًا.
وقال (ط): ومعناه كما في حديث جِبْريل: "أَنْ تَعبُدَ اللهَ كأَنَّكَ تَراهُ"، فهو لمبالغة الإخلاص بالمراقبة.
وقال (ن): يُسلم إسلاما محقَّقًا بَريئا من الشُّكوك، وأما معنى: التكفير فهو التَّغطية، فهو في المَعصية كالإحباط في الطاعة.
قال الزَّمَخْشَري: هو إماطة المستحَقِّ من العِقاب بثوابٍ أَزَيد، أو بتوبةٍ.
(زلَّفها) بتشديد اللام، وبالفاء، أي: أسلَفَها وقدَّمَها، يُقال: زَلَّف تَزليفًا، وأَزلَف إِزْلافًا، وأَصل الزَّلْفة التَّوبة.
قال (ك): وفي بعض نُسخ المغاربة: (زَلَفَها) بتخفيف اللام، ويُؤيِّده حديث:"الإسلام يَجُبُّ ما قَبْلَه"، وحكى (ش) التَّشديد عن رواية الأَصِيْلِي بعد أنْ صدَّر بالتخفيف.
(بعد ذلك)؛ أي: حسن الإسلام.
(القصاص) المقابلة في الخير والشر، فرفعه اسم (كان) إنْ قُدِّرت ناقصةً، أو فاعل إنْ قُدرت تامة، وأُتي بها ماضيًا والسِّياق يقتضي المضارع لتَحقُّق الوُقوع كما في نحو:{وَنَادَىَ أَصْحَابُ الجنَّةِ} [الأعراف: 44].
(الحسنة) مبتدأٌ (بعشر) خبره، والجُملة استئنافيةٌ، قال تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] الآيةَ.
(إلى سبعمئة) مُتعلِّقٌ بمقدَّرٍ، أي: مُنتهيًا إلى ذلك، فهي حالٌ، قال تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ} [البقرة: 261] الآيةَ، فقوله:(والله يُضاعف لمن يَشاء)، أي: هذه المضاعفة إلى السَّبعمئة، ويحتمل أنَّ الله تعالى يُضاعف المضاعَفة إلى سبعمئةٍ إلى ما يشاءُ، أو يَزيده، ففضْله واسِعٌ.
(ضعف)؛ أي: مِثْل.
قال الجَوْهَري: ضِعْف الشيء مِثْله، وضِعْفاه مِثْلاه، وفي الفقه في الوصيَّة بضِعْف نصيبِ ابنِه مِثْلاه، وبضعفيه ثلاثة أمثاله عملًا بالعُرف في الوصايا، وكذا في الأَقارير نحو: له عليَّ ضِعْف درهمٍ فيَلزمه دِرْهمان؛ لأن العمل باللُّغة، أو يُقال: الضِّعف الشيء ومثْله
لا لمَجرَّد المثْل، فضِعْف العشرة عِشْرون بلا خلافِ؛ لأنَّه أول مَراتب تضعيفها.
(بمثلها)؛ أي: بلا زيادةٍ، وذلك فضْل الله تعالى يُؤتيه من يشاء، ومن سَعة رحمته كما قال تعالى:{فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا} [الأنعام: 160].
(يتجاوز)؛ أي: يَغفر.
وفيه ردٌّ على مَن يقطع لأهل الكبائر بالنار كالمعتزلة.
قال (ن): لا يُشترط في تكفير سيِّئَات زمَن الكفر، وكتْب حسَناته أنْ يُكثر من الطاعات في الإسلام، ويُلازم الإخلاص في الأفعال.
* * *
42 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا".
(م).
(أحدكم) الخِطاب عامٌّ للحاضرين وغيرِهم؛ لحديث: "حُكْمِي على الواحِدِ حُكْمي على الجَماعة"(1)، ويدخُل فيه النساء أيضًا، والعَبِيْد، نعَمْ، النِّزاع في كيفية التناوُل؛ أهي حقيقةٌ عرفيةٌ، أو شرعيةٌ، أو مجازٌ، أو غير ذلك.
(1) قال العراقي: لا أصل له. انظر: "المقاصد الحسنة" للسخاوي (ص: 314).