الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإثم حتى لا يُعاقبه في الآخِرة، وقد ذهَب أكثَر الفُقهاء إلى أنَّ الحُدود كفَّارات؛ لظاهر هذا الحديث، ومنهم من توقَّف لحديث أبي هريرة: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لا أَدْرِي الحُدودُ كَفَّارةٌ أَم لا".
والجواب: يحتمِل أنَّ ذلك قبْل حديث عُبادة، لم يكُن عَلِم، ثم عَلِم، قاله (ن) في "شرح مسلم".
(إِلَى اللَّهِ)؛ أي: فمُفوَّضٌ إلى الله، إنْ شاء عفا عنه، وأدخله الجنة، وإنْ شاء عاقبَه، ثم أدخلَه النار.
وفي ذلك رَدٌّ على المعتزلة في قولهم: إنَّ صاحب الكبيرة إذا ماتَ بغير توبةٍ لا يُعفَى عنه، وأنَّه إذا تاب يجب أنْ يُعفَى عنه.
قال الطِّيْبِي: وفيه إشارةٌ أيضًا إلى أنَّه لا يجوز الشَّهادة بالجنة أو بالنار إلا بنصٍّ كالشَّهادة بالجنة للعشَرة ولغيرهم.
واعلم أنَّ مُطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ؛ فإنَّ فيه التَّنبيه على المعنى المستحَقِّ به هذه المَنْزلة، وهو السَّبْق للإسلام، ولأوَّل مبايعةِ فيه.
* * *
12 - بابٌ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ
(باب من الدين الفرار من الفتن)
تعبيره بقوله: (الدِّين) مع أنَّ الكتاب معقودٌ للإيمان يُشعر بأنَّ معناهما واحدٌ.
قال الطِّيْبِي: كذا اصطَلحوا على ترادُف الإيمان والإسلام والدِّين، ولا مُشاحَّةَ في الاصطلاح.
وفي إسناد حديث الباب لطيفةٌ، وهي: أنَّهم كلَّهم مَدَنيُّون.
* * *
19 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْحِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الْفِتَنِ".
(د ت ق).
(يُوشِكُ) بضم أوَّله وكسر المعجَمة، وفتحُها لُغةٌ رديَّةٌ، وماضيه: أَوشَكَ، ويجوز في خبره (أنْ) وتَركها، ويُقال أيضًا: أَوشَك أنْ يجيءَ زيدٌ.
(يَتْبَعُ) بياءٍ مفتوحةٍ ومُثنَّاةٍ مشدَّدةٍ، وجاء تسكينُها.
قال ابن مالك: يجوز في كلٍّ من: (خير) و (غنَم) أنْ يكون اسمَ (كان) وخبرَها، ويجوز رفعُهما على الابتداء والخبر، أي: ويكون اسمُ (كان) ضميرَ الشَّأْن.
وقال (ك): نصبُ (خير) هو الأكثر، ولا يضرُّ كون (غنَم) نكرةً، فإنَّه موصوفٌ بجملةِ (يَتبَعُ).
(شَعَفَ) بمعجمةٍ، ثم مهملةٍ مفتوحتَين: رُؤوس الجِبال وأَعاليها،
واحدُه: شَعَفَة، كأَكَمَة وأَكَم، ويُروى:(شَعَاف)، كآكام، قالَه ابن السِّيْد، ويُروى:(شُعَبَ) بضم أوَّله، ومُوحَّدةٍ في آخره، جمع: شُعبة، وهي: طرَف الجبَل، وفي بعض النُّسَخ:(يَتبَعُ بها) بزيادة (بها)، والضمير للغنَم.
(وَمَوَاقعَ الْقَطْرِ)؛ يعني: الأَودية، والصَّحارى.
وذكر الغنَم لمَا فيها من السَّكينة والبَركة، وقد رعاها الأَنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولأنَّهَا سَهْلة الانقِياد، وخَفيفة المؤونة، كثيرة النَّفع.
وذكر هذه المواضع؛ لما فيها من الخَلْوة؛ لأنَّها أسلَم غالبًا من الكَدَر.
(يَفِرُّ بِدِينِهِ)؛ أي: يكون ذلك لسَلامة الدِّين لا لأمرٍ دُنيويٍّ؛ لكثْرة العلَف، وقلَّة أطماع الناس فيه، ونحو ذلك.
فلما كان فيه الجمْع بين الرِّفق والرِّبح، وصِيانة الدِّين كان خيرَ الأموال التي يعتني بها المسلم.
وجملة (يَفِرُّ بدِينه) حالٌ إما مِن ضمير (يَتبَع)، أو من (المسلم)، وجاز مِن المضاف إليه تَنْزيلًا للمُضاف، وهو (مالِ)، بمنزلة جزئه، على حَدِّ قوله تعالى: (مِلَّةَ إبرَاهِيمَ حَنِيفًا} [البقرة: 135].
وفي الحديث: إخباره صلى الله عليه وسلم بهذا، وقد وَقَع، فهو من المُعجِزات، ومدْح العُزلة عند الفتْنة، وخَوفِ الوُقوع في المعصية من المُخالطة إلا أنْ يكون له قُدرةٌ على إزالة الفِتْنة، فيجب عَيْنًا أو كفايةً إزالتُها، وإنما
هذا عند عدَم ذلك، وربَّما كانت الخلْطة مطلوبةً شرعًا كالجمُعة، والجَماعات، والاجتِماع في وُقوف عرَفات، ونحو ذلك؛ ولهذا لا يُنقَل اللَّقيط من بلَدٍ إلى باديةٍ، أو قريةٍ بخلاف العَكْس فيهما، بل مذهب الشافعي والأكثَرين في هذه الحالة أنَّ الخلْطة أفضَل، واكتِساب الفَوائد، وشُهود شعائر الإسلام، وتكثير سَواد المسلمين، وإِيصال الخير لهم بعِيادة المرضَى، وتَشييع الجنائز، وإفْشاء السلام، والأَمر بالمعروف، والتعاوُن على البرِّ والتقوى، وإعانة المُحتاج وغير ذلك.
وقيل: العُزْلة أفضَل؛ لما فيه من السَّلامة المُحقَّقة لكنْ يُشترط توفير ما يَلزمه من العبادات.
قال (ن): المُختار تفضيل الخِلْطة لمن لا يَغلب على ظنِّه الوُقوع في معصيةٍ.
قال (ك): المُختار في عَهْدنا تفضيل الانعِزال، فيندُر خلوُّ المَحافِل عن المعاصي.
واعلم أنَّ (ن) قال: إنَّ في مُطابقة الحديث للترجمة نظَرًا؛ لأنَّ الحديث في صِيانة الدِّين، والترجمة كون ذلك مِن الدِّين.
وأجاب (ك) بأنَّ (مِن) في قوله: (مِن الدِّين) ابتدائيةٌ، أي: الفِرار من الفِتن مَنشؤه الدِّين، والحديث يدلُّ عليه؛ لأن الباء للسَّببيَّة، ثم التقرير ظاهرٌ.
* * *