المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الخامسبواعث الخطأ في أسباب النزول - المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة - جـ ١

[خالد المزيني]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ أهمية الموضوع:

- ‌ أسباب اختيار الموضوع:

- ‌ الدراسات السابقة:

- ‌ خطة البحث:

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأولمكانة أسباب النزول وأهميتها

- ‌المبحث الثانيفوائد معرفة أسباب النزول

- ‌المبحث الثالثنشأة علم أسباب النزول

- ‌المبحث الرابعمصادر أسباب النزول

- ‌ المصدر الأول: كتب السنة:

- ‌1 - الموطأ للإمام مالك

- ‌2 - مسند الإمام أحمد بن حنبل

- ‌3 - المسند الجامع للدارمي

- ‌4 - صحيح البخاري

- ‌5 - صحيح مسلم

- ‌6 - سنن أبي داود:

- ‌7 - سنن الترمذي:

- ‌8 - سنن النَّسَائِي

- ‌9 - سنن ابن ماجه:

- ‌ المصدر الثاني: كتب التفسير:

- ‌1 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري:

- ‌2 - تفسير ابن أبي حاتم:

- ‌3 - تفسير الثعلبي:

- ‌4 - تفسير البغوي:

- ‌5 - تفسير ابن كثير:

- ‌6 - الدر المنثور للسيوطي:

- ‌ ثالثاً: المصادر المستقلة:

- ‌1 - أسباب النزول للواحدي:

- ‌2 - لباب النقول في أسباب النزول:

- ‌المبحث الخامسبواعث الخطأ في أسباب النزول

- ‌قواعد في أسباب النزول وضوابط الترجيح فيها

- ‌الفصل الأولقواعد في أسباب النزول

- ‌المبحث الأولتعريف أسباب النزول ومفهومه لدى العلماء

- ‌سبب النزول في الاصطلاح

- ‌الأركان التي تعرف بها أسباب النزول

- ‌المبحث الثانيأسباب النزول من حيث صيغتها

- ‌المبحث الثالثتعدد النازل والسبب واحد

- ‌المبحث الرابعتعدد السبب والنازل واحد

- ‌المبحث الخامسعموم اللفظ وخصوص السبب

- ‌المبحث السادستكرر النزول

- ‌الفصل الثانيضوابط الترجيح في أسباب النزول

- ‌المبحث الأولالترجيح بتقديم الصحيح على الضعيف

- ‌المبحث الثانيالترجيح بتقديم السبب الموافق لِلفظ الآية على غيره

- ‌المبحث الثالثالترجيح بتقديم قول صاحب القصة على غيره

- ‌المبحث الرابعالترجيح بتقديم قول الشاهد للسبب على الغائب عنه

- ‌المبحث الخامسالترجيح بدلالة السياق القرآني

- ‌المبحث السادسالترجيح بدلالة الوقائع التاريخية

- ‌سُورَةُ البَقَرَة

- ‌(97)

- ‌(115)

- ‌(125)

- ‌(142)

- ‌(143)

- ‌(144)

- ‌(158)

- ‌(187)

- ‌(189)

- ‌(195)

- ‌(196)

- ‌(197)

- ‌(198)

- ‌(199)

- ‌(219)

- ‌(220)

- ‌(222)

- ‌(223)

- ‌(228)

- ‌(229)

- ‌(231)

- ‌(232)

- ‌(238)

- ‌(256)

- ‌(267)

- ‌(272)

- ‌(284)

- ‌(285)

- ‌(286)

- ‌سورة آل عمران

- ‌(12)

- ‌(13)

- ‌(77)

- ‌(86)

- ‌(87)

- ‌(88)

- ‌(89)

- ‌(113)

- ‌(114)

- ‌(115)

- ‌(122)

- ‌(128)

- ‌(161)

- ‌(165)

- ‌(169)

- ‌(172)

- ‌(174)

- ‌(186)

- ‌(188)

- ‌(195)

- ‌(199)

- ‌سورة النساء

- ‌(3)

- ‌(6)

- ‌(11)

- ‌(12)

- ‌(19)

- ‌(24)

- ‌(32)

- ‌(33)

- ‌(43)

- ‌(51)

- ‌(52)

- ‌(59)

- ‌(65)

- ‌(77)

- ‌(83)

- ‌(88)

- ‌(94)

- ‌(95)

- ‌(95)

- ‌(97)

- ‌(102)

- ‌(105)

- ‌(127)

- ‌(128)

- ‌(176)

- ‌سورة المائدة

- ‌6

- ‌(33)

- ‌(39)

- ‌(41)

- ‌(78)

- ‌(79)

- ‌(80)

- ‌(81)

- ‌(83)

- ‌(87)

- ‌(88)

- ‌(89)

- ‌(90)

- ‌(91)

- ‌(93)

- ‌(101)

- ‌(102)

- ‌(106)

- ‌(107)

- ‌(108)

- ‌سورة الأنعام

- ‌(33)

- ‌(51)

- ‌(52)

- ‌(118)

- ‌(119)

- ‌(120)

- ‌(121)

- ‌(160)

- ‌سورة الأعراف

- ‌(31)

- ‌(175)

- ‌سورة الأنفال

- ‌(1)

- ‌(9)

- ‌(19)

- ‌(30)

- ‌(32)

- ‌(33)

- ‌(34)

- ‌(66)

- ‌(67)

- ‌(68)

- ‌(69)

- ‌سورة التوبة

- ‌(19)

- ‌(34)

- ‌(58)

- ‌(79)

- ‌(84)

- ‌(85)

- ‌(94)

- ‌(95)

- ‌(96)

- ‌(108)

- ‌(113)

- ‌(114)

- ‌(117)

- ‌(118)

- ‌(119)

الفصل: ‌المبحث الخامسبواعث الخطأ في أسباب النزول

‌المبحث الخامس

بواعث الخطأ في أسباب النزول

من رحمة اللَّه بهذه الأمة حفظه لكتابها الذي لا يقوم دينها إلا به، وصيانته من التحريف والتبديل الذي نال كثيراً من الكتب السماوية السابقة فقال عز وجل:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، بل زاد على ذلك أن صانه من الاختلاف والتناقض فقال عز وجل:(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)، فتمت بذلك كلمة ربك صدقاً وعدلاً أن الاختلاف واقع ولا بد إلا من المعصوم - صلوات الله وسلامه عليه - كما قال عنه ربه عز وجل:(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)، وإن نظرةً في العلوم عامةً على اختلاف مشاربها، وتنوع مصادرها تجد فيها اختلافاً كثيرًا، فما كان بالأمس من النظريات ثابتًا قائماً لا يجوز تكذيبه، أصبح اليوم نائمًا لا يجوز تصديقه، وما كان في السابق من الظنيات أصبح في الحاضر من الحقائق المسلّمات.

وليست علوم الشريعة بجميع تخصصاتها بلا استثناء سِلْمَا من هذا فقد نالها حظها ونصيبها من الاختلاف، إلا أن ما يميز تلك العلوم عن غيرها ثبوت الأصلين شامخين معصومين من الخطأ والزلل، كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما يفتح الباب واسعًا لكل من ينشد التحقيق والتدقيق في تحرير المسائل وتصويبها إن استمسك بغرز هذين الأصلين.

وإن علوم التفسير عامة، وأسباب النزول على وجه الخصوص قد أصابها ما أصابها من ذلك، فتجد من يقول: سبب نزول الآية كذا، وآخر يقول: هذا لا يصح أن يكون سببًا لها، وآخر يذكر حدثًا ثم يقول: فأنزل الله، وآخر يذكر القصة نفسها ثم يقول: فتلا عليه، أو يقول: فذلك قوله تعالى.

ص: 72

ومنهم من يقول: نزلت هذه الآية بمكة، وآخر يقول: بل نزلت في المدينة، وثالث يقول: بل نزلت مرتين.

اختلاف وتباين يجعل الحليم حيرانًا، يقرأ وينظر لكنه لم يستفد إلا بلبلة الفكر وتشتت الذهن.

وقد حاولت في هذا المبحث جمع الأسباب التي قادت إلى الوقوع في الخطأ وحصرها مع التمثيل لكل منها بعدد من الأمثلة ليتبين للناظر حقيقة الأمر بدليله.

وإني أعتقد جازماً أن هذا المبحث ثمرة حسنة من ثمار البحث لأمرين:

أولاً: أن العلم بسبب الخطأ سبب للوقاية منه، وقد قيل: من لا يعرف الشوك لا يتقيه.

ثانياً: الوقوف على القواعد المعتبرة، والضوابط المقررة في تحديد سبب النزول من غيره، وإن العلم بالخطأ يورث العلم بالصواب، وقد قيل: وبضدها تتميز الأشياء.

وقد تبين لي بعد التتبع والاستقراء أن البواعث الرئيسة على الخطأ تنحصر في خمسة يندرج تحتها صور متعددة، وأقسام متنوعة، سأذكر تحت كل قسم خمسة أمثلة، وأُحيل في الحاشية إلى المواضع الأخرى.

السبب الأول: أن تقع المخالفة بين سبب النزول وآيات القرآن باعتبار التاريخ وهو قسمان:

أ - أن تقع المخالفة بين ما نزل قبل الهجرة أو بعدها. وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج ابن ماجه عن خباب رضي الله عنه في قوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) - إلى قوله -: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول - النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم، فأتوه، فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال:(نعم) قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا

ص: 73

بصحيفة، ودعا علياً ليكتب، ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل عليه السلام فقال:(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ .... ). مختصراً.

قال ابن عطية: (وهذا تأويل بعيد في نزول الآية لأن الآية مكية وهؤلاء الأشراف لم يفدوا إلا في المدينة، وقد يمكن أن يقع هذا القول منهم، لكنه إن كان وقع فبعد نزول الآية بمدة) اهـ.

وقال ابن كثير: (وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر). اهـ.

2 -

أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت:(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33).

وقد أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبَّاسٍ: سورة الأنفال. قال: نزلت في بدر وقال ابن عاشور: (وقد اتفق رجال الأثر كلهم على أنها نزلت في غزوة بدر. قال ابن إسحاق: أُنزلت في أمر بدر سورة الأنفال بأسرها). اهـ.

وجه المخالفة: أن سورة الأنفال بالاتفاق نزلت بعد الهجرة، وأن دعاء أبي جهل كان بمكة لقوله تعالى:(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) وإنما كان فيهم قبل الهجرة.

3 -

أخرج الترمذي عن ابن أخي عبد اللَّه بن سلام قال: لما أُريد عثمان جاء عبد اللَّه بن سلام، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك، قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارجٌ خير لي منك داخل، فخرج عبد اللَّه إلى الناس، فقال: أيها الناس، إنه كان اسمي في الجاهلية فلان، فسماني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عبد اللَّه، ونزلت فيَّ آيات من كتاب اللَّه، نزلت فيَّ:(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ .. ) ونزلت فيَّ: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43).

ص: 74

قال القرطبي: (وكيف يكون عبد اللَّه بن سلام، وهذه السورة مكية، وابن سلام ما أسلم إلا بالمدينة؟).

وقال ابن كثير: (قيل: نزلت في عبد اللَّه بن سلام. قاله مجاهد، وهذا القول غريب لأن هذه الآية مكية، وعبد اللَّه بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة).

وقال ابن عاشور: (وقيل: أُريد به عبد اللَّه بن سلام، الذي آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول مقدمه المدينة، ويبعده أن السورة مكية).

والآية المقصودة هنا آية سورة الرعد.

4 -

أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (إن آثاركم تكتب فلا تنتقلوا).

قال ابن عطية: (وهذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت: إن قوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) نزلت في بني سلمة، وليس الأمر كذلك إنما نزلت الآية بمكة ولكنه احتج بها عليهم في المدينة). اهـ. باختصار.

وقال ابن كثير عن هذا الحديث: (وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية فاللَّه أعلم). اهـ.

وقال ابن عاشور: (وتوهم راوي الحديث أن هذه الآية نزلت في ذلك وسياق الآية يخالفه، ومكيتها تنافيه). اهـ.

5 -

أخرج أحمد والترمذي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: مر يهودي برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو جالس، قال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذِه وأشار بالسبابة، والأرض على ذِه، والجبال على ذِه، وسائر الخلق على ذِه؟ كل ذلك يشير بأصابعه، قال: فأنزل اللَّه عز وجل: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ).

قال ابن عطية: (فرسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل بالآية وقد كانت نزلت). اهـ.

ص: 75

وقال ابن عاشورة (وهو وهم من بعض رواته، وكيف وهذه مكية، وقصة الحبر مدنية). اهـ.

ب - أن تقع المخالفة فيما نزل بعد الهجرة كان في أولها أم في آخرها وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر، ويرفع رأسه (سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد) ثم يقول وهو قائم:(اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلاً وذكوان وعصية عصت الله ورسوله) ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أُنزل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128).

وجه المخالفة: أن قصة رعل، ولحيان، وذكوان وعصية كانت لما قُتل القراء في بئر معونة وذلك في صفر من السنة الرابعة، والآية فى سياق غزوة أحد، فكيف يتقدم النزول على السبب؟

2 -

أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل اللَّه عز وجل: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ .. ) الآية.

أفاد ابن عاشور أن هذا الحديث لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآية، إذ كيف تفقد القطيفة يوم بدر، ولا تنزل الآية لأجل هذا إلا يوم أحد مع أن بين الغزوتين سنة وشهرًا.

3 -

أخرج البخاري وأحمد عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:

ص: 76

كان عمر بن الخطاب يقول لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم احجب نساءك قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلاً إلى ليل قِبَل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس. فقال: عرفناك يا سودة، حرصاً على أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل اللَّه عز وجل آية الحجاب.

قال ابن كثير عن هذا الحديث: (المشهور في قصة سودة أنها كانت بعد نزول الحجاب). اهـ. وإذا كان كذلك فكيف تكون القصة سبب نزول الآية ولم تقع إلا بعدها.

4 -

أخرج البخاري وأحمد عن المسور بن مخرمة ومروان في قصة الحديبية قالا: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق فذكر الحديث

إلى أن قالا: وينفلت منهم أبو جندلِ بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده باللَّه والرحم: لمَّا أَرسل: فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ

).

قال ابن حجر: (ظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع، ومن حديث أنس بن مالك أيضاً وأخرجه أحمد والنَّسَائِي من حديث عبد اللَّه بن مغفل بسند صحيح أنها نزلت بسبب القوم من قريش الذين أرادوا أن يأخذوا من المسلمين غِرةً، فظفروا بهم، فعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية). اهـ. وهذا كان في الحديبية، وقصة أبي بصير بعد الحديبية.

5 -

أخرج البخاري وأحمد ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيتَ عبد اللَّه بن أُبي، فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب

ص: 77

حماراً، فانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحدِ منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها أنزلت:(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).

قال ابن عاشور: (ويناكد هذا - أي القول بأنها سبب النزول - أن تلك الوقعة كانت في أول أيام قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهذه السورة نزلت سنة تسع من الهجرة). اهـ. مختصرًا.

ومن هنا نعلم أنه من رام السلامة من الخطأ في تحديد السبب فلا بد له من معرفة وقت النزول ووقت السبب.

السبب الثاني: أن تقع المخالفة بين سبب النزول وآيات القرآن باعتبار السياق وهو ثلاثة أقسام:

أ - أن يقع الاختلاف بينهما في الألفاظ وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شفاءً فنزلت هذه الآية التي في البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) قال: فدعي عمر فقرئت عليه.

بيان مخالفة السبب للآية من وجهين:

الأول: أن الآية فيها السؤال عن الخمر والميسر جميعاً، بينما حديث عمر فيه الدعاء بالبيان عن الخمر فقط.

الثاني: أن الله قال في الآية: (يَسْأَلُونَكَ) وعمر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم كما يدل على هذا لفظ الحديث، وإنما فيه أنه دعا الله، وفرق بين دعاء اللَّه وسؤال رسوله صلى الله عليه وسلم.

ص: 78

2 -

أخرج الترمذي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رجلاً عضَّ يد رجلٍ فنزع يده، فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك) فأنزل الله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).

وجه المخالفة هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى حقه في الدية فكيف يكون له قصاص مع أن شأن القصاص أعظم وأكبر ثم يقال: فأنزل الله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ). اهـ.

3 -

أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: نزلت فيَّ أربع آيات أصبت سيفاً فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول اللَّه نفلنيه: فقال: (ضعه) ثم قام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(ضعه من حيث أخذته) ثم قام، فقال: نفلنيه يا رسول اللَّه فقال: (ضعه) فقام فقال: يا رسول اللَّه نفلنيه. أَأُجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ضعه من حيث أخذته) قال: فنزلت هذه الآية: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).

قال أبو العباس القرطبي عن حديث سعد: (يقتضي أن يكون ثمَّ سؤال عن حكم الأنفال، ولم يكن هنالك سؤال عن ذلك على ما يقتضيه هذا الحديث). اهـ. فالذي وقع في حديث سعد أنه سأل نفلاً وفرق بين من يسأل عن الشيء وبين من يسأل الشيء، فالأول مستفهم والثاني يريد العطاء.

4 -

أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت أو سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الذنب عند اللَّه أكبر؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) قلت: ثم أَيٌّ؟ قال: (ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قلت: ثم أيّ؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك) قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) فالفرق بين الآية وحديث ابن مسعود أن الحديث حصر القتل في الولد خشية الطعام وحصر الزنا بحليلة الجار وهذا الحصر لا يوافق العموم في الآية. اهـ.

ص: 79

5 -

أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: إن قريشاً لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجدب وحتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد

فذكر الحديث حتى قال فأنزل الله: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10). باختصار.

قال ابن كثير عن الآية: (أي بيِّن واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: (يَغْشَى النَّاسَ) أي يتغشاهم ويعميهم ولو كان أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه (يَغْشَى النَّاسَ). اهـ.

وقال أبو العباس القرطبي: (لا شك في أن تسمية هذا دخانًا تجوز، وحقيقة الدخان ما ذكر في حديث أبي سعيد). اهـ.

ب - أن يقع الاختلاف بينهما في المقصود بالخطاب وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج الإمام أحمد والنَّسَائِي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أخَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة. قال: (أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر اللَّه هذه الساعة غيركم) قال: وأنزل هؤلاء الآيات: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) - حتى بلغ - (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).

وجه المخالفة: أن القول بالنزول يقتضي نفي المساواة بين الذين آمنوا من هذه الأمة وبين أهل الكتاب.

بينما اتفق المفسرون على أن الآية تنفي المساواة بين مؤمني أهل الكتاب وكافريهم قال ابن العربي: (وقد اتفق المفسرون أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب وعليه يدل ظاهر القرآن، ومفتتح الكلام نفي المساواة بين من أسلم منهم وبين من بقي منهم على الكفر). اهـ.

وقال ابن عاشور: (استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب بعد

ص: 80

الحكم على معظمهم بصيغة تعمهم تأكيدًا لما أفاده قوله: (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).

2 -

أخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) - إلى قوله - (غَفُورٌ رَحِيمٌ) نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يُقام فيه الحد الذي أصابه.

وجه المخالفة: أن الله قال في آيات الحرابة: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) والحديث يقتضي المؤاخذة إذا تاب المحارب قبل القدرة.

قال القرطبي: (وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم). اهـ. فإذا كان الإجماع منعقداً على قبول توبة المشرك بعد القدرة فقبلها من باب أولى.

3 -

أخرج النَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) قال: هو بلعم، وقال نزلت في أُمية.

وجه المخالفة: أن اللَّه قال عن المذكور: (آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) فكيف لأمية بن أبي الصلت أن تأتيه الآيات.

4 -

أخرج البخاري عن محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عبَّاسٍ قرأ: (ألا إنهم تثنوني صدورهم) قلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى فيستحي فنزلت: (ألا إنهم تثنوني صدورهم).

قال ابن عاشور بعد ذكر السبب: (وهذا التفسير لا يناسب موقع الآية ولا اتساق الضمائر. فلعل مراد ابن عبَّاسٍ أن الآية تنطبق على صنيع هؤلاء وليس فعلهم هو سبب نزولها). اهـ.

ص: 81

وهذا ظاهر لأن الآية تتحدث عن المذكورين حديث ذم وقدح، بينما المذكورون في الحديث أهل للثناء والمدح.

5 -

أخرج الدارمي عن يحيى بن جعدة قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بكتف فيه كتاب، فقال: كفى بقوم ضلالاً أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم فأنزل الله عز وجل: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ).

وجه المخالفة بين الآية والحديث: أن اللَّه قال قبل هذه الآية: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وقال بعدها: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) فالضمير في (يَكْفِهِمْ) يعود على الكافرين القائلين: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ).

والحديث يقتضي أن عدم الاكتفاء واقع من بعض المؤمنين.

جـ - أن يقع الاختلاف بينهما في أصل الموضوع وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج ابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة فنزلت:(مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ).

وجه المخالفة: أن حديث الآية عن الكفارة حين يحنث الحالف في يمينه، بينما السبب يدور على القوت والإنفاق وفرق كبير بين هذين.

2 -

أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف

ص: 82

الآخر، فماذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل اللَّه في شأنها:(وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ).

قال الطبري: (وأولى الأقوال بالصحة قول من قال معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم فتقدم موته ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم لدلالة ما قبله من الكلام وهو قوله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) وما بعده وهو قوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ). اهـ. بتصرف.

وقال ابن عاشور عن الحديث: (وهو خبر واهٍ لا يلاقي انتظام هذه الآيات ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة). اهـ. باختصار.

3 -

أخرج البخاري ومالك ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة رضي الله عنها: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) أنزلت في الدعاء.

وجه المخالفة هنا: أن اللَّه نهى عن المخافتة بالصلاة في الآية، ولو كان المراد بالصلاة الدعاء لما نهى عن المخافتة لأن هذا هو الأصل في الدعاء لقوله تعالى:(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً).

4 -

أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كانت بنو سلِمة في ناحية المدينة فأرادوا النُّقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (إدْ آثاركم تكتب فلا تنتقلوا).

وجه المخالفة: أن حديث الآية عن الموتى لقوله: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى) بينما الحديث في الأحياء، فكيف تنزل بسببه.

قال ابن عطية: (ووافقها - أي الآية - قول النبي صلى الله عليه وسلم في المعنى فمن هنا قال منْ قال: إنها نزلت في بني سلمة) والمراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (دياركم تكتب آثاركم).

5 -

أخرج الترمذي عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن

ص: 83

علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين، أو يا مسوِّد وجوه المؤمنين فقال: لا تؤنبني - رحمك الله - فإن النبي صلى الله عليه وسلم أُري بني أُمية على منبره فساءه ذلك فنزلت: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) يا محمد، يعني نهرًا في الجنة، ونزلت:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)، يملكها بعدك بنو أُمية يا محمد. قال القاسم: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص.

قال ابن كثير: (ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذم بني أمية، ولو أُريد ذلك لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم، لا يدل على ذم أيامهم فإن ليلة القدر شريفة جدًا، والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أُمية التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث.

والسورة مكية فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أُمية ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها، والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة فهذا كله مما يدل على ضعف الحديث ونكارته واللَّه أعلم). اهـ. بتصرف.

وقال ابن عاشور: (وهو مختل المعنى وسمات الوضع لائحة عليه وهو من وضع أهل النحل المخالفة للجماعة). اهـ. باختصار.

ومن هنا يمكن القول أنه لا بد لاستقامة السبب وقبوله أن يوافق الآية في اللفظ، والخطاب، وأصل الموضوع.

السبب الثالث: وقوع الخطأ في الإسناد وهو أقسام:

أ - أن يكون السبب ضعيف الإسناد وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج الترمذي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندرِ أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل:(فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).

ص: 84

هذا الحديث مداره على عاصم بن عبيد اللَّه العمري، وقد قال أبو حاتم، وأبو زرعة والبخاري:(منكر الحديث، زاد أبو حاتم: مضطرب الحديث ليس له حديث يعتمد عليه). اهـ.

2 -

أخرج النَّسَائِي عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً أتى امرأته في دبرها في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فوجد من ذلك وجدًا شديدًا فأنزل اللَّه تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ).

ظاهر هذا الإسناد الصحة ولكنه ليس كذلك فقد نص أبو حاتم الرازي على علته وأن الأصح في سنده هو ما رواه عبد اللَّه بن نافع الصائغ عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال ابنه ما نصه: (قال أبي: هذا أشبه - أي كونه من حديث أبي سعيد - وهذا أيضاً منكر، وهو أشبه من حديث ابن عمر لأن الناس أقبلوا قِبل نافع فيما حكى عن ابن عمر في قوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) في الرخصةِ، فلو كان عند زيد بن أسلم عن ابن عمر لكانوا لا يولعون بنافع، وأول ما رأيت حديث ابن عبد الحكم استغربناه ثم تبين لي علته).

3 -

أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: فكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل اللَّه في شأنها:(وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24).

قال ابن كثير: (وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، فالظاهر أنه من كلام أبى الجوزاء). اهـ. مختصرًا.

ومدار الحديث على عمرو بن مالك النكري لم يوثقه أحد من ذوي الشأن باستثناء ابن حبان ومع ذلك فقد قال: (يخطئ ويغرب).

4 -

أخرج الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:

ص: 85

(لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام)، في مثل هذا أُنزلت هذه الآية:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).

وإسناد هذا الحديث يدور على عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن.

قال الدارقطني: (عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد نسخة باطلة).

وقال ابن حبان: (وإذا روى ابن زحر عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسنادٍ خبر عبيد اللَّه بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم بن عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة). اهـ. مختصراً.

5 -

أخرج الترمذي عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين، أو يا مسود وجوه المؤمنين فقال: لا تؤنبني - رحمك اللَّه - فإن النبي صلى الله عليه وسلم أُري بني أُمية على منبره فساءه ذلك فنزلت: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) يا محمد يعني: نهرًا في الجنة ونزلت: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)، يملكها بعدك بنو أُمية يا محمد. قال القاسم: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص.

قال ابن كثير: (ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جداً قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي: هو حديث منكر

ثم ذكر كلامًا حتى قال: فهذا كله مما يدل على ضعف الحديث ونكارته والله أعلم). اهـ. باختصار.

وقال ابن عاشور: (واتفق حذاق العلماء على أنه حديث منكر صرح بذلك ابن كثير وذكره عن شيخه المزي، وأقول: هو مختل المعنى، وسمات الوضع لائحة عليه). اهـ. باختصار.

ص: 86

ب - أن يكون أصل الحديث صحيحاً وفيه علة إسنادية خفية وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج مسلم وأحمد والبخاري والدارمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه (سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد) ثم يقول وهو قائم: (اللهم انج الوليد ابن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف اللهم العن لحيان، ورعلاً وذكوان، وعصية عصت اللَّه ورسوله) ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أُنزل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128).

هذه الرواية في تسمية القبائل تفرد بها يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عند مسلم وقد تابعه اثنان بدونها: شعيب، وإبراهيم بن سعد عند البخاري، والحديث له طريق أخرى عن أبي هريرة بدونها أيضاً من رواية الأعرج عند البخاري، فهذه الرواية شاذة لأن يونس تفرد بها عن بقية الثقات.

وقال ابن حجر عن رواية البخاري للحديث وقوله: (حتى أنزل اللَّه): (ثم ظهر لي علة الخبر وأن فيه إدراجاً، وأن قوله: حتى أنزل اللَّه منقطع من رواية الزهري عمن بلَّغه، بيَّن ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة فقال هنا - يعني الزهري -: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت وهذا البلاغ لا يصح لما ذكرته). اهـ. يعني الانقطاع.

2 -

أخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي فأقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا

ص: 87

على ماء وليس معهم ماء، قالت عائشة: فجاء أبو بكر، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على فخذي فنام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل اللَّه تبارك وتعالى آية التيمم فتيمموا، فقال أُسيد بن حضير ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنتُ عليه فوجدنا العقد تحته.

وفي لفظ للبخاري: ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ، وحضرت الصبح فالتُمس الماء فلم يوجد فنزلت:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ).

وهذه الزيادة في ذكر الآية انفرد بذكرها عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري، وخالف الجماعة الذين أعرضوا عن ذكرها، وعمرو بن الحارث وإن كان من الثقات الأثبات فقد ذكر أحمد أن له مناكير.

3 -

أخرج البخاري وأحمد عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان عمر بن الخطاب يقول لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم احجب نساءك، قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلاً إلى ليلِ قِبَل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلةً فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس، فقال: عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل اللَّه عز وجل آية الحجاب.

وللشيخين عنها: قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه فقال:(إنه قد أُذن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكن).

وهذا الحديث رواه عن عائشة عروة وعنه اثنان، الأول: ابنه هشام بدون ذكر الآية.

الثاني: الزهري وعنه جماعة كلهم ذكروا الآية، وهذه الرواية وإن كانت ثابتة عن الزهري إلا أن مما يؤيد رواية هشام حديث أنس في قصة زينب بنت جحش حيث وقع النزول.

ص: 88

4 -

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن موسى كان رجلاً حيياً ستيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياءً منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص، وإما أُدرة وإما آفة، وإن اللَّه أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسن ما خلق اللَّه، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فواللَّه إن بالحجر لَنَدَبا من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً فذلك قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69).

ولفظ مسلم ونزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا

).

فالتصريح بالنزول شاذ غير محفوظ إذ انفرد به عبد اللَّه بن شقيق ولم يتابعه على الزيادة أحد من أصحاب أبي هريرة الذين أكثروا عنه، وهم أثبت منه عموماً، وفي أبي هريرة خصوصًا.

5 -

أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: إن قريشاً لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد، حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فذكر الحديث

حتى قال فأنزل اللَّه عز وجل: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11).

فالتصريح بالنزول إنما جاء من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، وقد خالف سبعة من أصحاب الأعمش كلهم لم يذكروا نزول الآية، والأعمش أيضًا قد توبع بدونها فتكون شاذة لا اعتبار بها.

ص: 89

جـ - أن يكون السبب صحيحاً لكنه يخالف سبباً أصح منه وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج أحمد وأبو داود والنَّسَائِي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها قال فنزلت:(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.

فهذا يخالف ما روى مسلم وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت:(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فأُمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

وفي رواية للبخاري: (إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) فأمرنا بالسكوت).

فهذا الحديث أصح سندًا ومتنًا من حديث زيد بن ثابت، وتفصيل ذلك في الدراسة.

2 -

أخرج البخاري عن عبد اللَّه بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رجلاً أقام سلعة في السوق فحلف فيها، لقد أُعطي بها ما لم يُعْطَه لبوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا

) الآية.

فهذا يخالف ما روى البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين وهو فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللَّه وهو عليه غضبان) قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ واللَّه كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ألك بينة)؟ قال: قلت لا. قال: فقال لليهودي: احلف. قال: فقلت: يا رسول اللَّه إذن يحلف وبذهب بمالي قال: فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) إلى آخر الآية.

ص: 90

فهذا الحديث أصح سنداً ومتناً من حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه.

3 -

أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا

) الآية. فهذا يخالف ما روى مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أن هذه الآية أُنزلت في أهل الكتاب ثم تلا ابن عبَّاسٍ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) هذه الآية. وتلا ابن عبَّاسٍ: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) وقال ابن عبَّاسٍ: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.

فهذا السبب أصح من حديث أبي سعيد من أنها نزلت في المنافقين، لأنه مؤيد بالسياق القرآني.

4 -

أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا نهلوا عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته فيقول: قد فعل بي هذا أخي - وكانوا إخوةً ليس في قلوبهم ضغائن - واللَّه لو كان بي رءوفا رحيماً ما فعل بي هذا فوقعت في قلوبهم الضغائن فأنزل الله عز وجل: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) - إلى قوله - (مُنْتَهُونَ) فقال ناس: هي رجس

الحديث. اهـ. موضع الشاهد.

فهذا يخالف ما روى مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: وأتيت على نفرٍ من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً. وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال: فأتيتهم في حشٍّ - والحش البستان -

ص: 91

فإذا رأس جزورٍ مشوي عندهم، وزق من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم قال: فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي. فأتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأنزل اللَّه عز وجل فيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر:(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ).

فهذا السبب أصح من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في سبب النزول.

5 -

أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قالت قريش ليهود أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)، قالوا: أُوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أُوتي التوراة فقد أُوتي خيراً كثيراً قال فأنزل الله عز وجل:(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي).

فهذا الحديث يخالف ما روى البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يُوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي ثم قال:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي).

فهذا الحديث أصح سنداً ومتناً من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

وبهذا يتبين أن كثيراً من الأخطاء في روايات أسباب النزول ناتج من عدم النظر في أسانيدها من حيث صحتها وضعفها، وشذوذها وحفظها. واللَّه أعلم.

ص: 92

السبب الرابع: وقوع الالتباس في التعبير وهو قسمان:

1 -

أن يعبر عن التفسير بالنزول وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج مسلم والبخاري وابن ماجه عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي اللَّه، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فذلك قول اللَّه عز وجل:(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ).

فلم أرَ من صرح بأن للآية سبب نزول، وأن هذا هو سببها، بل الحديث من باب التفسير فقط.

2 -

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (إن موسى كان رجلاً حييًا ستيرًا لا يُرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما أُدرة، وإما آفة، وإن اللَّه أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق اللَّه، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللَّه إن بالحجر لنَدَبا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا فدْلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69).

ولفظ مسلم ونزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى

) الآية.

فهذا تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية، أما النزول فلا يصح لشذوذه، وعدم وجود الحدث زمن النزول.

3 -

أخرج أحمد والبخاري عن طاووس قال: سأل رجل ابن عبَّاسٍ

ص: 93

المعنى عن قوله عز وجل: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فقال سعيد بن جبير: قرابة محمد صلى الله عليه وسلم فقال ابن عبَّاسٍ: عجلت. إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة فنزلت: قُل (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم.

وقد صحح ابن حجر بأن مقصود ابن عبَّاسٍ التفسير وليس السبب، فقال:(وقوله: (إلا أن تصلوا) كلام ابن عبَّاسٍ تفسير لقوله تعالى: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فعرف بهذا أن المراد ذكر بعض الآية بالمعنى على جهة التفسير). اهـ.

4 -

أخرج البخاري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنه قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد اللَّه ابن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) يقول الشعبي: (واللَّه ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد اللَّه إلا في المدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد صلى الله عليه وسلم بها قومه منزلت: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ).

5 -

أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: لما أراد اللَّه عز وجل أن يرفع عيسى عليه السلام إلى السماء، خرج على أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلاً، ورأسه يقطر ماء، فقال: أيُّكم يُلقى شبهي عليه فيقتل مكاني، فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًا، فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم الثالثة فقال الشاب: أنا، فقال عيسى عليه السلام نعم أنت، فأُلقي عليه شبه عيسى، ثم رُفع عيسى من روزنة كانت في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشاب للشبه فقتلوه ثم صلبوه فتفرقوا ثلاث فرق فقالت فرقة: كان فينا اللَّه عز وجل ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء اللَّه ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية وقالت طائفة: كان فينا عبد اللَّه

ص: 94

ورسوله ما شاء الله ثم رفعه فهؤلاء المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بعثا الله محمدًا صلى الله عليه وسلم فأنزل اللَّه عز وجل: (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) يعني الطائفة التي كفرت في زمان عيسى عليه السلام والطائفة التي آمنت في زمان عيسى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ) بإظهار محمد صلى الله عليه وسلم دينهم على دين الكفار (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ).

فهذا الحديث لا يكون من أسباب النزول لأن الحدث سبق النزول بزمن طويل واللَّه أعلم.

ب - أن يعبر عن التلاوة والقراءة بالنزول وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه يقع على الذنب فينهاه عنه فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن فقال: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) - حتى بلغ - فَاسِقُونَ) وكان نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس فقال: لا حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرًا).

فالتصريح بالنزول لا يصح لأن الحديث عن الأمم السابقة، وبعض المفسرين لما ذكر الحديث قال: ثم قرأ: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ).

2 -

أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت أو سُئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أيُّ الذنب عند اللَّه أكبر؟ قال: (أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك) قلت: ثم أيٌّ قال: (ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قلت: ثم أي؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك) قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ).

ص: 95

وفي لفظ للترمذي وأحمد عنه رضي الله عنه وتلا هذه الآية: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ

ولم يقل ونزلت.

فهذا الحديث ليس سببًا للنزول لأنه معارض بحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

3 -

أخرج أحمد والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن اللَّه عز وجل يحمل الخلائق على إصبع والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فأنزل الله عز وجل:(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ).

وفي لفظ: ثم قرأ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

قال ابن عطية: (فرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تمثل بالآية وقد كانت نزلت). اهـ. وقال ابن عاشور: (وفي بعض روايات الحديث فنزل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) وهو وهم من بعض رواته وكيف وهذه مكية، وقصة الحبر مدنية). اهـ.

4 -

أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنَّسَائِي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن قريشًا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فذكر الحديث

حتى قال: فأنزل اللَّه عز وجل: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) وفي لفظ للبخاري: ثم قرأ: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11).

فهذا ليس سببًا للنزول لعدم وجود الحدث الذي يقتضي ذلك.

5 -

أخرج مسلم عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: مُطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، قال: (فنزلت هذه الآية: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) - حتى بلغ - (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ).

ص: 96

قال ابن عاشور: العل الراوي عنه - أي عن ابن عبَّاسٍ - لم يحسن التعبير عن كلامه فأوهم بقوله: فنزلت: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) بأن يكون ابن عبَّاسٍ قال: فتلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) أو نحو تلك العبارة، وقد تكرر مثل هذا الإيهام في أخبار أسباب النزول). اهـ. مختصراً.

السبب الخامس: مخالفة السبب للمستقر الثابت من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإليك الأمثلة:

1 -

أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر. فقال بعض الناس: لعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل اللَّه عز وجل:(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) إلى آخر الآية.

قال الطبري: (لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالغلول لعقَّب ذلك بالوعيد على التهمة وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالوعيد على الغلول). اهـ. مختصراً.

2 -

أخرج النَّسَائِي عن أنس رضي الله عنه قال: لما جاء نعي النجاشي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(صلوا عليه) قالوا: يا رسول الله نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل اللَّه عز وجل: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ).

فقول الصحابة حسب الحديث: نصلي على عبد حبشي، لا يليق بهم، ولا يوافق الواقع؛ لأن النجاشي ليس عبدًا بل هو ملك حر، فالعبد شرعاً: هو الرقيق المملوك.

أما كونه لا يليق بهم فلأنهم أوفى الناس للناس، ويعرفون فضله ووقوفه معهم حين هاجروا إليه مرتين، مع أن هذا القول لو ثبت عنهم لكان يتضمن أيضًا ردًا لقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأمره.

ص: 97

3 -

أخرج البخاري عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كان قوم يسألون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم استهزاءً فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل اللَّه فيهم هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حتى فرغ من الآية كلها.

وقد أفاد ابن عاشور بأن أولئك ليسوا مؤمنين؛ لأن المؤمنين لا يستهزئون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مع أن الآية صُدرت بنداء الإيمان.

4 -

أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه قال: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: فكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله في شأنها:(وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24).

فهذا السبب لا يصح للنزول لما يتضمنه من القدح في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والنيل منهم، والله أعلم. اهـ.

5 -

أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ترى. دينار؟) قلت: لا يطيقونه، قال:(فنصف دينار؟) قلت: لا يطيقونه.

قال: (فكم؟) قلت: شعيرة. قال: (إنك لزهيد) قال: فنزلت: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ) قال: فبي خفف اللَّه عن هذه الأمة.

هذا الحديث يقتضي أن علياً أرحم بالناس من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وليس الأمر كذلك فليس أحد أرحمَ بالمؤمنين من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128).

ص: 98