الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
37 -
قال الله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
(169)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
1 -
أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل اللَّه عز وجل أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظلِّ العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع اللَّه لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل:(أنا أبلغهم عنكم) فأنزل اللَّه عز وجل هؤلاء الآيات على رسوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا).
2 -
أخرج الترمذي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لقيني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال لي:(يا جابر ما لي أراك منكسراً)؟ قلت: يا رسول اللَّه استشهد أبي، وترك عيالاً وديناً، قال:(أفلا أُبشرك بما لقي الله به أباك)؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: (ما كلَّم اللَّه أحداً قط إلا من وراء حجابه، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً. فقال: يا عبدي تمنَّ عليك أُعطك. قال: يا ربِّ تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون وأنزلت هذه الآية: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة وقد أورد المفسرون هذين السببين وغيرهما وجعلوها سبباً لنزول الآية منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وغيرهم.
قال ابن عطية بعد أن ساق الأسباب المذكورة في نزول الآية: (كثرت الأحاديث في هذا المعنى واختلفت الروايات، وجميع ذلك جائز على ما اقتضته من هذه المعاني) اهـ.
وقال القرطبي بعد ذكر الأسباب: (وبالجملة وإن كان يحتمل أن يكون النزول بسبب المجموع فقد أخبر الله تعالى فيها عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين، وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم) اهـ.
والظاهر واللَّه تعالى أعلم أن حديث جابر في قصة والده عبد الله بن عمرو بن حرام لا تصح سبباً لنزول الآية:
أولاً: لما تبين من لا اعتلال إسناده وضعفه.
ثانياً: أن سياق الآيات لا يعين على ذلك لأن الله يتحدث عن هؤلاء الشهداء بصيغة الجمع فقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171). وهذا يصدق على الجماعة دون الواحد، فضمائر الجمع كثيرة في الآيات المتقدمة مما يبعد إرادة الواحد.
أما حديث ابن عبَّاسٍ: فهو وإن كان فيه انقطاع بين أبي الزبير وابن عباس إلا أنه مؤيد بما روى مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه وبما روى عبد الرزاق بإسناد صحيح إلى ابن عبَّاسٍ موقوفاً عليه.
وسياق الآيات يدل على ذلك فإن الشهداء في حديث ابن عبَّاسٍ قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال اللَّه: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا
…
) مرغباً لهم في الجهاد مبيناً لهم عاقبته وأثره مخبراً لهم عن حياة وسعادة من ماتوا عليه، بخلاف حديث عبد اللَّه بن حرام الذي ليس فيه إلا سؤاله أن يعيده الله ثانية لأجل الجهاد، على أن هذا لا يمنع أن يكون عبد اللَّه بن حرام أحد الشهداء الذين نزلت فيهم الآية بل هو منهم رضي الله عنهم جميعاً.
* النتيجة:
أن حديث جابر رضي الله عنه ليس سبباً لنزول الآية لما في سنده من الضعف وعدم موافقته لسياق الآيات، أما حديث ابن عبَّاسٍ فهو وإن تكلم في سنده إلا أن له شواهد تجبره ومع هذا فلفظ الآيات يوافقه وأقوال المفسرين تؤيده والله أعلم.
* * * * *