الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
11 -
قال الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(195)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
1 -
أخرج الترمذي وأبو داود والنَّسَائِي عن أسلم أبي عمران التُّجِيبي، قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلُهُم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يُلقي بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم لتُأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعزّ اللَّه الإسلام وكَثُر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن اللَّه قد أعز الإسلام وكَثُر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله على نبيِّه صلى الله عليه وسلم يردُّ علينا ما قلنا:(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.
2 -
وأخرج البخاري عن حذيفة رضي الله عنه: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال: نزلت في النفقة.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد المفسرون مع ذلك جملة من الأقوال وجعلوها أسبابًا لنزول الآية ومنها مع ما تقدم:
1 -
أن الأنصار كان احتبس عليهم بعض الرزق، وكانوا قد أنفقوا نفقات، قال: فساء ظنهم وأمسكوا قال: فأنزل اللَّه: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم وهو مروي عن الشعبي ومجاهد وعكرمة.
2 -
وقال آخرون: كان رجال يخرجون في بعوث يبعثها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بغير نفقة فإما أن يقطع بهم وإما أن يكونوا عالة على غيرهم فأمرهم اللَّه أن يستنفقوا مما رزقهم اللَّه ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وهذا مروي عن زيد بن أسلم.
3 -
وقال آخرون: هو الرجل يذنب الذنب فيستسلم ويلقي بيده إلى التهلكة ويقول: لا توبة لي، وهو المروي عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني.
ما تقدم هو خلاصة ما قيل في سبب نزول هذه الآية. وبعد النظر والتأمل يتبين الآتي في قولهم: إن الأنصار احتبس عليهم الرزق فساء ظنهم وأمسكوا، وهو عندي - واللَّه أعلم - معلول بالآتي:
أ - أن القائل به من التابعين الذين لم يشهدوا التنزيل فقولهم فيه مرسل والمرسل من قسم الضعيف.
ب - قولهم: إن الأنصار احتبس عليهم الرزق، معلوم أن الرزق لو احتبس لم يحتبس عن الأنصار وحدهم إذ كان المهاجرون مخالطين لهم في ذلك الوقت فلماذا يختص الأنصار بانحباس الرزق ثم لو احتبس الرزق عليهم فأمسكوا لحاجتهم وأهليهم لم يكونوا ملومين لأن حفظ نفوسهم وأهليهم من أوجب الواجبات.
جـ - قولهم: فساء ظنهم وأمسكوا. هذا واللَّه لا يليق بمن هو دون الأنصار بمراحل فكيف يليق بهم ويوصفون به وهم من نَصَرَ الدين وذاد عن رسول رب العالمين وبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم وأهليهم رخيصة لإعلاء كلمة اللَّه، ومن كان في ريب في ذلك فليقرأ ثناء المولى عليهم:(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، أفيصح هذا القول مع هذا الثناء الرباني فتأمل وأنت الحكم؟
وأما ما ذكر من أنها نزلت في قوم يغزون بغير نفقة فهو مرسل كالأول وقد قال الحافظ ابن حجر معقبًا عليه بعد ذكره: (فيلزم على قوله اختلاف المأمورين فالذين قيل لهم: (أنفقوا وأحسنوا) أصحاب الأموال، والذين قيل لهم:(ولا تلقوا) الغزاة بغير نفقة ولا يخفى ما فيه) اهـ.
وأما قولهم: إن الآية نزلت في الرجل يذنب الذنب فيستسلم ويقول: لا يغفر لي. فالظاهر - واللَّه أعلم - أن قائل هذا القول لم يرد به السببية وإِنَّمَا أراد أن الآية بعمومها تتناول من هذا حاله، وأنه ممن يلقي بنفسه إلى التهلكة بفعله هذا.
ولعل مما يؤيد هذا الفهم من السياق خلوه من ذكر الذنوب والقنوط من رحمة اللَّه ولو كانت مرادةً أصلاً هنا لبينها اللَّه بأوضح من هذا كما قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) وإنما الآية آمرةٌ بالإنفاق في أولها وبالإحسان في آخرها.
وبهذا يتبين أن الثلاثة السابقة ليست من أسباب نزول الآية.
فإن قيل: ما سبب نزول الآية إذن؟
فالجواب: أن السبب ما ذكره أبو أيوب الأنصاري من أن الآية نزلت فيهم لما همُّوا بالإقامة على الأموال وإصلاحها وترك الجهاد مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. ومما يدل على هذا أمور:
1 -
أن أبا أيوب أحد الذين وقع منهم هذا لقوله: فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصاحب القصة أعلم بالمراد بها من غيره.
2 -
قول أبي أيوب رضي الله عنه فأنزل اللَّه على نبيه يردُّ علينا ما قلنا، فقد صرح بأن الآية ردٌّ عليهم في قولهم هذا، وإذا كانت رداً عليهم فكيف يقال إنها نزلت في غيرهم.
3 -
أن أبا أيوب امتثل ما أُمر فلم يزل شاخصاً في سبيل اللَّه حتى قبض، ومن البعيد جداً أن يستمسك أبو أيوب بهذا حتى الموت وهو يشك أن الخطاب بالآية يعنيه.
4 -
أن القائل بهذا القول هم أكثر السلف وأكثر المفسرين والأكثرون أقرب للصواب في الغالب.
فإن قيل: فما الجواب عن قول حذيفة نزلت في النفقة؟
فالجواب: أن حذيفة رضي الله عنه لم يضف جديداً لأن الآية صدرت بالأمر بالإنفاق في سبيل، وهذا يتفق مع قول أبي أيوب تماماً لأن الجهاد في سبيل اللَّه يتضمن الإنفاق فيه بخلاف القعود على الأموال وإصلاحها ففيه من قصد الدنيا ما لا يخفى.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية قول أبي أيوب رضي الله عنه ومن معه من الأنصار في حديثهم عن الإقامة في الأموال وإصلاح ما ضاع منها لأن الحديث في ذلك صحيح صريح قائله صحابي شهد التنزيل بل هو أحد الذين نزلت بسببهم الآية، ولم يوجد ما يعترضه حقاً واللَّه أعلم.