الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
أسباب النزول من حيث صيغتها
صيغة أسباب النزول من المباحث الرئيسة عند المؤلفين في الدراسات القرآنية عامة، وأسباب النزول خاصة، ولا تكاد عين القارئ تخطئ هذا الموضوع عند الحديث عن أسباب النزول، إلا أن الحديث في بعضها قديم تليد، وفي بعضها حديث جديد، وسأذكر ابتداء أقوالهم في الموضوع، ناقلاً قول الزرقاني في تقسيمه ذلك إلى صيغة صريحة، وغير صريحة؛ لأنه أول من قسم هذا التقسيم - حسب علمي - ثم تتابع المؤلفون بعده على ذلك بلا تعقب أو تنبيه، ثم أُعقِّب على ذلك بما أراه صحيحاً راجحاً في الموضوع. فأقول:
لأسباب نزول القرآن عند المعاصرين صيغتان:
الأولى: صيغة صريحة قال عنها الزرقاني: (تختلف عبارات القوم في التعبير عن سبب النزول فتارةً يصرح فيها بذكر السبب فيقال: (سبب نزول الآية كذا) وهذه العبارة نص في السببية لا تحتمل غيرها، وتارة لا يصرح بلفظ السبب ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة، وهذه العبارة مثل تلك في الدلالة على السببية أيضًا، ومثاله رواية جابر الآتية قريبًا، ومرة يسأل الرسول فيوحى إليه، ويجيب بما نزل عليه، ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول، ولا تعبير بتلك الفاء، ولكن السببية تفهم قطعًا من المقام كرواية ابن مسعود الآتية عندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، وحكم هذه أيضًا حكم ما هو نص في السببية). اهـ. موضع الشاهد وخلاصة هذا الكلام أن الصريح عنده قسمان:
الأول: قول الراوي: (سبب نزول هذه الآية كذا).
الثاني: قول الراوي: (حدث كذا فنزل كذا أو فنزلت الآية).
وذكر حالاً أخرى جعل حكمها كحكم الأول، وهي أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر فيُوحى إليه بشأنه، ويجيب بما نزل عليه بدون ذكر السبب أو الفاء الداخلة على مادة النزول.
فأما الأول وهو قوله: (سبب نزول الآية كذا) فهذا لا وجود له في الواقع فمع معاصرتي لأسباب النزول طوال مدة البحث، وكثرة تقليبي لها لم أجد سببًا واحدًا وردت فيه هذه الصيغة، كما أن الزرقاني لم يذكر مثالاً لهذا، ولا يخفى أن القواعد إنما تستمد من الأمثلة فأين هي الأمثلة هنا؟.
ولعلي أعتذر للزرقاني هنا بأنه كان يتصور وجود شيء من هذا مع عدم استحضاره للمثال حين الكتابة فسطَّر ما كان يتصور.
لكني أعجب كثيرًا ممن تابعه من المؤلفين على ذلك، إذ كان بإمكانهم البحث والتحرير قبل التسليم والتسطير.
وأما الثاني: وهو دخول الفاء على مادة النزول بعد سرد حادثة فهذا أكثر الأساليب استعمالاً في أسباب النزول، ومع هذا فلا يعني وجود هذه الصيغة أن يكون الحديث سببًا للنزول، ولديّ من الأمثلة ما يكفي لإثبات هذا.
1 -
أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم فنزلت: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة.
2 -
أخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على التماسه. وأقام الناس معه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق
فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبالناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماءٌ قالت عائشة: فجاء أبو بكر ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماءٌ، قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على فخذي فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماءٍ فأنزل الله تبارك وتعالى آية التيمم.
وفي لفظ للبخاري: ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ، وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) فقال أُسيد بن حضير: لقد بارك اللَّه للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركةً لهم.
3 -
أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: نزلت فيَّ أربع آيات. أصبت سيفاً، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه نفلنيه، فقال:(ضعه) ثم قام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(ضعه من حيث أخذته) ثم قام فقال: نفلنيه يا رسول اللَّه. فقال: ضعه، فقام فقال يا رسول اللَّه نفلنيه أَأُجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(ضعه من حيث أخذته) قال: فنزلت هذه الآية: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).
4 -
أخرج البخاري عن محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عبَّاسٍ قرأ: (ألا إنهم تثنوني صدورهم) قلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحي، أو يتخلى فيستحي فنزلت:(ألا إنهم تثنوني صدورهم).
5 -
أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً
فتواصيت أنا وحفصة: أن أيَّتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، قال:(لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له) فنزلت: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ) - إلى - (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ).
لعائشة وحفصة: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ) لقوله: (بل شربت عسلاً) فهذه الأحاديث وقع فيها المنصوص وهو دخول فاء التعقيب على مادة النزول وليست أسباب نزول كما سيتضح من دراستها.
وأما الحال الملحقة بالقسم الأول وهي قوله: (ومرةً يُسأل الرسول فيوحى إليه، ويجيب بما نزل عليه، ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول ولا تعبير بتلك الفاء لكن السببية تُفهم قطعاً من المقام).
فأقول: إذا كانت السببية إنما تُفهم من المقام، فهذا يعني عدم وجود صيغة فضلاً عن كونها صريحة.
ثم كيف يكون حكمُ هذه حكمَ ما هو نص في السببية، مع أن هذا النص ليس له وجود أصلاً.
بل لو قال قائل: إن هذا من أبين الأدلة على عدم وجود صيغ معينة لأسباب النزول فضلاً عن تقسيمها إلى صريحة وغير صريحة لكان قائله حرياً بالصواب.
الثانية: صيغة غير صريحة.
قال الزرقاني: (ومرةً أخرى لا يصرح بلفظ السبب، ولا يؤتى بتلك الفاء ولا بذلك الجواب المبني على السؤال بل يقال: (نزلت هذه الآية في كذا) وهذه العبارة ليست نصاً في السببية بل تحتملها وتحتمل أمراً آخر وهو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام.
والقرائن وحدها هي التي تعيّن أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه). اهـ.
وهذا القول حق، وقد نص عليه بعض الأئمة الأعلام قبل زمن بعيد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(وقولهم: نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارةً أنه سبب النزول، ويراد به تارةً أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب كما تقول عنى بهذه الآية كذا). اهـ.
وقال الزركشي: (وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها فذكر كلامًا
…
حتى قال: فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع). اهـ.
وقد قيّد بعض الفضلاء كلام هذين العَلَمَين فقال: (وقول هذين الإمامين لا ينطبق إلا إذا كان المحكي من الراوي حكمًا فقهياً لا حدثا أو شخصًا نزلت في أحدهما الآية، فإن الاسم أو الحدث لا يمكن أن يقال فيه: عُني بهذه الآية كذا وكذا، وإنما يُقال نزلت في فلان أو في الحدث الفلاني.
وهذا القيد لم أرَ من سبق إليه، مع أنه واضح في كلام المتقدمين كما مضى والحمد للَّه على توفيقه). اهـ.
ثم ذكر في الحاشية أنه وجد عبارةً لابن تيمية تقارب ما ذكر من تخصيص السبب بذكر الشخص.
وإنما الغرض من نقل هذا الكلام هنا لأجل أن أُبين أن كلام شيخ الإسلام رحمه الله لا يدل على تخصيص السبب بذكر الشخص.
وبيان ذلك أن شيخ الإسلام قال: (الصنف الثاني): أن يذكر كلٌّ منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه ثم ذكر أمثلة لهذا حتى قال: وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا كأسباب النزول المذكورة في التفسير، ثم ذكر كلامًا قال بعده: وإذا عُرف هذا فقول أحدهم نزلت في كذا، لا ينافي قول الآخر
نزلت في كذا، إذا كان اللفظ يتناولهما كما ذكرناه في التفسير بالمثال). هذا هو كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع، وأوله وآخره دائر على التفسير بالمثال. ولا يعني قوله:(لا سيما إن كان المذكور شخصًا) تخصيص السبب بذكر الشخص لأنه قال قبل ذلك: وقد يجيء كثيراً من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا. فإنه يعني بهذا الباب الصنف الثاني الذي جعله عنواناً لهذا الكلام.
كما أن الأمثلة التي بين يديّ تتفق وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أنهم تارةً يريدون بقولهم نزلت في كذا أنه سبب نزول، وتارةً يريدون أن ذلك داخل في الآية دن لم يكن السبب.
فأما الأمثلة على إرادة السببية فمنها: -
1 -
قال الله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188).
أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي أن ابن عبَّاسٍ قال: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عبَّاسٍ:(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) وقال ابن عبَّاسٍ: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.
2 -
أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) في عبد اللَّه بن حذافة السهمي إذ بعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في السرية.
3 -
أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.
وأما الأمثلة على أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب:
1 -
أخرج البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشأم فاختلفت أنا ومعاوية في: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها
…
الحديث.
2 -
أخرج مسلم والبخاري والنَّسَائِي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيُّون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون فنزلت:(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ).
3 -
أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي وابن ماجه عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقسم قسمًا: إن هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزةَ وعلي وعبيدةَ بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.
والخلاصة التي تبينت لي بعد تتبع الموضوع واستقرائه أنه لا يوجد صيغة محددة لأسباب النزول سواء أكانت صريحة، أم غير صريحة إما لعدم الدليل على ذلك ألبتَّة كما في قولهم: سبب نزول الآية كذا، وإما لاضطراب الأساليب المستعملة في ذلك واختلافها وتناقضها من حيث التطبيق، وإن كان أكثرها شيوعًا قولهم: فأنزل اللَّه، أو فنزلت، ومع هذا فلا يعني استعمال هذين اللفظين تحقق السببية فيما دخلا عليه، وإنما يعني التصريح بذكر النزول فقط، والأساليب المستعملة في التعبير عن النزول كثيرة كقولهم: ونزلت، حتى أنزل اللَّه، فلما أنزل اللَّه، فيَّ نزلت، فينا نزلت، حتى نزل القرآن، حتى نزلت، ونزل فيهم القرآن، فأنزل الله تصديق ذلك، فبلغنا أنها نزلت، ما أحسب هذه الآية أُنزلت إلا في ذلك.
ومع كثرتها وتعددها تجد منها ما يكون سبباً حقاً، ومنها ما ليس كذلك مما يشير إلى أن الأسلوب المستعمل في التعبير عن النزول ليس أُسًّا ينتفي السبب بانتفائه، ويبقى ببقائه حتى عند مستعمليه.
ولعلي أُبين بعض الأسباب التي أَدت إلى عدم إحكام أساليب التعبير عن أسباب النزول فأقول:
أولاً: تصرف الرواة في الألفاظ كثير في هذا الباب، وإذا كانوا يُبدلون تلا بأنزل مع ما بينهما من فرق فلأن يكون الإبدال فيما هو أقل من ذلك من باب أولى.
ثانياً: توسع السلف رحمهم الله في استعمال التعبير بالنزول حيث يطلقون هذا المفهوم على ما تضمنته الآية بعمومها من صور وأَمثلة فيظن من بعدهم أنهم يريدون بالنزول ما اصْطُلِح عليه أخيراً، وهو الحدث الذي تنزل بسببه الآية، وليس الأمر كذلك عندهم.
ثالثاً: ظن بعضهم رحمهم الله في قضايا معينة أنها أسباب لنزول بعض الآيات وليس الأمر كذلك كما في الأمثلة التالية:
1 -
أخرج البخاري وأحمد والنَّسَائِي عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه رضي الله عنه أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: (اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً) بعدما يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) فأنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) إلى قوله: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
2 -
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا
…
) الآية.
3 -
أخرج النَّسَائِي وأحمد وأبو داود عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نفرًا من عُكْلٍ قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا، فقتلوا راعيها، واستاقوها، فبعث النبي - كل - في طلبهم، فقال: فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَّرَ أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا فأنزل الله عز وجل: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
…
).
وحينئذٍ يبقى أن أقول إن ذكر مادة النزول في الحديث قرينة قوية، ورافد مهم في السببية لكن بضمها إلى غيرها.
فالحديث إذا تحققت فيه أركان السبب كان سبباً للنزول وإن غابت عنه مادة النزول.
كما أن المادة لا تغني عن الحديث شيئاً، ولا تصيره سبباً إذا دخلت عليه لكن غابت عنه أركان السبب. واللَّه أعلم.
* * *