الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يا أيّها الفارس ادن لا ترع
…
أنا أبو مرّ وهذا ذو كلع
مسوّد بالشام ما شاء صنع
…
بلّغ عنّي أشيتر النخع
والأشعث الغيث إذا الماء منع
…
قد أكثروا العذر لديكم لو نفع
وأجابه الأشتر:
يا حوشب الجلف ويا شيخ كلع
…
أيّكما أراد الأشتر النخع
ها أنا ذا وقد يهولك الفزع
…
في حومة وسط قتار قد سطع
ثمّ تلاقي بطلا غير جزع
…
سائل بنا طلح وأصحاب البدع
وسل بنا ذاك البعير المضطجع
…
كيف رأوا وقع الليوث في النقع
كذاك يلقى من إمامه خلع
…
وخالف الحقّ بدين مبتدع
فلمّا كانت حروب صفّين كان أكثر أصحاب عليّ رضي الله عنه خروجا لقتال أهل الشام، الأشتر: خرج يقاتل في رجال من القرّاء وفرسان العرب، فخرج رجل قلّما رؤي أطول ولا أعظم منه، فدعا إلى المبارزة فلم يخرج إليه أحد. وخرج إليه الأشتر فاختلفا ضربتين وضربه الأشتر فقتله فنادى مناد من أصحابه:
يا سهم ابن أبي العيزار
…
يا خير من نعلمه من زار (1)
وجاء رجل من الأزد فقال: أقسم بالله لأقتلنّ قاتلك! فحمل على الأشتر فضربه الأشتر فإذا هو بين يدي فرسه فحمل أصحابه فاستنقذوه جريحا. فقال أبو رفيقة الفهميّ:
كان هذا نارا
…
فصادفت إعصارا
[بلاؤه في صفّين]
ثمّ استعمله عليّ [28 ب] رضي الله عنه في صفّين على مذحج، وقيل: بعثه عليّ على خيل أهل الكوفة، فخرج الأشتر يوم الأربعاء أوّل صفر سنة سبع وثلاثين، وهو أوّل أيّام صفّين، على خيل أهل الكوفة، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة فاقتتلوا قتالا شديدا جلّ النهار، ثمّ تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض.
وخطب (2) في بعض أيّام صفّين الناس، وكان جهير الصوت، فقال: الحمد لله الذي خلق وَالسَّماواتِ الْعُلى * الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [طه: 5 - 6] أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، حمدا كثيرا، بكرة وأصيلا، من يهده الله فقد اهتدى، ومن يضلل الله فقد غوى. أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله بالصواب والهدى ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون صلى الله عليه وسلم. وقد كان ممّا قضى الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البلدة من الأرض، ولفّت بيننا وبين عدوّنا. فنحن بحمد الله ونعمته ومنّه وفضله قريرة أعيننا، نرجو في قتالهم حسن الثواب، والأمن من العقاب، معنا ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيف من سيوف الله: عليّ بن أبي طالب، صلّى مع رسول الله، لم يسبقه بالصلاة ذكر حتّى كان شيخا، لم يكن له صبوة ولا نبوة ولا سقطة، فقيه في دين الله، عالم بحدود الله، ذو رأي أصيل وصبر جميل وعفاف قديم. فاتّقوا الله، وعليكم بالحزم والجدّ، واعلموا أنّكم على الحقّ
(1) الطبري 4/ 575 وقال: زارة حيّ من الأزد.
(2)
الخطبة في نهج البلاغة 2/ 218.
وأنّ القوم لعلى الباطل يقاتلون مع معاوية، وأنتم مع البدريّين قريب من مائة من أهل بدر ومن سوى ذلك من أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم كثير، معكم رايات قد كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يشكّ في هؤلاء، إلّا ميّت القلب؟ فإنّما أنتم على إحدى الحسنيين: إمّا الفتح وإمّا الشهادة. عصمنا الله وإيّاكم بما عصم به من أطاعه واتّقاه، وألهمنا وإيّاكم طاعته وتقواه، وأستغفر الله لي ولكم.
ولمّا انهزمت ميمنة عليّ رضي الله عنه وقتل أهل الشام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، أقبل عليّ نحو الميسرة يركض فمرّ بالأشتر، فقال له: يا مال!
قال: لبّيك يا أمير المؤمنين.
قال: ائت هؤلاء القوم فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه، إلى الحياة التي لا تبقى لكم؟
فمضى الأشتر فاستقبل الناس مهزومين ونادى:
إليّ أيّها الناس، أنا مالك بن الحارث، أيّها الناس، أنا الأشتر، إليّ أيّها الناس!
فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة، فقال:
عضضتم بهن أمّكم! ما أقبح ما قاتلتم اليوم! يا قوم، غضّوا الأبصار وعضّوا بالنواجذ، واستقبلوا القوم بهامكم ثمّ شدّوا شدّة قوم موتورين ثاروا بآبائهم وأبنائهم وإخوانهم، حنقا على عدوّهم، قد وطّنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بثأر. إنّ هؤلاء القوم والله إن يقارعوكم إلّا عن دينكم ليطفئوا السنّة ويحيوا البدعة، ويدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة. فطيبوا عباد الله نفسا بدمائكم دون دينكم، فإنّ الفرار فيه سلب العزّ والغلبة على الفيء وذلّ المحيى والممات وعار الدنيا والآخرة.
فاجتمعت إليه مذحج، فقال: عضضتم بصمّ الجندل، ما أرضيتم ربّكم ولا نصحتم له في عدوّه، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحرب وأصحاب الغارات، وفتيان الصياح وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان، الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطلّ دماؤهم ولا يعرفو [ن] في موطن بخسف، وأنتم أجدّ أهل مصركم وأعدّ حيّ في قومكم؟ وما تفعلون في هذا اليوم فإنّه مأثور بعد اليوم فأبقوا مآثر الأحاديث في غد واصدقوا عدوّكم اللقاء، فإنّ الله مع الصادقين. والذي نفسي بيده، ما من هؤلاء- وأشار إلى أهل الشام- رجل على مثل جناح البعوضة من دين الله، لله أنتم! ما أحسنتم اليوم القراع! أجلوا سواد وجهي كي يرجع في وجهي دمي بهذا السواد الأعظم! فإنّ الله لو فضّه تبعه من بجانبيه كما يتبع السيل مقدمه.
فقالوا له: خذ بنا حيث أحببت.
فصمد بهم وأخذ يزحف ويردّهم. واستقبله الشبام [حيّ] من همدان وكانوا ثمانمائة مقاتل قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل، وقتل أحد عشر رئيسا، كلّما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر، وانصرفوا وهم يقولون:
ليت لنا عدّتنا من العرب يحالفو [ن] نا ثمّ نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتّى نقتل أو نظفر! - فمرّوا بالأشتر وهم يقولون هذا، فقال لهم: إليّ! إليّ! أنا أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدا أو نظفر أو نهلك!
وزحف نحو الميمنة وثاب إليه الناس، وكان لا يصمد لكتيبة إلّا كشفها [29 ب]، ولا لجمع إلّا ردّة. فمرّ به (1) يزيد بن قيس [الأرحبيّ] وقد صرع، فقال: هذا والله الصبر الجميل، والفعل الكريم! ألا يستحي الرجل أن [ينصرف] لم يقتل أو
(1) مرّ به محمولا بعد مصرعه: وقعة صفّين 286.
يقتل أو يشف به على القتل؟ - وجعل يضرب بسيفه ويقول: «الغمرات ثمّ ينجلينا» (1)، حتّى كشف أهل الشام وألحقهم بصفوف معاوية، وعادت ميمنة عليّ رضي الله عنه إلى مواقعها.
فلمّا قتل عمّار بن ياسر رضي الله عنه قال الأشتر [الرجز]:
نحن قتلنا حوشبا
…
لمّا غدا قد أعلما
وذا الكلاع قبله
…
ومعبدا إذ أقدما
إن تقتلوا منّا أبا ال
…
- يقظان شيخا مسلما
فقد قتلنا منكم
…
سبعين رأسا مجرما
5 أضحوا بصفّين وقد
…
لاقوا نكالا مؤثما
وقال أيضا [الطويل]:
وسار ابن حرب بالغواية يبتغي
…
قتال عليّ والجيوش مع الجفل
فسرنا إليهم جهرة في بلادهم
…
فصلنا عليهم بالسيوف وبالنبل
فأهلكهم ربّي وفرّق جمعهم
…
وكان لنا عونا وذاقوا ردى الخبل
وأقبل عمرو بن العاص في بعض أيّام صفّين في خيل، فأتى الناس الأشتر فقالوا: نريد يوما من أيّامك الأول، فأخذ لواءه ثمّ حمل وهو يقول [الرجز]:
إنّي أنا الأشتر معروف الشتر
…
إنّي أنا الأفعى العراقيّ الذكر
لست من الحيّ ربيع أو مضر
…
لكنّني من مذحج الغرّ الغرر
وأنت من حيّ قريش من نفر
…
هزل مشائيم من اولاد غدر
فضارب القوم حتى ردّهم على أعقابهم ورجعت خيل عمرو.
وقال أيضا [الرجز]:
أضربهم ولا أرى معاوية
…
الأخزر العين العظيم الحاوية
هوت به في النار أمّ هاوية
…
جاوره فيها كلاب عاوية
أغوى طغاما لا هدته هادية
وقال [الرجز]:
حرب بأسباب الردى تأجّج
…
يهلك فيها البطل المدجّج
يكفيكها همدانها ومذحج
…
قوم إذا ما جشموها أنضجوا
روحوا إلى الله ولا تعرّجوا
…
دين قويم وسبيل منهج
وبرز لعبيد الله بن عمر بن الخطّاب وهو يقول، وقد أزبد- وكان إذا أراد القتال أزبد [الرجز]:
أكلّ يوم هامتي مقيّرة
…
بالضرب أبغي ميتة مؤخّرة
والدرع خير من برود حبرة
…
يا ربّ جنّبني سبيل الكفرة
واجعل وفاتي بأكفّ الفجرة
…
لا تعدل الدنيا جميعا وبرة (2)
(1) مجمع الأمثال 2668.
(2)
تقف الترجمة هنا مع اللوحة 29 ب، كأنّ البقيّة سقطت.
فلا ذكر لتوليته مصر ولا لموته بالقلزم مسموما في طريقه إلى ولايته، وانظر الكندي 23 - 26.-