الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا ينفع مسموع
…
إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس
…
وضوء العين ممنوع
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول [الهزج]:
إذا القوت تأتّى ل
…
ك والصحّة والأمن
وأصبحت أخا حزن
…
فلا فارقك الحزن!
وممّا يرويه للشافعيّ [الوافر]:
أمتّ مطامعي فأرحت نفسي
…
فإنّ النفس ما طمعت تهون
وأحييت القنوع وكان ميتا
…
ففي إحيائه عرض مصون
إذا طمع يحلّ بقلب عبد
…
علته مهانة وعلاه هون
وقال المزنيّ: أخذ الشافعيّ بيدي ثمّ أنشدني [الطويل]:
أحبّ من الإخوان كلّ مؤات
…
وكلّ غضيض الطرف عن عثراتي
يوافقني في كلّ خير أريده
…
ويحفظني حيّا وبعد مماتي
ومن لي بهذا؟ ليت أنّي وجدته
…
فقاسمته ما لي من الحسنات [166 ب]
فأقسم بالرحمان أن لو وجدته
…
لقاسمته ما لي من الخيّرات
5 تصفّحت إخواني فكان جميعهم
…
على كثرة الإخوان غير ثقات
[سخاء الشافعيّ]:
وعن الربيع: قال لنا الشافعيّ: دهمني في هذه الأيّام أمر أمضّني وآلمني، ولم يطّلع عليه غير الله تعالى. فلمّا كان البارحة أتاني آت في منامي فقال: يا محمد بن إدريس، قل:«اللهم إنّي لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا أستطيع أن آخذ إلّا [ما] أعطيتني، ولا أتّقي إلّا ما وقيتني. اللهمّ فوفّقني لما تحبّ وترضى من القول والعمل في عافية» . فلمّا أصبحت أعدت ذلك، فلمّا ترحّل النهار أعطاني الله طلبتي وسهّل لي الخلاص ممّا كنت فيه، فعليكم بهذه الدعوات فلا تغفلوا عنها!
وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعيّ:
يا أبا موسى، قد أنست بالفقر حتى صرت لا أستوحش منه.
وقال عمرو بن سواد: كان الشافعيّ أسخى الناس بالدينار والدرهم والطعام، فقال لي:
أفلست في دهري ثلاثة إفلاسات. وكنت أمنح قليلي وكثيري حتّى حلي ابنتي وزوجتي، ولم أرهن قطّ.
وعن الربيع: قال عبد الله بن عبد الحكم للشافعيّ: إن عزمت أن تسكن البلد- يعني مصر- فليكن لك قوت سنة ومجلس من السلطان تتعزّز به.
فقال الشافعيّ: يا أبا محمد، من لم تعزّه التقوى فلا عزّ له. لقد ولدت بغزّة، وربّيت بالحجاز وما عندنا قوت ليلة، وما بتنا جياعا قطّ.
وقال المزنيّ: سمعت الشافعيّ يقول: السخاء والكرم يغطّيان عيوب الدنيا والآخرة بعد أن لا تلحقهما بدعة.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان الشافعيّ من أسخى الناس. وكنت آكل معه تمرا ملوّزا (1) من هذا الجراب. فجاء رجل فقعد وأكل،
(1) لوز التمر: حشاه بعجين اللوز.
وكان يجلس إليه. وكان الشافعيّ سخيّا، فلمّا فرغ من الأكل، قال الرجل للشافعيّ: ما تقول في آكل الفجاءة؟
فلوى عنقه وقال: هلّا كان السؤال قبل أن تأكل؟
*** وقال المزنيّ: كنت مع الشافعيّ يوما فخرجنا إلى الأكوام (1) فمرّ بهدف وإذا برجل يرمي بقوس عربيّة، فوقف عليه ينظر، وكان حسن الرمي فأصاب بأسهم، فقال له الشافعيّ: أحسنت- وبرّك عليه. ثمّ قال: أمعك شيء؟
قلت: معي ثلاثة دنانير.
فقال: أعطها إيّاه واعذرني عنده إذ لم يحضرني غيرها.
وقال الربيع: أخذ رجل بركاب الشافعيّ، فقال لي: يا ربيع، أعطه أربعة دنانير واعذرني عنده.
وفي رواية: مسك رجل للشافعيّ الركاب فقال [170 أ]: يا ربيع، أعطه خمسة دنانير، واعتذر لنا عنده. (قال الربيع: ) فأعطيته، ولو دفع إليه خمسة دراهم لكان كثيرا، ولكنّ نفس الشافعيّ واسعة.
قال: وكان الشافعيّ راكب حمار، فمرّ على سوق الحذّائين فسقط سوطه من يده، فوثب غلام من الحذّائين فأخذ السوط ومسحه بكمّه وناوله إيّاه. فقال الشافعيّ لغلامه: ادفع تلك الدنانير التي معك إلى هذا الفتى.
قال الربيع: فلست أدري كانت تسعة دنانير أو سبعة.
*** قال الربيع: تزوّجت فسألني الشافعيّ: كم أصدقتها؟
قلت: ثلاثين دينارا.
قال: وكم أعطيتها.
قلت: ستّة دنانير.
فصعد داره وأرسل إليّ بصرّة فيها أربعة وعشرون دينارا.
*** وقال الربيع: كان الشافعيّ به هذه البواسير، وكانت له لبدة محشوّة بحلبة فكان يقعد عليها.
فإذا ركب أخذت تلك اللّبدة (2) ومشيت خلف حماره. فبينا هو يمرّ إلى منزله ناوله إنسان رقعة فيها: إنّني رجل بقّال أبيع البقلة، ورأس مالي درهم، وتزوّجت امرأة وأريد أن أدخل بها، وليس لي إلّا ذلك الدرهم: تعينني بشيء.
فقال: يا ربيع، أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده!
فقلت: أصلحك الله، إنّ هذا يكفيه عشرة دراهم.
قال: ويحك يا ربيع! وما نصنع بثلاثين دينارا؟
أفي كذا أم في كذا؟ - يعدّ ما يصنع في جهازه- أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده!
*** وقال الربيع: ولدت لنا شاة في زمان ليس فيه لبأ. فأمرت بلبئها فعمل. ثم تركته حتى برد واستحكم. وصفيّته في جام ولفقته في منديل ديبقيّ وختمته، وأنفذته إلى الشافعي لأتحفه به.
فأعجبه وقبله وردّ عليّ الجام وفيه مائة دينار عينا.
(1) الكومة بالضمّ والفتح: الهضبة.
(2)
اللبدة بالضمّ والكسر: الصوف المتلبّد.
وقال محمد ابن بنت الشافعيّ: سمعت عمّي إبراهيم بن محمد يقول: باع الشافعيّ ضيعة له بعشرة آلاف درهم فصبّه [ا] على نطع يمينا، فكان من أتاه من الأشراف وأهل العلم والأدب، حثا له بكفّه حتّى بقي شيء يسير على النّطع. فأتاه أعرابيّ من بني سدوس، فقال له: يا فتى عندي لك يد، فكافئني عليها!
قال: وما تلك اليد يا عمّ؟
قال: حضرت هذا الموسم، وأنت مع عمومتك وهم يشتهون الأضحية، فضربت يدك إلى قرن شاة، فقلت:«يا عمّ، اشتر لي هذه! » فقلت:
«أحسن إلى الفتى! » فأحسن إليك بقولي.
فقال الشافعيّ: [170 ب] إنّ هذه ليد جليلة، خذ النطع وما عليه!
*** وقال الزبير بن سليمان القرشيّ عن الشافعيّ:
خرج هرثمة فأقرأني سلام أمير المؤمنين هارون وقال: قد أمر لك بخمسة آلاف دينار. (قال):
فحمل إليه المال، فدعا بحجّام فأخذ من شعره فأعطاه خمسين دينارا. ثمّ أخذ رقاعا فصرّ من تلك الدنانير صررا، ففرّقها في القرشيّين الذي هم بالحضرة ومن هم بمكّة حتّى ما رجع إلى بيته إلّا بأقلّ من مائة دينار.
*** وقال الحميديّ: قدم الشافعيّ من صنعاء إلى مكّة بعشرة آلاف دينار في منديل. فضرب خباءه في موضع خارجا من مكّة. وكان الناس يأتون فيه، فما برح حتى ذهبت كلّها، ثمّ دخل مكّة.
وعن إبراهيم بن صوّابة- وكان جليسا للشافعيّ- أنّه قال: دخلت مع الشافعيّ حمّاما، فخرجت قبله- وكان الشافعيّ طوالا جسيما نبيلا، وكان إبراهيم طوالا جسيما. فلبس إبراهيم ثياب الشافعيّ، ولبس الشافعيّ ثياب إبراهيم، والشافعيّ لا يعلم أنّها ثياب إبراهيم، وإبراهيم لا يعلم أنّها ثياب الشافعيّ. فانصرف الشافعيّ إلى منزله فنظر فإذا هي لإبراهيم، فأمر بها فطويت وبخّرت وجعلت في منديل. ونظر إبراهيم فطواها وبخّرها وجعلها في منديل. ثمّ راحا جميعا، فجعل الشافعيّ ينظر إلى إبراهيم ويبتسم إليه، وجعل إبراهيم ينظر إلى الشافعيّ ويبتسم إليه.
فلمّا صلّيا العصر قال إبراهيم؛ أصلحك الله، هذه ثيابك.
فقال الشافعيّ: وهذه ثيابك. والله لا يعود إليّ منها شيء ولا يلبسها غيرك- فأخذهما إبراهيم جميعا.
*** وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان الشافعيّ أسخى الناس بما يجد. وكان يمرّ بنا، فإن وجدني، وإلّا قال:«قولوا لمحمّد إذا جاء يأتيالمنزل، فإنّي لست أتغدّى حتى يجيء» .
فربّما جئته فإذا قعدت معه على الغداء قال: «يا جارية، اضربي لنا فالوذج [ا]! » فلا تزال المائدة بين يديه حتى تفرغ منه ونتغدّى.
وقال أبو ثور: كان الشافعيّ من أجود الناس وأسمحه [م] كفّا. كان يشتري الجارية الصّناع التي تطبخ وتعمل الحلواء ويشترط عليها هو أنّه لا يقربها لأنّه كان عليلا لا يمكنه أن يقرب النساء لباسور كان به. ويقول لنا: تشهّوا ما أحببتم فقد اشتريت جارية تحسن أن تعمل ما تريدون.
فيقول لها بعض أصحابنا: اعملي لنا اليوم كذا وكذا! - فكنّا نحن الذين نأمرها بما نريد، وهو مسرور بذلك.