الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونظرا لاتساع اللغة العربية فقد رأوا أنها المصدر لتلك اللغات، أو المؤثر والمقرض لتلك اللغات، فقد أعطت ولم تأخذ، وأثّرت ولم تتأثر، وأقرضت ولم تقترض .. إلخ.
المناقشة والرد والنقض لهذه الأدلة:
1 -
إن قضية أقدمية اللغة العربية غير مسلم بها، والنظريات في الأقدميات لم تستقر على حال، وهي أدلة ظنية، وهناك كلام طويل في لغة آدم عليه السلام، وكلام طويل في توقيفية اللغة ووضعها من البشر، والخلاف في هذه القضية طويل وعريض.
ولكن من المسلم به أن اللغات قد عايش بعضها بعضها، واحتك البشر بالبشر فجريا على سنة التأثير والتأثر، جرى الإقراض والاقتراض، واللغة العربية لم تخرج عن هذه السنة، وليست لغة بأولى من لغة في هذه السنة.
2 -
أما القول بأن اللغة العربية من أوسع اللغات فلا يحتم ذلك أن تكون دوما هي المؤثر الذي لا يتأثر، والمقرض الذي لا يقترض.
مجمل القول أن أقدمية اللغة وسعتها لا تمنعان شيئا مما قلناه، وأقصى ما يمكن قوله: إنها اللغة الأكثر تأثيرا وإقراضا، وهذا الأمر هو الصواب.
3 -
أما القول: بأن ابن عباس قد خفي عليه معنى فاطر، فلا ينهض دليلا على ما يقولون؛ لأن خفاء المعاني على العلماء لا يدلّ على سلب أو إيجاب في هذا المقام.
وبعد: فيظهر مما تقدم أن القول الراجح هو رأي الفريق الثالث، وهو قول ترجمان القرآن ابن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم:«اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ووافقه تلميذه مجاهد وعكرمة، فهم أعلم بالتأويل كما يقول أبو عبيد مخالفا شيخه أبا عبيدة.
«فهؤلاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة» (1) وقد رويت عنهم أقوال في بيان الأصل الأعجمي لبعض الألفاظ القرآنية، وهذا غير مانع من وضعها بالعربية لأن تعريب
(1) المعرب للجواليقي ص 53، والمهذب للسيوطي ص 18.
العرب لها جعلها عربية، فهي أعجمية في الابتداء، عربية في الانتهاء، وكما يقول ابن جني: فما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم.
قال ابن عطية: فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية. لكن استعملتها العرب وعربتها، فهي عربية بهذا الوجه، فقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات، وبرحلتي قريش، كسفر «مسافر ابن أبي عمرو» إلى الشام، وكسفر «عمر بن الخطاب» وكسفر «عمرو بن العاص» و «عمارة بن الوليد» إلى أرض الحبشة، وكسفر «الأعشى» إلى الحيرة، وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيّرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الصحيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحدّ نزل بها القرآن، ثم تابع ابن عطية حديثه فقال ردّا على الطبري:«وما ذهب إليه الطبري رحمه الله من أن اللغتين اتفقتا لفظة لفظة بذلك بعيد، بل إحداهما أصل والأخرى فرع، وليس بأولى من العكس .. » (1).
إن هذا القول لا يقلل من شأن عربية القرآن لا من قريب ولا من بعيد، بل يدل على مرونتها واتساعها لما هو مستحدث وجديد، وكما قيل، ولنا أن نضيف إليها كلمات لم تكن مستعملة من قبل، ولقد أضاف لها العرب في جاهليتهم وإسلامهم، وصبوا ذلك في قوالبهم، وأصبحت الألفاظ المعرّبة عربية فصيحة.
يقول السيوطي: وقد رأيت الجويني ذكر لوقوع المعرّب في القرآن فائدة أخرى فقال: إن قيل: إنّ (إستبرق) ليس بعربي، وغير العربي من الألفاظ دون العربي في الفصاحة والبلاغة، فنقول: لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظة تقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك. فمثلا كلمة (إستبرق) إن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه، لأن ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة، ولا يجد العربي لفظا واحدا يدلّ عليه، لأن الثياب من
(1) مقدمة المهذب ص 15 - 18 بتصرف، وقوع المعرب في القرآن للأستاذ محمد السيد.
الحرير عرفها العرب من الفرس، ولم يكن لهم بها عهد، ولا وضع في اللغة العربية للديباج الثخين اسم، وإنما عرّبوا ما سمعوا من العجم، واستغنوا عن الوضع؛ لقلة وجوده عندهم وندرة تلفظهم به. أما إن ذكره بلفظين فأكثر، فإنه يكون قد أخلّ بالبلاغة، لأن ذكر لفظين لمعنى يمكن ذكره بلفظ، هو تطويل، فعلم بهذا أن لفظ (إستبرق) يجب على كلّ فصيح أن يتكلم به في موضعه ولا يجد ما يقوم مقامه، وأيّ فصاحة أبلغ من ألا يوجد غيره مثله؟ (1).
ويؤكد الرافعيّ هذه الحقيقة إذ يقول: ولذا قال العلماء في تلك الألفاظ المعربة التي اختلطت بالقرآن: إن بلاغتها في نفسها أنه لا يوجد غيرها يغني عنها في مواقعها من نظم الآيات، لا إفرادا ولا تركيبا (2). وهو قول يحسن ذكره بعد الذي بيناه.
(1) المرجع السابق 231 وقارن ب: البرهان: للزركشي.
(2)
إعجاز القرآن والبلاغة العربية ص 72 - 73.