الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كيف تسربت الإسرائيليات إلى التفسير:
تناول القرآن الكريم بعض الموضوعات، كقصص الأنبياء والأمم بصورة مجملة، مقتصرا على مواضع العظة والاعتبار، دون تفصيل للجزئيات، فلا يعنى في قصة أهل الكف مثلا بأسمائهم، ولا باسم كلبهم وأنه قطمير، ولا باسم الملك الظالم في زمنهم، ولا بمكان وجودهم، ولا بهيئاتهم حين أفاقوا من سباتهم ونومهم، بعد ما يزيد على ثلاثة قرون، كل هذه الأمور وأمثالها قد نجد لها تفصيلا في التوراة والإنجيل، وهي من الأمور التي يجوز روايتها إذا كانت لا تخالف شريعتنا، فلا عجب إذا رأينا بعض الصحابة يسأل من أسلم من أهل الكتاب، من أمثال كعب الأحبار وعبد الله بن سلام وتميم الداري، وهكذا بدأ تسرّب الإسرائيليات في وقت مبكر في عهد الصحابة، ثم نشط هذا التسرب في عهد التابعين، فكانوا يسألون المتقدمين، ويسألون المسلمين من أهل الكتاب في زمنهم، من أمثال وهب بن منبه، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ولعل تفسير مقاتل بن سليمان هو من أصدق الظواهر في الاعتماد على الإسرائيليات في عهد التابعين، فمن قرأه يجد فيه العجب العجاب مما يصح روايته ومما لا يصح.
ثم ولع المتأخرون- بعد عهد التابعين- فحشوا تفاسيرهم بالإسرائيليات، بل الخرافات وأخص القصص القرآني، وما أورده من الخيالات التي لا يقرها شرع ولا عقل.
ويبدو أن هذه الظاهرة قد بدأت تخبو وتختفي من كتب التفسير المعاصرة فقد بدّد العلم كثيرا من الخيالات والأوهام، وأصبحت التفاسير نقية من شوائب الإسرائيليات، إلا في تفسير من في قلوبهم مرض وضغينة للإسلام.
حكم التفسير بالإسرائيليات
تنقسم الإسرائيليات باعتبار حكم الإسلام فيها إلى ثلاثة أقسام:
1 -
ما وافق الشرع.
2 -
ما خالف الشرع.
3 -
ما سكت عنه الشرع.
وقد ذهب إلى هذا التقسيم الحافظ ابن كثير، وبيّن الحكم الشرعي في كل نوع فقال: إن الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد وهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه فذاك المرفوض.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل. فهذا لا نؤمن به ولا نكذبه ويجوز حكايته، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.
ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب أهل الكهف، ولون كلبهم وعددهم.
وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلّم الله عنها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ودنياهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز (1). بهذا التقسيم الدقيق والتحقيق البالغ من ابن كثير، نستطيع أن نفهم الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن الإسرائيليات، فقد روى البخاري عن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (2). فهذا الحديث يتعلق بما وافق شرعنا.
أما ما روي عن عمر أنه كان يقرأ في التوراة فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فهذا محمول على ما خالف شرعنا.
أما ما سكت شرعنا عنه، فلا هو من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا» (3).
(1) تفسير ابن كثير. ج 1 ص 4.
(2)
انظر صحيح البخاري في كتاب الأنبياء ح (3461)، وقد أخرجه أحمد (2/ 159، 202 والترمذي ح (2669).
(3)
الحديث لا تصدقوا أهل الكتاب. أخرجه البخاري في كتاب التفسير ح (4485).
قال العلامة العيني في شرح الحديث: يعني إذا كان ما يخبرونكم به محتملا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه فتقعوا في الحرج.
وقد أحسن الخطابي في شرحه لهذا الحديث وللأحاديث السابقة إذ يقول:
«لم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، وهذا الحديث، أي: لا تصدقوا ولا تكذبوا
…
أصل في وجوب التوقف عما يشكّك في الأمور، فلا يقضي عليه بصحة أو بطلان، ولا بتحليل ولا تحريم، وقد أمرنا أن نؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء- عليهم السلام إلّا أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم صحيح ما يحكونه عن تلك الكتب من سقيمه، فنتوقف فلا نصدقهم، لئلا نكون شركاء معهم فيما حرفوه منه، ولا نكذبهم فلعله يكون صحيحا، فنكون منكرين لما أمرنا أن نؤمن به». وهذا النوع هو أكثر الأنواع التي رويت في التفسير كما قال ابن كثير، وقد ازداد شيئا فشيئا، بدأ من عهد الصحابة والتابعين وكان كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام من أكثر أهل زمانهم رواية لها؛ لعلمهم بالكتاب، ثم تضخمت بعدهم القصص والأخبار حتى أصبحت مصدرا من مصادر التفسير.