الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات وأسباب نزولها أنها لم تنزل دفعة واحدة، لذا حملت هذه الروايات على أن كل واحد أجاب بما عنده حسب ظنه الذي لا يوافق ظن غيره فيما قاله، أو تحمل هذه الروايات على أن هذه السور القرآنية من أواخر ما نزل ولكنها ليست الآخرية المطلقة.
وهناك روايات كثيرة في آخر ما نزل، حمل الكثير منها على أنها آخر ما نزل في موضوع معين، كآية الكلالة حملت على أنها آخر ما ورد في الميراث، وآية: .. إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ .. [المائدة: 90]. حملت على أنها آخر ما نزل في الخمر وهكذا ..
خطأ شائع في ادعاء أن آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ هي آخر ما نزل:
أفردت (1) الحديث عن هذه الآية القرآنية للخطأ الشائع الذائع عنها، فإني قد وجدت هذا الخطأ مكررا ومرددا في جميع العالم الإسلامي، خلال تدريسي في الجامعات العربية، كنت أسأل هذا السؤال كمقدمة لمحاضرتي ما آخر ما نزل من القرآن؟ فيرد الجميع: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً .. [المائدة: 3].
إنني أعزو هذه الظاهرة إلى التأليف المتعجل في مادة التربية الإسلامية ونقل الكلام على علاته. وقد كان مصدر المؤلفين جميعا كتاب تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ محمد الخضري بك، الذي لم ينقح الأقوال في هذا الموضوع.
منشأ هذه الشبهة: أشهر الكتب القديمة في علوم القرآن كتابا البرهان في علوم القرآن للزركشي والإتقان في علوم القرآن للسيوطي.
أما الزركشي فأورد الأقوال في آخر ما نزل والتي بلغ بها عشرا ولم يشر إلى آية:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أنها آخر ما نزل.
وأما السيوطي فقد عقب على الأقوال في آخر ما نزل، وقال: من المشكل على ما تقدم قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فإنها نزلت بعرفة، ثم أورد قول السدي وجماعة: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام.
(1) انفرد بهذا المطلب د/ محمد علي الحسن.
وهذا القول على الرغم مما قيل في سنده، إلّا أن ابن جرير قد استشكل عليه فهم السدي ومن وافقه من أن المقصود من إكمال الدين، في هذه الآية، أن جميع الفرائض والأحكام قد تمت قبل نزولها، مع أنه نزل بعدها آية الربا وآية الدين وهما من آيات الأحكام.
وقد دفع ابن جرير هذا الإشكال بقوله:
(والأولى أن نتأول آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً .. على أن الله أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حج المسلمون لا يخالطهم المشركون).
ثم أيده بما روي عن ابن عباس: (كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا، فلما نزلت «براءة» نفي المشركون عن البيت الحرام، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين) فمعنى الآية أن المراد بإكمال الدين إكمال سلطانه وسطوته، وإعلاء كلمته وتقوية شوكته، حيث ذل المشركون أما المسلمين، وخضعوا لقول الله تعالى في السورة نفسها «براءة»: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: 9].
فلم يجترئ أحد منهم على مخالفة هذا الحكم. هذا التأويل الذي ذهب إليه السدي، ومن وافقه، لا ينفي أن ينزل بعدها آيات في الحلال والحرام. في الوعظ والتذكير والوعد والوعيد ونحو ذلك.
وأخيرا فإن الزعم بأن هذه الآية آخر ما نزل، لم يقل به أحد من السلف فيما أعلم (1).
(1) انظر جامع البيان في تفسير هذه الآيات من سورة المائدة.