الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المنزل من القرآن أربعة أقسام، مكي ومدني وما بعضه مكي وبعضه مدني، وما ليس بمكي ولا مدني)، أي لم ينزل في مكة ولا في المدينة.
ولا يخفى عليك أن هذا التقسيم غير حاصر ولا ضابط ولا مطرد فهو مخل بالمقصود.
أما التقسيم الذي نظر فيه إلى توجيه الخطاب، فما وجّه فيه الخطاب لأهل مكة فهو مكي، وما وجّه فيه الخطاب لأهل المدينة فهو مدني، فهو أيضا غير شامل ولا حاصر لجميع الآيات القرآنية، إذ من الآيات ما لم يرد فيها خطاب لأهل مكة ولا لأهل المدينة، كالآيات التي خاطبت النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده، بل من الآيات لم يرد بها الخطاب لأحد من هؤلاء جميعا، كآيات القصص والأخبار، فماذا يمكن أن يقال عن مثل هذه الآيات؟! بل ماذا يقال عن الآيات التي نزلت بعد أن عمّ نور الإسلام المدينة ومكة معا، وأصبح الخطاب موجها للجميع دون استثناء، بل موجها لجميع الخلق بإنسها وجنّها.
ويبقى القول الأول هو الصحيح الذي لا محيص عنه لضبطه وحصره وشموله لجميع القرآن، وقد ورد النص الصريح عن الصحابة في اعتبار هذا الرأي، فقد قالوا عن سورة النصر: إنها مدنية، وقالوا عن آية المائدة السابقة الذكر: إنها مدنية كذلك، وهذا القول ينسجم والتقسيم الأول.
هذا هو الاصطلاح المعتمد عند جمهور المفسرين وبذلك وافقوا أقوال الصحابة أن سورة الفتح وآية المائدة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ مدنية كذلك لنزولهما بعد الهجرة، وإن هما نزلتا في مكة، وقالوا: إن آيات فرض الصلاة مكية، وإن نزلت في السموات لنزولها قبل الهجرة.
الطريق لمعرفة المكي والمدني:
يقول الباقلاني: (إنما يرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين إذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول لأنه لم يؤمر به)(1).
(1) الإتقان 1/ 23.
فالصحابة رضوان الله عليهم قد شاهدوا الوحي ونزوله، وقد بلّغهم النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينزل عليه من الآيات، وقد بلغونا بما بلغهم، بل أخبرونا بالمكان والزمان الذي نزلت فيه الآيات، بل بلغت بهم الدقة أن أخبرونا بما نزل منه ليلا أو نهارا، وما نزل منه في سفر أو في حضر، في سهل أو في جبل، بالصيف أو بالشتاء، وما نزل بيت المقدس والجحفة والطائف والحديبية، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
(والله الذي لا إله غيره، ما نزلت آية في كتاب الله، إلّا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت)(1).
وروي مثل ذلك عن وهب بن عبد الله بن أبي الطفيل، قال: شهدت عليا رضي الله عنه يخطب ويقول:
(سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل).
فأمر معرفة المكي والمدني سماعي عن الصحابة رضوان الله عليهم لأنهم شاهدوا الوحي ونزوله، وعرفوا مكانه وزمانه، وقولهم في ذلك له حكم المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، فإذا صح القول عن الصحابي قبل ولا يعدل عنه إلّا بدليل أقوى يقتضي هذا العدول.
وقد ألحق الباقلاني قول التابعي فجعله كقول الصحابي، لأن كبار التابعين قد شاهدوا من شاهد نزول الوحي، ونقلوا إلينا أقوالهم، فإذا ما أخبرونا بأن هذه الآية مكية قبل قولهم، وقد قبل الإمام الشافعي مراسيل كبار التابعين في الحديث، أفلا يقبل إخبارهم بمكان نزول الآيات.
سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن فقال: (نزلت في سفح ذلك الجبل)، وأشار إلى سلع، فإخبار عكرمة بذلك لا يكون إلّا إذا سمعه من الصحابة الذين عرفوا هذا المكان، فأخبروه بما رأوا وسمعوا، ولا أدل على ذلك من أن ابن مسعود رضي الله عنه على الرغم من القول الذي نقل عنه في معرفة زمان ومكان النزول، إلّا أن ما
(1) أخرجه البخاري في صحيحه. كتاب فضائل القرآن. باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح (5002).