الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مكانته العلمية:
كان ابن جرير أحد الأئمة الأعلام، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه أحد من أهل عصره، فهو حافظ لكتاب الله، عارف بمعانيه، فقيه في أحكامه، عالم بالسنن وطرقها، مميز بين الناسخ والمنسوخ منها، عارف بأقوال الصحابة والتابعين، عالم بمواضع اختلاف الأئمة من قبله، عارف بأيام الناس وأخبارهم، ومن العلوم التي قد برع فيها: علم القراءات وعلم التفسير وعلم الحديث وعلم الفقه وعلم التاريخ، فقد ألف في القراءات كتابه القراءات، وفي التفسير كتاب جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وفي التاريخ كتاب تاريخ الأمم والملوك وكتاب تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين، وفي الفقه كتاب اختلاف العلماء، وكتاب أحكام شرائع الإسلام وهذا الأخير كتاب ألف على ما أداه إليه اجتهاده. ومعظم هذه الكتب قد اختفى منذ زمن، ولم يحظ بالشهرة منها سوى كتابيه في التفسير والتاريخ.
ويعتبر ابن جرير أبا للتفسير، ويعتبر أيضا من الأئمة المجتهدين. يقول ابن خلكان: إنه كان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدا. وقد قالوا: إن له مذهبا معروفا، وإن أصحابه ينتحلون مذهبه، ويقال لهم: الجريرية. لكن هذا المذهب لم يبق إلى زماننا هذا، فقد اندثر منذ زمن. وقد كان شافعيا قبل أن ينفرد بمذهب خاصّ به، فقد قال السيوطي في طبقات المفسرين: وكان أولا شافعيا، ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلدون، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة (1). اهـ.
طريقته في التفسير:
يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، قال عنه السيوطي:«وكتابه- يعني تفسير ابن جرير- أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين» (2)،
(1) ص 3.
(2)
الإتقان 2/ 190.
وقال النووي: «أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري» (1) وتفسيره الذي بين أيدينا ما هو إلا مختصر تفسيره الأصلي على ما يبدو. قال ابن السبكي في طبقاته الكبرى: «إن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا كم يكون قدره؟
فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟
قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا الله ماتت الهمم فاختصره في نحو ما اختصر التفسير» (2) اهـ.
وكتاب ابن جرير في التفسير من أقدم التفاسير التي وصلت إلينا. وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها سوى ما وصل إلينا منها في ثنايا كتب التفاسير الأخرى ومنها تفسير ابن جرير.
وتظهر طريقة ابن جرير في تفسيره في عدة نقاط وهي:
1 -
إنكاره التفسير بمجرد الرأي.
2 -
اعتناؤه بالأسانيد.
3 -
تقديره للإجماع.
4 -
ذكره القراءات.
5 -
نقله من الإسرائيليات.
6 -
انصرافه عما لا فائدة فيه.
7 -
احتكامه إلى المعروف من كلام العرب.
8 -
رجوعه إلى الشعر القديم.
9 -
اهتمامه بالمذاهب النحوية.
10 -
معالجته للأحكام الفقهية.
11 -
خوضه في مسائل الكلام.
وسنذكر الأمثلة على طريقته في التفسير:
(1) الإتقان 2/ 190.
(2)
ج 2 ص 137.
فمثال إنكاره التفسير بالرأي قوله عند تفسير قوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: 49]. بعد ذكر أقوال السلف فيها، مع توجيهه للأقوال، وتعرضه للقراءات، فيقول ما نصه: «
…
وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله:«وفيه يعصرون» إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصرة التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي:
صاديا يستغيث غير مغاث
…
ولقد كان عصرة المنجود
أي: المقهور، ومن قول لبيد:
فبات وأسرى القوم آخر ليلهم
…
وما كان وقّافا بغير معصّر
وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (1).
أما اعتناؤه بالأسانيد فيظهر ذلك واضحا في تفسيره، لأنه يذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف، ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانا موقف الناقد البصير، فيوثق الرواة ويجرحهم، ويرد الروايات التي لا يثق بصحتها، ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف: 94] فيقول ما نصه: «روي عن عكرمة في ذلك- يعني في ضم سين (سدّا) وفتحها- ما حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال حدثنا: حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة، قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السّد يعني بفتح السين، وما كان من صنع الله فهو السّد، ثم يعقب على هذا السند فيقول: «وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه» (2) اهـ.
ومثال تقديره للإجماع تفسيره لقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: 230] فيقول ما نصه: «فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله:
(1) جامع البيان ج 12 ص 138.
(2)
جامع البيان ج 16 ص 13.
فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ؟ النكاح الذي هو جماع؟ أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟
قيل: كلاهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلا نكاح تزويج، ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها، ولم يجامعها حتى يطلقها، لم تحل للأول، لإجماع الأمة جميعا
…
» (1).
أما ذكر القراءات في تفسيره، فإنه يذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة، وكثيرا ما يردّ القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده وعند علماء القراءات حجة، والتي تقوم على أصول مضطربة، فمثلا عند قوله تعالى:
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً [الأنبياء: 81] يذكر أن عامّة قراء الأمصار قرءوا (الريح) بالنصب على أنها مفعول لسخرنا المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ (الريح) بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه.
وجدير بالذكر أن ابن جرير كان من علماء القراءات المشهورين، وله كتاب في ذلك في ثمانية عشر مجلدا ولكنه ضاع مع الزمن، ولم يصل إلينا ككثير من مؤلفاته.
وابن جرير يأتي في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، وهب بن منبه وابن جريج والسدي ويتعقبها بالنقد، لكن تفسيره ما زال بحاجة إلى النقد الفاحص الشامل احتياج كثير من كتب التفسير الأخرى إلى ذلك النقد. ويحتكم ابن جرير في مواضع كثيرة من تفسيره إلى كلام العرب وشعرهم، كتفسيره لقوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22] فيقول: «قال أبو جعفر: والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بندّ
…
فشرّكما لخيركما الفداء
يعني بقوله: لست له بند: لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرا لشيء وشبيها فهو له ند» (2).
أما اهتمام ابن جرير بالمذاهب النحوية فيظهر ذلك واضحا في تفسيره، ويذكر أقوال الكوفيين والبصريين ويوجه الأقوال ويستشهد بالنحو على ما يقول.
(1) جامع البيان ج 2 ص 290 - 291.
(2)
جامع البيان ج 1 ص 125.