الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني المطلق والمقيّد
المطلق: ما دل على فرد شائع غير مقيد لفظا بأي قيد: كتلميذ وحيوان وطائر، فإنها ألفاظ وضع كلّ منها للدلالة على فرد واحد شائع في جنسه، ولئن كانت النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فإنها في سياق الإثبات غالبا ما تدل على الإطلاق.
أما المقيّد: (فهو ما دل على فرد مقيد لفظا بقيد ما)(1) كحيوان ناطق، وتلميذ مجتهد.
متى يحمل المطلق على المقيد:
هناك حالات متفق عليها يحمل فيها المطلق على المقيد، وحالات متفق عليها على عدم حمل المطلق على المقيد، وحالات مختلف فيها.
اتفقوا على حمل المطلق على المقيد، في حالة اتحاد الموضوع والحكم معا، وخير مثال على هذه الحالة، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: واقع رجل امرأته في رمضان فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:«هل تجد رقبة؟» قال: لا، قال:
«هل تستطيع صيام شهرين؟» قال: لا، قال:«فأطعم ستين مسكينا» . رواه البخاري (2).
ورواه ثانية عن الراوي نفسه أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله، قال:«وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال:«هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال:«فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال:
لا، قال:«فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا.
قال أبو هريرة ثم جلس فأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر- والعرق: المكتل-، فقال:«تصدّق بهذا» ، قال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا؟.
(1) مسلم الثبوت 1/ 360.
(2)
صحيح البخاري. كتاب الحدود، باب من أصاب ذنبا دون الحد، ح (6821).
فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال:«اذهب فأطعمه أهلك» (1).
فهذان الحديثان موضوعهما واحد وهو الجماع المتعمد في نهار رمضان، والحكم فيهما واحد؛ إما الإعتاق، وإما الصوم ستين يوما، وإما الإطعام، وقد ذكر الحديث الأول صيام شهرين وأطلقهما من التفريق أو التتابع.
أما الحديث الثاني فقد قيد صيام الشهرين بالتتابع، لذا يحمل المطلق على المقيد، فلا يجزئ صيام الشهرين إلّا إذا كانا متتابعين، وإنما قلنا بوجوب حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، لأن العامل بالحكم المقيد هو عامل بالحكم المطلق، أما العامل بالمطلق فلا يكون عاملا بالمقيد، لذا وجب الجمع بينهما ما دام ذلك ممكنا.
أما الحالة الثانية التي اتفق الأصوليون على عدم حمل المطلق على المقيد فيها، فهي حالة اختلاف الموضوع والحكم معا، مثال هذه الحالة: قوله تعالى في كفارة اليمين في حالة عدم استطاعة الحانث في يمينه أن يطعم أو يكسو أو يعتق: .. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ .. [البقرة: 196].
فقد أطلقت الآية الصوم ولم تقيده بالتتابع، لذا يجوز التتابع والتفريق في الصيام.
أما قوله تعالى: في كفارة قتل الخطأ: .. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ .. [النساء: 92].
فقيد الصوم بالتتابع، فلا يحمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحالة لأمرين:
أولا: لاختلاف الموضوعين، إذ الآية الأولى في كفارة اليمين والثانية في كفارة قتل الخطأ.
وثانيا: لأن الحكمين مختلفان في النصين.
وهناك حالات مختلف فيها، كحالة اختلاف الموضوع أو الحكم إن وافق اتحاد أحدهما.
والخلاف طويل بين الأصوليين، يطول بنا المقام إن تحدثنا عنه.
(1) صحيح البخاري. كتاب الصوم. باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدّق عليه فليكفّر. ح (1936).