الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس أسباب نزول
لمحة تاريخية سريعة عن هذا العلم
يعتبر شيخ البخاري علي ابن المديني (1) رحمه الله أول من دون كتابا في هذا العلم، وتلاه علماء (2) آخرون لم يصلنا شيء من كتبهم، إلّا ما ذكره الواحدي والسيوطي عنهم، وبقي هذا العلم غير مدون ولا مجموع، حتى طالعنا أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (3) - المتوفى سنة 468 - بكتابه المشهور أسباب النزول، وهو خير الكتب المصنفة في هذا الفن، رغم ما فيه من إعواز وأخطاء تاريخية، وروايات ضعيفة ورد أغلبها عن طريق الكلبي، التي هي من أوهى الطرق عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهي طريق سلسلة الكذب كما يطلق عليها علماء الحديث، كما اشتمل كتابه على روايات لا تمت إلى أسباب نزول الآية بصلة. وكان المأمول من العلماء من بعده أن يجردوا كتابه من تلك الأخطاء، وأن يسدوا ما فيه من إعواز، بيد أن الذين أتوا من بعده لم يفعلوا شيئا من ذلك، فإبراهيم الجعبري (4) لم يفعل شيئا إلّا تجريد كتابه من الأسانيد التي ذكرها الواحدي، ولم يضف إلى ذلك شيئا يذكر، وقد تحدث في مقدمته قائلا:
نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال، ثم أخذ يسرد كتاب الواحدي سردا لم نحظ منه بتعليق يسير عليه.
(1) علي ابن المديني شيخ البخاري المتوفى سنة 234 هـ.
(2)
وممن ألف في ذلك أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد القرطبي المتوفى سنة 402 هـ.
(3)
هو أبو الحسن علي بن أحمد النحوي المفسر، توفي سنة 427 هـ.
(4)
هو برهان الدين إبراهيم بن عمر المتوفى سنة 732 هـ، وقد ألف في علوم القرآن «روضة الطرائف في رسم المصاحف» ، وشرح الشاطبية في القراءات في كتابه كنز المعاني.
وممن ألف في هذا العلم أبو الفرج- ابن الجوزي- المتوفى سنة 597 هـ.
وكتابه «أسباب نزول القرآن» ، ثم جاء ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ وكتب كتابه «العجاب في بيان الأسباب» (1).
ذكر السيوطي أنه مات عنه مسوّدة، وكان يذكرها كثير من العلماء في عداد المفقودات، ولكنها ظهرت أخيرا إلّا أن هذه المسوّدة ليست كاملة، فقد كتب ما يزيد على أربعمائة صفحة من القطع الكبير، ووصل في ذكر أسباب النزول إلى الآية الثامنة والسبعين من سورة النساء، أي حتى قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 78].
ومن خلال اطلاعي على المسوّدة وجدتها ليست مثل كتابه فتح الباري، بل سوّد صفحات كثيرة في أشياء لا تمت إلى سبب النزول بصلة، مثل ذكره عن كوكب الزهرة، بأن الزهرة هي امرأة جميلة، ثم حدث ما حدث إلى أن رفعت إلى السماء ..
وقد أطال في هجومه على من ضعفوا وردّوا هذه الرواية، والكلام في ذلك يطول ولا مجال لذكره.
ثم جاء السيوطي واعدا بأن يكون كتابه «لباب النقول في أسباب النزول» من خير الكتب المصنفة في هذا الشأن، وقال مادحا كتابه:«إنني ألفت فيه- أي في أسباب النزول- كتابا حافلا موجزا محررا لم يؤلف مثله في هذا النوع، سميته «لباب النقول» ، لقد أثنى على نفسه بشيء من المبالغة، في حين أن كتاب الواحدي بقي خيرا منه، وكان الأولى به أن يجمع مزاياه. ويكمل ما رآه ناقصا، ويسد ما فيه من إعواز كما قال، وهذا ما جعل محقق الكتاب- الأستاذ سيد صقر- يقول:(اللباب مصنوع من الأسباب).
وأخيرا فإن آخر كتب المتقدمين كتاب إرشاد الرحمن في أسباب النزول والمتشابه والتجويد (2) لمؤلفه عطية الله بن برهان الأجهوري المتوفى سنة 1170، وهو كتاب ما زال مخطوطا، وقد صنع مثلما صنع السيوطي، ووعد بإخراج كتاب فذّ في هذا المجال، ولكنه لم يصنع شيئا، إلا أنه جمع بين كتابي الواحدي والسيوطي وجرد أسانيدهما.
(1) مخطوط بالمدينة المنورة- جامعة الإمام محمد بن سعود- والنسخة مصورة عن نسخة مراكش.
(2)
المخطوطة موجودة في المكتبة الأزهرية وهي بحالة متوسطة.