الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والكاف في قوله تعالى: {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} . للتعليل، أي: رب ارحمهما لتربيتهما لي وجزاء على إحسانهما إليَّ في حالة الصغر، حالة الضعف والافتقار. وفي هذا اعتراف بالجميل وإعلان لسابق إحسانهما العظيم وتوسل إلى الله تعالى في قبول دعائه لهما بما قدما من عمل لأنه وعد أنَّه يجزي العاملين، وقد كانت تربيتهما لولدهما من أجل مظاهر الرحمة، وهو قد أخبر تعالى على لسان رسوله أنه يرحم الراحمين. ولا أرحم- بعده تعالى- من الوالدين.
خاتمة:
من بر الوالدين أن نتحفط من كل ما يجلب لهما سوءاً من غيرنا، فإن فاعل السبب فاعل للمسبب، ومن هذا أن لا نسبَّ الناس حتى لا يسبوا والدينا، لأنا إذا سببنا الناس فسبوهما كنا قد سببناهما، وسبهما من أكبر الكبائر. ففي الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا وسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه".
ومن برهما حفظهما بعد موتهما بالدعاء والاستغفار وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة رحمهما. فقد روى ابن ماجة وأبو داوود وابن حبان في صحيحه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي البدري
(1) 114/ 9 التوبة.
- رضي الله عنهم أجمعين- قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة (أي الدعاء) عليهما والإستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما. وفي إكرام صديقهما جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه. قال ابن دينار فقلنا له: أصلحك الله إنهم الأعراب وأنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه.
هذا وإنَّ من راض نفسه على هذه الأخلاق الكريمة والمعاملة الحسنة والأقوال الطيبة التي أمر بها مع والديه حصل له من الارتياض عليها كمال أخلاقي مع الناس أجمعين، وكان ذلك من ثمرات امتثال أمر الله وطاعة الوالدين. والله يوفقنا ويهدينا سواء السبيل. إنه المولى الكريم رب العالمين (1).
..
(1) ش ج4، م 6، ص 206 - 212 غرة ذي الحجة 1348هـ 1930م.