الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زنكي فَسَار زنكي من بَغْدَاد ورتب الْموصل وأقطع جاولي مَمْلُوك البرسقي الرحبة ثمَّ استولى زنكي على نَصِيبين وسنجار وحران وجزيرة ابْن عمر، وَتَوَلَّى شحنكية بَغْدَاد بعد مسير زنكي مُجَاهِد الدّين بهروز.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم الفرضي الْهَمدَانِي، صَاحب التَّارِيخ.
وفيهَا: توفّي ظهير الدّين إِبْرَاهِيم بن سكمان صَاحب خلاط، وَملك بعده أَخُوهُ أَحْمد وَبَقِي عشرَة أشهر وَتُوفِّي، فحكمت وَالِدَة إِبْرَاهِيم وَأحمد إينانج خاتون بنت أركماز وأقامت ابْن ابْنهَا سكمان ابْن سِتّ سِنِين كَمَا مر.
ذكر ملك زنكي حلب
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَخَمْسمِائة: كَانَت حلب للبرسقي وَبهَا وَلَده مَسْعُود فَلَمَّا قتل البرسقي اسْتخْلف مَسْعُود الْأَمِير قيماز بحلب وَسَار إِلَى الْموصل. ثمَّ اسْتخْلف على حلب قتلغ بعد قيماز فاستولى على حلب، وَبعد موت مَسْعُود على الرحبة، وأساء قتلغ بحلب السِّيرَة، وَكَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْجَبَّار بن أرتق الَّذِي كَانَ صَاحبهَا أَولا مُقيما بحلب وَاجْتمعَ أهل حلب إِلَيْهِ وملكوه الْمَدِينَة وقتلغ فِي القلعة، وَسمع الفرنج اخْتلَافهمْ فَجَاءَهُمْ جوسلين فصانعوه بِمَال فَرَحل فَأرْسل عماد الدّين زنكي صَاحب الْموصل عكسراً مَعَ الْقَائِد قراقوش إِلَى حلب وَمَعَهُ توقيع السُّلْطَان مَحْمُود بِالشَّام فَأجَاب أهل حلب إِلَيْهِ، وَتقدم عَسْكَر زنكي إِلَى سُلَيْمَان وقتلغ بِالْمَسِيرِ إِلَى زنكي فأجابا فَلَمَّا وصلا الْموصل أصلح زنكي بَين سُلَيْمَان وقتلغ وَلم يرد وَاحِدًا مِنْهُمَا إِلَى حلب، وَسَار زنكي إِلَى حلب وَملك فِي طَرِيقه منبج وبراعة وتلقاه أهل حلب وَدخل ورتب الْأُمُور، ثمَّ كحل قتلغ فَمَاتَ، وَكَانَ ملك زنكي حلب وقلعتها فِي الْمحرم مِنْهَا.
وفيهَا: سَار السُّلْطَان سنجر من خُرَاسَان إِلَى الرّيّ وَمَعَهُ دبيس بن صَدَقَة مستجيراً بِهِ، واستدعى ابْن أَخِيه السُّلْطَان مَحْمُود فَحَضَرَ إِلَيْهِ بِالريِّ، فأجلسه مَعَه على السرير وَأمره بِالْإِحْسَانِ إِلَى دبيس وَأَعَادَهُ إِلَى بِلَاده، فامتثل وَعَاد سنجر إِلَى خُرَاسَان.
وفيهَا: فِي صفر مَاتَ ظهير الدّين طغتكين صَاحب دمشق من مماليك تتش بن ألب أرسلان، كَانَ ظغتكين عَاقِلا خيرا وَملك دمشق بعده ابْنه تَاج الْمُلُوك بوري بعهده، وبوري أكبر أَوْلَاده.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا عاود دبيس الْعِصْيَان على السُّلْطَان والخليفة، وترددت الرُّسُل فَلم يحصل صلح فَسَار السُّلْطَان مَحْمُود إِلَى بَغْدَاد وجهز جَيْشًا كثيفاً فِي أَمر دبيس فَعبر دبيس الْبَريَّة بعد أَن نهب الْبَصْرَة وأموال الْخَلِيفَة وَالسُّلْطَان.
قتل الإسماعيلية وَحصر الفرنج دمشق
سَار بهْرَام الْإِسْمَاعِيلِيّ بعد قتل خَاله إِبْرَاهِيم الْأسد آبادي بِبَغْدَاد إِلَى الشَّام، ودعا
بِدِمَشْق إِلَى مذْهبه وأعانه وَزِير بوري طَاهِر بن سعد المزدغاني وَسلم إِلَى بهْرَام قلعة بانياس فَعظم بهْرَام وَملك بِالشَّام عدَّة حصون بالجبال، وَقَاتل أهل وَادي التيم فَقتل بهْرَام وَقَامَ مقَامه بقلعة بانياس رجل مِنْهُم يُسمى إِسْمَاعِيل، وَأقَام الْوَزير المزدغاني عوض بهْرَام بِدِمَشْق رجلا اسْمه أَبُو الوفا وَعظم أَبُو الوفا حَتَّى صَار الحكم لَهُ بِدِمَشْق، فكاتب الفرنج ليسلم إِلَيْهِم دمشق ويعوضوه بصور وَجعلُوا موعدهم يَوْم الْجُمُعَة ليجعل أَصْحَابه على بَاب الْجَامِع، وَعلم بوري بذلك فَقتل المزدغاني وَأمر النَّاس فثاروا بالإسماعيلية فَقتل بِدِمَشْق سِتَّة آلَاف إسماعيلي، وَوصل الفرنج إِلَى الميعاد وحصروا دمشق فَلم يظفروا بِشَيْء، وَاشْتَدَّ الشتَاء فرحلوا كالمنهزمين وتبعهم بوري بالعسكر فَقتلُوا عدَّة كَثِيرَة، وَسلم إِسْمَاعِيل الباطني قلعة بانياس إِلَى الفرنج وَصَارَ مَعَهم.
وفيهَا: ملك زنكي حماة فَإِن سونج بن بوري كَانَ نَائِب أَبِيه بحماة وَكَانَ قد سَار زنكي من الْموصل إِلَى الشَّام، وَعبر الْفُرَات واستنجد ببوري على الفرنج فَأمر بوري سونج بِالْمَسِيرِ من حماة إِلَى زنكي فغدر زنكي بسونج وارتكب أمرا شنيعاً من الْقَبْض عَلَيْهِ، وَنهب عسكره وخيامه، واعتقله فِي جمَاعَة من مقدمي عسكره بحلب، وَسَار من وقته فَملك حماة لخلوها من الْجند.
ثمَّ حاصر حمص مُدَّة وَكَانَ قد غدر أَيْضا بصاحبها قرجان بن قراجة وَقبض عَلَيْهِ وأحضره صحبته إِلَى حمص، وَأمره أَن يَأْمر ابْنه وَعَسْكَره بِتَسْلِيم حمص فَأَمرهمْ فَلم يلتفتوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا يأس زنكي مِنْهَا عَاد إِلَى الْموصل بسونج وأمراء دمشق واستمرهم معتقلين وبذل لَهُ بوري أَمْوَالًا فِي ابْنه سونج فَلم يتَّفق حَال.
وفيهَا ملك الفرنج: القدموس.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْفَتْح أسعد بن أبي نصر الشَّافِعِي مدرس النظامية، وطريقته مَشْهُورَة فِي الْخلاف، وَكَانَ لَهُ قبُول عَظِيم عِنْد الْخَلِيفَة وَالنَّاس.
وفيهَا: توفّي الشريف حَمْزَة بن هبة الله بن مُحَمَّد الْعلوِي الْحُسَيْنِي النَّيْسَابُورِي سمع الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ جمع بَين شرف النَّفس وَالنّسب وَالتَّقوى، وَكَانَ زيدي الْمَذْهَب، ومولده سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا اشْتَدَّ ضَرَر الفرنج بحصن الأثارب على الْمُسلمين حَتَّى قاسموا أهل حلب على أَعمالهَا الغربية حَتَّى طاحون الغربية، فَسَار عماد الدّين زنكي من الْموصل ونازله، وَجمع الفرنج وقصدوه، فَترك الْحصار وَقَاتلهمْ أَشد قتال، فَانْهَزَمَ الفرنج وَأسر كثير من فرسانهم وَقتل كثيرا، ثمَّ عَاد زنكي فَأخذ الأثارب عنْوَة وَقتل وَأسر كل من فِيهِ، وَجعل الْحصن دكاً إِلَى الْآن.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة (توفّي الْآمِر) بِأَحْكَام الله مَنْصُور بن المستعلي بن الْمُسْتَنْصر الْعلوِي صَاحب مصر وثب عَلَيْهِ فِي المنتزه الباطنية فَقَتَلُوهُ وولايته تسع وَعِشْرُونَ سنة
وَخَمْسَة أشهر وَخَمْسَة عشر يَوْمًا، وعمره أَربع وَثَلَاثُونَ سنة، وَهُوَ الْعَاشِر من ولد الْمهْدي، وَهُوَ الْعَاشِر من الْخُلَفَاء العلويين، وَلما قتل لم يكن لَهُ ولد فولي ابْن عَمه الْحَافِظ عبد الْمجِيد بن أبي الْقَاسِم بن الْمُسْتَنْصر صُورَة نَائِب عَسى أَن يظْهر للْآمِر حمل واستوزر أَبَا عَليّ أَحْمد بن الْأَفْضَل بن بدر الجمالي فتغلب على الْحَافِظ وَنقل مَا بِالْقصرِ إِلَى دَاره وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى أَن قتل أَبُو عَليّ كَمَا سَيَأْتِي.
وفيهَا: كَانَ الرصد بِالدَّار السُّلْطَانِيَّة شَرْقي بَغْدَاد، تولاه البديع الأسطرلابي وَلم يتم.
وفيهَا: ملك السُّلْطَان مَسْعُود قلعة ألموت.
وفيهَا توفّي إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان بن مُحَمَّد الْغَزِّي، وَدفن ببلخ، وَهُوَ من غَزَّة، ومولده سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَهُوَ من الشُّعَرَاء المجيدين، لَهُ قصيدة فِي مدح التّرْك مِنْهَا:
(أمط عَن الدُّرَر الزهر اليواقيتا
…
وَاجعَل لحج تلاقينا مواقيتا)
(فِي فتية من جيوش التّرْك مَا تركت
…
للرعد كراتهم صَوتا وَلَا صيتًا)
(قوم إِذا قوبلوا كَانُوا مَلَائِكَة
…
حسنا وَإِن قوتلوا كَانُوا عفاريتا)
ثمَّ ترك الشّعْر وَقَالَ:
(قَالُوا هجرت الشّعْر قلت ضَرُورَة
…
بَاب البواعث والدواعي مغلق)
(خلت الْبِلَاد فَلَا كريم يرتجى
…
مِنْهُ النوال وَلَا مليح يعشق)
(وَمن الْعَجَائِب أَنه لَا يَشْتَرِي
…
ويخان فِيهِ مَعَ الكساد وَيسْرق)
قلت: وَله وَقد كبر وَضعف:
(طول حَيَاة مَا لَهَا طائل
…
نغض عِنْدِي كل مَا يشتهى)
(أَصبَحت مثل الطِّفْل فِي ضعفه
…
تناسب المبدأ والمنتهى)
وَللَّه قَوْله:
(خُذ مَا صفا لَك فالحياة غرور
…
والدهر يعدل تَارَة ويجور)
(هُوَ مذنب وعلاك من حَسَنَاته
…
كالنار محرقة وفيهَا النُّور)
(بَادر فَإِن الْوَقْت سيف قَاطع
…
والعمر جَيش والشباب أَمِير)
وَقَوله:
(قَالُوا نزلت فَقلت الدَّهْر أقسم بِي
…
لَا وَجه للرفع فِي الْمَجْرُور بالقسم)
وَقَوله:
(أما الخيال فَمَا قبلت مِنْهُ فَمَا
…
بل كَانَ حظي من إلمامه ألما)
(وافى عبوساً فَمَا استوفيت رُؤْيَته
…
باللحظ حَتَّى تلاه الْفجْر مُبْتَسِمًا)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة " أسر دبيس بن صَدَقَة ": سَببه مسيره من
الْعرَاق إِلَى صرخد فَإِن صَاحب صرخد الحصني توفّي، فاستولت سريته إِلَى قلعتها بِمَا فِيهَا، واستدعت دبيساً للتزوج بِهِ اسْتِدَامَة للجاه، فضل الدَّلِيل بدبيس فَنزل بناس من كلب شَرْقي الغوطة، فَحَمَلُوهُ إِلَى بوري صَاحب دمشق فِي شعْبَان مِنْهَا فحبسه بوري، وَبلغ ذَلِك زنكي فَأرْسل يَطْلُبهُ مِنْهُ وَيُطلق عوضه ابْنه سونج وَأَصْحَابه حَسْبَمَا مر، فَأَجَابَهُ بوري إِلَى ذَلِك وَأطلق زنكي الْمَذْكُورين وتسلم دبيساً، فأيقن دبيس بِالْهَلَاكِ لِكَثْرَة مَا وَقع مِنْهُ فِي حق زنكي، فعامله زنكي بِخِلَاف ظَنّه، وأكرمه وَحمل إِلَيْهِ الْأَمْوَال وَالسِّلَاح وَالدَّوَاب، وَقدمه على نَفسه، وَبعث المسترشد الْخَلِيفَة يطْلب مِنْهُ دبيساً مَعَ سديد الدولة بن الْأَنْبَارِي وَأبي بكر بن بشر الْجَزرِي، فَأَمْسَكَهُمَا زنكي وأوقع بِابْن بشر مَكْرُوها، ثمَّ شفع المسترشد فِي ابْن الْأَنْبَارِي فَأَطْلقهُ، وَاسْتمرّ دبيس عِنْد زنكي، وَسَيَأْتِي بَاقِي خَبره.
وفيهَا: فِي شَوَّال (توفّي السُّلْطَان مَحْمُود) بن مُحَمَّد بن ملك شاه ابْن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق بهمدان، وعمره نَحْو سبع وَعشْرين سنة، وَكسر، فاجلس وزيره أَبُو الْقَاسِم النساباذي ابْنه دَاوُد بن مَحْمُود فِي السلطنة وَصَارَ أتابكه أقسنقر الأحمديلي، وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلا.
وفيهَا: وَثَبت الباطنية على تَاج الْمُلُوك بوري بن طغتكين صَاحب دمشق فجرحوه جرحين برأَ أَحدهمَا وتنسر الآخر فأضعفه.
وفيهَا: توفّي حَمَّاد بن مُسلم الرحي الدباس الزَّاهِد الْمَشْهُور لَهُ كرامات وَسمع الحَدِيث، وَله تلاميذ كَثِيرُونَ وَلَا مبالاة بثلب أبي الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ لَهُ.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا قتل أَبُو عَليّ بن الْأَفْضَل الجمالي وَزِير الْحَافِظ الْعلوِي كَانَ قد حجر على الْحَافِظ حَتَّى خطب لنَفسِهِ خَاصَّة، وَقطع من الْأَذَان حَيّ على خير الْعَمَل فنفرت الشِّيعَة مِنْهُ وقتلته المماليك فِي لعب الكرة، ونهبت دَاره، وَخرج الْحَافِظ من الاعتقال وَنقل مَا فِي دَار أبي عَليّ إِلَى الْقصر، وبويع الْحَافِظ يَوْم قَتله واستوزر أَبَا الْفَتْح يانس الحافظي، وَمَات يانس بعد قَلِيل فاستوزر ابْن الْحسن نَفسه وخطب لَهُ بِولَايَة الْعَهْد.
ثمَّ قتل الْحسن سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة فَإِنَّهُ تغلب على الْأَمر، وصادر النَّاس، فسمه أَبوهُ، واستوزر بهْرَام النَّصْرَانِي فتحكم وَاسْتعْمل الأرمن على النَّاس وَسَيَأْتِي.
وفيهَا: طلب مَسْعُود أَخذ السلطنة من ابْن أَخِيه دَاوُد بن مَحْمُود، وَكَذَلِكَ طلب سلجوق بن مُحَمَّد صَاحب فَارس السلطنة، وَقدم سلجوق بَغْدَاد وَاتفقَ مَعَ الْخَلِيفَة، واستنجد مَسْعُود بزنكي فَسَار إِلَى بَغْدَاد لقِتَال الْخَلِيفَة وسلجوق، فقاتله قراجة أتابك سلجوق، فَانْهَزَمَ زنكي إِلَى تكريت وَكَانَ الدزدار بهَا نجم الدّين أَيُّوب فَأَقَامَ لَهُ المعابر فَعبر عماد الدّين زنكي وَسَار إِلَى بِلَاده وَهَذَا سَبَب اتِّصَال نجم الدّين أَيُّوب بزنكي، ثمَّ وَقع الِاتِّفَاق على أَن السلطنة لمسعود وَولَايَة الْعَهْد السلجوق وعادوا إِلَى بَغْدَاد وَنزل مَسْعُود بدار
السُّلْطَان وسلجوق بدارالشحنكية، وَكَانَ اجْتِمَاعهم فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا ثمَّ أقبل سنجر من خُرَاسَان وَمَعَهُ طغرل بك ابْن أَخِيه السُّلْطَان مُحَمَّد لأخذ السلطنة من مَسْعُود، وَجرى المصاف بَينه وَبَين مَسْعُود وسلجوق، فَانْهَزَمَ مَسْعُود، ثمَّ أَمن سنجر مسعوداً فَحَضَرَ عِنْده وَقَبله وعاتبه وَأَعَادَهُ إِلَى كنجة، وأجلس الْملك طغرل بك فِي السلطنة، وخطب لَهُ ثمَّ عَاد سنجر إِلَى خُرَاسَان.
وفيهَا: سَار زنكي وَمَعَهُ دبيس بن صَدَقَة فقاتل الْخَلِيفَة بحصن البرامكة فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب فَهزمَ زنكي ميمنة الْخَلِيفَة وَحمل الْخَلِيفَة بِنَفسِهِ وَبَقِيَّة الْعَسْكَر فَانْهَزَمَ دبيس ثمَّ زنكي.
وفيهَا: توفّي تَاج الْمُلُوك بوري بِسَبَب جرح الباطنية حَسْبَمَا مر فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من رَجَب، وإمارته أَربع سِنِين وَكسر، ووصى بِالْملكِ لِابْنِهِ شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل، ووصى ببعلبك وأعمالها لوَلَده شمس الدولة مُحَمَّد، ثمَّ استولى مُحَمَّد على حصني الرَّأْس واللبوة فكاتب إِسْمَاعِيل أَخَاهُ مُحَمَّدًا فِي إعادتهما فَأبى فافتتحهما إِسْمَاعِيل وقررهما وَحصر أَخَاهُ ببعلبك وَملك الْمَدِينَة وَحصر القلعة فَسَأَلَهُ مُحَمَّد الصفح فَأَجَابَهُ وَأبقى عَلَيْهِ بعلبك وَعَاد إِلَى دمشق.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا سَار شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل بن بوري فِي غَفلَة، وَفتح مَدِينَة بانياس بِالسَّيْفِ، ثمَّ قلعتها بالأمان من أَيدي الفرنج.
وفيهَا: جرى بَين مَسْعُود وَمَعَهُ ابْن أَخِيه دَاوُد وَبَين أَخِيه طغرل بك قتالاً شَدِيدا انهزم فِيهِ طغرل بك وَاسْتولى مَسْعُود على الباطنية وطرد طغرل بك حَتَّى إِلَى الرّيّ فاقتتلا ثَانِيًا فَانْهَزَمَ طغرل بك أَيْضا وَأسر جمَاعَة من أمرائه.
وفيهَا: حصر الْخَلِيفَة المسترشد الْموصل ثَلَاثَة أشهر، وَكَانَ زنكي قد خرج مِنْهَا إِلَى سنجار، ثمَّ عَاد الْخَلِيفَة وَلم يظفر بهَا.
وفيهَا: حاصر إِسْمَاعِيل بن بوري حماه وَهِي لزنكي من حِين غدر بسونج، وَقَاتل من بهَا يَوْم عيد الْفطر وَعَاد لم يملكهَا، ثمَّ بكر وزحف من جنباتها فملكها عنْوَة وَأمن أَهلهَا وَحصر القلعة وَلم تكن حَصِينَة لِأَن تَقِيّ الدّين عمر ابْن أخي النَّاصِر صَلَاح الدّين قطع جبلها فِيمَا بعد، وعملها على هيئتها الْآن، فعجز النَّائِب عَن حفظهَا فسلمها إِلَى إِسْمَاعِيل وَمَا بهَا من ذخائر فِي شَوَّال مِنْهَا، ثمَّ حاصر قلعة شيزر فصانعه صَاحبهَا بِمَال فَعَاد عَنْهَا.
وفيهَا: اجْتمع التركمان إِلَى نَحْو طرابلس فَخرج فرنجها واقتتلوا فَانْهَزَمَ الفرنج وَسَار القومص صَاحب طرابلس وَمن مَعَه وانحصروا فِي حصن بعرين، وحصرهم التركمان فِيهِ، ثمَّ هرب القومص من الْحصن فِي عشْرين فَارِسًا وَجمع الفرنج وقصدوا التركمان فَعَادَت التركمان عَنْهُم.
وفيهَا: اشترت الإسماعيلية حصن القدموس من صَاحبه ابْن عمرون.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر وثب على شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل بعض مماليك جده طغتكين بِسيف فَلم يعْمل فِيهِ وقبضوا الواثب فَقَالَ: أردْت إراحة الْمُسلمين من ظلمك، وَأقر من الضَّرْب على جمَاعَة فَقَتلهُمْ من غير تَحْقِيق وَقتل مَعَ ذَلِك الشَّخْص أَخَاهُ سونج بن بوري، فنفرت الْقُلُوب من إِسْمَاعِيل بقتل أَخِيه.
وفيهَا: توفّي عَليّ بن يعلى بن عوض الْهَرَوِيّ الْوَاعِظ أَكثر من سَماع الحَدِيث، وَله ذكر بخراسان.
وفيهَا: توفّي أَبُو فليتة أَمِير مَكَّة فوليها أَبُو الْقَاسِم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الْمحرم سَار شمس الْمُلُوك صَاحب دمشق وتغلب على حصن الشقيف وَأَخذه من الضَّحَّاك بن جندل رَئِيس وَادي التيم فَعظم على الفرنج وَرفعت الْهُدْنَة بَينهم وَبَين شمس الْمُلُوك.
وفيهَا: استولى عماد الدّين زنكي على قلاع الأكراد الحميدية مِنْهَا الْعقر وشوش، ثمَّ على قلاع الهكارية وكواشي.
وفيهَا: أوقع ابْن الدانشمند صَاحب ملطية بفرنج الشَّام فَقتل مِنْهُم كثيرا.
وفيهَا: اصْطلحَ الْخَلِيفَة وعماد الدّين زنكي.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الْمحرم مَاتَ السُّلْطَان طغرل بك بن السُّلْطَان مُحَمَّد بعد هزيمته من أَخِيه مَسْعُود، وَقد استولى على بِلَاد الْجَبَل ومولده سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة فِي الْمحرم.
وَكَانَ خيرا عَاقِلا وَبلغ أَخَاهُ ذَلِك فَسَار نَحْو هَمدَان وَأَقْبَلت العساكر إِلَيْهِ فاستولى على هَمدَان وأطاعته الْبِلَاد جَمِيعًا.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر قتل شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل صَاحب دمشق، ومولده سنة سِتّ وَخَمْسمِائة. وَقيل: كرهت أمة ظلمه الرّعية فَوَافَقت على قَتله، وَقيل: اتهمت بشخص من أَصْحَاب أَبِيه اسْمه يُوسُف بن فَيْرُوز فخافته فسر قَتله النَّاس، وَملك بعده أَخُوهُ شهَاب الدّين مَحْمُود بن بوري، وَحلف لَهُ النَّاس.
وفيهَا: بعد قتل شمس الْمُلُوك حاصر زنكي دمشق فَلم يجد فِيهَا مطعماً فَعَاد إِلَى بِلَاده.
وفيهَا: كَانَت الْحَرْب بَين الْخَلِيفَة المسترشد وَبَين السُّلْطَان مَسْعُود فِي عَاشر رَمَضَان فَصَارَ غَالب عَسْكَر الْخَلِيفَة مَعَ مَسْعُود وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَأسر الْخَلِيفَة وَسَار مَسْعُود من هَمدَان إِلَى مراغة فِي شَوَّال لقِتَال ابْن أَخِيه دَاوُد بن مَحْمُود وَأنزل الْخَلِيفَة فِي خيمة مُنْفَرِدَة، وَاتفقَ وُصُول السُّلْطَان سنجر فَركب مَسْعُود والعساكر لتلقيه فَوَثَبت الباطنية على المسترشد فِي الْخَيْمَة فَقَتَلُوهُ ومثلوا بِهِ وجدعوا أَنفه وَأُذُنَيْهِ فِي يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر ذِي الْقعدَة وعمره