المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر مسير سليمان شاه إلى همدان وقتله - تاريخ ابن الوردي - جـ ٢

[ابن الوردي الجد، زين الدين]

فهرس الكتاب

- ‌(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)

- ‌(ذكر وُصُول ملكشاه إِلَى حلب)

- ‌ملك يُوسُف بن تاشفين غرناطة وانقراض دولة الصناهجة

- ‌ذكر ملك كربوغا الْموصل

- ‌ذكر ملك الفرنج بَيت الْمُقَدّس

- ‌ وَله كتاب تَقْوِيم الْأَبدَان وَغَيره، ووقف كتبه وَجعلهَا فِي مشْهد أبي حنيفَة

- ‌فِيهَا استولى سقمان القطبي التركي وَيُسمى سكمان على خلاط كَانَ مَمْلُوكا لإسماعيل صَاحب مَدِينَة مرند من أذربيجان، ولقب إِسْمَاعِيل قطب الدّين وَكَانَ من بنير سلجوق، وَلذَلِك قيل لسكمان القطبي، وَنَشَأ سكمان شهماً كَافِيا، وَكَانَت خلاط لبني مَرْوَان وظلموا واشتهر عدل

- ‌كَانَ القَاضِي أَبُو عبيد الله بن مَنْصُور عرف بِابْن صليحة قد استولى على جبلة وحاصره الفرنج فَأرْسل إِلَى طغتكين أتابك دقاق صَاحب دمشق يطْلب مِنْهُ من يتسلم مِنْهُ جبلة ويحفظها، فَأرْسل إِلَيْهَا طغتكين ابْنه تَاج الْملك بورى فتسلمها وأساء السِّيرَة، فكاتب أَهلهَا أَبَا عَليّ بن

- ‌أول عظمهم بعد السُّلْطَان ملكشاه، وملكوا قلاعاً مِنْهَا قلعة أَصْبَهَان مستجدة بناها ملكشاه، وَسبب بنائها أَن كَلْبا هرب مِنْهُ فِي الصَّيْد وَمَعَهُ رَسُول الرّوم فَصَعدَ الْكَلْب إِلَى

- ‌حَال طرابلس مَعَ الفرنج

- ‌ابْتِدَاء أَمر مُحَمَّد بن يومرت وَملك عبد الْمُؤمن

- ‌ بِخُرُوجِهِ، فاستفحل أمره وَقَامَ عبد الْمُؤمن بن عَليّ فِي عشرَة أنفس وَقَالُوا لَهُ: أَنْت الْمهْدي وَبَايَعُوهُ على ذَلِك، وتبعهم غَيرهم فَأرْسل ابْن تاشفين إِلَيْهِ جَيْشًا فَهَزَمَهُمْ فَأَقْبَلت الْقَبَائِل تبايعه، وَعظم أمره واستوطن جبلا عِنْد سمليك وَرَأى فِي جموعه قوما خافهم فَقَالَ: إِن

- ‌ذكر ملك زنكي حلب

- ‌قتل الإسماعيلية وَحصر الفرنج دمشق

- ‌خلع الراشد وَولَايَة المقتفي

- ‌فعل ملك الرّوم بِالشَّام

- ‌مقتل الراشد

- ‌ والقضيب أخذا من المسترشد وأعيدا إِلَى المقتفي.وفيهَا: ملك الإسماعيلية حصن مصياث بِالشَّام، تسلقوا على وَالِي بني منقذ وقتلوه وملكوه.وفيهَا: توفّي الْفَتْح بن مُحَمَّد بن عبيد الله بن خاقَان قَتِيلا فِي فندق بمراكش، فَاضل فِي الْأَدَب، لَهُ قلائد العقبان

- ‌ظُهُور الْمُلُوك الغورية وانقراض دولة آل سبكتكين

- ‌أَخْبَار بني منقذ والزلازل

- ‌ذكر فتح المهدية

- ‌ذكر مسير سُلَيْمَان شاه إِلَى هَمدَان وَقَتله

- ‌ نَحْو خَمْسَة عشر ذِرَاعا.وجمال الدّين هَذَا هُوَ الَّذِي جدد مَسْجِد الْخيف بمنى، وَبنى الْحجر بِجَانِب الْكَعْبَة وزخرف الْكَعْبَة وبذل جملَة طائلة لصَاحب مَكَّة وللمقتفي حَتَّى مكنه من ذَلِك، وَبنى الْمَسْجِد الَّذِي على عَرَفَات وَعمل الدرج إِلَيْهِ وَعمل بِعَرَفَات مصانع المَاء، وَبنى سوراً

- ‌ذكر ملك شيركوه مصر، وَقتل شاور وبتداء الدولة الأيوبية

- ‌شيركوه وَأَيوب

- ‌ذكر الْخطْبَة العباسية بِمصْر وانقراض الدولة العلوية

- ‌ملك توران شاه الْيمن

- ‌ملك صَلَاح الدّين دمشق وحمص وحماه

- ‌وقْعَة حطين

- ‌ وَحضر مَعَه فتوحاته، وَكَانَ يرجع إِلَى قَوْله تبركاُ بِصُحْبَتِهِ، وَدخل السُّلْطَان دمشق فِي رَمَضَان الْمُعظم، فأشير عَلَيْهِ بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا، فَقَالَ: إِن الْعُمر قصير، وَالْأَجَل غير مَأْمُون، وَكَانَ لما سَار إِلَى الشمَال قد ترك على الكرك وَغَيرهَا من يحصرها وَأَخُوهُ

- ‌حِصَار عكا

- ‌ذكر اسْتِيلَاء الفرنج على عكا

- ‌وَفَاة الْملك المظفر

- ‌عقد الْهُدْنَة مَعَ الفرنج

- ‌قتل طغرل بك وَملك خوارزم شاه الرّيّ

- ‌انتزاع دمشق من الْأَفْضَل

- ‌ رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول، أَيهَا النَّاس: إِنَّا لَا نقُول إِلَّا مَا صَحَّ عندنَا عَن رَسُول الله

- ‌ وَبكى وَبكى الكرامية، فثار النَّاس

- ‌ أَبُو بكر أَو عَليّ رضي الله عنهما؟ فَقَالَ: أفضلهما من كَانَت ابْنَته تَحْتَهُ فأرضى الطَّائِفَتَيْنِ وينتسب إِلَى مشرعة الْجَوْز من محَال بَغْدَاد وَالله أعلم.ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا خرب الظَّاهِر قلعة منبج خوفًا من انتزاعها مِنْهُ، وأقطعها عماد الدّين

- ‌الْحَوَادِث بِالْيمن

- ‌ذكر قتل شهَاب الدّين ملك الغورية

- ‌ذكر قصد ملك الرّوم حلب

- ‌ذكر وَفَاة الْملك الْعَادِل

- ‌ذكر اسْتِيلَاء الْملك النَّاصِر على حماه

- ‌اسْتِيلَاء الْملك المظفر غَازِي بن الْعَادِل على خلاط وميافارقين

- ‌مسير التتر إِلَى خوارزم شاه وهزيمته وَمَوته

- ‌عود دمياط إِلَى الْمُسلمين

- ‌حَادِثَة غَرِيبَة

- ‌عصيان المظفر غَازِي بن الْعَادِل على أَخِيه الْأَشْرَف

- ‌وَفَاة ملك الْمغرب وَمَا كَانَ بعده

- ‌ذكر ملك المظفر مَحْمُود بن الْمَنْصُور مُحَمَّد لحماه

- ‌كسرة جلال الدّين

- ‌تَلْخِيص من تَارِيخ جلال الدّين

- ‌اسْتِيلَاء الْعَزِيز بن الظَّاهِر على شيزر

- ‌ وَينْفق عَلَيْهِ الْأَمْوَال الجليلة.ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: فِيهَا فِي الْمحرم توفّي شهَاب الدّين طغرل بك الأتابك بحلب.قلت: وَله أوقاف مبرورة وواقعته مَعَ الشَّيْخ نَبهَان بن غيار الحبريني العَبْد الصَّالح مَشْهُورَة، وَالله أعلم

- ‌ تصدق رجل من ديناره من درهمه من صَاع بره من صَاع تمره.وروى أَبُو زيد: أكلت خَبرا لَحْمًا تَمرا.قَالَ الشَّاعِر:(كَيفَ أَصبَحت كَيفَ أمسيت مِمَّا…يغْرس الود فِي فؤاد الْكَرِيم)وَأما بَيت أبي الطّيب فمصطبر ومقتحم مجروران قيل بِمن الْمقدرَة وَهُوَ بعيد

- ‌اسْتِيلَاء النَّاصِر صَاحب حلب على دمشق

- ‌ تعلق فِي أَسْتَار الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَقَالَ: اشْهَدُوا أَن هَذَا مقَامي من رَسُول الله

- ‌ وَكَانَت تضيء بِاللَّيْلِ من مَسَافَة بعيدَة جدا. ولعلها النَّار الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله

- ‌ فمما نظم المشد سيف الدّين عمر بن قزل يُخَاطب بِهِ النَّبِي

- ‌ وَقع مِنْهُم فِي بعض اللَّيَالِي تَفْرِيط، فاشتعلت النَّار فِي الْمَسْجِد الشريف، واحترقت سقوفه وتألم النَّاس لذَلِك.قلت: وَكَانَ أصل هَذَا الْحَرِيق من مسرجة قيم، وَقلت فِي ذَلِك:(وَالنَّار أَيْضا من جنود نَبينَا…لم تأت إِلَّا بِالَّذِي يخْتَار)(متغلبون يزخرفون بسحتهم

- ‌ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة: فِيهَا قصد هولاكو ملك التتر بَغْدَاد، وملكها فِي الْعشْرين من الْمحرم، وَقتل الْخَلِيفَة المستعصم بِاللَّه وَسَببه أَن وَزِير الْخَلِيفَة مؤيد الدّين بن العلقمي، كَانَ رَافِضِيًّا وَأهل الكرخ روافض فَافْتتنَ السّنيَّة والشيعة بِبَغْدَاد كعادتهم فَأمر

- ‌قصد هولاكو الشَّام

- ‌سلطنة الْحلَبِي بِدِمَشْق

- ‌قبض الْملك السعيد وعود التتر

- ‌ ففرغ فِي أَربع سِنِين وَالله أعلم.وفيهَا: فِي تَاسِع عشر ربيع الآخر هلك هولاكو بن طلو بن جنكيزخان وَترك خَمْسَة عشر ابْنا.وَملك بعده ابْنه أبغاً الْبِلَاد الَّتِي كَانَت بيد أَبِيه وَهِي أقليم خُرَاسَان وكرسيه نيسابور وإقليم عراق الْعَجم وتعرف بِبِلَاد الْجَبَل وكرسيه

- ‌ وأماننا لأخينا السُّلْطَان الْملك المظفر شمس الدّين يُوسُف بن عمر صَاحب الْيمن إننا رَاعُونَ لَهُ ولأولاده، مسالمون من سالمهم، معادون من عاداهم وَنَحْو ذَلِك، وَأرْسل إِلَيْهِ هَدِيَّة من أسلاب التتر وخيلهم.وفيهَا: مَاتَ منكوتمر بن هولاكو بن طلو بن جنكيزخان بِجَزِيرَة

- ‌فتح حموص وَغَيرهَا

- ‌ذكر المتجددات بعد الكسرة

- ‌قدوم قبجق إِلَى حماه

- ‌ثمَّ دخلت سنة خمس وَسَبْعمائة: فِي الْمحرم مِنْهَا أرسل قرا سنقر نَائِب حلب مَعَ مَمْلُوكه قشتمر عسكراً إِلَى سيس.وَكَانَ قشتمر ضَعِيف الْعقل مشتغلاً بِالْخمرِ فاستهان بالعدو فَجمع صَاحب سيس سنباط من الأرمن والفرنج والتتر ووصلوا إِلَى غَزَّة وقاتلوهم قرب إِيَاس فَانْهَزَمَ

- ‌ ألْقى الله فِي قُلُوبهم الرعب وَهَزَمَهُمْ.قلت:(مَا ذكرُوا الْمُصْطَفى بِسوء…إِلَّا وسيق البلا إِلَيْهِم)(فحبه رَحْمَة علينا…وسبه نقمة عَلَيْهِم)وقاسى الْعَسْكَر فِي هدم الأبراج مشقة فَإِنَّهَا كَانَت مكلبة بحديد ورصاص وَعرض السُّور ذِرَاعا بالنجاري، ونقبت

- ‌ أشعاراً، وَمَا أرق قَوْله:(لَا تسْأَل يَا حبيب قلبِي…مَا تمّ عَليّ فِي هواكا)(الْعرض فقد صلوت عَنهُ…وَالنَّفس جَعلتهَا فداكا)وَقَوله دو بَيت:(يَا عصر شَبَابِي المفدي أَرَأَيْت…مَا أسْرع مَا بَعدت عني ونأيت)(قد كنت مساعدي على كَيْت وَكَيْت…وَالْيَوْم

- ‌ فجَاء نقيب الحكم بدر الدّين مُحَمَّد بن نجم الدّين إِسْحَاق وأزاح الْعَقْرَب عَن كم النَّبِي

- ‌ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَعَ اعترافه بِأَن الزِّيَارَة بِلَا شدّ رَحل قربَة فشنعوا عَلَيْهِ بهَا، وَكتب فِيهَا جمَاعَة بِأَنَّهُ يلْزم من مَنعه شَائِبَة تنقيص للنبوة فيكفر بذلك.وَأفْتى عدَّة بِأَنَّهُ مُخطئ بذلك خطأ الْمُجْتَهدين المغفور لَهُم وَوَافَقَهُ جمَاعَة وَكَبرت الْقَضِيَّة

- ‌ أَمر بقتل الْكلاب مرّة، ثمَّ صَحَّ أَنه نهى عَن قَتلهَا، قَالَ: وَاسْتقر الشَّرْع عَلَيْهِ على التَّفْصِيل الْمَعْرُوف فَأمر بقتل الْأسود إِلَيْهِم، وَكَانَ هَذَا فِي الإبتداء وَهُوَ الْآن مَنْسُوخ، هَذَا كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَا مزِيد على تَحْقِيقه وَالله أعلم

- ‌ رد عليه السلام من الْحُجْرَة وَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام يَا مهنا، ثمَّ عَاد إِلَى الفوعة وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْمحرم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة

- ‌ نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم فارتاب فِي ذَلِك فأقدم على فتح الْبَاب الْمَذْكُور بعد أَن نهي عَن ذَلِك فَوجدَ بَابا عَلَيْهِ تأزير رُخَام أَبيض، وَوجد فِي ذَلِك تَابُوت رُخَام أَبيض فَوْقه رخامة تبيضاء مربعة فَرفعت الرخامة عَن التابوت فَإِذا فِيهَا بعض جمجمة فهرب الْحَاضِرُونَ هَيْبَة لَهَا، ثمَّ رد

- ‌ فِيمَن صَامَ الدَّهْر لَا صَامَ وَلَا أفطر على أَنه دُعَاء عَلَيْهِ وَفِي حق من نذور وَلم يتَضَرَّر خَمْسَة أَقْوَال الْوُجُوب وَهُوَ إختيار أَكثر الأصاحب وَالْإِبَاحَة وَالْكَرَاهَة وَالتَّحْرِيم وَفِي حق من يتَضَرَّر بِأَن تفوته السّنَن أَو الِاجْتِمَاع بالأهل ثَلَاثَة أَقْوَال التَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة وَالْإِبَاحَة وَلَا يَجِيء

- ‌ مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر رضي الله عنهم عَن نَبينَا سيد الْمُرْسلين مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب

- ‌ وَفِيه: ورد الْخَبَر إِلَى حلب أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَليّ بن السُّبْكِيّ تولى قَضَاء الْقُضَاة الشَّافِعِيَّة بِدِمَشْق المحروسة بعد أَن حدث الْخَطِيب بدر الدّين مُحَمَّد بن القَاضِي جلال الدّين نَفسه بذلك وَجزم بِهِ وَقبل الهناء فَقَالَ فِيهِ بعض أهل دمشق:(قد سبك السُّبْكِيّ قلب الْخَطِيب

- ‌وفيهَا: فِي الْعشْرين من شهر رَجَب توفّي بجبرين الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ نَبهَان كَانَ لَهُ الْقبُول التَّام عِنْد الْخَاص وَالْعَام، وناهيك أَن طشتمر حمص أَخْضَر على قُوَّة نَفسه وشممه وقف على زاويته بجبرين حِصَّة من قَرْيَة حريثان لَهَا مغل جيد وَبِالْجُمْلَةِ فَكَأَنَّمَا مَاتَت بِمَوْتِهِ مَكَارِم

- ‌ حسن الخظ، وَله نظم، كَانَ كَاتبا ثمَّ صَار داوندار قبجق بحماه ثمَّ شاد الدَّوَاوِين بحلب ثمَّ حاجباً بهَا ثمَّ دواتدار الْملك النَّاصِر ثمَّ نَائِبا بالإسكندرية ثمَّ أَمِيرا بحلب وشاد المَال وَالْوَقْف ثمَّ أَمِيرا بطرابلس رَحمَه الله تَعَالَى.وفيهَا: فِي شعْبَان بلغنَا وَفَاة الشَّيْخ

- ‌ فَمن أعدى الأول استرسل ثعبانه وانساب " وَسمي طاعون الْأَنْسَاب وَهُوَ سادس طاعون وَقع فِي الْإِسْلَام، وَعِنْدِي أَنه الموتان الَّذِي أنذر بِهِ نَبينَا عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ وَكَانَ:(أعوذ بِاللَّه رَبِّي من شَرّ طاعون النّسَب…باروده المستعلي قد طَار فِي الأقطار)

الفصل: ‌ذكر مسير سليمان شاه إلى همدان وقتله

وَاسْتقر فِي دَار الْملك بزبيد يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر رَجَب من هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة، وَبَقِي فِي الْملك شَهْرَيْن وَأحد عشر يَوْمًا، وَمَات فِي شَوَّال فَملك الْيمن ابْنه مهْدي ثمَّ ابْنه عبد النَّبِي بن مهْدي، ثمَّ خرجت المملكة عَن عبد النَّبِي الْمَذْكُور إِلَى أَخِيه عبد الله ثمَّ عَادَتْ إِلَى عبد النَّبِي وَاسْتمرّ إِلَى أَن فتح الْيمن توران شاه بن أَيُّوب من مصر سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة، وَأسر عبد النَّبِي وَهُوَ آخِرهم.

وَكَانَ مَذْهَب عَليّ بن مهْدي التَّكْفِير بِالْمَعَاصِي، وَقتل من يُخَالف اعْتِقَاده من أهل الْقبْلَة واستباحة وَطْء نِسَائِهِم، واسترقاق ذَرَارِيهمْ وَقتل من شرب الْخمر وَسمع الْغناء. وَكَانَ حَنَفِيّ الْفُرُوع، وَأَصْحَابه يَعْتَقِدُونَ فِيهِ فَوق مَا يَعْتَقِدهُ النَّاس فِي الْأَنْبِيَاء عليهم السلام.

ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة:

‌ذكر مسير سُلَيْمَان شاه إِلَى هَمدَان وَقَتله

لما مَاتَ مُحَمَّد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه أرْسلت الْأُمَرَاء وطلبوا عَمه سُلَيْمَان شاه بن مُحَمَّد بن ملكشاه ليولوه السلطنة، وَكَانَ قد اعتقل بالموصل مكرماً فجهزه قطب الدّين مودود بن زنكي صَاحب الْموصل بجهاز يَلِيق بالسلطنة، وَسَار مَعَه زين الدّين عَليّ كجك بعسكر الْموصل إِلَى هَمدَان وَأَقْبَلت العساكر إِلَيْهِم، وَكَانَ عِنْد سُلَيْمَان تهور وإدمان شرب حَتَّى فِي رَمَضَان فَأَهْمَلَهُ الْعَسْكَر وصاروا لَا يحْضرُون بَابه، وَكَانَ قد رد الْأُمُور إِلَى شرف الدّين كردبازو من مَشَايِخ الخدام السلجوقية وَعِنْده دين وتدبير، فَشرب سُلَيْمَان يَوْمًا بالكشك ظَاهر هَمدَان فَحَضَرَ كردبازو ولامه فكشف بعض مساخر سُلَيْمَان لَهُ سوأته فحقد كردبازو وَعمل لَهُ دَعْوَة عَظِيمَة فِي دَاره وَقَبضه فِيهَا وحبسه مُدَّة ثمَّ أرسل إِلَيْهِ من خنقه، وَقيل سمه فَلَمَّا مَاتَ سَار إيلدكر فِي عشْرين ألفا وَمَعَهُ أرسلان شاه بن طغرل بك بن مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان وَوصل هَمدَان فَلَقِيَهُ كردبازو وأنزله فِي دَار المملكة، وخطب لَهُ بالسلطنة وَكَانَ لأيلدكر من أم أرسلان شاه أَوْلَاد مِنْهُم البهلوان مُحَمَّد وقزل أرسلان عُثْمَان فبقى أيلدكر أتابك أرسلان والبهلوان أَخُو أرسلان لامه حَاجِبه، وَهَذَا أيلدكر كَانَ قد اشْتَرَاهُ السُّلْطَان مَسْعُود ثمَّ أقطعه أران من بِلَاد أذربيجان فَعظم، وَلما خطب لأرسلان شاه فِي تِلْكَ الْبِلَاد طلب ايلدكر أَن يخْطب لَهُ أَيْضا بِبَغْدَاد على عَادَة السلجوقية فَلم يجب إِلَى ذَلِك.

وفيهَا: توفّي الفائز بنصر الله أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن إِسْمَاعِيل الظافر خَليفَة مصر، وخلافته سِتّ سِنِين وَنَحْو شَهْرَيْن، ولي وعمره خمس سِنِين، وَلما مَاتَ دخل الصَّالح بن زريك الْقصر وَسَأَلَ عَمَّن يصلح فأحضر لَهُ مِنْهُم إِنْسَان كَبِير السن فَقَالَ بعض أَصْحَاب الصَّالح لَهُ: لَا يكون عَبَّاس أحزم مِنْك حَيْثُ اخْتَار الصَّغِير فأحضر العاضد لدين الله أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن الْأَمِير يُوسُف بن الْحَافِظ مراهقاً، وَبَايع لَهُ وزوجه الصَّالح ابْنَته وَنقل مَعهَا مَا لَا سمع بِمثلِهِ.

ص: 61

وفيهَا: ثَانِي ربيع الأول (توفّي المقتفي) لأمر الله الْخَلِيفَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن المستظهر بعلة التراقي، ومولده ثَانِي ربيع الآخر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَأمه أم ولد، وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسِتَّة عشرَة يَوْمًا، وَكَانَ حسن السِّيرَة، أَقَامَ حشمة الدولة العباسية وَقطع عَنْهَا طمع السلاطين بذل الْأَمْوَال لأَصْحَاب الْأَخْبَار حَتَّى كَانَ لَا يفوتهُ شَيْء.

" بُويِعَ ابْنه " يُوسُف المستنجد بِاللَّه الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم، وَأمه طَاوس أم ولد، وَبَايَعَهُ أَهله وأقاربه، فَمنهمْ عَمه أَبُو طَالب وَأَخُوهُ أَبُو جَعْفَر بن المقتفي، وَكَانَ أكبر من المستنجد، ثمَّ بَايعه الْوَزير ابْن هُبَيْرَة، وقاضي الْقُضَاة وَغَيرهم.

وفيهَا: فِي رَجَب توفّي خسروشاه بن بهْرَام شاه صَاحب غزنة وَكَانَ عادلاً، وَملك بعده ابْنه ملكشاه، وَقيل توفّي خسروشاه فِي حبس غياث الدّين الغوري، وَأَنه آخر مُلُوك بني سبكتكين حَسْبَمَا مر سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

وفيهَا: توفّي ملكشاه بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بأصفهان مسموماً.

وفيهَا: حج أَسد الدّين شيركوه بن شادي مقدم جَيش نور الدّين مَحْمُود بن زنكي.

ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي ربيع الآخر توفّي عَلَاء الدّين الْحُسَيْن بن الْحُسَيْن ملك الْغَوْر، وَكَانَ عادلاً.

وَملك بعده ابْن أَخِيه غياث الدّين مُحَمَّد كَمَا مر سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة.

وفيهَا: تقدم الْمُؤَيد آي بِهِ بإمساك أَعْيَان نيسابور كَانُوا رُؤَسَاء للحرامية، وَأخذ الْمُؤَيد يقتل المفسدين فخربت نيسابور حَتَّى مَسْجِد عقيل مجمع الْعلمَاء والكتب الْوَقْف وَسبع عشرَة مدرسة شافعية، وأحرق وَنهب عدَّة من خَزَائِن الْكتب، وَأمر بإصلاح سور الشاذياخ، وسكنها هُوَ وَالنَّاس، فَلم يبْق بنيسابور أحد.

بنى الشاذياخ عبد الله بن طَاهِر أَمِير خُرَاسَان لِلْمَأْمُونِ ثمَّ خرجت ثمَّ جددت أَيَّام ألب أرسلان السلجوقي ثمَّ تشعثت حَتَّى أصلحها آي بِهِ.

وفيهَا: فِي رَمَضَان (قتل الْملك الصَّالح) طلائع بن زريك الأرمني وَزِير العاضد الْعلوِي جهزت عَلَيْهِ عمَّة العاضد من قَتله وَهُوَ دَاخل الْقصر بالسكاكين وَحمل إِلَى بَيته جريحاً، وعتب على العاضد فتبرأ وَحلف وَأرْسل عمته إِلَيْهِ فَقَتلهَا، وَسَأَلَ من العاضد تَوْلِيَة ابْنه زريك، فولاه الوزارة ولقبه الْعَادِل.

وللصالح طلائع شعر حسن، فَمِنْهُ فِي الْفَخر:

(أَبى الله إِلَّا أَن يدين لنا الدَّهْر

ويخدمنا فِي ملكنا الْعِزّ والنصر)

(علمنَا بِأَن المَال تفنى ألوفه

وَيبقى لنا من بعده الْأجر وَالذكر)

ص: 62

(خلطنا الندى بالبأس حَتَّى كأننا

سَحَاب لَدَيْهِ الْبَرْق والرعد والقطر)

وفيهَا: ملك عِيسَى بن قَاسم بن أبي هَاشم مَكَّة، وَكَانَ أميرها قَاسم بن أبي فليته بن قَاسم فصادر المجاورين واعيان مَكَّة وهرب، فَلَمَّا وصل الْحَاج رتب أَمِير الْحَاج مَكَانَهُ عَمه عِيسَى الْمَذْكُور، ثمَّ جمع قَاسم وَقصد عِيسَى فَرَحل عِيسَى عَنْهَا فملكها قَاسم فكاتب الْعَرَب عِيسَى فَقدم إِلَيْهِم وهرب قَاسم إِلَى جبل أبي قبيس فَسقط عَن فرسه فَقتله أَصْحَاب عِيسَى فَغسله عِيسَى وَدَفنه بالمعلاة عِنْد أَبِيه أبي فليتة واستقرت مَكَّة لعيسى.

وفيهَا: عبر عبد الْمُؤمن الْمجَاز إِلَى الأندلس وَبنى على جبل طَارق مَدِينَة حَصِينَة أَقَامَ بهَا شهرا ثمَّ عَاد إِلَى مراكش.

وفيهَا: ملك قرا أرسلان صَاحب حصن كيفا قلعة شَاتَان من الأكراد وخربها وأضاف عَملهَا إِلَى حصن طَالب.

ثمَّ دخلت سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا نَازل نور الدّين حارم، وَبهَا الفرنج وَعَاد لم يملكهَا.

وفيهَا: سَار الكرج فِي جمع عَظِيم وملكوا أردوين ونهبوها فَجمع أيلدكر صَاحب أذربيجان وغزاهم.

وفيهَا: وَقع قتال بَين صَاحب مَكَّة وأمير الْحَاج فَرَحل الْحَاج وَلم يقدر بَعضهم على الطّواف.

قَالَ ابْن الْأَثِير: وَكَانَ مِمَّن حج وَلم يطف جدته أم أَبِيه فوصلت بلادها على إحرامها فاستفتت الشَّيْخ أَبَا الْقَاسِم بن البرزي فَأفْتى أَنَّهَا إِذا دَامَت على مَا بَقِي من إحرامها إِلَى قَابل وطافت كمل حَجهَا، ثمَّ تفدي وتتحل ثمَّ تحرم إحراماً ثَانِيًا وتقف بِعَرَفَات وتكمل مَنَاسِك الْحَج فَتَصِير لَهَا حجَّة ثَانِيَة فَفعلت كَمَا قَالَ فتم حَجهَا الأول وَالثَّانِي.

وفيهَا: مَاتَ الكيا الصباحي صَاحب ألموت الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَقَامَ ابْنه مقَامه فأظهر التَّوْبَة.

وفيهَا: فِي الْمحرم توفّي الشَّيْخ عدي بن مُسَافر الزَّاهِد بِبَلَد الهكارية من أَعمال الْموصل، أَصله من بلد بعلبك وانتقل إِلَى الْموصل، وَتَبعهُ أهل السوَاد وَالْجِبَال وأحسنوا بِهِ الظَّن.

قلت: قَالَ الشَّيْخ الإِمَام نور الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن جرير بن معضاد بن فضل اللَّخْمِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه بهجة الْأَسْرَار ومعدن الْأَنْوَار إِن شيخ الْإِسْلَام محيي الدّين عبد الْقَادِر الجيلي كَانَ يُنَوّه بِذكر عدي ويثني عَلَيْهِ كثيرا وَشهد لَهُ بالسلطنة وَقَالَ: لَو كَانَت النُّبُوَّة تنَال بالمجاهدة لنالها عدي بن مُسَافر.

وَعَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله البطايحي قَالَ: كَانَ الشَّيْخ عدي إِذا سجد سمع لمخه

ص: 63

فِي رَأسه صَوت كصوت وَقع الْحَصَاة فِي الْقرعَة الْيَابِسَة من شدَّة المجاهدة وَأقَام فِي أول أمره فِي المفازات وَالْجِبَال والصحاري مُجَردا وسائحاً يَأْخُذ نَفسه بأنواع المجاهدات، وَكَانَت الْجبَال تألفه والهوام وَالسِّبَاع تألفه فِيهَا وَهُوَ أحد من تصدر لتربية المريدين الصَّادِقين بِبِلَاد الشرق، وانْتهى إِلَيْهِ تسليكهم وكشف مشكلات أَحْوَالهم، وَغسل تَاج العارفين أَبَا الْوَفَاء رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَهُوَ شَاب.

وَعَن الشَّيْخ الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن كَامِل الْحُسَيْنِي البيساني قَالَ: سَمِعت الشَّيْخ الْعَارِف أَبَا مُحَمَّد شاورالسيني الْمحلي بهَا يَقُول: صنع الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد وَلِيمَة ودعا إِلَيْهَا جَمِيع مَشَايِخ الْعرَاق وعلمائها فَحَضَرُوا كلهم إِلَّا الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ عديا وَالشَّيْخ أَحْمد بن الرِّفَاعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِم، فَلَمَّا انْصَرف النَّاس قَالَ الْوَزير للخليفة: إِن الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ عديا وَالشَّيْخ أَحْمد لم يحضروا؟ فَقَالَ الْخَلِيفَة: فَكَأَن لم يحضر إِذن أحد، ثمَّ أَمر حَاجِبه أَن يَأْتِي الشَّيْخ عبد الْقَادِر فيدعوه وَأَن يبطق إِلَى جبل الهكار وَإِلَى أم عُبَيْدَة ليحضر الشَّيْخ عديا وَالشَّيْخ أَحْمد قَالَ: فَقَالَ لي الشَّيْخ عبد الْقَادِر قبل أَن يقوم الْحَاجِب من مجْلِس الْخَلِيفَة وَقبل أَن تسطر البطاقات: يَا شاور اذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِد الَّذِي بِظَاهِر بَاب الحلبة تَجِد فِيهِ الشَّيْخ عدي بن مُسَافر وَمَعَهُ اثْنَان فادعهم إِلَيّ ثمَّ اذْهَبْ إِلَى مَقْبرَة الشونيزي تَجِد فِيهَا الشَّيْخ أَحْمد بن الرِّفَاعِي وَمَعَهُ اثْنَان فادعهم إِلَيّ، قَالَ: فَذَهَبت إِلَى الْمَسْجِد الَّذِي بِظَاهِر الحلبة فَوجدت الشَّيْخ عديا وَمَعَهُ اثْنَان، فَقلت: يَا سَيِّدي أجب الشَّيْخ عبد الْقَادِر فَقَالَ: سمعا وَطَاعَة، وَقَامُوا فَذَهَبت مَعَهم فَقَالَ لي الشَّيْخ عدي: يَا شاور الا تذْهب إِلَى الشَّيْخ أَحْمد كَمَا امرك الشَّيْخ؟ قلت بلَى فَأتيت مَقْبرَة الشونيزي فَوجدت الشَّيْخ أَحْمد وَمَعَهُ اثْنَان فَقلت: يَا سَيِّدي أجب الشَّيْخ عبد الْقَادِر فَقَالَ: سمعا وَطَاعَة، وَقَامُوا فتوافى الشَّيْخَانِ فِي بَاب رِبَاط الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَقت الْمغرب فَقَامَ إِلَيْهِم الشَّيْخ وتلقاهم فَمَا لَبِثُوا غير يسير حَتَّى جَاءَ الْحَاجِب إِلَى الشَّيْخ فوافاهما عِنْده فأسرع إِلَى الْخَلِيفَة وَأخْبرهُ باجتماعهم، فَكتب الْخَلِيفَة إِلَيْهِم بِخَطِّهِ يسألهم الْحُضُور وَبعث إِلَيْهِم وَلَده وحاجبه فَأَجَابُوهُ وذهبوا، وَأَمرَنِي الشَّيْخ بِالْمَسِيرِ مَعَه، فَلَمَّا كُنَّا بالشط إِذا الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَتَلقاهُ الْمَشَايِخ وَسَار مَعَهم فَأتى بِنَا إِلَى دَار حَسَنَة وَإِذا الْخَلِيفَة فِيهَا قَائِم مشدود الْوسط وَمَعَهُ خادمان وَلَيْسَ فِي الدَّار سواهُم، فَتَلقاهُمْ الْخَلِيفَة وَقَالَ لَهُم: يَا سادة إِن الْمُلُوك إِذا اجتازوا برعاياهم بسطوا لَهُم الْحَرِير ليطؤه، وَوضع لَهُم ذيله وسألهم أَن يمشوا عَلَيْهِ فَفَعَلُوا، وانْتهى بِنَا إِلَى سماط مُهَيَّأ فجلسوا وأكلوا وأكلنا مَعَهم، ثمَّ خَرجُوا وَأتوا إِلَى زِيَارَة قبر الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رضي الله عنه وَكَانَت لَيْلَة شَدِيدَة الظلمَة فَجعل الشَّيْخ عبد الْقَادِر كلما مر بِحجر أَو خَشَبَة أَو جِدَار أَو قبر أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ فيضيء كضوء الْقَمَر ويمشون فِي نوره إِلَى أَن يَنْتَهِي ضوءه فيشير الشَّيْخ إِلَى آخر فيضيء وَمَا زَالُوا يَمْشُونَ فِي النُّور وَلَيْسَ فيهم من يتَقَدَّم الشَّيْخ عبد الْقَادِر إِلَى قبر الإِمَام أَحْمد، فَدخل الْمَشَايِخ الْأَرْبَعَة يزورون ووقفنا على بَاب المزار حَتَّى خَرجُوا فَلَمَّا أَرَادوا ان يتفرقوا قَالَ الشَّيْخ عدي

ص: 64

للشَّيْخ عبد الْقَادِر: أوصني، قَالَ: أوصيك بِالْكتاب وَالسّنة ثمَّ تفَرقُوا.

وَعَن خَادِم الشَّيْخ عدي قَالَ: خدمته سبع سِنِين، وَشهِدت لَهُ خارقات إِحْدَاهمَا إِنِّي صببت على يَدَيْهِ يَوْمًا مَاء فَقَالَ لي: مَا تُرِيدُ؟ فَقلت أُرِيد تِلَاوَة الْقُرْآن فَإِنِّي لَا أحفظ مِنْهُ سوى الْفَاتِحَة وَسورَة الْإِخْلَاص وَحفظه عَليّ عسير جدا فَضرب بِيَدِهِ فِي صَدْرِي فَحفِظت الْقُرْآن كُله فِي وقتي، وَقلت لَهُ يَوْمًا: يَا سَيِّدي أَرِنِي شَيْئا من المغيبات فَأَعْطَانِي منديله وَقَالَ: ضَعْهُ على وَجهك فَوَضَعته، ثمَّ قَالَ لي: ارفعه فَرَفَعته فَرَأَيْت الْمَلَائِكَة الْكَاتِبين وَرَأَيْت مَا يسطرونه من أَعمال الْخَلَائق فأقمت على هَذِه الْحَالة ثَلَاثَة أَيَّام فتكدر عَليّ عيشي فاستغثت إِلَيْهِ، فَوضع ذَلِك المنديل على وَجْهي ثمَّ رفعته فاستتر عني ذَلِك الْأَمر كُله.

قَالَ: وَوصف لي يَوْمًا الشَّيْخ عقيلاً المنبجي وَهُوَ شيخ الشَّيْخ عدي فأطنب فِي ذكره. فَقلت: يَا سَيِّدي هَل لَك ان ترينيه فَأَعْطَانِي مرْآة وَأَمرَنِي أَن انْظُر فِيهَا فَنَظَرت شخصي ثمَّ توارى عني شخصي وَظهر لي شخص أرَاهُ وَلَا يخفي عني من وَجهه شَيْء فَقَالَ لي الشَّيْخ عدي: تأدب فَإِنَّهُ الشَّيْخ عقيل ودمت سَاعَة طَوِيلَة أنظرهُ كَذَلِك ثمَّ توارى عني وَظهر لي شخصي.

وَهُوَ الشَّيْخ شرف الدّين أَبُو الْفَضَائِل عدي بن مُسَافر بن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى بن مَرْوَان بن الْحسن بن مَرْوَان بن الحكم بن مَرْوَان الْأمَوِي.

وَفِي هَذَا الْكتاب الْمَذْكُور أَن أَصله من حوران، وَأَنه توفّي سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة بلاكش.

وَكَانَ فَقِيها عَالما فصيحاً رَحْمَة الله عَلَيْهِ وعلينا، بِهِ ولعمري مَا أنصف الْمُؤلف فِي تَرْجَمته، وَالله أعلم.

ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي صفر وزر شاور للعاضد الْعلوِي كَانَ يخْدم الصَّالح طلائع بن زريك فولاه الصَّعِيد ثمَّ عَزله الْوَزير الْعَادِل بن الصَّالح بن زريك فَجمع شاور جموعه وقصده فهرب وطرده وأمسكه وَقَتله وانقرضت بِهِ دولة بني زريك.

وَفِيه يَقُول عمَارَة اليمني:

(ولت ليَالِي بني زريك وانصرمت

والمدح وَالشُّكْر فيهم غير منصرم)

(كَأَن صَالحهمْ يَوْمًا وَعَاد لَهُم

فِي صدر ذَا الدست لم يقْعد وَلم يقم)

ووزر شاور وتلقب بأمير الجيوش وَأخذ أَمْوَال بني زريك، ثمَّ جمع الضرغام ونازعه فِي الوزارة فِي رَمَضَان، فَانْهَزَمَ شاور واستنجد بِنور الدّين، وَتمكن ضرغام وَقتل كثيرا من أُمَرَاء المصريين، فضعفت الدولة بذلك حَتَّى خرجت الْبِلَاد من أَيْديهم.

وفيهَا: فِي جمادي الْآخِرَة توفّي عبد الؤمن بن عَليّ فِي سلا وَأخْبر عِنْد مَوته أَن ابْنه

ص: 65

مُحَمَّدًا لَا يصلح وَأَن ابْنه يُوسُف يصلح فقدموه وَبَايَعُوهُ وَولَايَة عبد الْمُؤمن ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَكسر، وَكَانَ سائسا سفاكاً للدم على الذَّنب الصَّغِير مُعظما للدّين وَالصَّلَاة وَجمع النَّاس على فروع مَالك وأصول الْأَشْعَرِيّ.

وفيهَا: ملك الْمُؤَيد آي بِهِ قومس فَأرْسل إِلَيْهِ أرسلان بن طغرل بك خلعة وألوية فَلبس الْمُؤَيد الْخلْع وخطب لَهُ فِي بِلَاده.

وفيهَا: كبس الفرنج نور الدّين فِي البقيعة تَحت حصن الأكراد فَركب نور الدّين فرسا وَفِي رجله الشَّجَّة فقطعها كردِي فنجا نور الدّين وَقتل الْكرْدِي فَوقف على مخلفيه الْوُقُوف وَسَار إِلَى بحيرة حمص وتلاحقه الْمُسلمُونَ.

وفيهَا: أجلى المستنجد بني أَسد أهل الْحلَّة المزيدية فَقتل مِنْهُم وهرب الْبَاقُونَ وتشتتوا لفسادهم وسلمت بِلَادهمْ إِلَى ابْن مَعْرُوف.

وفيهَا: توفّي سديد الدولة مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن إِبْرَاهِيم بن الْأَنْبَارِي كَاتب إنْشَاء الْخلَافَة، فَاضل أديب عمره نَحْو تسعين.

ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا بذل شاور الهارب من ضرغام لنُور الدّين ثلث أَمْوَال مصر بعد رزق جندها أَن أَعَادَهُ إِلَى الوزارة فَأرْسل مَعَه أَسد الدّين شيركوه بن شاذي فِي عَسْكَر فوصل مصر وَهزمَ عَسْكَر ضرغام عِنْد قبر السيدة نفيسة، وَعَاد شاور وزيراً للعاضد ثمَّ لم يقم شاور لنُور الدّين بِشَيْء من شَرطه، فَسَار أَسد الدّين وَاسْتولى على بلبيس والشرقية، فاستنجد شاور بالفرنج مَعَ عَسْكَر مصر، وحصروا شيركوه ببلبيس ثَلَاثَة أشهر، وَبلغ الفرنج حَرَكَة نور الدّين، وَأَخذه حارم فصالحوا شيركوه، فَرجع إِلَى الشَّام بعسكره سالما.

وفيهَا: فِي رَمَضَان فتح نور الدّين قلعة حارم من الفرنج؛ وَقَاتلهمْ فانتصر، وَقتل وَأسر، وَمِمَّنْ أسر الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية، والقومس صَاحب طرابلس.

وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة فتح نور الدّين بانياس من الفرنج: كَانَت بيدهم من سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة.

وفيهَا: توفّي جمال الدّين أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي مَنْصُور الْأَصْبَهَانِيّ وَزِير مودود بن زنكي صَاحب الْموصل فِي شعْبَان مَقْبُوضا عَلَيْهِ من جِهَة مخدومة من سنة ثَمَان وَخمسين، وَكَانَ قد تعاهد الْوَزير وشيركوه أَن من مَاتَ مِنْهُمَا نَقله الآخر إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة، فنقله شيركوه، ورتب من يقْرَأ الْقُرْآن عِنْد شيله وحطه وَنُودِيَ فِي كل بلد نزلوه بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلما أَرَادوا الصَّلَاة عَلَيْهِ بالحلة صعد شَاب على مَوضِع موتفع وَأنْشد:

(سرى نعشه فَوق الرّقاب وطالماً

سرى جوده فَوق الركاب ونائله)

(يمر على الْوَادي فتثني رماله

عَلَيْهِ وبالنادي فتثني أرامله)

ص: 66