الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَاسْتقر فِي دَار الْملك بزبيد يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر رَجَب من هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة، وَبَقِي فِي الْملك شَهْرَيْن وَأحد عشر يَوْمًا، وَمَات فِي شَوَّال فَملك الْيمن ابْنه مهْدي ثمَّ ابْنه عبد النَّبِي بن مهْدي، ثمَّ خرجت المملكة عَن عبد النَّبِي الْمَذْكُور إِلَى أَخِيه عبد الله ثمَّ عَادَتْ إِلَى عبد النَّبِي وَاسْتمرّ إِلَى أَن فتح الْيمن توران شاه بن أَيُّوب من مصر سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة، وَأسر عبد النَّبِي وَهُوَ آخِرهم.
وَكَانَ مَذْهَب عَليّ بن مهْدي التَّكْفِير بِالْمَعَاصِي، وَقتل من يُخَالف اعْتِقَاده من أهل الْقبْلَة واستباحة وَطْء نِسَائِهِم، واسترقاق ذَرَارِيهمْ وَقتل من شرب الْخمر وَسمع الْغناء. وَكَانَ حَنَفِيّ الْفُرُوع، وَأَصْحَابه يَعْتَقِدُونَ فِيهِ فَوق مَا يَعْتَقِدهُ النَّاس فِي الْأَنْبِيَاء عليهم السلام.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة:
ذكر مسير سُلَيْمَان شاه إِلَى هَمدَان وَقَتله
لما مَاتَ مُحَمَّد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه أرْسلت الْأُمَرَاء وطلبوا عَمه سُلَيْمَان شاه بن مُحَمَّد بن ملكشاه ليولوه السلطنة، وَكَانَ قد اعتقل بالموصل مكرماً فجهزه قطب الدّين مودود بن زنكي صَاحب الْموصل بجهاز يَلِيق بالسلطنة، وَسَار مَعَه زين الدّين عَليّ كجك بعسكر الْموصل إِلَى هَمدَان وَأَقْبَلت العساكر إِلَيْهِم، وَكَانَ عِنْد سُلَيْمَان تهور وإدمان شرب حَتَّى فِي رَمَضَان فَأَهْمَلَهُ الْعَسْكَر وصاروا لَا يحْضرُون بَابه، وَكَانَ قد رد الْأُمُور إِلَى شرف الدّين كردبازو من مَشَايِخ الخدام السلجوقية وَعِنْده دين وتدبير، فَشرب سُلَيْمَان يَوْمًا بالكشك ظَاهر هَمدَان فَحَضَرَ كردبازو ولامه فكشف بعض مساخر سُلَيْمَان لَهُ سوأته فحقد كردبازو وَعمل لَهُ دَعْوَة عَظِيمَة فِي دَاره وَقَبضه فِيهَا وحبسه مُدَّة ثمَّ أرسل إِلَيْهِ من خنقه، وَقيل سمه فَلَمَّا مَاتَ سَار إيلدكر فِي عشْرين ألفا وَمَعَهُ أرسلان شاه بن طغرل بك بن مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان وَوصل هَمدَان فَلَقِيَهُ كردبازو وأنزله فِي دَار المملكة، وخطب لَهُ بالسلطنة وَكَانَ لأيلدكر من أم أرسلان شاه أَوْلَاد مِنْهُم البهلوان مُحَمَّد وقزل أرسلان عُثْمَان فبقى أيلدكر أتابك أرسلان والبهلوان أَخُو أرسلان لامه حَاجِبه، وَهَذَا أيلدكر كَانَ قد اشْتَرَاهُ السُّلْطَان مَسْعُود ثمَّ أقطعه أران من بِلَاد أذربيجان فَعظم، وَلما خطب لأرسلان شاه فِي تِلْكَ الْبِلَاد طلب ايلدكر أَن يخْطب لَهُ أَيْضا بِبَغْدَاد على عَادَة السلجوقية فَلم يجب إِلَى ذَلِك.
وفيهَا: توفّي الفائز بنصر الله أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن إِسْمَاعِيل الظافر خَليفَة مصر، وخلافته سِتّ سِنِين وَنَحْو شَهْرَيْن، ولي وعمره خمس سِنِين، وَلما مَاتَ دخل الصَّالح بن زريك الْقصر وَسَأَلَ عَمَّن يصلح فأحضر لَهُ مِنْهُم إِنْسَان كَبِير السن فَقَالَ بعض أَصْحَاب الصَّالح لَهُ: لَا يكون عَبَّاس أحزم مِنْك حَيْثُ اخْتَار الصَّغِير فأحضر العاضد لدين الله أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن الْأَمِير يُوسُف بن الْحَافِظ مراهقاً، وَبَايع لَهُ وزوجه الصَّالح ابْنَته وَنقل مَعهَا مَا لَا سمع بِمثلِهِ.
وفيهَا: ثَانِي ربيع الأول (توفّي المقتفي) لأمر الله الْخَلِيفَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن المستظهر بعلة التراقي، ومولده ثَانِي ربيع الآخر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَأمه أم ولد، وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسِتَّة عشرَة يَوْمًا، وَكَانَ حسن السِّيرَة، أَقَامَ حشمة الدولة العباسية وَقطع عَنْهَا طمع السلاطين بذل الْأَمْوَال لأَصْحَاب الْأَخْبَار حَتَّى كَانَ لَا يفوتهُ شَيْء.
" بُويِعَ ابْنه " يُوسُف المستنجد بِاللَّه الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم، وَأمه طَاوس أم ولد، وَبَايَعَهُ أَهله وأقاربه، فَمنهمْ عَمه أَبُو طَالب وَأَخُوهُ أَبُو جَعْفَر بن المقتفي، وَكَانَ أكبر من المستنجد، ثمَّ بَايعه الْوَزير ابْن هُبَيْرَة، وقاضي الْقُضَاة وَغَيرهم.
وفيهَا: فِي رَجَب توفّي خسروشاه بن بهْرَام شاه صَاحب غزنة وَكَانَ عادلاً، وَملك بعده ابْنه ملكشاه، وَقيل توفّي خسروشاه فِي حبس غياث الدّين الغوري، وَأَنه آخر مُلُوك بني سبكتكين حَسْبَمَا مر سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
وفيهَا: توفّي ملكشاه بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بأصفهان مسموماً.
وفيهَا: حج أَسد الدّين شيركوه بن شادي مقدم جَيش نور الدّين مَحْمُود بن زنكي.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي ربيع الآخر توفّي عَلَاء الدّين الْحُسَيْن بن الْحُسَيْن ملك الْغَوْر، وَكَانَ عادلاً.
وَملك بعده ابْن أَخِيه غياث الدّين مُحَمَّد كَمَا مر سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: تقدم الْمُؤَيد آي بِهِ بإمساك أَعْيَان نيسابور كَانُوا رُؤَسَاء للحرامية، وَأخذ الْمُؤَيد يقتل المفسدين فخربت نيسابور حَتَّى مَسْجِد عقيل مجمع الْعلمَاء والكتب الْوَقْف وَسبع عشرَة مدرسة شافعية، وأحرق وَنهب عدَّة من خَزَائِن الْكتب، وَأمر بإصلاح سور الشاذياخ، وسكنها هُوَ وَالنَّاس، فَلم يبْق بنيسابور أحد.
بنى الشاذياخ عبد الله بن طَاهِر أَمِير خُرَاسَان لِلْمَأْمُونِ ثمَّ خرجت ثمَّ جددت أَيَّام ألب أرسلان السلجوقي ثمَّ تشعثت حَتَّى أصلحها آي بِهِ.
وفيهَا: فِي رَمَضَان (قتل الْملك الصَّالح) طلائع بن زريك الأرمني وَزِير العاضد الْعلوِي جهزت عَلَيْهِ عمَّة العاضد من قَتله وَهُوَ دَاخل الْقصر بالسكاكين وَحمل إِلَى بَيته جريحاً، وعتب على العاضد فتبرأ وَحلف وَأرْسل عمته إِلَيْهِ فَقَتلهَا، وَسَأَلَ من العاضد تَوْلِيَة ابْنه زريك، فولاه الوزارة ولقبه الْعَادِل.
وللصالح طلائع شعر حسن، فَمِنْهُ فِي الْفَخر:
(أَبى الله إِلَّا أَن يدين لنا الدَّهْر
…
ويخدمنا فِي ملكنا الْعِزّ والنصر)
(علمنَا بِأَن المَال تفنى ألوفه
…
وَيبقى لنا من بعده الْأجر وَالذكر)
(خلطنا الندى بالبأس حَتَّى كأننا
…
سَحَاب لَدَيْهِ الْبَرْق والرعد والقطر)
وفيهَا: ملك عِيسَى بن قَاسم بن أبي هَاشم مَكَّة، وَكَانَ أميرها قَاسم بن أبي فليته بن قَاسم فصادر المجاورين واعيان مَكَّة وهرب، فَلَمَّا وصل الْحَاج رتب أَمِير الْحَاج مَكَانَهُ عَمه عِيسَى الْمَذْكُور، ثمَّ جمع قَاسم وَقصد عِيسَى فَرَحل عِيسَى عَنْهَا فملكها قَاسم فكاتب الْعَرَب عِيسَى فَقدم إِلَيْهِم وهرب قَاسم إِلَى جبل أبي قبيس فَسقط عَن فرسه فَقتله أَصْحَاب عِيسَى فَغسله عِيسَى وَدَفنه بالمعلاة عِنْد أَبِيه أبي فليتة واستقرت مَكَّة لعيسى.
وفيهَا: عبر عبد الْمُؤمن الْمجَاز إِلَى الأندلس وَبنى على جبل طَارق مَدِينَة حَصِينَة أَقَامَ بهَا شهرا ثمَّ عَاد إِلَى مراكش.
وفيهَا: ملك قرا أرسلان صَاحب حصن كيفا قلعة شَاتَان من الأكراد وخربها وأضاف عَملهَا إِلَى حصن طَالب.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا نَازل نور الدّين حارم، وَبهَا الفرنج وَعَاد لم يملكهَا.
وفيهَا: سَار الكرج فِي جمع عَظِيم وملكوا أردوين ونهبوها فَجمع أيلدكر صَاحب أذربيجان وغزاهم.
وفيهَا: وَقع قتال بَين صَاحب مَكَّة وأمير الْحَاج فَرَحل الْحَاج وَلم يقدر بَعضهم على الطّواف.
قَالَ ابْن الْأَثِير: وَكَانَ مِمَّن حج وَلم يطف جدته أم أَبِيه فوصلت بلادها على إحرامها فاستفتت الشَّيْخ أَبَا الْقَاسِم بن البرزي فَأفْتى أَنَّهَا إِذا دَامَت على مَا بَقِي من إحرامها إِلَى قَابل وطافت كمل حَجهَا، ثمَّ تفدي وتتحل ثمَّ تحرم إحراماً ثَانِيًا وتقف بِعَرَفَات وتكمل مَنَاسِك الْحَج فَتَصِير لَهَا حجَّة ثَانِيَة فَفعلت كَمَا قَالَ فتم حَجهَا الأول وَالثَّانِي.
وفيهَا: مَاتَ الكيا الصباحي صَاحب ألموت الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَقَامَ ابْنه مقَامه فأظهر التَّوْبَة.
وفيهَا: فِي الْمحرم توفّي الشَّيْخ عدي بن مُسَافر الزَّاهِد بِبَلَد الهكارية من أَعمال الْموصل، أَصله من بلد بعلبك وانتقل إِلَى الْموصل، وَتَبعهُ أهل السوَاد وَالْجِبَال وأحسنوا بِهِ الظَّن.
قلت: قَالَ الشَّيْخ الإِمَام نور الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن جرير بن معضاد بن فضل اللَّخْمِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه بهجة الْأَسْرَار ومعدن الْأَنْوَار إِن شيخ الْإِسْلَام محيي الدّين عبد الْقَادِر الجيلي كَانَ يُنَوّه بِذكر عدي ويثني عَلَيْهِ كثيرا وَشهد لَهُ بالسلطنة وَقَالَ: لَو كَانَت النُّبُوَّة تنَال بالمجاهدة لنالها عدي بن مُسَافر.
وَعَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله البطايحي قَالَ: كَانَ الشَّيْخ عدي إِذا سجد سمع لمخه
فِي رَأسه صَوت كصوت وَقع الْحَصَاة فِي الْقرعَة الْيَابِسَة من شدَّة المجاهدة وَأقَام فِي أول أمره فِي المفازات وَالْجِبَال والصحاري مُجَردا وسائحاً يَأْخُذ نَفسه بأنواع المجاهدات، وَكَانَت الْجبَال تألفه والهوام وَالسِّبَاع تألفه فِيهَا وَهُوَ أحد من تصدر لتربية المريدين الصَّادِقين بِبِلَاد الشرق، وانْتهى إِلَيْهِ تسليكهم وكشف مشكلات أَحْوَالهم، وَغسل تَاج العارفين أَبَا الْوَفَاء رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَهُوَ شَاب.
وَعَن الشَّيْخ الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن كَامِل الْحُسَيْنِي البيساني قَالَ: سَمِعت الشَّيْخ الْعَارِف أَبَا مُحَمَّد شاورالسيني الْمحلي بهَا يَقُول: صنع الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد وَلِيمَة ودعا إِلَيْهَا جَمِيع مَشَايِخ الْعرَاق وعلمائها فَحَضَرُوا كلهم إِلَّا الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ عديا وَالشَّيْخ أَحْمد بن الرِّفَاعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِم، فَلَمَّا انْصَرف النَّاس قَالَ الْوَزير للخليفة: إِن الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ عديا وَالشَّيْخ أَحْمد لم يحضروا؟ فَقَالَ الْخَلِيفَة: فَكَأَن لم يحضر إِذن أحد، ثمَّ أَمر حَاجِبه أَن يَأْتِي الشَّيْخ عبد الْقَادِر فيدعوه وَأَن يبطق إِلَى جبل الهكار وَإِلَى أم عُبَيْدَة ليحضر الشَّيْخ عديا وَالشَّيْخ أَحْمد قَالَ: فَقَالَ لي الشَّيْخ عبد الْقَادِر قبل أَن يقوم الْحَاجِب من مجْلِس الْخَلِيفَة وَقبل أَن تسطر البطاقات: يَا شاور اذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِد الَّذِي بِظَاهِر بَاب الحلبة تَجِد فِيهِ الشَّيْخ عدي بن مُسَافر وَمَعَهُ اثْنَان فادعهم إِلَيّ ثمَّ اذْهَبْ إِلَى مَقْبرَة الشونيزي تَجِد فِيهَا الشَّيْخ أَحْمد بن الرِّفَاعِي وَمَعَهُ اثْنَان فادعهم إِلَيّ، قَالَ: فَذَهَبت إِلَى الْمَسْجِد الَّذِي بِظَاهِر الحلبة فَوجدت الشَّيْخ عديا وَمَعَهُ اثْنَان، فَقلت: يَا سَيِّدي أجب الشَّيْخ عبد الْقَادِر فَقَالَ: سمعا وَطَاعَة، وَقَامُوا فَذَهَبت مَعَهم فَقَالَ لي الشَّيْخ عدي: يَا شاور الا تذْهب إِلَى الشَّيْخ أَحْمد كَمَا امرك الشَّيْخ؟ قلت بلَى فَأتيت مَقْبرَة الشونيزي فَوجدت الشَّيْخ أَحْمد وَمَعَهُ اثْنَان فَقلت: يَا سَيِّدي أجب الشَّيْخ عبد الْقَادِر فَقَالَ: سمعا وَطَاعَة، وَقَامُوا فتوافى الشَّيْخَانِ فِي بَاب رِبَاط الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَقت الْمغرب فَقَامَ إِلَيْهِم الشَّيْخ وتلقاهم فَمَا لَبِثُوا غير يسير حَتَّى جَاءَ الْحَاجِب إِلَى الشَّيْخ فوافاهما عِنْده فأسرع إِلَى الْخَلِيفَة وَأخْبرهُ باجتماعهم، فَكتب الْخَلِيفَة إِلَيْهِم بِخَطِّهِ يسألهم الْحُضُور وَبعث إِلَيْهِم وَلَده وحاجبه فَأَجَابُوهُ وذهبوا، وَأَمرَنِي الشَّيْخ بِالْمَسِيرِ مَعَه، فَلَمَّا كُنَّا بالشط إِذا الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَتَلقاهُ الْمَشَايِخ وَسَار مَعَهم فَأتى بِنَا إِلَى دَار حَسَنَة وَإِذا الْخَلِيفَة فِيهَا قَائِم مشدود الْوسط وَمَعَهُ خادمان وَلَيْسَ فِي الدَّار سواهُم، فَتَلقاهُمْ الْخَلِيفَة وَقَالَ لَهُم: يَا سادة إِن الْمُلُوك إِذا اجتازوا برعاياهم بسطوا لَهُم الْحَرِير ليطؤه، وَوضع لَهُم ذيله وسألهم أَن يمشوا عَلَيْهِ فَفَعَلُوا، وانْتهى بِنَا إِلَى سماط مُهَيَّأ فجلسوا وأكلوا وأكلنا مَعَهم، ثمَّ خَرجُوا وَأتوا إِلَى زِيَارَة قبر الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رضي الله عنه وَكَانَت لَيْلَة شَدِيدَة الظلمَة فَجعل الشَّيْخ عبد الْقَادِر كلما مر بِحجر أَو خَشَبَة أَو جِدَار أَو قبر أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ فيضيء كضوء الْقَمَر ويمشون فِي نوره إِلَى أَن يَنْتَهِي ضوءه فيشير الشَّيْخ إِلَى آخر فيضيء وَمَا زَالُوا يَمْشُونَ فِي النُّور وَلَيْسَ فيهم من يتَقَدَّم الشَّيْخ عبد الْقَادِر إِلَى قبر الإِمَام أَحْمد، فَدخل الْمَشَايِخ الْأَرْبَعَة يزورون ووقفنا على بَاب المزار حَتَّى خَرجُوا فَلَمَّا أَرَادوا ان يتفرقوا قَالَ الشَّيْخ عدي
للشَّيْخ عبد الْقَادِر: أوصني، قَالَ: أوصيك بِالْكتاب وَالسّنة ثمَّ تفَرقُوا.
وَعَن خَادِم الشَّيْخ عدي قَالَ: خدمته سبع سِنِين، وَشهِدت لَهُ خارقات إِحْدَاهمَا إِنِّي صببت على يَدَيْهِ يَوْمًا مَاء فَقَالَ لي: مَا تُرِيدُ؟ فَقلت أُرِيد تِلَاوَة الْقُرْآن فَإِنِّي لَا أحفظ مِنْهُ سوى الْفَاتِحَة وَسورَة الْإِخْلَاص وَحفظه عَليّ عسير جدا فَضرب بِيَدِهِ فِي صَدْرِي فَحفِظت الْقُرْآن كُله فِي وقتي، وَقلت لَهُ يَوْمًا: يَا سَيِّدي أَرِنِي شَيْئا من المغيبات فَأَعْطَانِي منديله وَقَالَ: ضَعْهُ على وَجهك فَوَضَعته، ثمَّ قَالَ لي: ارفعه فَرَفَعته فَرَأَيْت الْمَلَائِكَة الْكَاتِبين وَرَأَيْت مَا يسطرونه من أَعمال الْخَلَائق فأقمت على هَذِه الْحَالة ثَلَاثَة أَيَّام فتكدر عَليّ عيشي فاستغثت إِلَيْهِ، فَوضع ذَلِك المنديل على وَجْهي ثمَّ رفعته فاستتر عني ذَلِك الْأَمر كُله.
قَالَ: وَوصف لي يَوْمًا الشَّيْخ عقيلاً المنبجي وَهُوَ شيخ الشَّيْخ عدي فأطنب فِي ذكره. فَقلت: يَا سَيِّدي هَل لَك ان ترينيه فَأَعْطَانِي مرْآة وَأَمرَنِي أَن انْظُر فِيهَا فَنَظَرت شخصي ثمَّ توارى عني شخصي وَظهر لي شخص أرَاهُ وَلَا يخفي عني من وَجهه شَيْء فَقَالَ لي الشَّيْخ عدي: تأدب فَإِنَّهُ الشَّيْخ عقيل ودمت سَاعَة طَوِيلَة أنظرهُ كَذَلِك ثمَّ توارى عني وَظهر لي شخصي.
وَهُوَ الشَّيْخ شرف الدّين أَبُو الْفَضَائِل عدي بن مُسَافر بن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى بن مَرْوَان بن الْحسن بن مَرْوَان بن الحكم بن مَرْوَان الْأمَوِي.
وَفِي هَذَا الْكتاب الْمَذْكُور أَن أَصله من حوران، وَأَنه توفّي سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة بلاكش.
وَكَانَ فَقِيها عَالما فصيحاً رَحْمَة الله عَلَيْهِ وعلينا، بِهِ ولعمري مَا أنصف الْمُؤلف فِي تَرْجَمته، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي صفر وزر شاور للعاضد الْعلوِي كَانَ يخْدم الصَّالح طلائع بن زريك فولاه الصَّعِيد ثمَّ عَزله الْوَزير الْعَادِل بن الصَّالح بن زريك فَجمع شاور جموعه وقصده فهرب وطرده وأمسكه وَقَتله وانقرضت بِهِ دولة بني زريك.
وَفِيه يَقُول عمَارَة اليمني:
(ولت ليَالِي بني زريك وانصرمت
…
والمدح وَالشُّكْر فيهم غير منصرم)
(كَأَن صَالحهمْ يَوْمًا وَعَاد لَهُم
…
فِي صدر ذَا الدست لم يقْعد وَلم يقم)
ووزر شاور وتلقب بأمير الجيوش وَأخذ أَمْوَال بني زريك، ثمَّ جمع الضرغام ونازعه فِي الوزارة فِي رَمَضَان، فَانْهَزَمَ شاور واستنجد بِنور الدّين، وَتمكن ضرغام وَقتل كثيرا من أُمَرَاء المصريين، فضعفت الدولة بذلك حَتَّى خرجت الْبِلَاد من أَيْديهم.
وفيهَا: فِي جمادي الْآخِرَة توفّي عبد الؤمن بن عَليّ فِي سلا وَأخْبر عِنْد مَوته أَن ابْنه
مُحَمَّدًا لَا يصلح وَأَن ابْنه يُوسُف يصلح فقدموه وَبَايَعُوهُ وَولَايَة عبد الْمُؤمن ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَكسر، وَكَانَ سائسا سفاكاً للدم على الذَّنب الصَّغِير مُعظما للدّين وَالصَّلَاة وَجمع النَّاس على فروع مَالك وأصول الْأَشْعَرِيّ.
وفيهَا: ملك الْمُؤَيد آي بِهِ قومس فَأرْسل إِلَيْهِ أرسلان بن طغرل بك خلعة وألوية فَلبس الْمُؤَيد الْخلْع وخطب لَهُ فِي بِلَاده.
وفيهَا: كبس الفرنج نور الدّين فِي البقيعة تَحت حصن الأكراد فَركب نور الدّين فرسا وَفِي رجله الشَّجَّة فقطعها كردِي فنجا نور الدّين وَقتل الْكرْدِي فَوقف على مخلفيه الْوُقُوف وَسَار إِلَى بحيرة حمص وتلاحقه الْمُسلمُونَ.
وفيهَا: أجلى المستنجد بني أَسد أهل الْحلَّة المزيدية فَقتل مِنْهُم وهرب الْبَاقُونَ وتشتتوا لفسادهم وسلمت بِلَادهمْ إِلَى ابْن مَعْرُوف.
وفيهَا: توفّي سديد الدولة مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن إِبْرَاهِيم بن الْأَنْبَارِي كَاتب إنْشَاء الْخلَافَة، فَاضل أديب عمره نَحْو تسعين.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا بذل شاور الهارب من ضرغام لنُور الدّين ثلث أَمْوَال مصر بعد رزق جندها أَن أَعَادَهُ إِلَى الوزارة فَأرْسل مَعَه أَسد الدّين شيركوه بن شاذي فِي عَسْكَر فوصل مصر وَهزمَ عَسْكَر ضرغام عِنْد قبر السيدة نفيسة، وَعَاد شاور وزيراً للعاضد ثمَّ لم يقم شاور لنُور الدّين بِشَيْء من شَرطه، فَسَار أَسد الدّين وَاسْتولى على بلبيس والشرقية، فاستنجد شاور بالفرنج مَعَ عَسْكَر مصر، وحصروا شيركوه ببلبيس ثَلَاثَة أشهر، وَبلغ الفرنج حَرَكَة نور الدّين، وَأَخذه حارم فصالحوا شيركوه، فَرجع إِلَى الشَّام بعسكره سالما.
وفيهَا: فِي رَمَضَان فتح نور الدّين قلعة حارم من الفرنج؛ وَقَاتلهمْ فانتصر، وَقتل وَأسر، وَمِمَّنْ أسر الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية، والقومس صَاحب طرابلس.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة فتح نور الدّين بانياس من الفرنج: كَانَت بيدهم من سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: توفّي جمال الدّين أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي مَنْصُور الْأَصْبَهَانِيّ وَزِير مودود بن زنكي صَاحب الْموصل فِي شعْبَان مَقْبُوضا عَلَيْهِ من جِهَة مخدومة من سنة ثَمَان وَخمسين، وَكَانَ قد تعاهد الْوَزير وشيركوه أَن من مَاتَ مِنْهُمَا نَقله الآخر إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة، فنقله شيركوه، ورتب من يقْرَأ الْقُرْآن عِنْد شيله وحطه وَنُودِيَ فِي كل بلد نزلوه بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلما أَرَادوا الصَّلَاة عَلَيْهِ بالحلة صعد شَاب على مَوضِع موتفع وَأنْشد:
(سرى نعشه فَوق الرّقاب وطالماً
…
سرى جوده فَوق الركاب ونائله)
(يمر على الْوَادي فتثني رماله
…
عَلَيْهِ وبالنادي فتثني أرامله)