الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وقابلني فِي الدَّرْس أَبيض ناعم
…
وأسمر لدن أورثا جسمي الردى)
(فَذا هز من عطفيه رمحاً مثقفاً
…
وَذَا سل من جفنيه عضباً مهندا)
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى توفّي بحلب الْحَاج مُحَمَّد بن سلمَان الْحلَبِي الْعَزْم، كَانَ عِنْده ديانَة وإيثار وَله مَعَ المصروعين وقائع وعجائب.
وَفِيه: توفّي بطرابلس الْأَمِير الْفَاضِل صَلَاح الدّين يُوسُف بن الأسعد الدواتدار أحد الْأُمَرَاء بطرابلس وَهُوَ وَاقِف الْمدرسَة الصلاحية بحلب كَمَا تقدم وَكَانَ من أكمل الْأُمَرَاء ذكياً فطنا مُعظما لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ -
حسن الخظ، وَله نظم، كَانَ كَاتبا ثمَّ صَار داوندار قبجق بحماه ثمَّ شاد الدَّوَاوِين بحلب ثمَّ حاجباً بهَا ثمَّ دواتدار الْملك النَّاصِر ثمَّ نَائِبا بالإسكندرية ثمَّ أَمِيرا بحلب وشاد المَال وَالْوَقْف ثمَّ أَمِيرا بطرابلس رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي شعْبَان بلغنَا وَفَاة الشَّيْخ
نجم الدّين القحفيزي بِدِمَشْق، فَاضل فِي الْعَرَبيَّة والأصلين ظريف حسن الْأَخْلَاق، وَمن ذَلِك أَنه أنْشد مرّة قَول الشَّاعِر:
(أيا نخلتي سلمى
…
إِلَخ)
فَقَالَ لَهُ بعض التلاميذ: يَا سَيِّدي وَمَا تَيْس المَاء؟ فَقَالَ الشَّيْخ إِن شِئْت أَن تنظره فَانْظُر فِي الخابية تره.
وفيهَا: توفّي بِدِمَشْق قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين الْحَنَفِيّ الأطروش.
وفيهَا: توفّي الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدعدي الزراق أتابك عَسْكَر حلب مسناً وَله سَماع وَحكى لي أَنه حر الأَصْل من أَوْلَاد الْمُسلمين وَهُوَ فاتح قلعة خندروس كَمَا تقدم، وَتُوفِّي كندغدي الْعمريّ نَائِب البيرة مسناً عزل عَنْهَا قبل مَوته بأيام وعزموا على الْكَشْف عَلَيْهِ فستره الله بالوفاة ببركة محبته للْعُلَمَاء والفقراء وَسيف الدّين بلبان جركس نَائِب قلعة الْمُسلمين طَال مقَامه بهَا وَخلف مَالا كثيرا لبيت المَال.
وفيهَا: فِي شهر رَمَضَان اتّفق سيل عَظِيم بطرابلس هلك فِيهِ خلق مِنْهُم ابْنا القَاضِي تَاج الدّين مُحَمَّد بن البارنباري كَاتب سرها، وَكَانَ أحد الِابْنَيْنِ الغريقين نَاظر الْجَيْش والاخر موقع الدست ورق النَّاس لأَبِيهَا فَقلت وَفِيه تضمين واهتدام:
(وارحمتاه لَهُ فَإِن مصابه
…
بِابْن يبرحه فَكيف ابْنَانِ)
(مَا أنصفته الحادثان رمينه
…
بمود عين وَمَا لَهُ قلبان)
وَزَاد نهر حماه وغرق دوراً كَثِيرَة وَلَطم العَاصِي خرطلة شيزر فَأَخذهَا وَتَلفت بساتين الْبَلَد لذَلِك وَيحْتَاج إِعَادَتهَا إِلَى كلفة كَبِيرَة.
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفّي بِدِمَشْق القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن النَّقِيب الشَّافِعِي وَتَوَلَّى تدريس الشامية مكانة تَاج الدّين عبد الْوَهَّاب بن السُّبْكِيّ ثمَّ تولاها السُّبْكِيّ بِنَفسِهِ خوفًا عَلَيْهَا، وَكَانَ ابْن النَّقِيب بَقِيَّة النَّاس وَمن أهل الإيثار وَأقَام حُرْمَة المنصب لما كَانَ
قَاضِي حلب، فَقِيها كَبِيرا مُحدثا أصولياً متواضعاً مَعَ الضُّعَفَاء شَدِيدا على النواب.
قَالَ رحمه الله: دخلت وَأَنا صبي اشْتغل على الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ فَقَالَ لي: أَهلا بقاضي الْقُضَاة فَنَظَرت فَلم أجد عِنْده أحدا غَيْرِي فَقَالَ: اجْلِسْ يَا مدرس الشامية وَهَذَا من جملَة كشف الشَّيْخ محيي الدّين وَابْن النَّقِيب حكى هَذَا بحلب قبل تَوليته الشامية وَحكى لي يَوْمًا وَإِن كنت قد وقفت عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع من الْكتب أَنه رفع إِلَى أبي يُوسُف صَاحب أبي حنيفَة رضي الله عنهما مُسلم قتل فَحكم عَلَيْهِ بالقود فَأَتَاهُ رجل برقعة أَلْقَاهَا إِلَيْهِ فِيهَا:
(يَا قَاتل الْمُسلم بالكافر
…
جرت وَمَا الْعَادِل كالجائر)
(يَا من بِبَغْدَاد وأعمالها
…
من عُلَمَاء النَّاس أَو شَاعِر)
(استرجعوا وابكوا على دينكُمْ
…
واصطبروا فالأجر للصابر)
فَبلغ الرشيد ذَلِك فَقَالَ لأبي يُوسُف تدارك هَذَا الْأَمر بحيلة لِئَلَّا تكون فتْنَة فطالب أَبُو يُوسُف أَصْحَاب الدَّم بِبَيِّنَة على صِحَة الذِّمَّة وثبوتها فَلم يَأْتُوا بهَا، فأسقط الْقود، وَحكى لنا يَوْمًا فِي بعض دروسه بحلب أَن مَسْأَلَة ألقيت على المدرسين وَالْفُقَهَاء بِدِمَشْق فَمَا حلهَا إِلَّا عَامل الْمدرسَة وَهِي رجل صلى الْخمس بِخَمْسَة وضوءات، وَبعد ذَلِك علم أَنه ترك مسح الرَّأْس فِي أحد الوضوءات فَتَوَضَّأ خمس وضوءات وَصلى الْخمس، ثمَّ تَيَقّن أَيْضا أَنه ترك مسح الرَّأْس فِي أحد الوضوءات.
الْجَواب: يتَوَضَّأ وَيُصلي الْعشَاء فَيخرج عَن الْعهْدَة بِيَقِين لِأَن الصَّلَاة المتروكة الْمسْح أَولا إِن كَانَت الْعشَاء فقد صحت الصَّلَوَات الْأَرْبَع قبلهَا، وَهَذِه الْعشَاء الْمَأْمُور بِفِعْلِهَا خَاتِمَة الْخمس وَإِن كَانَت غير الْعشَاء، فالعشاء الأولى والصلوات الْخمس الْمُعَادَة وَالْعشَاء الثَّالِثَة صَحِيحَة وغايته ترك مسح فِي تَجْدِيد وضوء لهَذَا يجب أَن يشْتَرط عدم الْحَدث إِلَى أَن يُصَلِّي الْخمس ثَانِيًا.
قلت: التَّحْقِيق أَن الْوضُوء ثَانِيًا كل يُغْنِيه عَنهُ مسح الرَّأْس وَغسل الرجلَيْن لِأَن الشَّرْط أَنه لم يحدث إِلَى أَن يُصَلِّي الْخمس ثَانِيًا وَكَذَلِكَ كَانَ يَنْبَغِي للعجيب أَن يَقُول لَهُ: إِن كنت لم تحدث إِلَى الْآن فامسح رَأسك واغسل رجليك وصل الْعشَاء إِذْ الْجَدِيد عدم وجوب التَّتَابُع وَإِن كنت مُحدثا الْآن فَلَا بُد من الْوضُوء كَمَا قَالَ.
وفيهَا: اسْترْجع السُّلْطَان الْملك الصَّالح مَا بَاعه الْملك الْمُؤَيد وَابْنه الْأَفْضَل بحماه والمعرة وبلادهما من أَمْلَاك بَيت المَال وَهُوَ بأموال عَظِيمَة وَكَانَ غَالب الْملك قد طرح على النَّاس غصبا وَقد اشْتريت بِهِ تقادم إِلَى الْملك النَّاصِر فَقَالَ بعض المعربين فِي ذَلِك:
(طرحوا علينا الْملك طرح مصَادر
…
ثمَّ استردوده بِلَا أَثمَان)
(وَإِذا يَد السُّلْطَان طَالَتْ واعتدت
…
فيد الْإِلَه على يَد السُّلْطَان)
وكأنما كاشف هَذَا الْقَائِل فَإِن مُدَّة السُّلْطَان لم تطل بعد ذَلِك.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: والتتر مُخْتَلفُونَ مقتتلون من جين مَاتَ القان
أَبُو سعيد وبلاد الشرق والعجم فِي غلاء وَنهب وجور بِسَبَب الْخلف من حِين وَفَاته إِلَى هَذِه السّنة.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر توفّي السُّلْطَان الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون بوجع المفاصل والقولنج.
وَكَانَ فِيهِ ديانَة، وَيقْرَأ الْقُرْآن، وَفِي آخر يَوْم مَوته جلس مَكَانَهُ أَخُوهُ السُّلْطَان الْملك الْكَامِل شعْبَان، وَأخرج آل ملك نَائِب أَخِيه إِلَى نِيَابَة صفد وقماري إِلَى نِيَابَة طرابلس.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر نقل يلبغا الناصري من نِيَابَة حلب إِلَى نِيَابَة دمشق مَكَان طقز تمر، وسافر طقز تمر إِلَى مصر بعد الْمُبَالغَة فِي امْتِنَاعه من النقلَة من دمشق فَمَا أُجِيب إِلَى ذَلِك، وَتُوفِّي طقز تمر بِمصْر بعد مُدَّة يسيرَة وَكَانَ عِنْده ديانَة.
وَفِيه: وصل الْأَمِير سيف الدّين أرقطاي إِلَى حلب نَائِبا وأبطل الْخُمُور والفجور بعد اشتهارها، وَرفع عَن الْقرى الطرح وَكَثِيرًا من الْمَظَالِم وَرخّص السّعر وسررنا بِهِ.
وفيهَا: عزل سيف بن فضل بن عِيسَى عَن إِمَارَة الْعَرَب ووليها أَحْمد بن مهنا وأعيد إقطاع فياض بن مهنا إِلَيْهِ وَرَضي عَنهُ واستعيد من أَيدي الْعَرَب من الإقطاعات وَالْملك شَيْء كثير وَجعل خَاصّا لبيت المَال.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى صليت بحلب صَلَاة الْغَائِب على القَاضِي عز الدّين بن المنجا الْحَنْبَلِيّ قَاضِي دمشق وَهُوَ معري الأَصْل.
وفيهَا: فِي شهر رَمَضَان وصل القَاضِي بهاء الدّين حسن بن جمال الدّين سُلَيْمَان بن رَيَّان إِلَى حلب نَاظرا على الْجَيْش على عَادَته عوضا عَن القَاضِي بدر الدّين مُحَمَّد بن الشهَاب مَحْمُود الْحلَبِي، ثمَّ مَا مضى شهر حَتَّى أُعِيد بدر الدّين عوضا عَن بهاء الدّين، وَهَكَذَا صَارَت المناصب كلهَا بحلب قَصِيرَة الْمدَّة كَثِيرَة الكلفة.
قلت:
(سَاكِني مصر أَيْن ذَاك التأني
…
والتأني وَمَا لكم عَنهُ عذر)
(يخسر الشَّخْص مَاله ويقاسي
…
تَعب الدَّهْر وَالْولَايَة شهر)
وفيهَا: كتب على بَاب قلعة حلب وَغَيرهَا من القلاع نقراً فِي الْحجر مَا مضمونه مُسَامَحَة الْجند بِمَا كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُم لبيت المَال بعد وَفَاة الجندي والأمير وَذَلِكَ أحد عشر يَوْمًا وَبَعض يَوْم فِي كل سنة وَهَذَا الْقدر هُوَ التَّفَاوُت بَين السّنة الشمسية والقمرية وَهَذِه مُسَامَحَة بِمَال عَظِيم.
وفيهَا: قتلت الأرمن ملكهَا كند اصطبل الفرنجي كَانَ علجاً لَا يُدَارِي الْمُسلمين فخربت بِلَادهمْ وملكوا مَكَانَهُ.
وفيهَا: فِي أواخرها ملكت التركمان قلعة كابان وربضها بالحيلة وَهِي من أمنع قلاع سيس مِمَّا يَلِي الرّوم وَقتلُوا رجالها وَسبوا النِّسَاء والأطفال، فبادر صَاحب سيس الْجَدِيد لاستنقاذها فصادفه ابْن دلغادر فأوقع بالأرمن وَقتل مِنْهُم خلقا وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ.
قلت:
(صَاحب سيس الْجَدِيد نَادَى
…
كابان عِنْدِي عديل روحي)
(قُلْنَا تأهب لغير هَذَا
…
فَذا فتوح على الْفتُوح)
وَبعد فتحهَا قصد النَّائِب بحلب أَن يَسْتَنِيب فِيهَا من جِهَة السُّلْطَان فعتا ابْن دلغادر عَن ذَلِك فجهزوا عسكراً لهدمها ثمَّ أَخَذتهَا الأرمن مِنْهُ بشؤم مُخَالفَته لوَلِيّ الْأَمر وَذَلِكَ فِي رَجَب سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة قبض على قماري الناصري نَائِب طرابلس وعَلى آل ملك نَائِب صفد، وَولي طرابلس بيدمر البدري، وصفد أرغون الناصري.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: والتتر مُخْتَلفُونَ كَمَا كَانُوا.
وفيهَا: فِي الْمحرم طلب الْحَاج أرقطاي نَائِب حلب إِلَى مصر، وتكن فِي مصر وارتفع شَأْنه وَصَارَ رَأس مشورة مَكَان حسنكلي بن البابا فَإِنَّهُ توفّي قبل ذَلِك بأيام.
وَفِيه: أقبل إِلَى حلب وبلادها من جِهَة الشرق جَراد عَظِيم فَكَانَ أَذَاهُ قَلِيلا بِحَمْد الله.
قلت:
(رجل جَراد صدها
…
عَن الْفساد الصَّمد)
(فكم وَكم للطفه
…
فِي هَذِه الرجل يَد)
وفيهَا: فِي ربيع الأول وصل إِلَى حلب الْأَمِير سيف الدّين طقتمر الأحمدي نَائِبا نقل إِلَيْهَا من حماه مَكَانَهُ أسندمر الْعمريّ. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى سَافر القَاضِي نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الصاحب شرف الدّين يَعْقُوب وَولي كِتَابه السِّرّ بِدِمَشْق وَتَوَلَّى كِتَابَة السِّرّ بحلب مَكَانَهُ القَاضِي جمال الدّين إِبْرَاهِيم بن الشهَاب مَحْمُود الْحلَبِي.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى بلغنَا أَن نَائِب الشَّام يلبغا خرج إِلَى ظَاهر دمشق خوفًا من الْقَبْض عَلَيْهِ وشق الْعَصَا وعاضد أُمَرَاء مصر حَتَّى خلع السُّلْطَان الْملك الْكَامِل شعْبَان وأجلسوا مَكَانَهُ أَخَاهُ السُّلْطَان الْملك المظفر أَمِير حَاج وسلموا إِلَيْهِ أَخَاهُ الْكَامِل فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ، وناب عَن المظفر بِمصْر الْحَاج أرقطاي المنصوري، وَلما تمّ هَذَا الْأَمر تصدق يلبغا فِي المملكة الحلبية وَغَيرهَا بِمَال كثير ذهب وَفِضة شكرا لله تَعَالَى، وَكَانَ هَذَا الْملك الْكَامِل سيء التَّصَرُّف يولي المناصب غير أَهلهَا بالبذل ويعزلهم عَن قريب ببذل غَيرهم، وَكَانَ يَقُول عَن نَفسه: أَنا ثعبان لَا شعْبَان.
وفيهَا: فِي رَجَب توفّي بحلب الْأَمِير شهَاب الدّين قرطاي الأسندمري من مقدمي الألوف أَمِير عفيف الذيل متصون.
وفيهَا: فِي مستهل رَجَب سَافر طقتمر الأحمدي نَائِب حلب إِلَى الديار المصرية وَسَببه وَحْشَة بَينه وَبَين نَائِب الشَّام فَإِنَّهُ مَا ساعده على خلع الْكَامِل وَحفظ أيمانه.
وفيهَا: وَقع الوباء بِبِلَاد أزبك وخلت قرى ومدن من النَّاس، ثمَّ اتَّصل الوباء بالقرم حَتَّى صَار يخرج مِنْهَا فِي الْيَوْم ألف جَنَازَة أَو نَحْو ذَلِك حكى لي ذَلِك من أَثِق بِهِ من التُّجَّار، ثمَّ اتَّصل الوباء بالروم وَهلك مِنْهُم خلق وَأَخْبرنِي تَاجر من أهل بلدنا قدم من تِلْكَ الْبِلَاد أَن قَاضِي القرم قَالَ: أحصينا من مَاتَ بالوباء فَكَانُوا خَمْسَة وَثَمَانِينَ ألفا غير من لَا نعرفه، والوباء الْيَوْم بقبرس والغلاء الْعَظِيم أَيْضا.
وفيهَا: فِي شعْبَان وصل إِلَى حلب الْأَمِير سيف الدّين (بيدمر البدري) نقل إِلَيْهَا من طرابلس وَولي طرابلس مَكَانَهُ، والبدري هَذَا عِنْده حِدة وَفِيه بدرة وَيكْتب على كثير من الْقَصَص بِخَطِّهِ وَهُوَ خطّ قوي.
وفيهَا: توفّي بطرابلس قاضيها شهَاب الدّين أَحْمد بن شرف الزرعي، وَتَوَلَّى مَكَانَهُ القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد اللَّطِيف الْحَمَوِيّ.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة صدرت بحلب وَاقعَة غَرِيبَة وَهِي أَن بِنْتا بكرا من أَوْلَاد أَوْلَاد عَمْرو التيزيني كرهت زَوجهَا ابْن المقصوص فلقنت كلمة الْكفْر لينفسخ نِكَاحهَا قبل الدُّخُول فقالتها وَهِي لَا تعلم مَعْنَاهَا فأحضرها البدري بدار الْعدْل بحلب وَأمر فَقطعت أذناها وشعرها وعلق ذَلِك فِي عُنُقهَا وشق أنفها وطيف بهَا على دَابَّة بحلب وبتيزين وَهِي من أجمل الْبَنَات وأحياهن فشق ذَلِك على النَّاس وَعمل النِّسَاء عَلَيْهَا عزاء فِي كل نَاحيَة بحلب حَتَّى نسَاء الْيَهُود وَأنْكرت الْقُلُوب قبح ذَلِك، وَمَا أَفْلح البدري بعْدهَا.
قلت:
(وضج النَّاس من بدر مُنِير
…
يطوف مشرعاً بَين الرِّجَال)
(ذكرت وَلَا سَوَاء بهَا السبايا
…
وَقد طافوا بِهن على الْجمال)
وَفِيه: ورد الْبَرِيد بتوليه السَّيِّد عَلَاء الدّين عَليّ بن زهرَة الْحُسَيْنِي نقابة الْأَشْرَاف بحلب مَكَان ابْن عَمه الْأَمِير شمس الدّين حسن بن السَّيِّد بدر الدّين مُحَمَّد بن زهرَة وَأعْطِي هَذَا إِمَارَة طلخانات بحلب.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: والتتر مُخْتَلفُونَ.
وفيهَا: فِي ثَالِث الْمحرم وصل إِلَى حلب القَاضِي شهَاب الدّين بن أَحْمد بن الريَاحي على قَضَاء الْمَالِكِيَّة بحلب، وَهُوَ أول مالكي استقضى بحلب وَلَا بُد لَهَا من قَاض حنبلي
بعد مُدَّة لتكمل بِهِ الْعدة أُسْوَة بِمصْر ودمشق، وَفِي السّنة الَّتِي قبلهَا تجدّد بطرابلس قَاض حَنَفِيّ مَعَ الشَّافِعِي.
وفيهَا: فِي الْمحرم صليت بحلب صَلَاة الْغَائِب على القَاضِي شرف الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن ظافر الْهَمدَانِي الْمَالِكِي قَاضِي الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق وَقد أناف على الثَّمَانِينَ، كَانَ دينا خيرا متجملاً فِي الملبس وَهُوَ الَّذِي عاضد تنكز على نكبة قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين يُوسُف بن جملَة وَهَا هم قد الْتَقَوْا عِنْد الله تَعَالَى.
وَفِيه: ظهر بَين منبج وَالْبَاب جَراد عَظِيم صَغِير من بزر السّنة الْمَاضِيَة فَخرج عكسر من حلب وَخلق من فلاحي النواحي الحلبية نَحْو أَرْبَعَة آلَاف نفس لقَتله وَدَفنه وَقَامَت عِنْدهم أسواق وصرفت عَلَيْهِم من الرّعية أَمْوَال، وَهَذِه سنة ابْتَدَأَ بهَا الطنبغا الْحَاجِب من قبلهم.
قلت:
(قصد الشَّام جَراد
…
سنّ للغلات سنا)
(فتصالحنا عَلَيْهِ
…
وحفرنا ودفنا)
وفيهَا: فِي الْمحرم سَافر الْأَمِير نَاصِر الدّين بن المحسني بعكسر من حلب لتسكين فتْنَة بِبَلَد شيرز بَين الْعَرَب والأكراد قتل فِيهَا من الأكراد نَحْو خَمْسمِائَة نفس ونهبت أَمْوَال ودواب.
وفيهَا: فِي الْمحرم عزمت الأرمن على نكبة لأياس فأوقع بهم أَمِير أياس حسام الدّين مَحْمُود بن دَاوُد الشَّيْبَانِيّ وَقتل من الأرمن خلقا وَأسر خلقا وأحضرت الرؤوس والأسرى إِلَى حلب فِي يَوْم مشهود فَللَّه الْحَمد.
وفيهَا: منتصف ربيع الأول سَافر بيدمر البدري نَائِب حلب إِلَى مصر معزولاً أَنْكَرُوا عَلَيْهِ مَا اعْتَمدهُ فِي حق الْبِنْت من تيزين الْمُقدم ذكرهَا وَنَدم على ذَلِك حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم.
وَفِيه: وصل إِلَى حلب نائبها أرغون شاه الناصري فِي حشمة عَظِيمَة نقل إِلَيْهَا من صفد.
وَفِيه: قطعت الطّرق وأخيفت السبل بِسَبَب الْفِتْنَة بَين الْعَرَب لخُرُوج إمرة الْعَرَب عَن أَحْمد بن مهنا إِلَى سيف بن فضل بن عِيسَى.
قلت:
(نُرِيد لأهل مصر كل خير
…
وقصدهم لنا حتف وحيف)
(وَهل يسمو لأهل الشَّام رمح
…
إِذا استولى على العربان سيف)
وفيهَا: فِي ربيع الآخر قدم على كركر ولختا وَمَا يَليهَا عصافير كالجراد الْمُنْتَشِر فَتَنَازَعَ النَّاس إِلَى شيل الغلات بدارا وَهَذَا مِمَّا لم يسمع بِمثلِهِ.
وَفِيه: وصل تَقْلِيد القَاضِي شرف الدّين مُوسَى بن فياض الْحَنْبَلِيّ بِقَضَاء الْحَنَابِلَة
بحلب فَصَارَ الْقُضَاة أَرْبَعَة، وَلما بلغ بعض الظرفاء أَن حلب تجدّد بهَا قاضيان مالكي وحنبلي أنْشد قَول الحريري فِي الملحة:
(ثمَّ كلا النَّوْعَيْنِ جَاءَ فَضله
…
مُنْكرا بعد تَمام الْجُمْلَة)
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى هرب يلبغا من دمشق بأمواله وذخائره الَّتِي تكَاد تفوت الْحصْر خشيَة من الْقَبْض عَلَيْهِ، وَقصد الْبر فخافه الدَّلِيل وخذله أَصْحَابه وتناوبته العربان من كل جَانب وألزمه أَصْحَابه قهرا بِقصد حماه ملقياً للسلاح فَلَقِيَهُ نَائِب حماه مستشعراً مِنْهُ وَأدْخلهُ حماه ثمَّ حضر من تسلمه من جِهَة السُّلْطَان وَسَارُوا بِهِ إِلَى جِهَة مصر فَقَتَلُوهُ بقاقون وَدفن بهَا وَهَذَا من لطف الله بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَو دخل بِلَاد التتار أتعب النَّاس ورسم السُّلْطَان بإكمال جَامِعَة الَّذِي أنشأه بِدِمَشْق وَأطلق لَهُ مَا وَقفه عَلَيْهِ وَهُوَ جَامع حسن بوقف كثير، وَكَانَ يلبغا خيرا للنَّاس من حَاشِيَته بِكَثِير.
وَكَانَ عفيفاً عَن أَمْوَال الرّعية، وَمَا علمنَا أَن أحدا من التّرْك ببلادنا حصل لَهُ مَا حصل ليلبغا، جمع شَمله بِأَبِيهِ وَأمه وأخوته وكل مِنْهُم أَمِير إِلَى أَن قضى نحبه رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة نقل أرغون شاه من نِيَابَة حلب إِلَى نِيَابَة دمشق فسافر عَاشر الشَّهْر، وبلغنا أَن وسط فِي طَرِيقه مُسلمين وَهَذَا أرغون شاه فِي غَايَة السطوة مقدم على سفك الدَّم بِلَا تثبت، قتل بحلب خلقا ووسط وَسمر وَقطع بدوياً سبع قطع بِمُجَرَّد الظَّن بِحَضْرَتِهِ، وَغَضب على فرس لَهُ قيمَة كَثِيرَة مرح بالعلافة فَضَربهُ حَتَّى سقط ثمَّ قَامَ فَضَربهُ حَتَّى سقط وَهَكَذَا مَرَّات حَتَّى عجز عَن الْقيام فَبكى الْحَاضِرُونَ على هَذَا الْفرس.
فَقيل لَهُ:
(عقلت طرفك حَتَّى
…
أظهرت للنَّاس عقلك)
(لَا كَانَ دهر يولي
…
على بني النَّاس مثلك)
وَفِيه: اقتتل سيف بن فضل أَمِير الْعَرَب وَأَتْبَاعه أَحْمد وفياض فِي جمع عَظِيم قرب سلمية فانكسر سيف ونهبت جماله وَمَاله ونجى بعد اللتيا واللتي فِي عشْرين فَارِسًا،، وَجرى على بلد المعرة وحماه وَغَيرهَا فِي هَذِه السّنة بل فِي هَذَا الشَّهْر من الْعَرَب أَصْحَاب سيف وَأحمد وفيض من النهب وَقطع الطّرق، ورعى الكروم والزروع والقطن والمقائي مَا لَا يُوصف.
وَفِيه: انْكَسَرَ الْملك الأستر بن تمر تاش بِبِلَاد الشرق كسرة شنيعة ثمَّ شربوا من نهر مَسْمُوم فَمَاتَ أَكْثَرهم ومزقهم الله كل ممزق، وَكَانَ هَذَا الْمَذْكُور رَدِيء النِّيَّة موتوراً فذاق وبال أمره.
وفيهَا: فِي أواخرها وصل إِلَى حلب نَائِبا فَخر الدّين أياز نقل إِلَيْهَا من صفد.
وفيهَا: فِي رَمَضَان قتل السُّلْطَان الْملك المظفر أَمِير حَاج بن الْملك النَّاصِر بن قلاوون بِمصْر وأقيم مَكَانَهُ أَخُوهُ السُّلْطَان الْمَالِك النَّاصِر حسن كَانَ الْملك المظفر قد أعدم أَخَاهُ الْأَشْرَف كجك وفتك بالأمراء وَقتل من أعيانهم نَحْو أَرْبَعِينَ أَمِيرا مثل بيدمر البدري نَائِب حلب ويلبغا نَائِب الشَّام
وطقتمر النجمي الدواتدار وأقسنقر الَّذِي كَانَ نَائِب طرابلس، ثمَّ صَار الْغَالِب على الْأَمر بِمصْر أرغون العلائي والكتمر الْحِجَازِي وتتمش عبد الْغَنِيّ أَمِير مائَة مقدم ألف وشجاع الدبن غرلو وَهُوَ أظلمهم وَنجم الدّين مَحْمُود بن شروين وَزِير بَغْدَاد ثمَّ وَزِير مصر وَهُوَ أجودهم وَأَكْثَرهم برا ومعروفاً، وَحكي لنا ان النُّور شوهد على قَبره بغزة وَكَانَ المظفر قد رسم لعبد أسود صُورَة بِأَن يَأْخُذ على كل رَأس غنم تبَاع بحلب وحماه ودمشق نصف دِرْهَم، فَيوم وُصُول الْأسود إِلَى حلب وصل الْخَبَر بقتل السُّلْطَان فسر النَّاس بخيبة الْأسود.
وفيهَا: فِي شَوَّال طلب السُّلْطَان فَخر الدّين أياز نَائِب حلب إِلَى مصر وخافت الْأُمَرَاء أَن يهرب فَرَكبُوا من أول اللَّيْل وَأَحَاطُوا بِهِ فَخرج من دَار الْعدْل وَسلم نَفسه إِلَيْهِم فأودعوه القلعة، ثمَّ حمل إِلَى مصر فحبس وَهُوَ أحد الساعين فِي نكبة يلبغا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ من الجركس وهم أضداد لجنس التتر بِمصْر، وَكَانَ المظفر قد مَال عَن جنس التتر إِلَى الجركس وَنَحْوهم فَكَانَ ذَلِك أحد ذنُوبه عِنْدهم فَانْظُر إِلَى هَذِه الدول الْقصار الَّتِي مَا سمع بِمِثْلِهَا فِي الْأَعْصَار.
قلت:
(هذي أُمُور عِظَام
…
من بَعْضهَا الْقلب ذائب)
(مَا حَال قطر يَلِيهِ
…
فِي كل شَهْرَيْن نَائِب)
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة وصل إِلَى حلب الْحَاج أرقطاي نَائِبا بعد أَن خطبوه إِلَى السلطنة وَالْجُلُوس على الْكُرْسِيّ بِمصْر فَأبى وخطبوا قبله إِلَى ذَلِك الْخَلِيفَة الْحَاكِم بِأَمْر الله فَامْتنعَ كل هَذَا خوفًا من الْقَتْل فَلَمَّا جلس الْملك النَّاصِر حسن على الْكُرْسِيّ طلب الْحَاج أرقطاري مِنْهُ نِيَابَة حلب فَأُجِيب وأعفى النَّاس من زِينَة الْأَسْوَاق بحلب لِأَنَّهَا تَكَرَّرت حَتَّى سمجت.
قلت:
(فكم ملك جَاءَ وَكم نَائِب
…
يَا زِينَة الْأَسْوَاق حَتَّى مَتى)
(قد كرروا الزِّينَة حَتَّى اللحى
…
مَا بقيت تلْحق أَن تنبتا)
وَفِيه: بلغنَا أَن السُّلْطَان أَبَا الْحسن المريني صَاحب الْمغرب انْتقل من الغرب الجواني من قَاس إِلَى مَدِينَة تونس وَهِي أقرب إِلَيْنَا من فاس بِثَلَاثَة أشهر وَذَلِكَ بعد موت ملكهَا أبي بكر من الحفصيين بالفالج وَبعد ان أَجْلِس أَبُو الْحسن ابْنه على الْكُرْسِيّ بالغرب الجواني وَقد أوجس المصريون من ذَلِك خيفة فَإِن بعض الْأُمَرَاء المصريين الأذكياء أَخْبرنِي أَن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد كَانَ يَقُول: رَأَيْت فِي بعض الْمَلَاحِم أَن المغاربة تملك مصر وتبيع أَوْلَاد التّرْك فِي سويقه مَازِن وَهَذَا السُّلْطَان أَبُو الْحسن ملك عَالم مُجَاهِد عَادل، كتب من مُدَّة قريبَة بخطة ثَلَاثَة مصاحف ووقفها على الْحَرَمَيْنِ وعَلى حرم الْقُدس وجهز مَعهَا عشرَة آلَاف دِينَار اشْترى بهَا أملاكاً بِالشَّام ووقفت على الْقُرَّاء والخزنة للمصاحف الْمَذْكُورَة، ووقفت على نُسْخَة توقيع بمساحة الْأَوْقَاف الْمَذْكُورَة بمؤن وكلف وأحكار أنشأه صاحبنا الشَّيْخ جمال الدّين بن نَبَاته الْمصْرِيّ أحد الموقعين الْآن بِدِمَشْق أَوله الْحَمد لله الَّذِي أرهف لعزائم الْمُوَحِّدين غرباً وأطلعهم بهممهم حَتَّى فِي مطالع الغرب شهباً، وَعرف بَين قُلُوب الْمُؤمنِينَ
حَتَّى كَانَ الْبعد قرباً، وَكَانَ القلبان قلباً وأيد بولاء هَذَا الْبَيْت الناصري مُلُوك الأَرْض وَعبيد الْحق سلما وحرباً وعضد بِبَقَائِهِ كل ملك إِذا نزل الْبر أَنْبَتَهُ يَوْم الكفاح أسلاً وَيَوْم السماح عشباً وَإِذا ركب الْبَحْر لنهب الْأَعْدَاء كَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل سفينة غصبا وَإِذا بعث هداياه المتنوعة كَانَت عراباً تصْحَب عربا ورياضاً تسحب سحباً.
وَإِذا وقف أوقاف الْبر سَمِعت الْآفَاق من خطّ يَده قُرْآنًا عجبا واهتزت بذكراه عجبا.
وفيهَا: وَذُو الْوَلَاء قريب وَإِن نأت دَاره ودان بالمحبة وَإِن شط شط بحره ومزاره وَهُوَ بأخباره النيرة مَحْبُوب كالجنة قبل أَن ترى مَوْصُوف كوصف الْمشَاهد وَإِن حَالَتْ عَن الأكتحال بطلعته أَمْيَال السرى وَلما كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن سر الله بِبَقَائِهِ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين، وسره بِمَا كتب من اسْمه فِي أَصْحَاب الْيَمين {وَمَا أَدْرَاك مَا أَصْحَاب الْيَمين} هُوَ الَّذِي مد الْيَمين بِالسَّيْفِ والقلم فَكتب فِي أَصْحَابهَا وسطر الختمات الشَّرِيفَة فنصر الله حزبه بِمَا سطر من أحزابها وَمد الرماح أرشية فاشتقت من قُلُوب الْأَعْدَاء قليباً والأقلام أروية فشفت ضعف البصائر وحسبك بِالذكر الْحَكِيم طَبِيبا.
وفيهَا: ثمَّ وصلت ختمات شريفة كتبهَا بقلمه الْمجِيد المجدي وَخط سطورها بالعربي وطالما خطّ فِي صُفُوف الْأَعْدَاء بالهندي.
وفيهَا: وَأمر بترتيب خَزَنَة وقراء على مطالع أفقها ووقف أوقافها تجرى أَقْلَام الْحَسَنَات فِي إِطْلَاقهَا وَطَلقهَا، وَحبس أملاكاً شامية تحدث بنعم الْأَمْلَاك الَّتِي سرت من مغرب الشَّمْس إِلَى مشرقها، وَرغب فِي الْمُسَامحَة على تِلْكَ الْأَمْلَاك من أحكار ومؤونات وأوضاع ديوانية وضع بهَا خطّ الْمُسَامحَة فِي دواوين الْحَسَنَات المسطرات فَأُجِيب على الْبعد داعيه وقوبل بالإسعاف والإسعاد وَقفه ومساعيه، وختمها بقوله: وَالله تَعَالَى يمتع من وقف هَذِه الْجِهَات بِمَا سطر لَهُ فِي أكْرم الصحائف، وينفع الْجَالِس مكن وُلَاة الْأُمُور فِي تقريرها ويتقبل من الْوَاقِف.
وَفِيه: صليت بحلب صَلَاة الْغَائِب على الشَّيْخ شمس الدّين بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن قايماز الذَّهَبِيّ الدِّمَشْقِي مُنْقَطع القرين فِي معرفَة أَسمَاء الرِّجَال مُحدث كَبِير ومؤرخ من مصنفاته كتاب تَارِيخ الْإِسْلَام وَكتاب الْمَوْت وَمَا بعده وَغير ذَلِك، وكف بَصَره فِي آخر عمره.
ومولده سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة، واستعجل قبل مَوته فترجم فِي تواريخه الْأَحْيَاء الْمَشْهُورين بِدِمَشْق وَغَيرهَا، وَاعْتمد فِي ذكر سير النَّاس على أحدث يَجْتَمعُونَ بِهِ وَكَانَ فِي أنفسهم من النَّاس فآذى بِهَذَا السَّبَب فِي مصنفاته أَعْرَاض خلق من الْمَشْهُورين.
وفيهَا: كَانَ الغلاء بِمصْر ودمشق وحلب وبلادهن، وَالْأَمر بِدِمَشْق أَشد حَتَّى انكشفت فِيهِ أَحْوَال خلق، وجلى كَثِيرُونَ مِنْهَا إِلَى حلب وَغَيرهَا.
وَأَخْبرنِي بعض بني تَيْمِية أَن الغرارة وصلت بِدِمَشْق إِلَى ثَلَاثمِائَة، وَبيع الْبيض كل خمس بيضات بدرهم، وَاللَّحم رَطْل بِخَمْسَة وَأكْثر، وَالزَّيْت رَطْل بِسِتَّة أَو سَبْعَة.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة قيد الْأَمر شهَاب الدّين أَحْمد بن الْحَاج مغلطاي القرا سنقري وَحمل إِلَى دمشق فسجن بالقلعة.
وَكَانَ مشد الْوَقْف بحلب وحاجباً، وَكَانَ قبل هَذِه الْحَادِثَة قد سعى فِي بعض الْقُضَاة وَقصد لَهُ إهانة بدار الْعدْل فَسلم الله القَاضِي، وَأُصِيب السَّاعِي الْمَذْكُور، وَرُبمَا كَانَ طلبه من مصر يَوْم سَعْيه فِي القَاضِي ثمَّ خلص بعد ذَلِك وأعيد إِلَى حلب وَصلح حَاله.
وفيهَا: توفّي بِدِمَشْق ابْن علوي أوصى بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم تفرق صَدَقَة وبمائتي ألف وَخمسين ألفا تشتري بهَا أَمْلَاك وَتوقف على الْبر فَاجْتمع خلق من الحرافيش والضعفاء لتفريق الثَّلَاثِينَ ألفا ونهبوا خبْزًا من قُدَّام الخبازين فَقطع أرغون شاه نَائِب دمشق مِنْهُم أَيدي خلق وَسمر خلقا بِسَبَب ذَلِك فَخرج مِنْهُم خلق من دمشق وَتَفَرَّقُوا بِبِلَاد الشمَال.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة ضرب نيروز بالنُّون نَائِب قلعة الْمُسلمين قاضيها برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن مَمْدُود واعتقله ظلما وتجبراً، فَبعد أَيَّام قَليلَة طلب النَّائِب إِلَى مصر معزولاً، ويغلب على ظَنِّي أَنه طلب يَوْم تعرضه للْقَاضِي فسبحان رب الأَرْض وَالسَّمَاء الَّذِي لَا يهمل من استطال على الْعلمَاء.
قلت:
(قلت لأهل الجاه مهما
…
رمتم عزا وَطَاعَة)
(لَا تهينوا أهل علم
…
فَإِذا هم سم سَاعَة)
وَفِيه: فِي الْعشْر الْأَوْسَط من آذار وَقع بحلب وبلادها ثلج عَظِيم، وتكرر أغاث الله بِهِ الْبِلَاد، واطمأنت بِهِ قُلُوب الْعباد، وَجَاء عقيب غلاء أسعار وَقلة أمطار.
قلت:
(ثلج بآذار أم الكافور فِي
…
مزاجه ولونه والمطعم)
(لولاه سَالَتْ بالغلا دماؤنا
…
من عَادَة الكافور إمْسَاك الدَّم)
وفيهَا جَاءَت ريح عَظِيمَة قلعت أشجاراً كَثِيرَة، وَكَانَت مراكب للفرنج قد لججت للوثوب على سواحل الْمُسلمين فغرقت بِهَذِهِ الرّيح، وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال.
قلت:
(قل للفرنج تأدبوا وتجنبوا
…
فالريح جند نَبينَا إِجْمَاعًا)
(إِن قلعت فِي الْبر أشجاراً فكم
…
فِي الْبَحْر يَوْمًا شجرت أقلاعاً)
وفيهَا: توفّي الشَّيْخ الْحَاج إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن العزازي بعزاز، كَانَ لَهُ منزلَة عِنْد الطنبغا الْحَاجِب نَائِب حلب، وَبنى بعزاز مدرسة حَسَنَة، وسَاق إِلَيْهَا الْقَنَاة الحلوة وانتفع الْجَامِع وَكثير من الْمَسَاجِد بِهَذِهِ الْقَنَاة، وَله آثَار حَسَنَة غير ذَلِك رَحمَه الله تَعَالَى.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: وقراجا بن لغادر التركماني وجمائعه قد شغبوا واستطالوا ونهبوا، وَتسَمى بِالْملكِ القاهر وَأَبَان عَن فجور وحمق ظَاهر وَدَلاهُ بغروره
الشَّيْطَان حَتَّى طلب من صَاحب سيس الْحمل الَّذِي يحمل إِلَى السُّلْطَان.
وفيهَا: فِي شهر رَجَب وصل الوباء إِلَى حلب كفانا الله شَره، وَهَذَا الوباء قيل لنا أَنه ابْتَدَأَ من الظُّلُمَات من خمس عشرَة سنة مُتَقَدّمَة على تَارِيخه وعملت فِيهِ رِسَالَة سميتها النبأ عَن الوباء.
فَمِنْهَا: اللَّهُمَّ صل على سيدنَا مُحَمَّد وَسلم ونجنا بجاهه من طغيان الطَّاعُون وَسلم الطَّاعُون روع وأمات وابتدأ خَبره من الظُّلُمَات فواها لَهُ من زائر من خمس عشرَة سنة دائر مَا صين عَنهُ الصين وَلَا منع مِنْهُ حصن حُصَيْن سل هنديا فِي الْهِنْد وَاشْتَدَّ على السَّنَد وَقبض بكفيه وَشَبك على بِلَاد أزبك وَكم قَصم من ظهر فِيمَا وَرَاء النَّهر، ثمَّ ارْتَفع وَنجم وهجم على الْعَجم وأوسع الخطا إِلَى أَرض الخطا وقرم القرم وَرمى الرّوم بجمر مضطرم وجر الجرائر إِلَى قبرص والجزائر ثمَّ قهر خلقا بِالْقَاهِرَةِ وتنبهت عينه لمصر فأذاهم بالساهرة وأسكن حَرَكَة الْإسْكَنْدَريَّة فَعمل شغل الْفُقَرَاء مَعَ الحريرية.
(إسكندرية ذَا الوبا
…
سبع يمد إِلَيْك ضبعه)
(صبرا لقسمته الَّتِي
…
تركت من السّبْعين سبعه)
ثمَّ تيَمّم الصَّعِيد الطّيب وأبرق على برقة مِنْهُ صيب، ثمَّ غزى غَزَّة وهز عسقلان هزة، وعك إِلَى عكا، وَاسْتشْهدَ بالقدس، وزكى فلحق من الهاربين الْأَقْصَى بقلب كالصخرة، وَلَوْلَا فتح بَاب الرَّحْمَة لقامت الْقِيَامَة فِي مرّة، ثمَّ طوى المراحل وَنوى أَن يلْحق السَّاحِل، فصاد صيدا، وبغت بيروت كيداً، ثمَّ سدد الرشق إِلَى جِهَة دمشق، فتربع ثمَّ وتميد وفتك كل يَوْم بِأَلف وأزيد فَأَقل الْكَثْرَة وَقتل خلقا ببثرة.
وَمِنْهَا:
(أصلح الله دمشقاً
…
وحماها عَن مسبه)
(نَفسهَا خست إِلَى أَن
…
تقتل النَّفس بحبه)
ثمَّ أَمر المزة وبرز إِلَى بَرزَة وَركب تركيب مزج على بعلبك وَأنْشد فِي قارة قفانبك وَرمى حمص بجلل وصرفها مَعَ علمه أَن فِيهَا ثَلَاث علل ثمَّ طلق الكنه فِي حماه فبردت أَطْرَاف عاصيها من حماه:
(يَا أَيهَا الطَّاعُون أَن حماه من
…
خير الْبِلَاد وَمن أعز حصونها)
(لَا كنت حِين شممتها فسممتها
…
ولتمت فاها آخِذا بقرونها)
ثمَّ دخل معرة النُّعْمَان فَقَالَ لَهَا: أَنْت مني فِي أَمَان، حماه تكفيك فَلَا حَاجَة لي فِيك.
(رأى المعرة عينا زانها حور
…
لَكِن حاجبها بالجور مقرون)
(مَاذَا الَّذِي يصنع الطَّاعُون فِي بلد
…
فِي كل يَوْم لَهُ بالظلم طاعون)
ثمَّ سرى إِلَى سرمين والفوعة فشعث على السّنة والشيعة، فسن للسّنة اسنته شرعا