الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجماعته المبعوثين بالحبال إِلَى القلعة فَقتلُوا ابْن ملاعب وَبَعض أَوْلَاده وهرب الْبَعْض واستولوا على قلعة أفامية، ثمَّ سَار إِلَيْهَا الفرنج وحاصروها وملكوا الْبَلَد والقلعة، وَقتلُوا القَاضِي الْمَذْكُور.
حَال طرابلس مَعَ الفرنج
كَانَ صنجيل قد ملك جبلة ثمَّ حصر طرابلس وَبنى بقربها حصناً وَبنى تَحْتَهُ ربضاً، وَيعرف بحصن صنجيل، فَخرج الْملك أَبُو عَليّ بن عمار صَاحب طرابلس وأحرق الربض، فانهدم بعض السقوف الْمُحْتَرِقَة بصنجيل فَمَرض عشرَة أَيَّام وَمَات وَنقل إِلَى الْقُدس. قلت:
(نقلوا صنجيل من نَار إِلَى نَار تضرم
…
قَبره إِن كَانَ فِي الْقُدس فَفِي وَادي جَهَنَّم)
وَالله أعلم.
ودام الْحَرْب بَين أهل طرابلس وَبَين الفرنج خمس سِنِين وصبر صَاحبهَا ابْن عمار عَظِيما وَقلت بهَا الأقوات وافتقرت الْأَغْنِيَاء.
ثمَّ دخلت سنة خَمْسمِائَة: فِيهَا توفّي يُوسُف بن تاشفين أَمِير الْمُسلمين ملك الْمغرب والأندلس، كَانَ حسن السِّيرَة، طلب من المستظهر التَّقْلِيد فَأرْسلهُ إِلَيْهِ وَهُوَ باني مراكش، وَملك بعده ابْنه عَليّ وتلقب بأمير الْمُسلمين أَيْضا.
" وفيهَا قتل فَخر الْملك " أَبُو المظفر عَليّ بن نظام الْملك يَوْم عَاشُورَاء، وَكَانَ أكبر أَوْلَاد نظام الْملك وزر لبركيا روق ثمَّ لِأَخِيهِ سنجر وَقتل صَائِما بنيسابور وَرَأى فِي الْمَنَام الْحُسَيْن بن عَليّ يَقُول: عجل إِلَيْنَا وَليكن إفطارك عندنَا، فَقَالَ لأَصْحَابه: قد اشْتغل فكري وَلَا محيد عَن قَضَاء الله، فَقَالُوا: الصَّوَاب أَن لَا تخرج الْيَوْم فَأَقَامَ يَوْمه يُصَلِّي وَيقْرَأ وَتصدق بِشَيْء كثير وَخرج الْعَصْر يُرِيد دَار النِّسَاء فَسمع صياح متظلم شَدِيد الحرقة فَأحْضرهُ وَقَالَ: وَمَا حالك؟ فَدفع إِلَيْهِ رقْعَة فَبينا فَخر الْملك يَتَأَمَّلهَا إِذْ ضربه بسكين فَقتله وَأمْسك الباطني وَحمل إِلَى السُّلْطَان سنجر فقرره فَأقر على جمَاعَة كذبا فَقتل هُوَ وَالْجَمَاعَة.
وفيهَا: ملك صَدَقَة بن مَنْصُور بن مزِيد قلعة تكريت سلمهَا إِلَيْهِ كيقباذ بن هزارسب الديلمي، وَكَانَت لبني معن بُرْهَة ثمَّ تنقلت حَتَّى صَارَت لأقسنقر صَاحب حلب، ثمَّ لكوهر آيين ثمَّ لمجد الْملك البلاساني فولى عَلَيْهَا كيقباذ حَتَّى سلمهَا لصدقة.
وفيهَا: أقطع السُّلْطَان مُحَمَّد جاولي سقاو والموصل والأعمال الَّتِي بيد جكرمش فَخرج جكرمش لقتاله فِي محفة مفلوجاً فَانْهَزَمَ عَسْكَر جكرمش وَأسر فِي محفته ثمَّ حصر جاولي الْموصل وَكَانَ قد أَقَامَ أَصْحَاب جكرمش زنكي بن جكرمش وَملك الْموصل وَله إِحْدَى عشرَة سنة وَطَاف جاولي بجكرمش حول الْموصل أَسِيرًا وَهُوَ يَأْمُرهُم بِتَسْلِيم الْبَلَد فَلم يقبلُوا مِنْهُ وَمَات جكرمش فِي تِلْكَ الْحَال وعمره نَحْو سِتِّينَ، وَهُوَ الَّذِي على سور
الْموصل وحصنها، وَكَاتب أهل الْموصل قليج أرسلان بن سُلَيْمَان بن قطلمش السلجوقي صَاحب بِلَاد الرّوم يستدعونه فقصد الْموصل فَلَمَّا وصل نَصِيبين رَحل جاولي عَن الْموصل خوفًا إِلَى الرحبة وتسلم قليج أرسلان الْموصل فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَجَب مِنْهَا، واستخلف ابْنه ملك شاه بهَا وعمره إِحْدَى عشرَة سنة، وَأقَام مَعَه مُدبرا، وَقصد جلولي وَكَانَ قد اجْتمع إِلَى جاولي رضوَان أَمِير حلب وَغَيره فَاقْتَتلُوا فِي عشرى ذِي الْقعدَة على الخابور وَقَاتل قليج أرسلان بِنَفسِهِ وَانْهَزَمَ عكسره فاضطر قليج أرسلان إِلَى الْهَرَب فَألْقى بِنَفسِهِ فِي الخابور فغرق وَظهر بعد أَيَّام فَدفن بالشمسانية من قرى الخابور، ثمَّ تسلم جاولي الْموصل بالأمان وَسَار ملك شاه بن قليج أرسلان إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد.
وفيهَا: حاصر السُّلْطَان مُحَمَّد قلعة الباطنية بِالْقربِ من أَصْبَهَان الَّتِي بناها ملك شاه بأشارة رَسُول الرّوم وَاسْمهَا شاه دز وَطَالَ الْحصار وَنزل بَعضهم بالأمان وَبَقِي صَاحبهَا أَحْمد بن عبد الْملك بن عطاش مَعَ جمَاعَة يسيرَة فزحف السُّلْطَان فَقتله وَقتل جمَاعَة من الباطنية وملكها وخربها.
وفيهَا: توفّي الْأَمِير سرخاب بن بدر بن مهلهل بن أبي الشول الْكرْدِي، وأمواله لَا تحصى، وَقَامَ ابْنه أَبُو مَنْصُور مقَامه، وَبقيت الْإِمَارَة فيهم مائَة وَثَلَاثِينَ سنة.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي رَجَب " قتل سيف الدولة صَدَقَة " بن مَنْصُور بن دبيس بن مزِيد الْأَسدي أَمِير الْعَرَب فِي مقاتلته للسُّلْطَان مُحَمَّد وَحمل رَأسه إِلَى مُحَمَّد، وَعمر صَدَقَة تسع وَخَمْسُونَ، وإمارته إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة، وَقتل من أَصْحَابه فَوق ثَلَاثَة آلَاف، وَكَانَ متشيعاً وَهُوَ الَّذِي بنى الْحلَّة بالعراق، قَالَ الْمُؤلف رحمه الله: تقدم ذكر الْحلَّة قبل وجود صَدَقَة فَكيف يكون هُوَ الَّذِي بناها وَكَانَ قد اتَّسع جاهه واستجار بِهِ الْكِبَار. اجْتهد فِي نصح السُّلْطَان مُحَمَّد حَتَّى جاهر بركيا روق بالعداوة، ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين مُحَمَّد لحماية صَدَقَة كل من خَافَ من مُحَمَّد وَمِنْهُم أَبُو دلف سرخاب بن كيخسرو صَاحب ساوة استجار بِصَدقَة، وَطَلَبه مُحَمَّد فَلم يُسلمهُ إِلَيْهِ، فقاتله مُحَمَّد، فَقتل صَدَقَة وَأسر إبنه دبيس وسرخاب.
قلت: ولصدقة صنف الشريف أَبُو يعلى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الهبارية العباسي كتاب الصادح والباغم على صفة كليلة ودمنة ألفي بَيت وأرسله إِلَيْهِ مَعَ ابْنه فَأعْطَاهُ لكل بَيت دِينَارا، وَمِنْه:
(وَضعته مخترعا مَعْنَاهُ
…
لملك مَا خَابَ من رجاه)
(بَحر الندا رب الأيادي والمنن
…
شمس العلى صدر الْهدى أبي الْحسن)
(الْأَسدي المزيدي صَدَقَة
…
وَمن إِذا كذب مدح صدقه)
(وَلم تزل حلتهم معَاذًا
…
لكل من يهرب من بغدادا)
وَهِي حَسَنَة فِي بَابهَا وتشتمل على أَمْثَال وَحكم وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي تَمِيم بن الْمعز باديس صَاحب إفريقية، وَكَانَ ذكياً حَلِيمًا ينظم الشّعْر، وعاش تسعا وَسبعين سنة، وولايته سِتّ وَأَرْبَعُونَ سنة وَكسر، خلف مائَة ابْن وَسِتِّينَ بِنْتا.
وَملك بعده ابْنه يحيى وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَأَرْبَعين سنة وَسِتَّة أشهر، وفيهَا توجه فَخر الْملك أَبُو عَليّ بن عماد من طرابلس إِلَى بَغْدَاد مستنفراً لما حل بطرابلس وبالشام من الفرنج، وَاجْتمعَ بالخليفة المستظهر وبالسلطان مَحْمُود فَلم يحصل مِنْهُمَا غَرَض فَعَاد وَأقَام بِدِمَشْق عِنْد طغتكين وأقطعه الزبداني وَدخل أهل طرابلس تَحت طَاعَة خَليفَة مصر وَخَرجُوا عَن ابْن عمار.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخَمْسمِائة: فِيهَا أرسل السُّلْطَان مَحْمُود عسكراً مَعَ مودود بن الطغتكين، فحصروا الْموصل وتسلمها مودود فِي صفر، وهرب مِنْهَا جاولي إِلَى الرحبة قبل وصولهم، ثمَّ لحق بالسلطان مُحَمَّد قرب أصفهان وَمَعَهُ كنفه فَأَمنهُ.
وفيهَا: تولى مُجَاهِد الدّين بهروز شحنكية بَغْدَاد وَعمر دَار ملكهَا بِأَمْر السُّلْطَان مُحَمَّد وَأحسن إِلَى النَّاس.
وفيهَا: فِي فصح النَّصَارَى نزل بَنو منقذ من شيراز للتفرج على عيد النَّصَارَى فثار جمَاعَة باطنية وملكوا قلعة شيرز، وبادر أهل الْمَدِينَة الباشورة فأصعدتهم النِّسَاء من الطاقات وأدركتهم بَنو منقذ وقاتلوهم فَلم يسلم من الباطنية أحد.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي فَجْأَة الْخَطِيب أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عَليّ التبريزي إِمَام فِي اللُّغَة قَرَأَ على الشَّيْخ أبي الْعلَا المعري؛ سَافر إِلَيْهِ من تبريز، وَسمع الحَدِيث من الْفَقِيه سليم الرَّازِيّ بصور، وَمن غَيره.
وروى عَنهُ أَبُو مَنْصُور موهوب بن أَحْمد الجواليقي، وَتخرج عَلَيْهِ خلق وَشرح الحماسة وديوان المتنبي وديوان سقط الزندلابي الْعلَا، وَله إِعْرَاب الْقُرْآن فِي أَربع مجلدات، ومقدمة عزيزة الْوُجُود فِي النَّحْو، وتآليفه حَسَنَة مفيدة، وَقَرَأَ على ابْن بابشاذ بِمصْر، وَعَاد إِلَى بَغْدَاد وتوطنها حَتَّى مَاتَ، ومولده سنة إِحْدَى وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
قلت: وَمِمَّنْ قَرَأَ على التبريزي الْأَدَب الشَّيْخ مُحي الدّين عبد الْقَادِر الجيلي أعَاد الله علينا من بركته، فَأَبُو الْعلَا المعري شيخ عبد الْقَادِر فِي الْأَدَب وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو الفوارس الْحسن بن عَليّ الخازن الْمَشْهُور بجودة الْخط، وَله شعر حسن.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي حادي عشر ذِي الْحجَّة " ملك الفرنج طرابلس " حصروها برا وبحراً من أول رَمَضَان فَأرْسل خَليفَة مصر إِلَيْهَا أسطولاً فَرده الْهَوَاء ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا، فملكوها وَقتلُوا وَسبوا، وَكَانَ بعض أَهلهَا قد طلبُوا الْأمان وقصدوا دمشق قبل فتحهَا.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي ربيع الآخر ملك الفرنج صيدا بالأمان، وفيهَا سَار فرنج أنطاكية وملكوا حصن الأثارب بِالْقربِ من حلب بِالسَّيْفِ وَقتلُوا مِنْهُ الفي رجل وأسروا البَاقِينَ. ثمَّ ملكوا زردنا فَفَعَلُوا كَذَلِك وقصدوا منبج وبالس فوجدوهما خاليتين، فعادوا وَصَالح رضوَان بحلب الفرنج على اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار يحملهَا إِلَيْهِم مَعَ خيل وَثيَاب، وبذلت أَصْحَاب الْبِلَاد للفرنج الْأَمْوَال وخافوهم وصالحهم أهل صور على سَبْعَة آلَاف دِينَار وَابْن منقذ صَاحب شيزر على أَرْبَعَة آلَاف دِينَار، وعَلى الْكرْدِي صَاحب حماه ألفي دِينَار.
وفيهَا: توفّي الكيا الهراسي الطَّبَرِيّ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ مولده سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة من طبرستان، وتفقه بنيسابور على إِمَام الْحَرَمَيْنِ. ثمَّ ولي تدريس نظامية بَغْدَاد، وَكَانَ حسن الصُّورَة جَهورِي الصَّوْت، والكيا بِالْفَارِسِيَّةِ الْكَبِير الْمُقدم.
وفيهَا: وَقيل سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة قصد بردويل الفرنجي مصر وأحرق الفرما وجامعها ومساجدها، وَمِنْهَا عَاد إِلَى الشَّام مَرِيضا فَهَلَك قبل وُصُوله الْعَريش، فشق أَصْحَابه بَطْنه ورموا حشوته هُنَاكَ، وَهِي ترْجم إِلَى الْيَوْم، ودفنوا جثته بقمامة، والسبخة بالرمل منسوبة إِلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ صَاحب بَيت الْمُقَدّس وعكا وعدة بِلَاد من السَّاحِل.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخَمْسمِائة: فِيهَا جهز السُّلْطَان مُحَمَّد عسكراً فِيهِ صَاحب الْموصل مودود وَغَيره لقِتَال الفرنج بِالشَّام ونزلوا على الرها فَلم يملكوها ووصلوا حلب فخافهم رضوَان وغلق الْأَبْوَاب دونهم فَسَارُوا إِلَى المعرة ثمَّ افْتَرَقُوا وَلم يحصل بهم غَرَض.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي زين الدّين حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْغَزالِيّ الطوسي اشْتغل بطوس ثمَّ على إِمَام الْحَرَمَيْنِ بنيسابور وأكرمه نظام الْملك وفوض إِلَيْهِ تدريس النظامية بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة، وَفِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ترك الْكل وتزهد وَحج وَأقَام بِدِمَشْق ثمَّ بالقدس، واجتهد فِي الْعِبَادَة ثمَّ قصد مصر وَأقَام بالإسكندرية ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه بطوس، وَكتبه مَشْهُورَة مفيدة مِنْهَا الْبَسِيط والوسيط وَالْوَجِيز وَالْخُلَاصَة والمنخول والمنخل فِي علم الجدل وَغَيره، ومولده سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة وطوس مدينتان من خُرَاسَان إِحْدَاهمَا طابران وَالْأُخْرَى نوقان، وَالْغَزالِيّ نِسْبَة إِلَى الغزال والعجم كَذَلِك ينسبون إِلَى الْقصار قصاري وَإِلَى الْعَطَّار عطاري وَتَخْفِيف الزَّاي وتشديدها من الْغَزالِيّ مَشْهُور.
قلت: وَمَا أحسن قَول الْقَائِل:
(بدر تمّ أضحى بسيط غرامي
…
فِيهِ يروي عَن طرفه الْغَزالِيّ)
وَالله أعلم:
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخَمْسمِائة: فِيهَا توفّي بسيل الأرمني صَاحب بِلَاد الأرمن فقصدها صَاحب أنطاكية الفرنجي ليملكها فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وملكها سرخال.
وفيهَا: توفّي قراجة صَاحب حمص وَقَامَ بعده ابْنه قرجان.
وفيهَا: توفّي سقمان أَو سكمان القطبي صَاحب خلاط وَقَامَ بعده ابْنه ظهير الدّين إِبْرَاهِيم إِلَى أَن توفّي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخَمْسمِائة فتولاها أَخُوهُ أَحْمد بن سقمان عشرَة أشهر وَتُوفِّي فحكمت والدتهما اينابح خاتون بنت أركماز على وزن أقحوان، واستبدت بِالْأَمر وَمَعَهَا ولد وَلَدهَا سقمان بن إِبْرَاهِيم بن سقمان وعمره سِتّ سِنِين فقصدت إعدامه لتنفرد بالمملكة فخنقها كبراء الدولة، لسوء نِيَّتهَا فِيهِ سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة، واستقل ابْنهَا شاهر بن سقمان فِي الْملك حَتَّى توفّي سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخَمْسمِائة: فِيهَا اجْتمع الْمُسلمُونَ، وَفِيهِمْ مودود صَاحب الْموصل وتميرك صَاحب سنجار وإياز بن إيلغازي وطغتكين صَاحب دمشق وَاجْتمعت الفرنج وَفِيهِمْ بغدوين صَاحب الْقُدس وجوسلين صَاحب الْجَيْش واقتلوا قرب طبرية ثَالِث عشر الْمحرم فَهزمَ الله الفرنج وَقتل مِنْهُم كثير وَدخل الْمُسلمُونَ دمشق منصورين فِي ربيع الأول وَصلى مودود وظغتكين الْجُمُعَة وخرجا يتمشيان فِي صحن الْجَامِع فَوَثَبَ باطني على مودود بن التونتكين وضربه بسكين، وَقتل الباطني وَأخذ رَأسه وَحمل مودود إِلَى دَار طغتكين وَكَانَ صَائِما واجتهدوا بِهِ أَن يفْطر فَأبى وَمَات من يَوْمه رحمه الله وَكَانَ خيرا عادلاً وَدفن بتربة دقاق ثمَّ نقل إِلَى بَغْدَاد فَدفن بجوار أبي حنيفَة ثمَّ نقل إِلَى أَصْبَهَان.
قلت:
(غزا وَصلى صَائِما عاكفاً
…
وكمل الظَّاهِر بالباطني)
(ثَلَاث حفرات تملت بِهِ
…
يَا شرف الْمسكن بالساكن)
وَالله أعلم.
وفيهَا توفّي الْملك رضوَان بن تتش بن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق صَاحب حلب، وملكها بعده ابْنه ألب أرسلان الْأَخْرَس، وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة قتل رضوَان قبل مَوته أَخَوَيْهِ وَكَانَ يَسْتَعِين بالباطنية فِي كثير من أُمُوره لقلَّة دينه، وَاسْتولى على أُمُور الْأَخْرَس لُؤْلُؤ الْخَادِم وَسمي أخرس لتمتمة وحبسة فِي كَلَامه وَأمه ابْنة ياغي سِنَان صَاحب أنطاكية، وبمجرد ولَايَته قتلت الباطنية بحلب ونهبوا.
وفيهَا: توفّي إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ الإِمَام ابْن الإِمَام ببيهق ومولده سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الأبيوردي الأديب الْأمَوِي بأصبهان وَللَّه قَوْله:
(تنكر لي دهري وَلم يدر أنني
…
أعز وأهوال الزَّمَان تهون)
(وظل يريني الْخطب كَيفَ اعتداؤه
…
وَبت أريه الصَّبْر كَيفَ يكون)
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن عمر وكنيته أَبُو بكر الشَّاشِي الْفَقِيه الشَّافِعِي.
تفقه بِبَغْدَاد على أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وعَلى أبي نصر الصّباغ وصنف للمستظهر بِاللَّه كتاب المستظهري ومولده سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة: فِيهَا ولي السُّلْطَان مُحَمَّد أقسنقر البرسقي الْموصل لقتل مودود رحمه الله وَأمر الْأُمَرَاء بِالْمَسِيرِ صُحْبَة البرسقي لقِتَال الفرنج، وَجرى بَين البرسقي وإيلغازي وأرتق صَاحب ماردين قتال انتصر فِيهِ إيلغازي، ثمَّ خَافَ إيلغازي من السُّلْطَان، فاتفق بِدِمَشْق مَعَ طغتكين، وكاتبا الفرنج، واعتضدا بهم، ثمَّ عَاد إيلغازي إِلَى جِهَة بِلَاده فَلَمَّا خرج من حمص فِي جمَاعَة قَليلَة خرج قرجان بن قراجة صَاحب حمص وأسرة مُدَّة ثمَّ تحَالفا وَأطْلقهُ.
وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي الْملك عَلَاء الدولة أَبُو سعد مَسْعُود بن إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود ابْن مَحْمُود بن سبكتكين صَاحب غزته وَملك فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَملك بعده ابْنه ارسلان شاه وَأمْسك إخْوَته إِلَّا بهْرَام شاه فَإِنَّهُ هرب واستجار بالسلطان سنجر ابْن ملك شاه صَاحب خُرَاسَان فشفع فِيهِ فَلم يقبل مِنْهُ فَسَار سنجر إِلَى غزنة واقتتلوا قتالاً عَظِيما فَانْهَزَمَ أرسلان شاه وَعَسْكَره وَاسْتولى سنر على غزته وَأخذ أَمْوَالًا وَقرر السلطنة لبهرام شاه وَأَن يخْطب للسُّلْطَان مُحَمَّد ثمَّ للْملك سنجر ثمَّ للسُّلْطَان بهْرَام شاه الْمَذْكُور ثمَّ عَاد سنجر إِلَى بِلَاده وَكَانَ أرسلان شَاة قد هرب إِلَى هندستان فَجمع جمعا وَعَاد إِلَى غزنة فاستنجد بهْرَام شاه لسنجر ثَانِيًا فَأرْسل لَهُ عسكرا فهرب أرسلان شاه بِلَا قتال وتبعوه فأمسكوه فخنقه بهْرَام شاه وَدَفنه بتربة أَبِيه بغزنة فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة، وعمره سبع وَعِشْرُونَ سنة. وفيهَا قتل تَاج الدولة ألب أرسلان الْأَخْرَس صَاحب حلب ابْن رضوَان بن تتش السلجوقي، قَتله غلمانه بقلعة حلب وَأَقَامُوا أَخَاهُ سُلْطَان شاه بتدبير لُؤْلُؤ الْخَادِم.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخَمْسمِائة: فِيهَا أرسل السُّلْطَان مُحَمَّد عسكراً ضخماً لقِتَال طغتكين صَاحب دمشق وإيلغازي صَاحب ماردين فعبروا من الرقة وقصدوا حلب فعصت عَلَيْهِم ثمَّ فتحُوا حماه عنْوَة ونهبوها ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ سلموها إِلَى قرجان بن قراجة صَاحب حمص وَأقَام الْعَسْكَر بحماه وَاجْتمعَ بأفامية إيلغازي وظغتكين وملوك الفرنج صَاحب أنطاكية وَصَاحب طرابلس وَغَيرهم وَأَقَامُوا بأفامية ينتظرون تفرق الْمُسلمين فَأَقَامَ عَسْكَر الْمُسلمين إِلَى الشتَاء فَتفرق الفرنج وَسَار ظغتكين إِلَى دمشق وإيلغازي إِلَى ماردين ثمَّ فتح الْمُسلمُونَ كفر طَابَ وَقتلُوا من بهَا من الفرنج وَسَارُوا إِلَى المعرة وَهِي للفرنج، ثمَّ سَارُوا إِلَى حلب فكبسهم صَاحب أنطاكية فِي الطَّرِيق فَانْهَزَمُوا وَقتلت الفرنج فِي الْمُسلمين ونهبوهم وهرب من سلم مِنْهُم إِلَى بِلَاده.
وفيهَا: استولى الفرنج على رفنيه وَكَانَت لطغتكين ثمَّ سَار طغتكين من دمشق واسترجعها وَقتل من بهَا من الفرنج.
وفيهَا: توفّي يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس صَاحب إفريقية يَوْم عيد الْأَضْحَى فَجْأَة وَتَوَلَّى ابْنه عَليّ. وَعمر يحيى اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سنة وولايته ثَمَان سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَخلف ثَلَاثِينَ ولدا.
وفيهَا: دخل السُّلْطَان مُحَمَّد بَغْدَاد فجاءة طفتكين من دمشق يترضاه فَرضِي عَنهُ ورده إِلَى دمشق.
وفيهَا: أَخذ السُّلْطَان مُحَمَّد الْموصل وَمَا مَعهَا من أقسنقر البرسقي وأقطعها للأمير جيوش بك وبقى البرسقي فِي الرحبة وَهِي اقطاعه.
ثمَّ دخلت سنة عشر وَخَمْسمِائة: فِيهَا مَاتَ جلولي بن سقاوو بِفَارِس ولاه إِيَّاهَا مُحَمَّد بعد أَخذ الْموصل.
وفيهَا: وَقيل سنة سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة توفّي بمروروذ أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود بن مُحَمَّد الْفراء الْبَغَوِيّ الْفَقِيه الْمُحدث الْمُفَسّر بَحر الْعُلُوم لَهُ التَّهْذِيب فِي الْفِقْه والمصابيح فِي الحَدِيث وَالْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ.
قلت: وَله شرح السّنة فِي الحَدِيث، ومعالم التَّنْزِيل فِي التَّفْسِير وَكَانَ لَا يلقى الدَّرْس إِلَّا على طَهَارَة وَالله أعلم.
وَالْفراء: نِسْبَة إِلَى عمل الْفراء، وَالْبَغوِيّ: نِسْبَة إِلَى بَلْدَة بغشور من خُرَاسَان. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة " توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد " السلجوقي؛ ابْتِدَاء مَرضه من شعْبَان ومولده ثامن عشر شعْبَان سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فعمره سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام، قطعت خطبَته مَرَّات وَلَقي مشاق وَعدل، وَأطلق المكوس فِي بِلَاده، وعهد بِالْملكِ إِلَى وَلَده مَحْمُود وعمره إِذْ ذَاك يزِيد على أَربع عشرَة سنة، وَلما عهد إِلَيْهِ اعتنقه وَقَبله وَبكى كل مِنْهُمَا وَجلسَ مَحْمُود على تخت السلطنة يَوْم مَاتَ أَبوهُ بالتاج والسوارين، وخطب لَهُ يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة.
وفيهَا قتل لُؤْلُؤ الْخَادِم مستولياً على حلب وعَلى أُمُور الْأَخْرَس بن رضوَان ثمَّ على أُمُور سُلْطَان شاه بن رضوَان سَار لُؤْلُؤ من حلب ليجتمع بسالم بن مَالك الْعقيلِيّ صَاحب قلعة جعبر وَنزل سبول فَوَثَبَ أَصْحَابه الأتراك وصاحوا أرنب أرنب وقتلوه بالنشاب ونهبوا خزانته وعادوا إِلَى حلب فاستعاد أهل حلب مِنْهُم المَال وَأقَام بأتابكية سُلْطَان شاه شمس الْخَواص يارقطاش شهر ثمَّ اجْتمعت كبراء الدولة وعزلوه وولوا أَبَا الْمَعَالِي بن الملحي الدِّمَشْقِي ثمَّ عزلوه وصادروه ثمَّ خَافُوا من الفرنج فَسَلمُوا الْبَلَد إِلَى
إيلغازي صَاحب ماردين فَدَخلَهَا وَسلمهَا إِلَى ابْنه تمرتاش وَعَاد إيلغازي إِلَى ماردين.
وفيهَا: جَاءَ سيل غرق سنجار وخلقاً من أَهلهَا، وَهدم الْمنَازل، وَمن العجيب أَن مهداً فِيهِ طِفْل علقه السَّيْل فِيهَا بشجرة زيتون، وَنقص المَاء عَنهُ فَسلم الطِّفْل.
وفيهَا: هجم الفرنج ربض حماه وَقتلُوا فَوق الْمِائَة وعادوا.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا عزل السُّلْطَان مَحْمُود بهروز عَن شحنكية بَغْدَاد وولاها أقسنقر البرسقي، وَسَار بهروز إِلَى تكريت وَهِي أقطاعه.
وفيهَا: سَار دبيس بن صَدَقَة إِلَى الْحلَّة بِإِذن السُّلْطَان مَحْمُود وَكَانَ اعتقله من حِين قتل أَبَاهُ فاجتمعت عَلَيْهِ الْعَرَب والأكراد.
وفيهَا: فِي سادس عشر ربيع الآخر توفّي المستظهر بِاللَّه أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله عبد الله بن الذَّخِيرَة مُحَمَّد بن الْقَائِم وعمره إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَسِتَّة أشهر وَأَيَّام، وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا، وَمن نَادِر الِاتِّفَاق أَنه لما توفّي السُّلْطَان ألب أرسلان توفّي بعده الْقَائِم، وَلما توفّي ملك شاه توفّي بعده الْمُقْتَدِي وَلما توفّي مُحَمَّد توفّي بعده المستظهر.
قلت:
(تبع الْخَلَائق فِي الْوَفَاة مُلُوكهمْ
…
فكأنهم كَانُوا على ميعاد)
وَالله أعلم.
" وبويع بعده ابْنه المسترشد بِاللَّه " وَهُوَ تَاسِع عشرهم أَبُو مَنْصُور فضل، أَخذ الْبيعَة لَهُ القَاضِي أَبُو الْحسن الدَّامغَانِي.
وفيهَا: توفّي أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْوَهَّاب بن مَنْدَه الْأَصْفَهَانِي الْمُحدث ذُو التصانيف الْحَسَنَة، وَأَبُو الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد الخازن أديب لَهُ شعر حسن.
وفيهَا: قتل أرسلان شاه بن مَسْعُود السبكتكيني، قَتله أَخُوهُ بهْرَام شاه بن مَسْعُود، وَملك غزته كَمَا مر.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثَة عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا قَاتل السُّلْطَان سنجر ابْن أَخِيه السُّلْطَان مَحْمُودًا بِالريِّ قرب ساوه فَانْهَزَمَ مَحْمُود وَنزل سنجر فِي خيامه ثمَّ اصطلحا على أَن يخْطب لسنجر وَبعده لمحمود وأضاف سنجر الرّيّ إِلَى مَا بِيَدِهِ وَقدم مَحْمُود إِلَى عَمه سنجر بِالريِّ فَأكْرمه.
وفيهَا: قَاتل إيلغازي بن أرتق الفرنج بِأَرْض حلب عِنْد عفرين فِي نصف ربيع الأول فَهَزَمَهُمْ وَقتل مِنْهُم كثيرا، وَمِمَّنْ قتل سرخال صَاحب أنطاكية وَفتح عقيب الْوَقْعَة الأثارب وزردنا فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِيهِ:
(قل مَا تشَاء فقولك المقبول
…
وَعَلَيْك بعد الْخَالِق التعويل)