الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْهِنْد حَسْبَمَا مر سنة سبع عشرَة تغلب غياث الدّين على الرّيّ وأصفهان وهمذان وَغَيرهَا من عراق الْعَجم، وَهِي بِلَاد الْجَبَل، فَخرج عَلَيْهِ خَاله طغان طابسني أكبر أمرائه، فاقتتلا فَانْهَزَمَ طغان طابسني وَأقَام غياث الدّين ببلاده منصوراً.
حَادِثَة غَرِيبَة
مَاتَ ملك الكرج فملكوا امْرَأَة بقيت من بَيت الْملك وَأرْسل مغيث الدّين طغرل بك شاه السلجوقي صَاحب أرزن الرّوم يخطبها فَأَبَوا إِلَّا أَن يتنصر فَأمر وَلَده فَسَار إِلَى الكرج فَتَنَصَّرَ وَتَزَوجهَا، وَكَانَت تهوى مَمْلُوكا لَهَا وتكاشر ابْن طغرل بك شاه فَدخل فِي وَقت فَوجدَ الْمَمْلُوك مَعهَا فِي الْفراش فَلم يصبر وَأنكر عَلَيْهَا فاعتقلت زَوجهَا فِي بعض القلاع، ثمَّ أحضرت رجلَيْنِ وَصفا لَهَا بالْحسنِ فَتزوّجت أَحدهمَا ثمَّ فارقته وأحضرت مُسلما من كنجة وهويته وَسَأَلته التنصر لتتزوج بِهِ فَلم يجبها.
وفيهَا: توفّي يُوسُف الْمُسْتَنْصر ملك الْمغرب بن مُحَمَّد النَّاصِر بن يَعْقُوب الْمَنْصُور بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بعد أَن وَهن ملكه بانهماكه فِي اللَّذَّات وَلم يخلف ولدا فأقيم عَم أَبِيه عبد الْوَاحِد بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن، ولقب المستضيء، وَكَانَ قد صَار فَقِيرا بمراكش، وقاسى الدَّهْر فتنعم فِي المآكل والملابس من غير شرب خمر فَخلع بعد تِسْعَة أشهر وَقتل.
وَملك بعده ابْن أَخِيه عبد الله بن يَعْقُوب الْمَنْصُور بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وتلقب بالعادل.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة: فِيهَا وصل التتر إِلَى قرب تبريز، وَأَرْسلُوا إِلَى أزبك بن البهلوان يَقُولُونَ لَهُ: إِن كنت فِي طاعتنا فَأرْسل من عنْدك من الخوارزمية إِلَيْنَا، فَقتل بعض الخوارزمية، وَأرْسل البَاقِينَ إِلَيْهِم مَعَ تقدمة فكفوا عَن بِلَاده وَرَجَعُوا إِلَى خُرَاسَان.
وفيهَا: استولى غياث الدّين تيرشاه أَخُو بِلَال الدّين بن خوارزم شاه على غَالب مملكة فَارس من صَاحبهَا الأتابك سعد بن زنكي، وَأقَام غياث الدّين بشيراز كرْسِي مملكة فَارس وَلم يبْق مَعَ الأتابك غير الْحُصُون المنيعة ثمَّ اصطلحا على أَن يكون لهَذَا بعض فَارس، وَلِهَذَا بَعْضهَا.
عصيان المظفر غَازِي بن الْعَادِل على أَخِيه الْأَشْرَف
كَانَ الْأَشْرَف قد أعْطى أَخَاهُ المظفر خلاط وَهِي إقليم أرمينية مملكة عَظِيمَة وَكَانَ بَين الْمُعظم عِيسَى وَبَين أَخَوَيْهِ الْكَامِل والأشرف وَحْشَة لترحيله عَن سلمية، وَقطع أطماعه عَن حماه، فَحسن الْمُعظم لِأَخِيهِ المظفر صَاحب خلاط الْعِصْيَان على الْأَشْرَف فعصى.
وَكَانَ قد اتّفق مَعَ الْمُعظم والمظفر غَازِي صَاحب إربل مظفر الدّين كوكبوري بن زين
الدّين على كجك، وَكَانَ بدر الدّين لُؤْلُؤ منتمياً إِلَى الْأَشْرَف فحصر مظفر الدّين صَاحب إربل صَاحب الْموصل عشرَة أَيَّام فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا ليشتغل الْأَشْرَف عَن قصد أَخِيه بخلاط ثمَّ رَحل عَن الْموصل لحصانتها فَلم يلْتَفت الْأَشْرَف إِلَى محاصرة الْموصل، وَسَار فحصر المظفر فَسلمت إِلَيْهِ مَدِينَة خلاط وانحصر المظفر فِي قلعتها وَنزل لَيْلًا إِلَى أَخِيه الْأَشْرَف معتذراً فَقبل عذره وَعفى عَنهُ وَأمره على ميافارقين واستعاد بَاقِي الْبِلَاد مِنْهُ وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة قلت: فِيهَا فِي سَابِع رَجَب توفّي زكي الدّين أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن عبد الْوَاحِد بن رَوَاحَة الْحَمَوِيّ، وَقيل سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، وَهُوَ منشىء المدرستين الرواحيتين، بِدِمَشْق وحلب وَدفن بِدِمَشْق بمقابر الصُّوفِيَّة وَالله أعلم.
وفيهَا: قدم جلال الدّين من الْهِنْد بعد هربه من جنكيز خَان إِلَى كرمان، ثمَّ إِلَى أَصْبَهَان، وَاسْتولى على عراق الْعَجم، ثمَّ سَار وانتزع فَارس من أَخِيه غياث الدّين وأعادها إِلَى صَاحبهَا أتابك سعد وغياث الدّين مُطِيع لِأَخِيهِ جلال الدّين، ثمَّ استولى على خوزستان، وَكَانَت للخليفة النَّاصِر، ثمَّ قدم إِلَى بعقوبا فاستعدت بَغْدَاد للحصار، ونهبت الخوارزمية الْبِلَاد وامتلأوا مَغَانِم، وقوى جلال الدّين وَعَسْكَره الخوارزمية، ثمَّ قَارب إربل فَصَالحه صَاحبهَا مظفر الدّين، ثمَّ سَار فاستولى على تبريز كرْسِي مملكة أذربيجان وهرب صَاحبهَا مظفر الدّين أزبك بن البهلوان بن إيلدكز، وَكَانَ مَشْغُولًا بالشرب فهرب أزبك إِلَى كنجة من بِلَاد أران قريب من برذعة ومتاخمة الكرج.
واستفحل أَمر جلال الدّين بِملك أذربيجان، وَقَاتل الكرج وَهَزَمَهُمْ وتبعهم يقتل فيهم، وَاتفقَ أَنه ثَبت عِنْد قَاضِي تبريز طَلَاق أزبك بن البهلوان بنت السُّلْطَان طغرل بك آخر السلجوقية، فَتَزَوجهَا جلال الدّين، وَفتح عسكره كنجة، وهرب مظفر الدّين أزبك بن مُحَمَّد البهلوان من كنجة إِلَى قلعة هُنَاكَ ثمَّ هلك.
وفيهَا توفّي الْملك الْأَفْضَل: وَله سميساط فَقَط فَجْأَة وعمره سبع وَخَمْسُونَ وَكَانَ فَاضلا عادلاً شَاعِرًا لَكِن قَلِيل الْحَظ. وَفِي ذَلِك يَقُول:
(يَا من يسود شعره بخضابه
…
لعساه من أهل الشبيبة يحصل)
(هَا فاختضب بسواد حظي مرّة
…
وَلَك الْأمان بِأَنَّهُ لَا ينصل)
وَلما أخذت مِنْهُ دمشق كتب إِلَى صَاحب لَهُ:
(أَي صديق سَأَلت عَنهُ فَفِي
…
الذل وَتَحْت الخمول فِي الوطن)
(وَأي ضد سَأَلت حَالَته
…
سَمِعت مَا لَا تحبه أُذُنِي)
قلت: قد أذكرني هَذَا قولي:
(قَالَ بعض النَّاس إِنِّي
…
فَاضل فِي الْعلم خامل)
(وَكَذَا الْفَاضِل مثلي
…
عِنْد قسم الرزق فَاضل)
وَقَوْلِي:
(لَا تحرصن على فضل وَلَا أدب
…
فقد يضر الْفَتى علم وَتَحْقِيق)
(وَاحْذَرْ تعد من العقال بَينهم
…
فَإِن كَانَ قَلِيل الْعقل مَرْزُوق)
(والحظ أَنْفَع من خطّ تزوقه
…
فَمَا يُفِيد قَلِيل الْحَظ تزويق)
(وَالْعلم يحْسب من رزق الْفَتى وَله
…
بِكُل متسع فِي الْفضل تضييق)
(أهل الْفَضَائِل والآداب قد كسدوا
…
والجاهلون فقد قَامَت لَهُم سوق)
(وَالنَّاس أَعدَاء من سَارَتْ فضائله
…
فَإِن تعمق قَالُوا عَنهُ زنديق)
وَالله أعلم.
وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي الإِمَام النَّاصِر لدين الله وخلافته سبع وَأَرْبَعُونَ سنة، وَعمي فِي آخر عمره، وَمَات بالدوسنطارية وعمره نَحْو سبعين سنة، وَكَانَ يتشيع وهمته إِلَى البندق والطيور والفتوة، وَقيل أَنه هُوَ الَّذِي كَاتب التتر ليشتغل بهم خوارزم شاه عَن الْعرَاق.
" وبويع ابْنه الظَّاهِر " بِأَمْر الله أَبُو نصر مُحَمَّد وَهُوَ الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم وَعدل وأزال المكوس وَأطلق الحبوس وَظهر للنَّاس بِخِلَاف أَبِيه، وَلم تطل مدَّته غير تِسْعَة اشهر.
قلت: كَانَ جميل الصُّورَة أَبيض بحمرة شَدِيد القوى فِيهِ دين وعقل قيل لَهُ أَلا تتفسح وتتنزه فَقَالَ من فتح بعد الْعَصْر أيش يكْسب، وَكَانَ يَقُول الْجمع شغل النجار أَنْتُم إِلَى إِمَام فعال أحْوج مِنْكُم إِلَى إِمَام قَوَّال اتركوني افْعَل الْخَيْر فكم بقيت أعيش، وَقد فرق لَيْلَة الْعِيد فِي الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ مائَة ألف دِينَار، قَالَ ابْن الْأَثِير: لقد أظهر من الْعدْل وَالْإِحْسَان مَا أَحْيَا بِهِ سنة العمرين، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة: فِيهَا نَازل الْمُعظم عِيسَى صَاحب دمشق حمص، ثمَّ رَحل عَنْهَا لِكَثْرَة موت الْخَيل، وَورد عَلَيْهِ الْأَشْرَف أَخُوهُ من الشرق طَالبا للصلح فَأكْرمه ظَاهرا وأسره بَاطِنا، وَأقَام عِنْده حَتَّى انْقَضتْ هَذِه السّنة.
وفيهَا: فتح السُّلْطَان جلال الدّين تفليس من الكرج ونازل خلاط فطال الْقِتَال وَبهَا نَائِب الْأَشْرَف الْحَاجِب حسام الدّين على الْموصل وَذَلِكَ فِي عشْرين ذِي الْعقْدَة ورحل عَنْهَا لسبع بَقينَ من ذِي الْحجَّة لِكَثْرَة الثَّلج.
وفيهَا: فِي رَابِع عشر رَجَب توفّي الْخَلِيفَة الظَّاهِر بِأَمْر الله مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله كَانَ أَبوهُ شِيعِيًّا وَكَانَ هُوَ سنياً، كَانَ أَبوهُ جماعاً وَكَانَ هُوَ باذلاً، كَانَ أَبوهُ طَوِيل الْمدَّة وَكَانَ هُوَ قصير الْمدَّة، كَانَ لِأَبِيهِ صنجة زَائِدَة لقبض المَال فَخرج توقيع الظَّاهِر بإبطالها وأوله:{ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون} .
" وَتَوَلَّى الْخلَافَة بعده ابْنه الْأَكْبَر الْمُسْتَنْصر بِاللَّه " أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور وَهُوَ السَّادِس
وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم، فَعدل وَأحسن كأبيه، وَكَانَ لَهُ أَخ شُجَاع عَاشَ حَتَّى قَتله التتر بَغْدَاد.
قلت: وفيهَا مَاتَ إِمَام الدّين عبد الْكَرِيم مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ الْقزْوِينِي مُصَنف الشَّرْح الْكَبِير وَالصَّغِير على الْوَجِيز وَالْمُحَرر ومصنف التذنيب على الشرحين، وَكَانَ مَعَ براعته فِي الْعُلُوم صَالحا زاهداً ذَا أَحْوَال وكرامات وعَلى شَرحه الْكَبِير الْيَوْم اعْتِمَاد الْمُفْتِينَ والحكام فِي الدُّنْيَا.
وفيهَا: فتح عَسْكَر عَلَاء الدّين كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان صَاحب الرّوم حصن مَنْصُور وحصن الكخنا وَكَانَا لصَاحب آمد.
وفيهَا: فِي نصف ذِي الْحجَّة نَازل جلال الدّين خلاط وَهِي للأشرف، وَبهَا نَائِبه الْحَاجة الْمَذْكُور منازلته الثَّانِيَة وأدركه الْبرد فَرَحل عَنْهَا.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة: والأشرف كالأسير مَعَ الْمُعظم أَخِيه، ثمَّ حلف للمعظم أَن يعاضده على أخيهما الْكَامِل وعَلى صَاحِبي حماه وحمص فَأَطْلقهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَة بعد عشر أشهر، فَلَمَّا اسْتَقر الْأَشْرَف فِي بِلَاده تَأَول أيمانه الَّتِي حَلفهَا للمعظم بِأَنَّهَا يَمِين مكره، هَذَا والمعظم مُوَافق لجلال الدّين خوارزم شاه على حَرْب أَخَوَيْهِ الْكَامِل والأشرف، وَلما تحقق الْكَامِل اعتضاد أَخِيه الْمُعظم لجلال الدّين خَافَ من ذَلِك، وَكتب إِلَى الإينروز ملك الفرنج أَن يقدم إِلَى عكا ليشغل الْمُعظم عَمَّا هُوَ فِيهِ، ووعده بالقدس، فَسَار الاينروز إِلَى عكا، وَبلغ ذَلِك الْمُعظم، فكاتب الْأَشْرَف واستعطفه.
وفيهَا: انتزع الأتابك طغرل بك الشغر وبكاس من الصَّالح أَحْمد بن الظَّاهِر وعوضه عَنْهَا بعينتاب والراوندان.
وفيهَا: سَار الْحَاجِب حسام الدّين عَليّ نَائِب الْأَشْرَف بخلاط بعساكر الْأَشْرَف إِلَى بِلَاد جلال الدّين وَاسْتولى على خوي وسلماس ونقجوان.
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفّي الْملك الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب بقلعة دمشق بالدوسنطاريا، وعمره تسع وَأَرْبَعُونَ، وَملكه دمشق تسع سِنِين وشهور.
وَكَانَ شجاعاً قَلِيل التَّكَلُّف يركب بِلَا صناجق غَالِبا بكلوته صفراء بِلَا شاش، ويخترق الْأَسْوَاق بِلَا مطرق بَين يَدَيْهِ حَتَّى صَار من فعل أمرا بِلَا تكلّف يُقَال فعله بالمعظمي.
وَعرف النَّحْو على الْكِنْدِيّ، وَالْفِقْه، على جمال الدّين الخضيري، وَكَانَ حنفياً متعصباً لمذهبه، وَكَانَ أهل بَيته شافعية سواهُ، وَولي بعده ابْنه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد ودبر ملكه عز الدّين أيبك المعظمي، وَكَانَ لأيبك صرخد وأعمالها.