الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فذاب الثَّلج وانهدم البنايا
…
وَقد عزم الْغَرِيب على الْخُرُوج)
فخلصتهما من ذل مقامات الْغَرِيب بكر أَرض وَأوقدت عَلَيْهِمَا فكري، فذاب الثَّلج وانهدم البنايا الْمُسْتَحقَّة للنقض وَجعلت لَهما اسْما فِي الْأَسْمَاء ونقلتهما من كَثَافَة الأَرْض إِلَى الطافة السَّمَاء.
فَقلت:
(مليح ردفه والساق مِنْهُ
…
كبنيان الْقُصُور على الثلوج)
(خُذُوا من خَدّه القاني نَصِيبا
…
فقد عزم الْغَرِيب على الْخُرُوج)
وَكَذَلِكَ تعجبت لاشتهار المثلين العاميين اللَّذين طبقًا الْآفَاق مَعَ ركتهما بالِاتِّفَاقِ، وهما قَول الْعَامَّة: حسبت أَن فِي السفرة جبنا، وَقَوْلهمْ: فعلت كَذَا على عَيْنك يَا تَاجر، فأفرغت الْجُبْن فِي قالب الْحسن.
فَقلت:
(جَاءَنَا ملتثماً مكتتماً
…
فدعوناه لأكل وعجبنا)
(مد فِي السفرة كفا ترفاً
…
فحسبنا أَن فِي السفرة جبنا)
وملأت عين التَّاجِر بالجواهر فَقلت:
(وتاجر شاهدت عشاقه
…
وَالْحَرب فِيمَا بَينهم ثَائِر)
(قَالَ علام اقْتَتَلُوا هَكَذَا
…
قلت على عَيْنك يَا تَاجر)
وَالله أعلم.
ثمَّ رحلت العساكر عَن دمياط فَدَخَلُوا إِلَى الْقَاهِرَة تَاسِع صفر، وَأرْسل المصريون إِلَى الْأُمَرَاء الَّذين بِدِمَشْق ليوافقوهم على مَا قدمنَا فَأَبَوا، وَكَانَ الْملك السعيد بن الْعَزِيز بن الْعَادِل صَاحب الصبيبة قد سلمهَا إِلَى الصَّالح أَيُّوب وَلما جرى ذَلِك استعادها، وَلما بلغ ذَلِك بدر الدّين الصوابي الصَّالِحِي نَائِب الكرك والشوبك أخرج من حبس الشوبك الْملك المغيث فتح الدّين عمر بن الْعَادِل أبي بكر بن الْكَامِل بن الْعَادِل بن أَيُّوب، وَكَانَ قد حَبسه بهَا الْمُعظم توران شاه لما وصل إِلَى مصر، وتملك المغيث القلعتين الكرك والنشوبك، وَقَامَ الصوابي فِي خدمته أتم قيام.
اسْتِيلَاء النَّاصِر صَاحب حلب على دمشق
لما أَبَت أُمَرَاء دمشق مَا ذكرنَا كَاتب الْأُمَرَاء القيمرية بهَا النَّاصِر يُوسُف صَاحب حلب بن الْعَزِيز بن الظَّاهِر بن صَلَاح الدّين، فَسَار إِلَيْهِم، وَملك دمشق لثمان من ربيع الآخر مِنْهَا، وخلع على جمال الدّين يغمور وعَلى القيمرية واعتقل جمَاعَة من الْأُمَرَاء الصالحية، وعصت بعلبك وعجلون وشميميس مديدة ثمَّ سلمت إِلَيْهِ وَبلغ ذَلِك مصر فقبضوا على من بهَا من القيمرية وكل من اتهمَ بالميل إِلَى الحلبيين، ثمَّ أَن كبراء دولة مصر
سلطنوا عز الدّين أيبك التركماني الجاشنكير الصَّالِحِي خشيَة من فَسَاد الْحَال بتملك الْمَرْأَة، وَركب بالصناجق السُّلْطَانِيَّة والغاشية بَين يَدَيْهِ آخر ربيع الآخر مِنْهَا.
ولقب بالمعز وَبَطلَت السِّكَّة وَالْخطْبَة الَّتِي باسم شَجَرَة الدّرّ، ثمَّ رَأَوْا أَنه لَا بُد من إِقَامَة شخص من بني أَيُّوب فِي السلطنة فاتفقوا على إِقَامَة الْأَشْرَف مُوسَى بن يُوسُف بن يُوسُف صَاحب الْيمن الْمَعْرُوف بأقسيس بن الْكَامِل بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَجعلُوا ايبك التركماني أتابكة.
وأجلس الْأَشْرَف أقسيس فِي دست الْملك: والأشراف فِي خدمته يَوْم الْخَمِيس خَامِس جُمَادَى الأولى مِنْهَا، وَكَانَ حِينَئِذٍ بغزة جمَاعَة من عَسْكَر مصر مقدمهم خَاص ترك فَسَار إِلَيْهِم عَسْكَر دمشق فاندفعوا عَن غَزَّة إِلَى الصالحية بالسائح واتقفوا على طَاعَة المغيث صَاحب الكرك.
وخطبوا لَهُ بالصالحية يَوْم الْجُمُعَة رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا، وَلما جرى ذَلِك نَادَى كبراء الدولة بِمصْر والقاهرة أَن الْبِلَاد للخليفة المستعصم، ثمَّ جددت الْأَيْمَان للأشرف ولأتابكه أيبك.
وَفِي خَامِس رَجَب رَحل فَارس الدّين أقطاي الصَّالِحِي الجمدار إِلَى جِهَة غَزَّة بألفي فَارس فَانْدفع بَين يَدَيْهِ من بهَا من جِهَة النَّاصِر.
وفيهَا: هدم سور دمياط فِي أَوَاخِر شعْبَان لما قاسوا بهَا من شدَّة بعد أُخْرَى، وبنوا بقربها فِي الْبر المنشية وأسوار دمياط الَّتِي هدمت من عمَارَة المتَوَكل الْخَلِيفَة العباسي.
وفيهَا: مستهل شعْبَان قبض النَّاصِر يُوسُف صَاحب حلب ودمشق على النَّاصِر دَاوُد الَّذِي كَانَ صَاحب الكرك واعتقله بحمص لِأَشْيَاء بلغته فخافه.
وفيهَا: سَار الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن الْعَزِيز بعساكره من دمشق وَمَعَهُ من مُلُوك بَيته الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الْعَادِل بن أَيُّوب والأشرف مُوسَى صَاحب حمص، وَله حِينَئِذٍ تل بَاشر والرحبة وتدمر، والمعظم توران شاه بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين وأخو الْمُعظم نصْرَة الدّين والأمجد حسن وَالظَّاهِر شاذي ابْنا النَّاصِر دَاوُد بن الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل بن أَيُّوب، وتقي الدّين عَبَّاس بن الْعَادِل بن أَيُّوب ومقدم الْجَيْش شمس الدّين لُؤْلُؤ الأميني الأرمني وَإِلَيْهِ تَدْبِير المملكة سَارُوا من دمشق يَوْم الْأَحَد منتصف رَمَضَان، فاهتم المصريون لقتالهم وبرزوا إِلَى السائح وَتركُوا الْأَشْرَف الْمُسَمّى بالسلطان بقلعة الْجَبَل وَأَفْرج أيبك التركماني حِينَئِذٍ عَن الْمَنْصُور إِبْرَاهِيم والسعيد عبد الْملك ابْني الصَّالح إِسْمَاعِيل المعتقلين من اسْتِيلَاء الصَّالح أَيُّوب على بعلبك، وخلع عَلَيْهِمَا ليتوهم النَّاصِر يُوسُف صَاحب دمشق وحلب من أَبِيهِمَا.
والتقى المصريون والشاميون قرب العباسية يَوْم الْخَمِيس عَاشر ذِي الْقعدَة مِنْهَا فانكسر أَولا عَسْكَر مصر فخامر جمَاعَة من المماليك التّرْك العزيزية على النَّاصِر صَاحب دمشق،
وَثَبت الْمعز أيبك التركماني فِي قَلِيل من البحرية وانضاف إِلَيْهِ جمَاعَة من العزيزية مماليك وَالِد النَّاصِر.
وَلما انْكَسَرَ المصريون وتبعهم الشاميون وَلم يشكوا فِي النَّصْر بَقِي النَّاصِر تَحت الصناجق فِي جمَاعَة يسيرَة من المتعممين لَا يَتَحَرَّك من مَوْضِعه، فَحمل عَلَيْهِ الْمعز التركماني بِمن مَعَه فَانْهَزَمَ النَّاصِر طَالب الشَّام، ثمَّ حمل أيبك التركماني على عَسْكَر شمس الدّين لُؤْلُؤ فَهَزَمَهُمْ وَأسر شمس الدّين لُؤْلُؤ، وَضرب عُنُقه بَين يَدَيْهِ وعنق الْأَمِير ضِيَاء الدّين القيمري، وَأسر يَوْمئِذٍ الصَّالح إِسْمَاعِيل والأشرف صَاحب حمص والمعظم توران شاه بن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين بن أَيُّوب وَأَخُوهُ نصْرَة الدّين، وَوصل عَسْكَر الْملك النَّاصِر فِي أثر المنهزمين إِلَى العباسية وضربوا بهَا دهليز الْملك النَّاصِر وَلَا يَشكونَ أَن الْهَزِيمَة تمت على المصريين، فَلَمَّا بَلغهُمْ هرب الْملك النَّاصِر اخْتلفت آراؤهم، فَأَشَارَ بَعضهم بِدُخُول الْقَاهِرَة وتملكها وَلَو قدر ذَلِك لم يبْق مَعَ أيبك التركماني من يقاتلهم بِهِ، وَكَانَ هرب فَإِن غَالب المصريين وصلوا الصَّعِيد وَأَشَارَ بَعضهم بِالرُّجُوعِ إِلَى الشَّام، وَكَانَ مَعَهم تَاج الْمُلُوك بن الْمُعظم جريحاً، وَكَانَت الْوَقْعَة يَوْم الْخَمِيس، وَوصل المنهزمون من المصريين إِلَى الْقَاهِرَة فِي غَد الْوَقْعَة فَلم يشك أهل مصر فِي ملك النَّاصِر لمصر.
وخطب لَهُ يَوْم الْجُمُعَة الْمَذْكُورَة بقلعة الْجَبَل بِمصْر، وَأما الْقَاهِرَة فَلم يخْطب بهَا ذَلِك الْيَوْم لأحد.
ثمَّ وَردت إِلَيْهِم الْبُشْرَى بنصر البحرية وَدخل أيبك التركماني والبحرية الْقَاهِرَة يَوْم السبت ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة وَمَعَهُ الصَّالح إِسْمَاعِيل تَحت الِاحْتِيَاط وَغَيره من المعتقلين فحبسوا بقلعة الْجَبَل، وعقب ذَلِك أخرج أيبك التركماني أَمِين الدولة وَزِير الصَّالح إِسْمَاعِيل، وأستاذ دَاره يغموراً من الاعتقال وشنقهما على بَاب قلعة الْجَبَل رَابِع عشر ذِي الْقعدَة، وَفِي السَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ: هجم جمَاعَة على الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل بن الْعَادِل بن أَيُّوب وَهُوَ يمص قصب سكر وأخرجوه فَقَتَلُوهُ بالقرافة وَدفن هُنَاكَ وعمره نَحْو خمسين وَأمه حظية رُومِية.
وفيهَا: بعد ذَلِك أرسل فَارس الدّين اقطاي بِثَلَاثَة آلَاف فَارس فاستولى على غَزَّة ثمَّ عَاد إِلَى مصر.
وفيهَا: وثب على الْمَنْصُور عمر صَاحب الْيمن مماليكه فَقَتَلُوهُ وَهُوَ عمر بن عَليّ بن رَسُول.
كَانَ أَبوهُ أستاذ دَار الْملك المسعود بن السُّلْطَان الْكَامِل، وَلما قصد المسعود الشَّام وَمَات بِمَكَّة إستناب الْمَذْكُور فاستقر نَائِبا بِالْيمن لبني أَيُّوب وَرهن إخْوَته بِمصْر لِئَلَّا يتغلب على الْيمن، وَاسْتمرّ نَائِبا بهَا حَتَّى مَاتَ قبل سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَاسْتولى على الْيمن بعده ابْنه عمر نَائِبا فَأرْسل من مصر أَعْمَامه ليعزلوه ويكونوا مَوْضِعه، فَقَتلهُمْ واستقل بِملك
الْيمن، وتلقب بالمنصور واستكثر من المماليك التّرْك فَقَتَلُوهُ وَملك بعده ابْنه يُوسُف وتلقب بالمظفر وَصفا لَهُ الْيمن طَويلا.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة: فِيهَا توفّي الصاحب جمال الدّين يحيى بن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن حَمْزَة بن إِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن بن مطروح، تقدم عِنْد الصَّالح أَيُّوب وَتَوَلَّى لَهُ وَهُوَ بالشرق نظر الْجَيْش ثمَّ اسْتَعْملهُ على دمشق ثمَّ عَزله بيغمور، وَكَانَ فَاضلا فِي النّظم والنثر.
وَله:
(عانقته فسكرت من طيب الشذا
…
غُصْن رطيب بالنسيم قد اغتذى)
(نشوان مَا شرب المدام وَإِنَّمَا
…
أَمْسَى بِخَمْر رضابه متنبذا)
(جَاءَ العذول يلومني من بعد مَا
…
أَخذ الغرام عَليّ فِيهِ مأخذا)
(لَا أرعوي لَا أَنْتَهِي لَا أنثني
…
عَن حبه فليهذ فِيهِ من هذى)
(إِن عِشْت عِشْت على الغرام وَإِن أمت
…
وجدا بِهِ وصبابة يَا حبذا)
قلت وَمَا أحسن مَا ضمن بَيت المتنبي وَهُوَ:
(تذكرت مَا بَين العذيب وبارق
…
مجر عوالينا ومجرى السوابق)
فَقَالَ:
(إِذا مَا سقاني رِيقه وَهُوَ باسم
…
تذكرت مَا بَين العذيب وبارق)
(ويذكرني من قده ومدامعي
…
مجر عوالينا ومجرى السوابق)
وَذكرت بِهَذَا مَا كنت ضمنته من أَبْيَات مَشْهُورَة للمتنبي (فَقلت) :
(بروحي وَمَالِي عَادل الْقد ظَالِم
…
وَلَكِن مغنوماً نجى مِنْهُ غَانِم)
(إِذا مَا رايت الطّرف مِنْهُ وقده
…
تَقول كَأَن السَّيْف للرمح شائم)
(عزائم سحر فِي ذَوي الْعَزْم طرفه
…
على قدر أهل الْعَزْم تَأتي العزائم)
(نقاسي عَظِيما فِي هَوَاهُ فَلم نرع
…
وتصغر فِي عين الْعَظِيم العظائم)
(فسل عَن دمي فِيهِ وَعَن فيض أدمعي
…
لتعرف أَي الساقيين الغمائم)
(لَئِن شبه العشاق خديه جنَّة
…
فموج المنايا حولهَا متلاطم)
وَكَذَلِكَ ضمنت بَيْتا وَاحِدًا انتسب إِلَى عَليّ " رضي الله عنه " فَقلت:
(فيا سائلي عَن مذهبي أَن مذهبي
…
وَلَاء بِهِ حب الصَّحَابَة يمزج)
(فَمن رام تقويمي فَإِنِّي مقوم
…
وَمن رام تعويجي فَأَنِّي معوج)
وَكَذَلِكَ ضمنت غَالب قصيدة أبي الْعَلَاء فِي تهنئة بِرُجُوع من غزَاة بِلَاد سيس وَفتح قلعة النقير سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة على وَجه امتحان القريحة لَا فِي معِين، فَمِنْهَا قولي:
(جهادك مَقْبُول وعامك قَابل
…
أَلا فِي سَبِيل الْمجد مَا أَنْت فَاعل)
(إِذا حل مَوْلَانَا بِأَرْض يحلهَا
…
عفاف وإقدام وحزم ونائل)
(وَإِن لَاحَ فِي القرطاس أسود خطه
…
يَقُول الدجى يَا صبح لونك حَائِل)
(لأقلامك السمر العوالي تواضعت
…
وهابتك فِي أغمادهن المناصل)
(نزلتم على الْحصن المنيع جنابه
…
فَلَيْسَ يُبَالِي من يغول الغوائل)
(نصبتم عَلَيْهِ للحصار حبائلا
…
كَمَا نصبت للفرقدين الحبائل)
(وزلزلتموه خيفة ومهابة
…
فأثقل رضوى دون مَا هُوَ حَامِل)
(أَلا أَن جَيْشًا للنقير فاتحاً
…
لآت بِمَا لم تستطعه الْأَوَائِل)
(فكم أنْشد التكفور يَا حصن لَا تبل
…
وَلَو نظرت شرراً إِلَيْك الْقَبَائِل)
(فَقَالَ لَهُ اسْكُتْ مَا رَأَيْت الَّذِي أرى
…
وأيسر هجري أنني عَنْك راحل)
(فَأصْبح من جور الْحَصَا كَأَنَّهُ
…
أَخُو سقطة أَو ضالع مُتَحَامِل)
(رميتم حجار المنجنيق عَلَيْهِم
…
ففاخرت الشهب الْحَصَا والجنادل)
(حِجَارَة سجيل لَهَا الْبَدْر خَائِف
…
على نَفسه والنجم فِي الغرب مائل)
(وعدتم وللفتح الْمُبين تباشر
…
وَقد حطمت فِي الدراعين العوامل)
(وفل قتال الْمُشْركين سُيُوفكُمْ
…
فَمَا السَّيْف إِلَّا غمده والحمائل)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي علم الدّين قَيْصر بن أبي الْقَاسِم بن عبد الْغَنِيّ بن مُسَافر الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الْمقري الْمَعْرُوف بتعاسيف إِمَام فِي الرياضيات، اشْتغل بِمصْر وَالشَّام، ثمَّ بالموصل على الشَّيْخ كَمَال الدّين مُوسَى بن يُونُس وَقَرَأَ عَلَيْهِ الموسيقى ثمَّ عَاد وَتُوفِّي بِدِمَشْق فِي رَجَب، ومولده سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة بأصفون من شَرْقي صَعِيد مصر.
قلت: وفيهَا توفّي الشَّيْخ تَاج الدّين جَعْفَر بن مَحْمُود بن سيف الْحلَبِي الْمَعْرُوف بالسراج صَاحب الكرامات الخارقة والأنفاس الصادقة فِي الْعشْر الآخر من شعْبَان بحلب وَدفن بمقابر الصَّالِحين وقبر الشَّيْخ أبي الْمَعَالِي الْحداد وَالشَّيْخ جَعْفَر الْمَذْكُور وَالشَّيْخ أبي الْحُسَيْن النوري متقاربات ظَاهِرَة تزار، صحب الشَّيْخ جَعْفَر الْمَذْكُور الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي.
وروى عَنهُ عوارف المعارف، وَتخرج بِهِ خلق من أَعْيَان الصلحاء مثل الشَّيْخ مهنى بن كَوْكَب الفوعي، وَمثل شَيخنَا عَيْش بن عِيسَى بن عَليّ السرجاوي وَغَيرهم، وربى المريدين على عَادَة الصُّوفِيَّة.
وَكَانَ يكاشفهم بالأحوال فِي خلواتهم، وَيحل مَا أشكل عَلَيْهِم، وَرجع بِسَبَبِهِ خلق كثير إِلَى الله فِي جبل السماق وبلد سرمين وَالْبَاب وبزاعة وحلب وَغَيرهَا، وَقرب الْعَهْد بِهِ وبمن لَقينَا من أَصْحَابه، وشهرة كراماته عِنْدهم تغني عَن ذكرهَا، وَكَانَ لَهُ رَحْمَة الله عَلَيْهِ مريدون أعزة عَلَيْهِ بالبارة، فَكَانَ إِذا رأى البارة من بعيد ينشد:
(وأحبها وَأحب منزلهَا الَّذِي
…
نزلت بِهِ وَأحب أهل الْمنزل)
وَحكي عَنهُ أَنه جاور فِي مغارة بالْكفْر الملاصق للبارة، وَكَانَ بالمغارة جب فَكَانَ كلما ختم ختمة ألْقى فِي الْجب حَصَاة حَتَّى طم الْجب بالحصى ومحاسنه وزهده وكراماته مَشْهُورَة بَين أَصْحَابه وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة خمسين وسِتمِائَة: فَلم يَقع مَا يصلح للتأريخ.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة: فِيهَا اسْتَقر الصُّلْح بَين النَّاصِر صَاحب الشَّام وَبَين البحرية بِمصْر على أَن للمصريين إِلَى النَّهر الْأَزْرَق، وللناصر مَا وَرَاءه، وحضره الباذراني من جِهَة الْخَلِيفَة.
وفيهَا: قطع ايبك التركماني خبر حسام الدّين بن أبي عَليّ الهذياني، فخدم النَّاصِر بِدِمَشْق.
وفيهَا: أفرج النَّاصِر يُوسُف عَن النَّاصِر دَاوُد بن الْمُعظم الَّذِي كَانَ صَاحب الكرك من اعتقاله بقلعة حمص بشفاعة الْخَلِيفَة وَأمره أَن لَا يسكن فِي بِلَاده وَطلب بَغْدَاد فَمَا مكن من وصولها ومنعوه وديعته الْجَوْهَر، وَكتب النَّاصِر يُوسُف إِلَى مُلُوك الْأَطْرَاف أَن لَا يأووه وَلَا يميروه فَبَقيَ فِي جِهَات عانة والحديثة وَضَاقَتْ بِهِ الْحَال بِمن مَعَه، وانضم إِلَيْهِ جمَاعَة من غزنة يرحلون وينزلون جَمِيعًا، وَلما قوي الْحر وَلم يبْق بِالْبرِّ عشب قصدُوا أزوار الْفُرَات يقاسون بق اللَّيْل وهواجر النَّهَار وَمَعَهُ أَوْلَاده.
ولابنه الظَّاهِر شاذي فَهد يصيد فِي النَّهَار مَا يزِيد على عشرَة غزلان ويمضي لَهُ ولأصحابه أَيَّام لَا يطْعمُون غير لُحُوم الغزلان.
وَاتفقَ أَن الْأَشْرَف صَاحب تل بَاشر وتدمر والرحبة أرسل إِلَى النَّاصِر مركبين موسوقين دَقِيقًا وشعيراً، فهدده صَاحب دمشق على ذَلِك، ثمَّ أَن النَّاصِر قصد مَكَانا للشرائي واستجار بِهِ فرتب لَهُ دون كِفَايَته وَأذن لَهُ فِي نزُول الأنبار - ثَلَاثَة أَيَّام عَن بَغْدَاد - والناصر دَاوُد مَعَ ذَلِك يتَضَرَّع إِلَى الْخَلِيفَة المستعصم فَلَا يجِيبه وَيطْلب وديعته فيماطل عَنْهَا، وَمُدَّة مقَامه فِي البراري ثَلَاثَة أشهر، ثمَّ شفع فِيهِ الْخَلِيفَة عِنْد الْملك النَّاصِر فَأذن بعوده إِلَى دمشق ورتب لَهُ مائَة ألف على بحيرة أفامية وَغَيرهَا يحصل مِنْهَا دون ثَلَاثِينَ ألفا.
وفيهَا: وصلت الْأَخْبَار من مَكَّة أَن نَارا ظَهرت من عدن وَبَعض جبالها تظهر فِي اللَّيْل وَلها فِي النَّهَار دُخان عَظِيم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة:
دولة الحفصيين مُلُوك تونس: ذكرت فِي هَذِه السّنة لِأَنَّهَا كالمتوسطة لمُدَّة ملكهم نَقله الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى من الشَّيْخ الْفَاضِل ركن الدّين بن قويع التّونسِيّ قَالَ: الحفصيون أَوَّلهمْ أَبُو حَفْص عمر بن محيي الهتتاني، وهتتانة بتائين مثناتين فَوق قَبيلَة من المصامدة يَزْعمُونَ أَنهم قرشيون من بني عدي بن كَعْب رَهْط عمر بن الْخطاب رضي الله عنه، وَأَبُو
حَفْص من أكبر أَصْحَاب ابْن تومرت بعد عبد الْمُؤمن.
وَتَوَلَّى عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص إفريقية نِيَابَة عَن بني عبد الْمُؤمن فِي سنة ثَلَاث وسِتمِائَة، وَمَات سلخ ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة، فَتَوَلّى أَبُو الْعَلَاء من بني عبد الْمُؤمن ثمَّ توفّي فَعَادَت إفريقية إِلَى ولَايَة الحفصيين.
وَتَوَلَّى مِنْهُم عبد الله بن عبد الْوَاحِد بن ذِي حَفْص سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، وكما تولى ولى أَخَاهُ أَبَا زَكَرِيَّا يحيى بن قابس وأخاه أَبَا إِبْرَاهِيم إِسْحَاق بِلَاد الجريد، ثمَّ خرج على عبد الله وَهُوَ على قابس أَصْحَابه ورجموه وطردوه وولوا مَوْضِعه أَبَا زَكَرِيَّا بن عبد الْوَاحِد سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة فنقم بَنو عبد الْمُؤمن على أبي زَكَرِيَّاء ذَلِك فأسقط أَبُو زَكَرِيَّاء اسْم عبد الْمُؤمن من الْخطْبَة وَبَقِي اسْم الْمهْدي، وتملك إفريقية.
وخطب لنَفسِهِ بالأمير المرتضى واتسعت مَمْلَكَته، وَفتح تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط بِلَاد الجريد والزاب، وَبَقِي كَذَلِك حَتَّى توفّي على يوفة سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة.
وَله بتونس أبنية شامخة، وَكَانَ عَالما بالأدب، وَخلف أَرْبَعَة بَنِينَ وهم: أَبُو عبد الله مُحَمَّد وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم وَأَبُو حَفْص عمر وَأَبُو بكر، وكنيته أَبُو يحيى وَخلف أَخَوَيْهِ أَبَا إِبْرَاهِيم إِسْحَاق وَمُحَمّد اللحياني الصَّالح الزَّاهِد.
ثمَّ تولى بعده ابْنه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء، ثمَّ خلعه عَمه أَبُو إِبْرَاهِيم وَبَايع لِأَخِيهِ اللحياني على كره مِنْهُ، فَجمع المخلوع أَصْحَابه يَوْم خلعه وَقتل عميه وَملك وتلقب، وخطب لنَفسِهِ بالمستنصر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْأُمَرَاء الرَّاشِدين.
وَفِي أَيَّامه سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وصل الفرنسيس إِلَى إفريقية، وكادت تُؤْخَذ فأماته الله وتفرق جمعه، وَفِي أَيَّامه خافه أَخُوهُ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم فهرب ثمَّ أَقَامَ بتلمسان، وَتُوفِّي الْمُسْتَنْصر فِي ذِي الْحجَّة سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة فَملك ابْنه يحيى وتلقب بالواثق بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ.
وَكَانَ ضَعِيف الرَّأْي تغلب عَلَيْهِ عَمه أَبُو إِسْحَاق فَخلع الواثق نَفسه، وَملك أَبُو إِسْحَاق فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة، وخطب لنَفسِهِ بالأمير الْمُجَاهِد، وَترك زِيّ الحفصيين إِلَى زِيّ زناتة وَعَكَفَ على الشّرْب وَفرق المملكة على أَوْلَاده فذبحوا الواثق المخلوع وابنيه الْفضل وَالطّيب.
وَسلم للواثق ابْن صَغِير يلقب أَبَا عصيدة عملت أمة عصيدة وأهدتها للجيران فلقب بذلك.
ثمَّ ظهر إِنْسَان ادّعى أَنه الْفضل بن الواثق الَّذِي ذبح مَعَ أَبِيه وَجمع وَقصد أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم وقهره فهرب إِلَى بجاية وَبهَا ابْنه أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز فَترك أَبُو فَارس أَبَاهُ ببجاية وَسَار بإخوته وَجمعه إِلَى الدعى بتونس، والتقى الْجَمْعَانِ فَانْهَزَمَ عَسْكَر بجاية، وَقتل أَبُو
فَارس وَثَلَاثَة من إخْوَته، وَنَجَا لَهُ أَخ اسْمه يحيى وَعَمه أَبُو حَفْص عمر.
ثمَّ أرسل الدعي من قتل ببجاية أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم وجاءه بِرَأْسِهِ ثمَّ تحدث النَّاس بِأَنَّهُ دعِي، وَاجْتمعَ الْعَرَب على عمر بن أبي زَكَرِيَّاء بعد هربه من المعركة فقصد الدعي ثَانِيًا بتونس وقهره، واستتر الدعي ثمَّ أحضر واعترف بنسبه، وَضربت عُنُقه، والدعي أَحْمد بن مَرْوَان بن أبي عمار من بجاية، كَانَ أَبوهُ يتجر إِلَى بِلَاد السودَان.
وَكَانَ على الدعي بعض شبه من الْفضل بن الواثق فَشهد لَهُ نصير الْأسود، وَكَانَ خصيصاً بالواثق المخلوع أَنه الْفضل وَجمع عَلَيْهِ الْعَرَب حَتَّى كَانَ مِنْهُ مَا ذكر، وَكَانَ يخْطب للدعي بالأمام الْمَنْصُور بِاللَّه وَلما اسْتَقر أَبُو حَفْص تلقب بالمستنصر بِاللَّه وَهُوَ الْمُسْتَنْصر الثَّانِي، وَسَار ابْن أَخِيه يحيى بن إِبْرَاهِيم الَّذِي سلم من المعركة إِلَى بجاية فملكها، وتلقب بالمنتخب لإحياء دين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ.
وَتُوفِّي الْمُسْتَنْصر الثَّانِي سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة، وَبَايع فِي مَرضه لِابْنِهِ الصَّغِير، ثمَّ وعظه الْفُقَهَاء لصِغَر ابْنه فَأبْطل بيعَته، وأخرح ولد الواثق المخلوع الَّذِي كَانَ صَغِيرا وَسلم من الذّبْح الملقب بِأبي عصيدة، وبويع صَبِيحَة موت أبي حَفْص الْمُسْتَنْصر، وَاسم أبي عصيدة أَبُو عبد الله مُحَمَّد وتقلب بالمستنصر أَيْضا وَتُوفِّي فِي أَيَّامه صَاحب بجاية الْمُنْتَخب يحيى بن إِبْرَاهِيم بن أبي زَكَرِيَّاء، وَملك بجاية بعده ابْنه خَالِد بن يحيى، وَبَقِي أَبُو عصيدة كَذَلِك حَتَّى توفّي سنة تسع وَسَبْعمائة، فَملك بعده من الحفصيين أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بن أبي زَكَرِيَّاء بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص صَاحب ابْن تومرت، وَأقَام فِي الْملك ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا.
ثمَّ وصل خَالِد بن الْمُنْتَخب صَاحب بجاية، وَدخل تونس وَقتل أَبَا بكر سنة تسع وَسَبْعمائة، وَلما جرى ذَلِك كَانَ زَكَرِيَّاء اللحياني بِمصْر فَسَار مَعَ عَسْكَر السُّلْطَان الْملك النَّاصِر إِلَى طرابلس الغرب، وَبَايَعَهُ الْعَرَب وَسَار إِلَى تونس فَخلع خَالِد بن الْمُنْتَخب وَحبس، ثمَّ قتل قصاصا بِأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن الْمُقدم الذّكر. وَملك اللحياني إفريقية وَهُوَ أَبُو يحيى زَكَرِيَّاء بن أَحْمد بن مُحَمَّد الزَّاهِد اللحياني بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص صَاحب ابْن تومرت، ثمَّ تحرّك على اللحياني أَخُو خَالِد وَهُوَ أَبُو بكر بن يحيى الْمُنْتَخب، فهرب اللحياني وَأقَام بالإسكندرية وَملك أَبُو بكر الْمَذْكُور تونس وَمَا مَعهَا خلا طرابلس والمهدية فَإِنَّهُ بعد هرب اللحياني بَايع ابْنه مُحَمَّد بن اللحياني لنَفسِهِ وَقَاتل أَبَا بكر فَهَزَمَهُ أَبُو بكر، وَاسْتقر مُحَمَّد بن اللحياني بالمهدية وَله مَعهَا طرابلس.
وَكَانَ اسْتِيلَاء أبي بكر وهرب اللحياني سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة، ثمَّ وَردت على اللحياني بالإسكندرية مكاتبات من تونس فِي ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسَبْعمائة يذكرُونَ فِيهَا أَن أَبَا بكر مستملك تونس قد هرب وَترك الْبِلَاد وَأَنَّهُمْ قد أَجمعُوا على طَاعَة اللحياني، وَبَايَعُوا نَائِبه مُحَمَّد بن أبي بكر من الحفصيين وَهُوَ صهر زَكَرِيَّا اللحياني وهم فِي