الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصور التى تجمع نهيق الحمار فجعلها فى نهيق واحد، وكذلك كان فى نباح الكلاب» (1).
2 - الرقيق والجوارى والغناء
كثر الرقيق فى العصر العباسى كثرة مفرطة بسبب كثرة من كانوا يؤسرون فى الحروب وبسبب انتشار تجارته ومعروف أن الإسلام يقصر الاسترقاق على أسرى الحروب من الأجانب، غير أن تجارة الرقيق كانت منتشرة فى إيران وخراسان وما وراءهما وفى الدولة البيزنطية، وعظمت هذه التجارة فى الإسلام على مر السنين، حتى كان فى بغداد شارع خاص بها يسمى شارع الرقيق (2)، وكان يقوم عليه موظف يسمّى قيّم الرقيق.
وكان الرقيق حينئذ يجلب من بلاد الزّنج وإفريقية الشرقية ومن الهند وأواسط آسيا ومن بيزنطة وجنوبى أوربا وكان الزنوج يعملون فى فلاحة الأرض غالبا، أما غيرهم فكانوا يقومون بالأعمال اليدوية والخدمة فى المنازل والقصور. وقد دعا الإسلام دعوة واسعة إلى تحرير الرقيق فكان كثير منهم يحرّرون، وقد يصل بعضهم إلى أرفع المناصب فى الدولة مثل الربيع بن يونس مولى المنصور وحاجبه ثم وزيره (3). وكان الرشيد يستكثر منهم حتى قال إنه سار يوما وبين يديه أربعمائة منهم (4)، ومعروف شغف المعتصم بالرقيق التركى، وما زال يشتريهم من أيدى مواليهم ومن النخاسين حتى اجتمعوا له بالآلاف وحتى اضطرّ أن يبنى لهم-كما أسلفنا-مسرّ من رأى كى يجنّب العامة شرهم وأذاهم.
وكان يشيع بينهم الخصيان ونحن نعرف أن الإسلام يحرم خصاء الإنسان احتراما لآدميته، ولكنه كان منتشرا فى العالم القديم بين البيزنطيين (5) وغيرهم،
(1) البيان والتبيين 1/ 69.
(2)
المسعودى 3/ 316.
(3)
انظر الجهشيارى ص 125 وابن الطقطقى ص 129.
(4)
أغانى (طبعة دار الكتب) 5/ 218.
(5)
انظر الحضارة البيزنطية لرنسيمان (نشر مكتبة النهضة المصرية) ص 243.
وما نصل إلى العصر العباسى حتى نجد القصور فى بغداد وغيرها من بلدان العالم الإسلامى تكتظ بهم، ومن المؤكد أن المسلمين لم يكونوا هم الذين يقومون بهذا العمل البغيض من الحضارة، إنما كان يقوم بذلك اليهود والنصارى متحملين وزره وإثمه.
وقد اشتهر الأمين بكلفه بهم كلفا شديدا حتى تندر عليه معاصروه (1).
وكان رقيق النساء من الجوارى أكثر عددا من رقيق الرجال فقد ذخرت بهن الدور والقصور، إذ أحلّ الإسلام للشخص أن يتملك من الإماء والحوارى ما شاء، وبينما قيّد حريته إزاء الحرائر فحرّم عليه أن يتزوج منهن بأكثر من أربع أطلق حريته إزاء الجوارى فلم يقيّده بعدد منهن، وإن كان قد حرم عليه بيع من يستولدها وردّ إليها حريتها بعد وفاته وجعل أولاده منها أحرارا منذ ولادتهم. وكان الرجال بعامة يفضلونهن على الحرائر، لأنهن كن من أجناس مختلفة، فمنهن السنديات والفارسيات والحبشيات والخراسانيات والأرمنيات والتركيات والروميات، وأيضا ربما كان للحجاب دخل فى ذلك، فقد كانوا لا يرون من يريدون الاقتران بهن من الحرائر، أما الجوارى فكن معروضات بدور النخاسة تحت أعينهم، فكانوا يختارونهن حسب مشيئتهم وهواهم، وصوّر ذلك الجاحظ فقال:«قال بعض من احتجّ للعلة التى من أجلها صار أكثر الإماء أحظى عند الرجال من أكثر المهيرات أن الرجل قبل أن يملك الأمة قد تأمّل كل شئ منها وعرفه ما خلا حظوة الخلوة، فأقدم على ابتياعها بعد وقوعها بالموافقة، والحرّة إنما يستشار فى جمالها النساء، والنساء لا يبصرن من جمال النساء وحاجات الرجال وموافقتهن لا قليلا ولا كثيرا، والرجال بالنساء أبصر، وإنما تعرف المرأة ظاهر الصفة، وأما الخصائص التى تقع بموافقة الرجال فإنها لا تعرف ذلك. وقد تحسن المرأة أن تقول كأن أنفها السيف وكأن عينها عين غزال وكأن عقها إبريق فضة وكأن ساقها جمّارة وكأن شعرها العناقيد وكأن أطرافها المدارى وما أشبه ذلك، وهناك أسباب أخربها يكون الحب والبغض» (2).
وكانت هؤلاء الجوارى والإماء من أجناس وثقافات وديانات وحضارات مختلفة، فأثّرن آثارا واسعة فى أبنائهن ومحيطهن، وهى آثار امتدت إلى قصر الخلافة وعملت فيه عملا بعيد الغور، فقد كان أكثر الخلفاء من أبنائهن، فالمنصور
(1) طبرى 7/ 101، 110.
(2)
رسائل الجاحظ (طبعة السندوبى) ص 274.
أمه حبشية والهادى والرشيد أمهما الخيزران رومية والمأمون أمه مراجل فارسية وكذلك أم المعتصم ماردة. وكانت أم الواثق رومية وتسمى قراطيس. وقد أخذ هؤلاء الجوارى يكثرن فى القصر منذ المهدى وكان بينهن من يعلقن الصّلبان ويقال إنه اشترى جاريته مكنونة بمائة ألف درهم (1). وقد استكثر الرشيد وزوجه زبيدة من الجوارى والإماء حتى قيل إنه كان عند كل منهما زهاء ألفى جارية فى أحسن زى من الثياب والجوهر (2)، وكانت سحر وضياء وخنث من بينهن يشغفن قلبه، وفيهن يقول، وقيل: بل نظم ذلك العباس بن الأحنف على لسانه (3):
ملك الثلاث الآنسات عنانى
…
وحللن من قلبى بكل مكان
مالى تطاوعنى البريّة كلّها
…
وأطيعهنّ وهنّ فى عصيانى
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى
…
-وبه عززن-أعزّ من سلطانى
وكان قصر الأمين يزخر بالجوارى الغلاميات اللائى يلبسن لبس الغلمان (4)، وزخر قصر المأمون بالجوارى المسيحيات (5)، كما زخر بهن وبغيرهن قصر المعتصم والواثق (6).
وكانت قصور الوزراء والأمراء تمتلئ بهن، حتى ليروى أنه كان لعتّابة زوج يحيى بن خالد البرمكى مائة وصيفة، لبوس كل واحدة منهن وحليّها خلاف لبوس الأخرى وحليّها (7). ويفيض كتاب الأغانى بأخبارهن فى دور علية القوم وفى دور النخاسة والقيان ويصوّر كيف كان يغشى الدور الأخيرة الشعراء، والجوارى يستصبين قلوبهم وكثيرا ما يقع حب جارية فى قلب شاعر ويصبح محنة لا يجد إلى التخلص منها سبيلا، وكان من الشعراء من يقاوم إغراءهن. ولكنه يغاديهنّ صباح مساء مفتونا بهن. وعلى هذا النحو كانت دور النخاسة وانقيان معارض للجمال، وهى معارض مفتوحة ليلا ونهارا يجتمع فيها الفتيان من الشعراء وغير
(1) أغانى (طبعة دار الكتب) 10/ 162.
(2)
أغانى 10/ 172 وانظر طبعة الساسى 16/ 132.
(3)
أغانى (طبعة دار الكتب) 16/ 345.
(4)
المسعودى 4/ 244
(5)
أغانى (ساسى) 19/ 138.
(6)
أغانى (دار الكتب) 5/ 288، 7/ 98، 12/ 51، 16/ 12.
(7)
الجهشيارى ص 241 والمسعودى 3/ 297.
الشعراء يتملّون بالجمال ومفاتنه، وفى ذلك يقول أبو دلامة (1):
إن كنت تبغى العيش حلوا صافيا
…
فالشعر أعزبه وكن نخّاسا
تنل الطرائف من ظراف نهّد
…
يحدثن كل عشيّة أعراسا
وهى أعراس ظلت قائمة طوال العصر، وظل الشعراء يختلفون إليها، وكن أحيانا يزرنهم فى دورهم ويبتن عندهم، وقد يشترى الجارية الخليفة أو وزير أو أمير أو قائد مشهور أو أحد العلية من أبناء البيوتات فيظل الشاعر متعلقا بها وتظل تملك عليه كل شئ من أمره على نحو ما كانت تملك عتبة إحدى جوارى قصر المهدى قلب أبى العتاهية وجنان جارية الثقفيين قلب أبى نواس وفوز جارية محمد بن المنصور فتى العسكر قلب العباس بن الأحنف.
وكانت كثيرات منهن يثقّفن بفنون الآداب، فكن يجمعن إلى جمالهن عذوبة الحديث، فيملأن على الشعراء وغيرهم قلوبهم وعقولهم، بل كان منهن من يتقنّ نظم الشعر مثل عنان جارية الناطفى وسكن جارية محمود الوراق وقد عرض عليه بعض الطاهريين أن يشتريها منه بمائتى ألف درهم فأبى التفريط فيها (2) لما كانت تسعر به قلبه من الحب المضطرم. وكان منهن من يضفن إلى ذلك إجادة الغناء فكنّ فتنة من فتن العصر على نحو ما كانت دنانير جارية البرامكة ومتيّم جارية على بن هشام أحد قواد المأمون وعريب جارية الأمين والمأمون.
وكان للغناء فى الناس لهذا العصر أثر أى أثر، فقد شغلوا به أى شغل، وكأنه نعيمهم من دنياهم الذى لا يؤثرون سواه لما يبعث فى نفوسهم من غبطة وابتهاج، ومعروف أنه انتقل من الحجاز إلى العراق لأواخر عصر بنى أمية، إذ نرى ابن رامين الكوفى يستقدم مغنيات الحجاز (3)، ويقيم دارا واسعة يقصدها الناس.
وما تنشأ بغداد ويطلّ عصر المهدى حتى تصبح دارا كبيرة للغناء، فقد جذبت إليها المغنين والمغنيات من كل فجّ، ونثرت الأموال عليهم نثرا-بل كالتها كيلا.
وأول من كالها من الخلفاء المهدى، واقتدى به الهادى، وخلفهما الرشيد فجعل المغنين
(1) أغانى 10/ 250.
(2)
طبقات الشعراء لابن المعتز ص 422.
(3)
انظر أغانى (دار الكتب) 11/ 364.
مراتب وطبقات على نحو ما جعلهم أردشير (1) بن بابك، وهو الذى طلب إلى إبراهيم لموصلى وإسماعيل بن جامع وفليح بن أبى العوراء أن يختاروا له الأصوات المائة التى أدار أبو الفرج الأصبهانى-فيما بعد-كتابه الأغانى عليها. وكان الأمين يعيش للسماع والقصف، ويقال إنه اشترى بذلا المغنية بعشرين ألف ألف درهم (2). وكان فى المأمون وقار فامتنع عن السماع بعد قدومه من خراسان أربع سنوات، ثم أقبل عليه فملأ مجالسه بإسحق الموصلى ومخارق، ويقال إنه اشترى عريب المغنية المحسنة الشاعرة بمائة ألف درهم، واشتراها المعتصم بنفس الثمن بعد وفاته (3)، وكان الواثق أشد كلفا بالغناء لإحسانه الضرب على آلاته، وله فيه أصوات سجلها صاحب الأغانى، ويقال إنه اشتريت له قلم الصالحية المغنية بعشرة آلاف دينار (4).
ومن أبرز المغنين حينئذ إبراهيم الموصلى، ويقال إنه خلّف تسعمائة صوت صنعها ابتداء (5)، وكان يغنى الرشيد على ضرب زلزل وزمر برصوما (6)، وفى ذلك ما يدل على أنهم عرفوا غناء الجوقات. ومنهم ابن جامع مغنى الرشيد وكان يقال فيه إنه زقّ عسل حلو، وطرب الهادى لصوت غناه فأعطاه ثلاثين ألف دينار (7). ومنهم مخارق وكان الناس يبكون لجمال غنائه ورقته، وسمعه أبو العتاهية فقال له: يا دواء المجانين لقد رققت حتى كدت أن أحسوك، فلو كان الغناء طعاما لكان غناؤك أدما، ولو كان شرابا لكان ماء الحياة (8). ومنهم علّويه، وكان يقول فيه الواثق: غناء علّويه مثل نقر الطست يبقى فى السمع ساعة بعد سكوته (9)
وأنبه المغنين فى العصر إسحق الموصلى، وقد تلقن الغناء عن إبراهيم أبيه والضرب على العود عن زلزل، وفى ترجمته بالأغانى أنه أعطاه على تعليمه له مائة ألف درهم.
وكانت صنعته محكمة الأصول، وكان يتصرف فى جميع بسط الإيقاعات.
ويظهر أنه استطاع أن ينتقل بالغناء من حد التطريب إلى حد التعبير، بل لعل
(1) كتاب التاج المنسوب إلى الحاحظ ص 37.
(2)
أغانى (طبعة الساسى) 15/ 138.
(3)
أغانى 18/ 182.
(4)
أغانى (دار الكتب) 13/ 350.
(5)
أغانى 5/ 187.
(6)
أغانى 5/ 241.
(7)
أغانى 6/ 303.
(8)
أغانى (ساسى) 21/ 147.
(9)
أغانى (دار الكتب) 11/ 337.
ذلك كان شأوا ارتفع إليه المغنون فى عصره، فقد روى صاحب الأغانى أن مغنيا تغنى فى مجلس الواثق بصوت له، فنظر إليه مخارق نظرا شزرا حتى إذا خلا به قال له:«ويحك أتدرى أى صوت غنيت؟ إن إسحق جعل صيحة هذا الصوت بمنزلة طريق ضيق وعر صعب المرتقى، أحد جانبى ذلك الطريق حرف الجبل، وعن جانبه الآخر الوادى، فإن مال مرتقيه عن محجته إلى جانب الوادى هوى، وإن مال إلى الجانب الآخر نطحه حرف الجبل فتكسّر» (1). ولعله بفضل ما كانت تحمل أصوات الغناء من صور التعبير كانت تعلّم وتباع بأعلى الأثمان حتى لقد بيع صوت بمائة ألف دينار (2)، وكان سراة بغداد يتهادونها كما يتهادون التحف الثمينة (3).
وبلغ من رقى هذا الفن وارتفاع شأنه فى النفوس أن أقبل أبناء الخلفاء وعلية القوم على تعلمه وإتقانه حتى لنراهم يصنعون فيه ألحانا وأصواتا تنسب إليهم، على نحو ما أشرنا إلى ذلك آنفا عند الواثق، وقد فتح أبو الفرج فى أغانيه فصلا بل فصولا طويلة (4) لأبناء الخلفاء وما أثر عنهم من أصوات. وأشهرهم فى هذا الباب إبراهيم ابن المهدى وأخته علية وكان إبراهيم يعدّ فى كبار المغنين المحسنين، وله أصوات (5) كثيرة، وكانت علية مثله تجيد الغناء وقد خلّفت فيه ثلاثة وسبعين صوتا (6) وممن برع فى الغناء وأثرت عنه أصوات بديعة فيه عبد الله (7) بن طاهر، وأبو دلف (8) العجلى قائد المأمون المشهور
وقد جعل هذا الغناء الذى ملأ حياة الناس واستأثر بقلوبهم يرفع من أثمان الجوارى المسمّين بالقيان اللائى كن يتقنّه ويدلعن ناره فى القلوب ونسيمه الحلو الصافى، وقد مرّ بنا ما بيعت به عريب مرارا وما بيعت به بذل وفلم الصالحية، ويقال إن صالح بن على عم المنصور اشترى سعدة بتسعين ألف درهم واشترى ابن أخيه جعفر بن سليمان ربيحة بمائة ألف والزرقاء بمائة ألف ثانية (9)، والثلاث
(1) أغانى 5/ 305.
(2)
أغانى (دار الكتب) 7/ 300
(3)
أغانى 5/ 384.
(4)
أغانى 10/ 95، 162 وفى موضع متفرقة.
(5)
انظر ترجمته فى الأغانى 10/ 15
(6)
أغانى 1/ 174.
(7)
أغانى 12/ 106.
(8)
أغانى 8/ 248
(9)
أغانى 15/ 62 ما بعدها.
من جوارى ابن رامين اللائى استقدمهن من الحجاز، واشترى المهدى سرّا من أبيه المنصور بصيص جارية ابن نفيس بسبعة عشر ألف دينار (1)، واشترى الرشيد ذات الخال بسبعين ألف درهم (2)، بينما اشترى على بن هشام أحد قواد المأمون متيّم الهاشمية بعشرين ألف درهم (3).
وكانت هذه الأثمان الباهظة التى تدفع فى شراء الجوارى اللاتى يحسنّ الغناء سببا فى أن يعنى المقيّنين بتعليمهن هذا الفن حتى يصيبوا من ورائهن الأرباح الطائلة، وجاراهم فى ذلك بعض المغنين الحاذقين من أمثال إبراهيم الموصلى، حتى يقال إنه كان عنده ثمانون جارية يعلمهن فن الغناء (4). وكان ابنه إسحق على شاكلته يعلم الجوارى والغلمان جميعا، ويقال إنه علم غلامين-لبعض أمراء البيت العباسى-الغناء نظير مائة ألف درهم (5). ولم يكن هو وأبوه وحدهما يحترفان هذا التعليم والتثقيف، فقد شركهما فيه كبار المغنين لعصرهما من مثل ابن جامع ويزيد بن حوراء وبعض الجوارى المحسنات للغناء، وهذا هو سر ما نجده عند صاحب الأغانى من نصه دائما على أساتذة المغنى المتقن والقينة المحسنة وتلامذتهما.
ويخيل إلى الإنسان أنه لم يبق فى بغداد ولا فى الكوفة ولا فى البصرة سرىّ إلا عمل على أن يقتنى قينة أوقيانا يشعن المرح فى داره. وكان من لا يستطيع اقتناء قينة يمكنه أن يستأجر من المقيّنين إحدى قيانهم لتغنيه ليلة أو ليالى متصلة، فالرواة يذكرون أنه كان لأبى النضير عمر بن عبد الملك جوار يغنين ويخرجن إلى أهل البصرة (6)، وكانت قيان بربر فى الكوفة ما يزلن يختلفن إلى مطيع بن إياس ورفقته (7)، وبالمثل كانت قيان بغداد يكثرن من الاختلاف إلى دور الشعراء، وكان الشعراء وغيرهم من فتيان بغداد يزورونهن فى دور أصحابهن من المقيّنين، وكانت أشبه بنواد كبيرة للغناء والموسيقى، فالناس يذهبون إليها شعراء وغير شعراء للمتعة بالسماع ورؤية الجمال من كل شكل وعلى كل لون، وكثيرا
(1) أغانى 15/ 27.
(2)
أغانى 16/ 342.
(3)
أغانى 7/ 293.
(4)
أغانى 5/ 194 وانظر 3/ 251 حيث اشترك مع يزيد بن حوراء فى تعليم طائفة من الجوارى فن الغناء.
(5)
أغانى 5/ 293.
(6)
أغانى (طبع الساسى) 20/ 74.
(7)
أغانى (طبع دار الكتب) 13/ 311، 322.
ما كان يقع الشعراء فى حب بعض الجوارى المكتملات الخلق الجميلات الجسد، فيستأثرن بكل ما فيهم من عاطفة وهوى على نحو استئثار ريم بقلب مطيع (1) بن إياس، وعبادة بقلب عبد الله (2) بن محمد البواب وعنان بقلب أبى النضير (3)، وسلسل بقلب أبان (4) بن عبد الحميد. وكن يتبارين فى جذب الشعراء بما يشعن فى أحاديثهن من عذوبة حلوة وبما يحسن من صنوف الغزل والعبث بقلوب الرجال.
وكثيرات من هؤلاء القيان والجوارى كن يحسن الرقص، ويظهر أنه بلغ حينئذ حظّا واسعا من الرقى على نحو ما يصور لنا ذلك المسعودى بما ضبط من إيقاعاته على الغناء ورسم من صفاته (5)، ويذكر ابن خلدون أنه كان للرقص عندهم آلات خاصة فى الملبس وما يستخدمن من قضبان مع ما يترنمن به من أشعار، ويقول إنه كان عندهم ضرب آخر من الرقص يتخذن فيه آلات تسمى الكرّج وهى تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلّقة بأطراف أقبية، يلبسها النساء ويحاكين بها امتطاء الخيل فيكررن ويفررن كأنهن فى حرب (6)، وفى كتاب الأغانى أن الأمين كان يرتكض فى الكرّج بصحن قصره، بينما الوصائف من حوله يغنين على الطبول والسّرنايات والمخنثون يزمرون ويطربون (7).
وقد أشاع هؤلاء الجوارى والقيان فى المجتمع كثيرا من ضروب الرقة والظّرف، فقد جعلت كثرة معاشرتهن الرجال لهن يتعودون كيف يتلطفون لقلوبهن، وكيف يستنزلونهن بالكلام الرقيق إلى ودّهم، وكيف يحيطونهن بأشراك الحديث الساحر الذى يشغف قلوبهن ويملؤها بالعطف والحنان، وكان لذلك أثره البالغ فى الشعر والشعراء، فقد شاعت فى كثير من معانيهم الرقة المفرطة والإشارة الدالة واللمحة المعبرة.
واقترنت بهذا الظرف مظاهر كثيرة فى الأزياء وفى العطور وآداب الطعام والسمر، ومن أهم مظاهره تهادى القوم بالأزهار والرياحين رامزين بأسمائها وأشكالها
(1) أغانى 13/ 300.
(2)
أغانى (ساسى) 20/ 44.
(3)
أغانى (طبع دار الكتب) 11/ 286.
(4)
أغانى 10/ 48.
(5)
المسعودى 4/ 161.
(6)
مقدمة ابن خلدون (طبعة المطبعة البهية) ص 300.
(7)
أغانى (طبعة الساسى) 16/ 133.
إلى معانى المودة والمحبة (1)، وكان الجوارى والقيان يكلفن بالورود كلفا شديدا، ويروى أن متيم الهاشمية جارية على بن هشام ومغنيته كان يعجبها البنفسج جدّا فكانت لا تخلى منه كمّها (2). وكان لهذا الإعجاب والكلف أثره فى العناية بالأزهار والرياحين وتغنى الشعراء بها غناء كثيرا (3).
وكان الجوارى يهدين التفاح كثيرا إلى من يكلفون بهن أو يتعلقن هن بهم، وكن يضعن عليه أثر أخذه بأفواههن، وقد يفلّجنه ويشقّقنه بالمسك وغيره من أنواع الطيب، وقد يكتبن عليه بعض أبيات رقيقة، تصور صبابتهن، وفى أخبار المهدى أن جارية من جواريه أهدت إليه تفاحة وطيّبتها وكتبت عليها (4):
هديّة منى إلى المهدى
…
تفاحة تقطف من خدّى
محمّرة مصفرّة طيّبت
…
كأنها من جنّة الخلد
واستغللن أبيات الحب والعشق كثيرا لا فى أحاديثهن فحسب، بل فى كل ما يتصل بهن، فكن يكتبنها على المناديل الحريرية التى يرسلن بها تذكارا إلى عاشقيهن، وقد يكتبنها على عصائبهن وذوائبهن وثيابهن وأكمامهن وفرشهن وما يمسكن به من مراوح، ويروى بعض الأشخاص أنه دخل على هرون فرأى الوصائف من ورائه وقد تزيّن بعصابات نظمت فيها الدّرر واليواقيت وكتبت عليها أبيات فى صفائح الذهب، مثل قول بعض الشعراء (5):
مالى رميت فلم تصبك سهامى
…
ورميتنى فأصبتنى يا رامى
وقول آخر على لسان إحدى الجوارى:
أفلت من حور الجنان
…
وحلقت فتنة من يرانى
ويذكر إسحق الموصلى أنه دخل على الأمين يوما فوجد من حوله وصائف
(1) أغانى 7/ 170
(2)
أغانى 7/ 306.
(3)
انظر على سبيل المثال وصف إبراهيم ابن المهدى شرحبيل فى الأغانى 10/ 115.
(4)
العقد الفريد (طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر) 6/ 406.
(5)
العقد الفريد 6/ 424.