المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٣

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر العباسى الأول

- ‌الفصل الأوّلالحياة السياسية

- ‌1 - الثورة العباسية

- ‌2 - بناء بغداد ثم سامرّاء

- ‌3 - النظم السياسية والإدارية

- ‌4 - العلويون والخوارج

- ‌5 - أحداث مختلفة

- ‌الفصل الثانىالحياة الاجتماعية

- ‌1 - الحضارة والثراء والترف

- ‌2 - الرقيق والجوارى والغناء

- ‌3 - المجون

- ‌4 - الشعوبية والزندقة

- ‌5 - الزهد

- ‌الفصل الثالثالحياة العقلية

- ‌1 - الامتزاج الجنسى واللغوى والثقافى

- ‌2 - الحركة العلمية

- ‌3 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة

- ‌4 - العلوم اللغوية والتاريخ

- ‌5 - العلوم الدينية وعلم الكلام والاعتزال

- ‌الفصل الرابعازدهار الشعر

- ‌1 - ملكات الشعراء اللغوية

- ‌2 - طوابع عقلية دقيقة

- ‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

- ‌4 - موضوعات جديدة

- ‌[5 - ]التجديد فى الأوزان والقوافى

- ‌الفصل الخامسأعلام الشعراء

- ‌1 - بشار

- ‌2 - أبو نواس

- ‌3 - أبو العتاهية

- ‌5 - أبو تمام

- ‌الفصل السادسشعراء السياسة والمديح والهجاء

- ‌1 - شعراء الدعوة العباسية

- ‌ أبو دلامة

- ‌[2 - ]شعراء الشيعة

- ‌ السيد الحميرى

- ‌دعبل

- ‌ ديك الجن

- ‌3 - شعراء البرامكة

- ‌ أبان بن عبد الحميد اللاحقى

- ‌4 - شعراء الوزراء والولاة والقواد

- ‌أبو الشيّص

- ‌ على بن جبلة

- ‌الخريمىّ

- ‌5 - شعراء الهجاء

- ‌ أبو عيينة المهلّبى

- ‌الفصل السّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ العباس بن الأحنف

- ‌ربيعة الرّقى

- ‌2 - شعراء المجون والزندقة

- ‌ حماد عجرد

- ‌3 - شعراء الزهد

- ‌ عبد الله بن المبارك

- ‌4 - شعراء الاعتزال

- ‌ العتابى

- ‌ بشر بن المعتمر

- ‌النظام

- ‌5 - شعراء النزعات الشعبية

- ‌ أبو الشمقمق

- ‌الفصل الثامنتطور النثر وفنونه

- ‌1 - تطور النثر

- ‌2 - الخطب والوعظ والقصص

- ‌3 - المناظرات

- ‌4 - الرسائل الديوانية والعهود والوصايا والتوقيعات

- ‌5 - الرسائل الإخوانية والأدبية

- ‌الفصل التاسعأعلام الكتّاب

- ‌خاتمة

- ‌كتب للمؤلف مطبوعة بالدار

الفصل: ‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

ولهت فأظلم كل شئ دونها

وأنار منها كلّ شئ مظلم

فهى تودعه والهة لفراقه، ويحس كأنما طمست بنورها كل ضوء من حولها، وأنها سرعان ما كنت الوجود بنورها، ففارقت الأشياء الظلمة والظلام. وكثيرا ما يمتدّ هذا التضاد فى وصفه، فتتوالى الأبيات مغموسة به على نحو وصفه المشهور لقلم ابن الزيات وزير المعتصم، وفيه يقول (1):

لعاب الأفاعى القاتلات لعابه

وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل (2)

له ريقة طل ولكنّ وقعها

بآثاره فى الشرق والغرب وابل (3)

فصيح إذا استنطقته وهو راكب

وأعجم إن خاطبته وهو راجل (4)

وكثير ممن كانوا وراء أبى تمام وأبى نواس وبشار كانوا لا يقلون عنهم محاولة فى الإتيان بطرائف المعانى والصور، وكانوا ما يزالون يغدون ويروحون على مجالس المعتزلة وغيرهم من المتكلمين، كما كانوا يكبّون على قراءة كتب الفلسفة والثقافات الأجنبية، محاولين أن يكتسبوا من ذلك كله ما يتيح لهم فى أشعارهم أن يشيعوا فيها المعانى النادرة والأخيلة المبتكرة.

‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

ظل العباسيون ينظمون فى الموضوعات القديمة من المديح وغير المديح مما كان ينظم فيه الجاهليون والإسلاميون وبذلك أبقوا للشعر العربى على شخصيته الموروثة، وقد مضوا يدعمونها دعما بما لاءموا بينها وبين حياتهم العقلية الخصبة وأذواقهم المتحضرة المرهفة، فإذا هى تتجدد من جميع أطرافها تجددا لا يقوم على التفاصل بين صورة هذه الموضوعات الجديدة وصورتها القديمة، بل يقوم على التواصل الوثيق.

(1) الديوان (طبع دار المعارف) 3/ 123 وطبعة بيروت 229.

(2)

لعاب الأفاعى: سمها. والأرى: العسل واشتاره: جناه.

(3)

الطل: المطر والندى الخفيف. والوابل المطر الغزير.

(4)

راجل: ضد راكب، ويريد بركوبه إمساك الأصابع به للكتابه.

ص: 159

وأول موضوع نقف عنده المديح، ومعروف أن الشاعر الجاهلى والإسلامى كان يرسم فى ممدوحه. المثالية الخلقية الرفيعة التى تقدرها الجماعة، وإذا كان مؤثرا فى حياة عصره السياسية كأن يكون خليفة أو واليا عرض لأعماله، وللأحداث التى شارك فيها. أما إذا كان بطلا يقود الجيوش ضد أعداء الأمة العربية فإنه يصور بطولته وما خاضه من معارك حربية. وقد اضطرمت هذه الغايات للمدحة فى العصر العباسى، إذ نرى الشعراء يعيدون ويبدئون فى تصوير المثل الخلقية صورا حية ناطقة، ويعدو الحصر ما استنبطوه من معان طريفة فى السماحة والكرم والحلم والحزم والمروءة والعفة وشرف النفس وعلو الهمة والشجاعة والبأس، وقد جسموها فى الممدوحين تجسيما قويّا، حتى لتصبح كأنها تماثيل قائمة نصب أعين الناس كى يحتذوها ويحوزوا لأنفسهم مجامع الحمد والثناء. وبذلك ظلت المدحة تبث فى الأمة التربية الخلقية القويمة حافزة لها على الفضائل والمكارم الرشيدة. والذى لا ريب فيه أنها تحمل خصالنا وخصائصنا النفسية، وقد أشعل الشعراء العباسيون جذوتها فى النفوس بما رفدوها به من عقولهم الخصبة وأخيلتهم البارعة. وقد مضى الشعراء فى مديح الخلفاء والولاة يضيفون إلى هذه المثالية مثالية الحكم وما ينبغى أن يقوم عليه من الأخذ بدستور الشريعة وتقوى الله والعدالة التى لا تصلح حياة الأمة بدونها، وبذلك كانوا صوتّا قويّا لها، صوتا ما بنى يهتف فى آذان الحكام بما ينبغى أن يكونوا عليه فى سلوكهم وسياستهم من مثل قول مروان بن أبى حفصة فى مطلع قصيدة للمهدى (1):

أحيا أمير المؤمنين محمد

سنن النبىّ: حرامها وحلالها

وفيه يقول الحسين بن مطير (2):

يعفّ ويستحيى إذا كان خاليا

كما عفّ واستحيا بحيث رقيب

ويقول أبو العتاهية فى هرون الرشيد (3):

وراع يراعى الله فى حفظ أمّة

يدافع عنها الشرّ غير رقود

(1) أغانى (طبع دار الكتب) 10/ 89.

(2)

أغانى 16/ 23.

(3)

أغانى 4/ 104.

ص: 160

تجافى عن الدنيا وأيقن أنها

مفارقة ليست بدار خلود

وفيه يقول منصور النّمرى (1):

بورك هرون من إمام

بطاعة الله ذى اعتصام

له إلى ذى الجلال قربى

ليست لعدل ولا إمام

وقد يكون الخليفة سيئ السلوك مثل الأمين، ولكن الشعراء يمدحونه بنفس هذه المثالية الكريمة للخلفاء، لأنهم لا يمدحونه من حيث هو، وإنما يمدحونه خليفة للمسلمين وموضع آمالهم، وكأنما يريدون أن يرفعوا أمام عينه الشعارات التى تطلبها الأمة فى خليفتها وراعيها، لعله يثوب إلى طريق الرشاد. وقد نمت من هذا المديح فروع الشعر السياسى، الذى يقف فيه الشاعر مدافعا عن حق حزب من الأحزاب فى الحكم والخلافة، وهو نمو بدأ منذ وقعة صفين، وهيأ لظهور أحزاب الخوارج والشيعة، ومعروف أن حركة الأولين خمدت فى هذا العصر، أما حركة الشيعة فظلت مضطرمة، وسنعرض لشعرائها وأشعارهم السياسية فى الفصل السادس، وأيضا لمن كانوا يشايعون العباسيين.

ولم يصور الشعراء مثاليتنا الخلقية العامة فى مدائحهم وكذلك مثاليتنا السياسية فحسب، بل صوروا أيضا الأحداث التى وقعت فى عصور الخلفاء، وخاصة الفتن والثورات الداخلية وحروب أعداء الدولة من الروم والترك، وبذلك قامت قصيدة المديح فى هذا العصر مقام الصحافة الحديثة، فهى تسجل الأحداث التى عاصرها الشاعر والأعمال الكبرى التى ينهض بها الخلفاء، مما يعطيها قيمة بعيدة إذ تصبح وثائق تاريخية، ومن أجل ذلك كنا نرى الطبرى فى تاريخه يتوقف من حين إلى حين لينشد ما نظمه بعض الشعراء فى الحادث الذى يرويه، وليجلوه جلاء تامّا على لسان هؤلاء الشعراء الذين عاصروه. وبذلك أعدوا من بعض الوجوه ليتحول المديح إلى تاريخ، وكان من أوائل من نفذ إلى ذلك السيد الحميرى، فإنه حوّل أخبار على بن أبى طالب ومناقبه إلى مدائح بديعة، وفى ترجمته بكتاب الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى من ذلك طرائف كثيرة.

(1) أغانى 12/ 139.

ص: 161

وربما كان أهم ما سجلته صحف المديح فى هذا العصر صور الأبطال الذين كانوا يقودون جيوش الأمة المظفرة ضد أعدائها من الترك والبيزنطيين، فقد أشادت إشادة رائعة بكل معركة خاضوا غمارها وكل حصن اقتحموه، حتى كادت لا تترك موقعة ولا بطلا دون تصوير يضرم فى النفس العربية الاستبسال والمضاء وجلاد الأعداء جلادا عنيفا، وكل كاتب فى هذه الصحف أو قل كل شاعر يتفنن فى رسم بطولة القائد الذى يمدحه رسما يشعل الحماسة فى نفوس جنوده ونفوس الشباب العربى من ورائهم فإذا هم يترامون على منازلة أعدائهم ترامى الفراش على النار يريدون أن يسحقوهم سحقا. وكان الرشيد والمأمون والمعتصم يقودون بأنفسهم الجيوش التى كانت تمحق البيزنطيين محقا، فتغنى الشعراء بانتصاراتهم غناء يسكب الفرحة فى كل نفس، لعل من أروعه غناء أشجع شاعر البرامكة بفتح الرشيد لهرقلة فى آسيا الصغرى واكتساحه لجيش نقفور إمبراطور بيزنطة، وأكثر منه روعة غناء أبى تمام بفتح المعتصم لأنقرة وحرقه لعمورية فى بائيته المشهورة، وهى إلى أن تكون ملحمة أقرب منها إلى أن تكون قصيدة. وتكتظ كتب الأدب ودواوين الشعراء بتصويرهم لبسالة جميع القواد، لا الذين أسهموا فى حروب البيزنطيين فحسب، بل أيضا فى حروب الترك وبابك الخرّمى وغيره من الثائرين فى شرقى الدولة. ولم يكتف الشعراء بهذا التصوير فقد عنوا بتسجيل كل ما يستطيعون من تفاصيل عن المعارك الحربية، وبذلك لم تعد قصائدهم مديحا فحسب بل أصبحت أيضا تاريخا، وهو تاريخ كتب شعرا، تاريخ أبطالنا وأمجادهم الحربية. وكان هؤلاء الأبطال ومن ورائهم الخلفاء يرصدون الجوائز الضخمة للشعراء كى يرسموا هذه البطولات، ورسموها حقّا رسما باهرا سنرى مقتطفات منه فى تضاعيف تراجمهم، ويكفى أن نسوق قطعة من تصوير على بن جبلة لبطولة أبى دلف العجلى قائد المأمون المشهور، إذ يقول من قصيدة طويلة يصف فيها بعض وقائعه (1).

المنايا فى مقانبه

والعطايا فى ذرا حجره (2)

وزحوف فى صواهله

كصياح الحشر فى أمره (3)

(1) طبقات الشعراء لابن المعتز ص 175 والأغانى (طبعة الساسى) 18/ 103.

(2)

المقانب: جماعات الخيل، ذرا الحجر فناؤها.

(3)

زحوف: صفه مبالغة من الزحف، يريد الجيش. والأمر: الكثرة.

ص: 162

قدته والموت مكتمن

فى مذاكيه ومشتجره (1)

فرمت جيلوه منه يد

طوت المنشور من بطره (2)

زرته والخيل عابسة

تحمل البؤسى إلى عقره (3)

فأبحت الخيل عقوته

وقريت الطير من جزره (4)

صاغك الله أبا دلف

صيغة فى الخلق فى خيره

كلّ من فى الأرض من عرب

بين باديه إلى حضره

مستعير منك مكرمة

يكتسيها يوم مفتخره

وكانت المدحة قديما تشتمل على مقدمات تصف الأطلال وعهود الهوى بها وما يلبث الشاعر أن يستطرد إلى وصف الصحراء ناعتا ما يركبه من بعير أو فرس وما يراه فيها من حيوان وحشى، وقد يعرض لوصف مشهد الصيد، وكثيرا ما يضمنها بجانب ذلك حكما توسع مدارك السامع وتبصره بأطراف من سنن الحياة.

وكل ذلك استبقاه شاعر المدحة فى العصر العباسى، ولكن مع إضافات كثيرة، حتى يلائم بينه وبين عصره. وتتسع الإضافة أحيانا وتضيق أحيانا، ولكنها دائما تعبر عن الذخائر العقلية والخيالية للشاعر العباسى. وقد نعجب لاستبقاء هؤلاء الشعراء المتحضرين لعناصر الأطلال ورحلة الصحراء البدوية، غير أنهم اتخذوها رمزا، أما الأطلال فلحبهم الداثر، وأما رحلة الصحراء فلرحلة الإنسان فى الحياة، وقد استغلوا ما كان يصحب الأطلال من حنين لذكريات حبهم ومعاهده لا يزال يترقرق فى أشعارهم من مثل قول مسلم بن الوليد (5):

هلا بكيت ظعائنا وحمولا

ترك الفؤاد فراقهم مخبولا

فإذا زجرت القلب زاد وجيبه

وإذا حبست الدمع زاد همولا (6)

(1) المذاكى: الخيل، والمشتجر: القنا والرماح.

(2)

جيلوه: من ثوار أذربيجان. البطر: الطغيان بالنعمة.

(3)

العقر: محلة القوم.

(4)

العقوة: ساحة الدار. والقرى: الضيافة. والجزر: ما يذبح.

(5)

ديوان مسلم (طبع دار المعارف) ص 53

(6)

واضح أن مسلما يخاطب نفسه وكأنه يخاطب غيره، والظعائن: النساء فى الهوادج والحمول: ما يحملنه معهن.

ص: 163

وإذا كتمت جوى الأسى بعث الهوى

نفسا يكون على الضمير دليلا (1)

واها لأيام الصّبا وزمانه

لو كان أمتع بالمقام قليلا

وحاول بعض الشعراء أن يترك الحديث عن الأطلال المهجورة إلى قصور الحاضرة المأنوسة، وحينئذ كان لا يسترسل فى وصف حنينه، على شاكلة أشجع إذ يستهل إحدى قصائده بقوله (2):

قصر عليه تحيّة وسلام

نشرت عليه جمالها الأيام

وعلى نحو ما استبقوا الأطلال وما يتصل بها من حنين يعبث بنفوسهم استبقوا رحلة الصحراء، وتفننوا فى وصف وعوثة طرقها ورياحها الحارة التى تكاد تتوقد توقدا، على شاكلة قول مسلم (3):

ومجهل كاطّراد السيف محتجز

عن الأدلاّء مسجور الصياخيد (4)

تمشى الرياح به حسرى مولّهة

حيرى تلوذ بأطراف الجلاميد (5)

فالرياح من شدة الحر وما يحرى فى قلبها من الفزع تلجأ إلى أطراف الصخور المستعلية فوق الآكام. كأنها تريد الفرار من هذا الجحيم المطبق. وقد داروا حول وصف الحيوان الوحشى محاولين أن يستنبطوا بعض الصور الطريفة من مثل قول بشار فى بائيته (6)، يصور ما نال أتن الوحش من خرقة العطش الشديد:

غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدى

إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه (7)

وهى صورة تخفق بالحياة، إذ مثّل العطش فى غور أحداقها، حتى لتهمّ بالكلام شاكية لحمارها، ولكن أنّى لها ذلك وهى عجماء لا تبين. وكان الشاعر القديم يكثر من وصف نحول بعيره ونوقه لطول الطرق الوعرة وما يصيبها من شدة الكلال والإعياء، حتى ليشبهها بالأقواس والأهلة ضمورا وهزالا، وردّد الشاعر

(1) جوى الأسى: ناره وحرقته

(2)

ابن المعتز ص 252.

(3)

الديوان ص 154.

(4)

مسجور: موقد. الصياخيد: جمع صيحود وهو اليوم اللافح الحر.

(5)

الجلاميد: الصخور.

(6)

انظر القصيدة فى الديوان 1/ 305.

(7)

العانة: القطيع من الأتن. الجأب: حمار الوحش. الصدى: العطش. ومعنى شكواها العطش بأبصارها أنه قد تبين فى أحداقها فغارت.

ص: 164

العباسى هذا المعنى طويلا محاولا الخلوص إلى بعض الأفكار المستحدثة، من مثل قول أبى الشيص مخاطبا أحد ممدوحيه وواصفا نحول نوقه ونحول راكبيها (1):

أكل الوجيف لحومها ولحومهم

فأتوك أنقاضا على أنقاض (2)

ولقد أتتك على الزمان سوا خطا

فرجعن عنك وهنّ عنه رواضى

وتحول الشاعر العباسى فى أحيان كثيرة من وصف الصحراء ومسالكها وسمومها وحيوانها إلى وصف الرياض فى الحاضرة ومناظرها البهيجة فى الربيع، ومن خير ما يصور ذلك قصيدة أبى تمام فى مديح المعتصم التى يستهلها بقوله (3):

رقّت حواشى الدّهر فهى تمرمر

وغدا الثّرى فى حليه يتكسّر (4)

وقد مضى يتحدث فى إسهاب عن جمال الطبيعة فى الربيع، وكأنه يتخذ منه رمزا لعصر المعتصم. واتخذوا أحيانا من وصف السفن ورحلتها فى الأنهار صورة مقابلة لرحلة البعير فى الصحراء، مثل قول بشار فى إحدى مدائحه للمهدى (5):

وعذراء لا تجرى بلحم ولا دم

قليلة شكوى الأين ملجمة الدّبر (6)

إذا ظعنت فيها الفلول تشخّصت

بفرسانها لا فى وعوث ولا وعر (7)

تلاعب تيّار البحور وربما

رأيت نفوس القوم من جريها تجرى

وجعلتهم موجة المجون الحادة فى العصر يصفون فى مقدمات مدائحهم الخمر أحيانا، واستهل ذلك بشار، وتوسع فيه مسلم وأبو نواس وأبو العناهية سعة شديدة. وعنوا على نحو ما عنى الشاعر القديم ببثّ الحكم فى قصائدهم، وكان قد ترجم كثير من الحكم الفارسية والهندية واليونانية، فأفادوا من ذلك كله ونثروه فى تضاعيف مدائحهم، مضيفين إليه كثيرا من تأملاتهم فى الحياة والطباع، من مثل قول أبى تمام فى فضل المحسود ونقص الحسود (8):

(1) ابن المعتز ص 76.

(2)

الوجيف: السير السريع.

(3)

الديوان (طبع دار المعارف) 2/ 191 وطبعة بيروت ص 139.

(4)

تمرمر: تموج لينا ونعومة. الثرى: التراب ويريد به النبات. ويتكسر: يتثنى.

(5)

أغانى (طبعة دار الكتب) 3/ 242.

(6)

الأين: الإعياء.

(7)

الفلول: الجماعات. ووعوث: جمع وعث وهو المكان السهل.

(8)

الديوان (طبع دار المعارف) 1/ 402 وطبعة بيروت ص 78.

ص: 165

وإذا أراد الله نشر فضيلة

طويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت

ما كان يعرف طيب عرف العود (1)

وهو كثير الحكم فى مدائحه، وقد صبّ فيها كثيرا من شكوى الزمن وخطوبه، بحيث يعد مقدمة قوية لابن الرومى والمتنبى. وهو يمزج شكواه بمغالبة عاتية للدهر ونوازله، وبذلك كانت مدائحه تسكب القوة فى نفس كل عربى، لا بما يصور من بسالة الأبطال والقواد فى الحروب فحسب، بل أيضا بما يودعها من فتوة عارمة على شاكلة قوله (2):

أعاذلتى ما أخشن الليل مركبا

وأخشن منه فى الملمّات راكبه (3)

ذرينى وأهوال الزمان أفانها

فأهو اله العظمى تليها رغائبه (4)

ألم تعلمى أن الزّماع على السّرى

أخو النّجح عند النائبات وصاحبه (5)

دعينى على أخلاقى الصّمّ للتى

هى الوفر أو سرب ترنّ نوادبه

فإن الحسام الهندوانى إنما

خشونته ما لم تفلّل مضاربه

وعلى هذا النحو ازدهرت المدحة على لسان الشاعر العباسى لا بما رسم فيها من مثاليتنا الخلقية وسجل من الأحداث وصوّر من البطولات العربية فحسب، بل أيضا بما تمثّل من العناصر القديمة وأذاع فيها من ملكاته وما أضافه إليها من عناصر جديدة استمدها من بيئته الحضارية ومن نفسيته وملكاته العقلية. ودفعتهم دقتهم الذهنية إلى أن يلاثموا بين مدائحهم وممدوحيهم، فإذا مدحوا الخلفاء نوهوا بتقواهم وعدلهم فى الرعية، وإذا مدحوا القواد أطالوا فى وصف شجاعتهم، وإذا مدحوا الوزراء تحدثوا عن حسن سياستهم، وكذلك صنعوا بالفقهاء والقضاة والمغنين، فلكل أوصافه التى تخصه، وهى أوصاف طلبوا فيها وفى كل مدائحهم الفكر الدقيق والتعبير الرشيق.

(1) العرف: الرائحة والشذى.

(2)

الديوان (طبع دار المعارف) 1/ 226 وطبعة بيروت ص 44.

(3)

يقول إن السرى فى الليل صعب ولكنه أصعب منه. الفتى من الرجال الصلب.

(4)

أفانها: تفنينى وأفنيها.

(5)

الزماع: المضاء فى الأمر، يقول: من ترك الدعة ورحل فى طلب المجد نال طلبته.

ص: 166

وإذا تركنا المديح إلى الهجاء وجدنا معالم التطور فيه أعمق وأوسع منها فى المديح الخالص، إذ كان يتصل بحياة الشعب والعامة اتصالا لعله أدق من اتصال المديح، وهى حياة لم يعد أساسها العصبيات القبلية كما كان الشأن فى العصر الأموى، ومن أجل ذلك ضعف فن النقائض لقيامه عليها إلا أسرابا قليلة كانت تظهر من حين إلى حين. ولكن إذا كان هذا الفن ضعف، فإن الهجاء لم يضعف بسبب التنافس الشديد بين الشعراء، وقد عمت فيه روح جديدة، إذ أخذوا يريشونه سهاما مصمية.

ويخيل إلى الإنسان أن أصحابه لم يتركوا مثلبة خلقية أو نفسية فى شخص إلاّ صوروها، وكأنما يريدون أن يطهروا المجتمع منها، ولم يتورعوا أحيانا عن هجاء الخلفاء والوزراء، كلما رأوهم ينحرفون عن الجادة على نحو ما هو مشهور عن دعبل. وبذلك يصبح الهجاء الصحيفة التربوية المقابلة للمديح، فالمديح يرسم المثالية الخلقية لهذه التربية، والهجاء يرسم المساوى الفردية والاجتماعية التى ينبغى أن يتخلص منها المجتمع الرشيد. وقد تبارى الشعراء فى رسم معانيه، تارة يخزون وخز الإبر، وتارة يطعنون طعنات قاتلة، من ذلك قول بشار فى هجاء ابن قزعة بشحّه (1) فلا تبخلا بخل ابن قزعة إنه

مخافة أن يرجى نداه حزين

إذا جئته للعرف أغلق بابه

فلم تلقه إلا وأنت كمين

وقول أبى تمام مصورا غيرة شخص لا فى موضع الغيرة من نسائه، وإنما فى الغيرة على طعامه ورغفانه حتى لكأن كسر رغيفه كسر عظم من عظامه، بل لكأنه فتك به أشد الفتك، يقول (2):

صدّق أليّته إن قال مجتهدا

لا والرغيف، فذاك البر من قسمه (3)

قد كان يعجبنى لو أنّ غيرته

على جراذقه كانت على حرمه (4)

إن رمت قتلته فافتك بخبزته

فإنّ موقعها من لحمه ودمه

وأهم ليقة غمس فيها الشعراء هجاءهم ليقة الاستخفاف والتهوين والتحقير،

(1) ابن المعتز ص 26.

(2)

الديوان (طبعة بيروت) ص 459 وقارن بعيون الأخبار 3/ 246.

(3)

ألميته: قسمه وحلفه.

(4)

الجراذق: جمع جرذق وهو الرغيف، معرب كرده.

ص: 167

وقد استمد منها حماد عجرد كثيرا حين استطار الهجاء بينه وبين بشار من مثل قوله (1):

وأعمى يشبه القرد

إذا ما عمى القرد

دنئ لم يرح يوما

إلى مجد ولم يغد

ولم يحضر مع الخضّا

ر فى خير ولم يبد

ولم يخش له ذمّ

ولم يرج له حمد

ويقال إن بشارا حين سمع هذه الأبيات بكى من شدة إيلامها لنفسه، فقال له قائل: أتبكى من هجاء حماد؟ فقال: والله ما أبكى من هجائه، ولكن أبكى لأنه يرانى ولا أراه، فيصفنى ولا أصفه. وأتاه من باب جديد ألهمته به الحضارة وما يأخذ به أهل الحاضرة أنفسهم من النظافة والتعطر، فوصفه بالقذارة والدنس فى أبيات لعلها كانت أشد إيلاما وأوجع وخزا لنفسه من الأبيات السابقة، إذ يقول (2):

نهاره أخبث من ليله

ويومه أخبث من أمسه

وليس بالمقلع عن غيّه

حتى يوارى فى ثرى رمسه (3)

ما خلق الله شبيها له

من جنّه طرّا ومن إنسه

والله ما الخنزير فى نتنه

بربعه فى النّتن أو خمسه

بل ريحه أطيب من ريحه

ومسّه ألين من مسّه

ووجهه أحسن من وجهه

ونفسه أنبل من نفسه

وعوده أكرم من عوده

وجنسه أكرم من جنسه

يقول الجاحظ: «وأنا-حفظك الله تعالى-أستظرف وضعه الخنزير بهذا

(1) أغانى (طبع دار الكتب) 14/ 329.

(2)

الحيوان 1/ 240 وأغانى 14/ 330.

(3)

الرمس: القبر.

ص: 168

المكان فى هذا الموضع حين يقول: (وعوده أكرم من عوده)

وأى عود للخنزير قبّحه الله تعالى وقبّح من يشتهى أكله». وحماد يضيف إلى قذارة الجسد قذارة الخلق. ومع أن بشارا كان فى الذروة الرفيعة من صنع الشعر ونظمه وكان حماد فى السفح البعيد فإن حمادا كان يستعلى عليه فى الهجاء. ولما أعياه أمره جاءه من باب ضيق، محاولا أن يضع أغلال أولى الأمر فى يديه، إذ ادّعى عليه أنه زنديق يؤمن بإلهى النور والظلمة كما يؤمن المجوس قائلا فى أبيات:

يا بن نهيا رأس علىّ ثقيل

واحتمال الرءوس خطب جليل

ادع غيرى إلى عبادة ربّي

ن فإنى بواحد مشغول

ومكر به حماد فأشاع الأبيات لبشار فى الناس وجعل فيها مكان (فإنى بواحد مشغول): (فإنّى عن واحد مشغول) ليثبت عليه الزندقة والكفر. يقول أبو الفرج:

فما زالت الأبيات تدور فى أيدى الناس حتى انتهت إلى بشار، فاضطرب منها وتغيّر وجزع، وقال: عرّضنى للقتل، والله ما قلت إلا (فإنى بواحد مشغول) فغيّرها حتى يشهرنى فى الناس بما يهلكنى» (1). وكانا جميعا زنديقين مستترين، وكأنما خافا أن يفتضحا ويحاكمهما المهدى. ونرى بشارا يلطخ بالتهمة زنديقا ثالثا هو عمارة بن حربيّة. وله يقول (2):

لو كنت زنديقا-عمار-حبوتنى

أو كنت أعبد غير ربّ محمّد

لكننى وحّدت ربّى مخلصا

فجفوتنى بقضا لكل موحّد

ويكثر فى هجاء بشار وغيره هتك الأعراض، وربما كان لشيوع المجون والفحش أثر فى ذلك. وتشيع فى كثير من قطع الهجاء روح السخرية المريرة، وقد تشيع روح الفكاهة المضحكة، على نحو ما يلقانا فى هجاء أبى العتاهية لعبد الله (3) بن معن وقد جعل منه فتاة تتزين لتلفت إليها الرجال. ودفعت بشارا شعوبيته الذميمة ليهجو العرب بأشعار تعدّ وصمة فى جبينه. وعلى نحو ما لاءموا بين مدائحهم وممدوحيهم لاءموا بين أهاجيهم ومهجويهم. فإذا كانوا قضاة وصفوهم بالظلم. وإذا كانوا مغنين وصفوهم برداءة الصوت ودمامة المنظر. ولعل من الطريف

(1) أغانى 14/ 325 وما بعدها.

(2)

الحيوان 4/ 443.

(3)

أغانى 4/ 22.

ص: 169

أن نجد شاعرا يهجو محمد بن يسير بما يدعى من معرفة السحر والشعبذة والعزانم على الجن والشياطين (1)

وظلت للفخر حيويته القديمة، وإن كان قد ضعف فيه الفخر القبلى، على أن أسرابا بقيت منه عند نفر من الشعراء، وفى مقدمتهم أبو نواس إذ كان يتعصب لمواليه من بنى سعد العشيرة القحطانيين وينظم فى ذلك أشعارا كثيرة، ومثله كان دعبل، وقد رد على مذهبّة الكميت التى تشيّع فيها للنزاريين على القحطانيين ردّا عنيفا، مما جعل أبا سعد المخزومى يهاجيه طويلا (2). وحاول شاعر يسمى ابن قنبر أن يدفع مسلم بن الوليد للاشتباك به فى معركة حامية من معارك الهجاء القبلى، ولكن مسلما أخرسه (3). وكان بشار يتعصب فى عصر بنى أميّة لمواليه القيسيين تعصبا حادّا، حتى إذا نجحت الثورة العباسية أظهر ما كان يستره من كره الإسلام والعرب، وأخذ يعنف بهم عنفا شديدا، مصورا البغض الذى كان يحرق كبده. والجديد حقّا فى الفخر لهذا العصر أن كثيرا من الشعراء صدروا فى فخرهم عن شعور طاغ بالمروءة والكرامة والشيم الرفيعة من مثل قول عوف بن محلّم الخزاعى (4):

وإنى لذو حلم على أن سورتى

إذا هزّنى قوم حميت بها عرضى (5)

وإنى لأجزى بالكرامة أهلها

وبالحقد حقدا فى الشدائد والخفض

وقول بكر بن النطّاح (6):

ومن يفتقر منا يعش بحسامه

ومن يفتقر من سائر الناس يسأل

وإنا لنلهو بالسيوف كما لهت

فتاة بعقد أو سخاب قرنفل (7)

ونشط الشعراء فى الرثاء نشاطا واسعا، إذ لم يمت خليفة ولا وزير ولا قائد مشهور إلا وأبّنوه تأبينا رائعا، وقد صوّروا فى القواد بطولتهم ومحنة الأمة والجيوش فى وفاتهم، وكيف ملأ موتهم القلوب حسرة وفزعا. وحقّا رثاؤهم لهم يفيض بالحزن

(1) الحيوان 6/ 232.

(2)

أغانى (طبعة الساسى) 18/ 29.

(3)

أغانى (طبعة دار الكتب) 14/ 162. وانظر ترجمة أبى الفرج لمسلم الملحقة بديوانه ص 383 وما بعدها.

(4)

ابن المعتز ص 192.

(5)

السورة: السطوة وشدة الغضب.

(6)

أغانى (طبعة الساسى) 17/ 155.

(7)

السخاب: قلادة، وعادة تكون من القرنفل وبعض الطيب.

ص: 170

واللوعة، ولكنه مع ذلك يكتظ بالحماسة والقوة وتمجيد بطولتهم تمجيدا يضرم الحمية فى نفوس الشباب للدفاع عن العرين حتى الموت، دفاعا يقوم على البأس والبسالة والاستطالة. وكان يحدث أن يخرّ بطل صريعا فى بعض الميادين، حينئذ ينظم فيه الشعراء مراثى حماسية تؤجج لهيب الحفيظة فى القلوب وتدفع إلى الاستشهاد تحت ظلال الرماح ذبّا عن حرمات الوطن، ومن خير ما يمثل ذلك مراثى أبى تمام فى محمد بن حميد الطوسى الطائى، فإنه أوقع ببابك وجنوده لعهد المأمون وقائع ملأته هو وعسكره فزعا ورعبا، ولكن حدث فى آخر وقعة أن اندفع ابن حميد فى مضيق حرج، والتف به جنود بابك، فظل قائما يدافعهم ويقاومهم لا يتزحزح عن موضعه، حتى إذا أحيط به لم يستسلم ولم يلق السلاح، بل قاتل حتى قتل عزيزا كريما. وحزنت الأمة حزنا عميقا لموته، وانبرى أبو تمام يرثيه مراثى رائعة تصور جلده فى القتال وصبره فى النضال حتى الموت الزؤام، على نحو ما يلقانا فى مرثيته العينية، التى استهلها استهلالا بديعا بقوله (1):

أصمّ بك النّاعى وإن كان أسمعا

وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا (2)

وفيها يقول:

فتى كلما ارتاد الشجاع من الرّدى

مفرّا غداة المأزق ارتاد مصرعا (3)

فإن ترم عن عمر تدانى به المدى

فخانك حتى لم تجد فيه منزعا (4)

فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة

فقطّعها ثم انثنى فتقطّعا (5)

ومن الأبطال الذين بكاهم الشعراء منصور بن زياد، وقد أبلى لعهد الرشيد فى القضاء على ثورة بالقيروان، ووافاه القدر، فرثاه عبد الله بن أيوب التّيمىّ بقصيدة بديعة يقول فى تضاعيفها (6):

أما القبور فإنهن أوانس

بجوار قبرك والديار قبور

(1) الديوان (طبعة بيروت) ص 335

(2)

المغنى: المنزل. البلقع: الخالى.

(3)

ارتاد: طلب. الردى: الموت.

(4)

المنزع: مكان نزع السهام من القوس والتشبيه واضح.

(5)

الضريبة: الرجل المضروب بالسيف

(6)

ديوان الحماسة بشرح المرزوقى (طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر) ص 950.

ص: 171

والناس مأتمهم عليه واحد

فى كل دار رنّة وزفير

عجبا لأربع أذرع فى خمسة

فى جوفها جبل أشمّ كبير

ولعل بطلا لم تذرف دموع الشعراء عليه كما ذرفت على يزيد بن مزيد الذى فتك بخوارج الموصل فتكة لم تقم لهم بعدها قائمة، وسنلتقى فى تراجم الشعر بمراث له مختلفة، وفى تأبينه يقول منصور النّمرى (1):

وإن تك أفنته الليالى وأوشكت

فإن له ذكرا سيفنى اللياليا

وواضح ما فى هذه الأشعار من دقة التفكير وبعد الخيال، ويلقانا ذلك دائما فى تأبيناتهم، إذ كانوا يتنافسون فى استنباط المعانى النادرة، ومن طريف ما لمسلم ابن الوليد من هذه المعانى قوله فى رثاء شخص (2):

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه

فطيب تراب القبر دلّ على القبر

وكان الشاعر القديم كثيرا ما يفزع إلى العزاء بالأمم السالفة والقرون الخالية وأن الموت كأس دائر يتجرع غصصه جميع الناس، فردّد ذلك الشاعر العباسى فى مراثيه، وأخذ يضيف إليه من فكره الخصب تأملات فى حقائق الموت وسنن الوجود، من مثل قول ابن مناذر فى تأبين عبد المجيد الثقفى (3):

كل حىّ لاقى الحمام فمودى

مالحىّ مؤمّل من خلود (4)

لا تهاب المنون شيئا ولا تر

عى على والد ولا مولود (5)

يقدح الدّهر فى شماريخ رضوى

ويحطّ الصخور من هبّود (6)

ولقد تترك الحوادث والأيّا

م وهيا فى الصخرة الجلمود (7)

يفعل الله ما يشاء فيمضى

ما لفعل الإله من مردود (8)

فكأنا للموت ركب محثّون

سراع لمنهل مورود

(1) العقد الفريد 3/ 287.

(2)

الديوان ص 320.

(3)

ابن المعتز ص 122.

(4)

الحمام: الموت. مودى: ميت.

(5)

المنون: الموت.

(6)

رضوى: جبل. وشماريخه: أعاليه. هبود: موضع.

(7)

وهيا: شقّا.

(8)

محثون: مسرعون.

ص: 172

وشاع فى العصر بكاء الرفقاء والأصدقاء، بكاء يفجر الحزن فى النفس، لما يصور من شقاء الأصدقاء بموت رفاقهم وكيف يصطلون بنار الفراق المحرقة، من مثل قول بشار فى ندب أحد أصدقائه من الزنادقة (1):

اشرب على تلف الأحبّة إننا

جزر المنية ظاعنين وخفّضا (2)

ويلى عليه وويلتى من بينه

كان المحبّ وكنت حبّا فانقضى

قد ذقت ألفته وذقت فراقه

فوجدت ذا عسلا وذا جمر الغضا (3)

وكان إخوتهم وأبناؤهم يموتون تحت أعينهم، فتدور بهم الأرض ويبكون بدموع غزار، وينفّسون عن أنفسهم بأبيات تصور الحزن المقيم فى قلوبهم لا يبرح، من مثل قول العتبى فى ابن له اختطفه الموت بعد أبناء آخرين، وقد مات فى ريعان شبابه (4):

وقاسمنى دهرى بنىّ بشطره

فلما تقضّى شطره عاث فى شطرى (5)

ألا ليت أمى لم تلدنى وليتنى

سبقتك إذ كنا إلى غاية نجرى

وكنت به أكنى فأصبحت كلما

كنيت به فاضت دموعى على نحرى

وعلى نحو ما تفجعوا على أبنائهم وإخوتهم تفجعوا على زوجاتهم تفجعا كله عطف وبر ورحمة، ولابن الزيات مراث مختلفة لزوجته، توضح من بعض الوجوه ثراء الفكر العباسى بالخواطر وقدرته على تحليلها وتمثيل أحزانه وحزن طفله الذى افتقد عطف الأم وحنانها، من مثل قوله (6):

ألا من رأى الطفل المفارق أمّه

بعيد الكرى عيناه تبتدران (7)

(1) المختار من شعر بشار للخالديين (طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر) ص 25.

(2)

جزر: جمع جزور وهو البعير الذبيح. ظاعنين: سائرين. خفضا: جمع خافض وهو المقيم.

(3)

الغضا: من شجر البادية.

(4)

الحماسة بشرح المرزوقى ص 1071 وانظر زهر الآداب 3/ 212.

(5)

يريد أن الدهر قاسمه بنيه إذ أخذ نصفهم وأبقى له نصفا ثم عاد يعيث فى نصفه ونصيبه.

(6)

ديوان ابن الزيات (نشر جميل سعيد بمطبعة نهضة مصر بالفجالة) ص 600 وانظر العمدة لابن رشيق 2/ 125.

(7)

الكرى: النوم. تبتدران: تسحان وتهملان بالدموع.

ص: 173

رأى كلّ أمّ وابنها غير أمّه

يبيتان تحت الليل ينتجيان

وبات وحيدا فى الفراش تجنّه

بلابل قلب دائم الخفقان (1)

فلا تلحيانى إن بكيت فإنما

أداوى بهذا الدمع ما تريان (2)

وهبنى عزمت الصبر عنها لأننى

جليد فمن بالصّبر لابن ثمان

ضعيف القوى لا يطلب الأجر حسبة

ولا يأتسى بالناس فى الحدثان (3)

وظلت المآتم قائمة على قتلى الشيعة فى العصر والعصور السابقة منذ قتل على بن أبى طالب، فهم ينوحون عليهم نواحا حارّا، ودموعهم لا ترقأ ولا تجف، وسنعرض لذلك فى الفصل السادس. وبكى الشعراء البرامكة طويلا حين نكبهم الرشيد، من مثل قول سلم الخاسر (4):

خوت أنجم الجدوى وشلّت يد النّدى

وغاضت بحار الجود بعد البرامك (5)

هوت أنجم كانت لأبناء برمك

بها يعرف الحادى طريق المسالك

وظهرت ضروب جديدة فى الرثاء لم تكن معروفة قبل هذا العصر، من ذلك رثاء المدن حين تنزل بها كوارث النهب والحرق، وكان الجيش الذى أحاط ببغداد قبل مقتل الأمين رماها بالمجانيق فاندلعت فيها النيران واحترقت بعض الأحياء، وعمّ فيها نهب الأموال وقتل الأبرياء، مما جعل كثيرين من الشعراء يبكونها وقد غمرهم الحزن والأسى، من مثل قول بعضهم (6):

ألا ابك لإحراق وهدم منازل

وقتل وإنهاب اللهى والذخائر (7)

وإبراز ربّات الخدور حواسرا

خرجن بلا خمر ولا بمآزر

كأن لم تكن بغداد أحسن منظرا

وملهى رأته عين لاه وناظر

ومن ضروب الرثاء الحديدة مراثى الطير الصادح من مثل القمرىّ والحيوانات

(1) تجنه: تلفه وتشنمل عليه.

(2)

لا تلحيانى: لا تلومانى.

(3)

حسبة الأجر: احتساب الثواب عند الله بالصبر على نزول الموت. الحدثان: نوائب الدهر.

(4)

مروج الذهب للمسعودى (طبعة مصر) 3/ 296.

(5)

خوت: سقطت وخرت. الجدوى: العطاء. الندى: الكرم.

(6)

مروج الذهب 3/ 313.

(7)

اللهى والذخائر: الأموال.

ص: 174

المستأنسة، وقد جعل القاسم بن يوسف أخو أحمد بن يوسف كاتب المأمون ذلك وكده، كما يقول أبو الفرج (1) الأصبهانى، فاستغرق أكثر شعره فيه، من مثل قوله يرثى شاة:

عين إبكى لعنزنا السّوداء

كالعروس الأدماء يوم الجلاء (2)

وكان لابن الزيات فرس أشهب لم ير مثله فراهة وحسنا، فوصفت للمعتصم فراهته، فطلبه منه، فلم يستطع رد طلبه، حتى إذا بان عنه رثاه بقصيدة طويلة يقول فيها (3):

كيف العزاء وقد مضى لسبيله

عنا فودّعنا الأحمّ الأشهب (4)

منع الرقاد جوى تضمّنه الحشا

وهوى أكابده وهمّ منصب (5)

ومن المراثى الجديدة الموضوع مرثية (6) محمد بن يسير لبستان له عاثت فيه شاة أفلتت لأحد جيرانه، ودخلت البيت، فعاثت ببعض صحفه وقراطيسه، وفيها يندب روعة هذا البستان قبل أن تعبث به ضارعا إلى ربه بالشكوى من هذه الشاة وأن ينزل بها عقاب أليم.

وقد أكثر الشعراء فى العصر من العتاب والاعتذار متخذين لهما مسالك دقيقة تدل أوضح الدلالة على رهافة الحس وخصب الذهن من مثل قول أبى دلف معاتبا (7):

ومن لى بالعين التى كنت مرّة

إلى بها فى سالف الدّهر تنظر

وقول أبى تمام (8):

لئن كنت أخطو ساحة المحل إننى

لأترك روضا من جداك وجدولا (9)

وستلقانا فى تراجمهم معاتبات كثيرة بين الأصدقاء، تعبر عن عواطف

(1) أغانى (طبع الساسى) 20/ 56 وانظر الأوراق للصولى (أخبار الشعراء) ص 163.

(2)

الأدماء: السوداء.

(3)

ديوان ابن الزيات ص 6.

(4)

الأحم: الأسود، الأشهب: من الشهبة وهى سواد يصدعه بياض.

(5)

الجوى: حرقة الهوى. منصب: متعب.

(6)

انظر الأغانى (طبعة دار الكتب) 14/ 20 وما بعدها. وانظر مرثيته للوح آبنوس فى الأغانى 14/ 47.

(7)

العقد الفريد 2/ 165.

(8)

الديوان (طبع دار المعارف) 3/ 108.

(9)

المحل: الجدب. الجدا: العطاء.

ص: 175

الصداقة الدقيقة، وقد تفننوا فى صور اعتذاراتهم مستوحين قدرتهم العقلية فى الحجاج والمنطق، من مثل قول إبراهيم بن سيابة يعتذر للفضل بن الربيع، وكان قد سخط عليه سخطا شديدا (1):

إن كان حرمى قد أحاط بحرمتى

فأحط بجرمى عفوك المأمولا

فكم ارتجيتك فى التى لا يرتجى

فى مثلها أحد فنلت السّولا (2)

وضللت عنك فلم أجد لى مذهبا

ووجدت حلمك لى عليك دليلا

هبنى أسأت-وما أسأت-أقرّكى

يزداد عفوك بعد طولك طولا (3)

فالعفو أجمل والتفضل بامرئ

لم يعدم الراجون منه جميلا

وواضح أن هذا الاعتذار مكتوب بأقيسة منطقية سديدة.

ولعل الشاعر العباسى لم يعن بموضوع قديم كما عنى بالغزل وتصوير عاطفة الحب الإنسانية التى كانت تخفق بأغانيها صباح مساء العيدان والطنابير والدفوف والمعازف من كل شكل مختلطة بأصوات المغنيات والمغنين على جميع صور الإيقاعات من الشدة واللين. وكانت المغنيات خاصة أو بعبارة أخرى القيان يعبثن بقلبه هن ومن حولهن من الجوارى والإماء، وكان يتصل بهن اتصالا غير مقطوع على نحو ما أسلفنا فى الفصل الثانى، وكل منهن تود لو استحوذت على شاعر، وبادلته حبّا بحب وهياما بهيام. وكاد أن يكون لكل شاعر طائفة من الجوارى يحففن به، وكان منهن كثيرات يحسنّ نظم الشعر، فكن يكتبن أبيات الغزل المثيرة على عصائبهن وثيابهن، وقد يطارحن بعض الشعراء أبيات العشق والصبابة، على نحو ما صوّرنا من ذلك فى غير هذا الموضع.

ومن المحقق أن هؤلاء الجوارى والقيان هن اللائى دفعن المجتمع العباسى فى بعض جوانبه إلى الفساد الحلقى، إذ كن بعشن فى بيوت النخاسة، وكانت دورا كبيرة للعبث واللهو، ولم يكنّ يستمعن فيها إلى ما يعدل بهن إلى السيرة السوية، إنما كن يستمعن إلى أحاديث العشق والصبوة، ومن حولهن الشياطين الذين يستهينون

(1) أغانى (طبع دار الكتب) 12/ 91.

(2)

السول: السؤل، وهو ما يسأله، وخففت الهمزة للشعر.

(3)

الطول بفتح الطاء: الفضل.

ص: 176

بكل شئ، بل كان منهم من ينكر أصول الدين إنكارا غارقا فى اللذة والمجون من أمثال بشار وأبى نواس. فطبيعى أن تسوء سيرتهن، أو على الأقل سيرة طائفة منهن، وأن يفتح ذلك الأبواب للغزل الإباحى الذى يدفع إليه الجشع الجسدى والذى لا يدع فارقا بين الإنسان والحيوان، وهو غزل لم يكن يعرفه العرب فى العصور الماضية، عصور الوقار والارتفاع عن درك الغرائز النوعية. حقّا عرفوا الغزل الصريح، ولكنهم لم يبلغوا مبلغ العباسيين فى الصراحة وما وراء الصراحة من الجهر بالفسوق والإثم دون رادع من خلق أو زاجر من دين.

لذلك كان طبيعيّا أن يشيع الغزل الماجن فى هذا العصر، وبلغ من حدّته أن شاع الغزل الشاذ بالغلمان، فحتى هذا الغزل المزرى بكرامة الرجل دار على كثير من الألسنة الدنسة. وقد استطاع تراث الغزل القديم أن يكبح جماح هذه الموجة المادية الحادة من بعض الوجوه، فإن هؤلاء الشعراء الماجنين كانوا يستظهرونه ويتلونه، وكانوا يرون فيه إكبار الرجل للمرأة وإعزازها، بل كانوا يرون فيه حبّا عذريّا عفيفا، كله تحفظ واحتشام، وكله عذاب وآلام. فمزجوا ذلك بنداءات غرائزهم الجسدية.

وأيضا فإنه كان قد ترجم-على ما يظهر-شئ من الحب الأفلاطونى اليونانى، وأخذ مفكرو العرب ومتفلسفتهم يتحدثون عن العشق أحاديث فيها كثير من السمو والسعة والعمق، على نحو ما يلقانا عند المسعودى، إذ أورد مجلسا ليحيى البرمكى تناظر فيه نفر من المعتزلة والمتكلمين وبعض أهل الملل والنحل فى العشق وحقائقه وظواهره وعذابه وحرارته ولطافة صاحبه ورقته ورهافة شعوره (1)، وهو حديث أو هى مناظرة دارت كلها حول العشق العفيف الطاهر الذى يستأثر بالقلوب ويملك عليها أهواءها وعواطفها ومشاعرها. وفى رأينا أن هذه المناظرة ترمز بوضوح إلى ما كان فى ايدى الشعراء من كلام عن الحب النقى البرئ بالإضافة إلى ما وروه عن أسلافهم وخاصة شعراء نجد العذريين من الحب السامى الذى يوقد فى القلوب جذوة لا تنطفئ والذى يدلع فيها جحيما من العذاب لا يطاق. وكل ذلك سرى فى نفوس الغزلين الماجنين من العباسيين، ومضوا يصيفون إليه من خواطرهم الثرية الخصبة ما أذكى جذوته، ومن أجل ذلك كنت تقرأ عند بشار وأبى نواس وغيرهما

(1) مروج الذهب 3/ 286.

ص: 177

من المجان قطعا من الحب الأفلاطونى أو قل من الحب العفيف البرئ الذى يرتفع عن المادة والحس من مثل قول أولهما (1):

دعا بفراق من تهوى أبان

ففاض الدّمع واحترق الجنان

كأن شرارة وقعت بقلبى

لها فى مقلتى ودمى استنان (2)

إذا أنشدت أو نسمت عليها

رياح الصّيف هاج لها دخان

على أنه سرعان ما ظهر شاعر تخصص بالغزل العفيف واشتهر به هو العباس ابن الأحنف، وسنفرد له فى الفصل السادس ترجمة خاصة. وكانوا فى غزلهم العفيف والصريح الماجن يحرصون دائما على أن يملأوا معاصريهم إعجابا بدقائق معانيهم وطرائف أخيلتهم، من مثل قول بشار (3):

أتتنى الشمس زائرة

ولم تك تبرح الفلكا

وقول أبى نواس (4):

كأن ثيابه أطلع

ن من أزراره قمرا

يزيدك وجهه حسنا

إذا ما زدته نظرا

بعين خالط التّفت

ير من أجفانها الحورا

وخدّ سابرىّ لو

تصوّب ماؤه قطرا

وقول مسلم بن الوليد (5):

أقر بالذّنب منى لست أعرفه

كيما أقول كما قالت فنتّفق

حبست دمعى على ذنب تجدّده

فكل يوم دموع العين تستبق

وقد اتسعت موجة المجون كما مرّ بنا، واتسع معها وصف الخمر، وكان القدماء يصفونها على نحو ما هو معروف عن الأعشى وعدى بن زيد العبادى، وأخذ

(1) أغانى (طبعة دار الكتب) 3/ 206.

(2)

استنان: جرى شديد.

(3)

المختار من شعر بشار للخالديين ص 64.

(4)

الديوان (طبعة آصاف) ص 165.

(5)

طبقات الشعراء لابن المعتز ص 239.

ص: 178

صفها يكثر فى أواخر عصر بنى أمية عند الوليد بن يزيد وأبى الهندىّ وأضرابهما.

يرى مجالسها، منذ مطالع هذا العصر، معقودة فى البصرة والكوفة، حتى إذا امت بغداد نافستهما فى تلك المجالس. وكانت تنبثّ حاناتها فى الكرخ ببغداد غير الكرخ وفيما وراءه من دور النخاسة والأديرة المنثورة فى ضواحى الكوفة وعلى الطريق منها ومن البصرة إلى بغداد، فأمّها جميعا مجان الشعراء هم وغيرهم من عامة لفساق، وكانوا أخلاطا، منهم الزنديق الثائر على الإسلام وتعاليمه، ومنهم لحزين الذى لم تحقق له الدولة أحلامه، فأكبّ على الخمر يغرق فيها آلامه، منهم المجوسى والدهرى الذى لا يؤمن بأى كتاب سماوى. وقد مضوا جميعا يعبّون من الخمر حتى الثمالة، وتلقانا منهم منذ أوائل العصر جماعات ألّف المجون والعشق الفسق الآثم بينهم مثل جماعة مطيع بن إياس ووالبة وحماد عجرد ويحيى بن زياد لحارثى فى الكوفة وكانوا يعبّون الخمر أرطالا ويتغزلون الغزل المكشوف الماجن الجوارى والغزل الشاذ الدنس بالغلمان، متحرّرين من كل خلق وعرف ودين، فى ذلك يقول مطيع (1):

اخلع عذارك فى الهوى

واشرب معتّقة الدّنان

وصل القبيح مجاهرا

فالعيش فى وصل القيان

لا يلهينّك غير ما

تهوى فإن العمر فان

وتبلغ حدة هذه الموجة غايتها فى عهد الأمين، إذ حوّل قصر الخلافة إلى ما يشبه مقصفا للخمور والمجون، واتخذ أبا نواس نديمه، وكان يعكف على الخمر والمجون عكوفا يقترن بعجيج وضجيج وهجوم على مقدمة الأطلال القديمة طالبا إلى الشعراء أن يضعوا مكانها وصف الخمر المعتقة، صائحا بذلك صياحا كثيرا من مثل قوله (2):

قل لمن يبكى على رسم درس

واقفا ما ضرّ لو كان جلس (3)

تصف الرّبع ومن كان به

مثل سلمى ولبينى وخنس (4)

(1) الديارات للشابشى ص 166.

(2)

الديوان (طبعة آصاف) ص 299.

(3)

درس: المحى.

(4)

لبينى: تصغير لبنى. وخنس: الحنساء.

ص: 179

اترك الرّبع وسلمى جانبا

واصطبح كرخية مثل القبس (1)

وتتردد مع هذا الصياح فى خمرياته مجاهرة بأنه يقترف ما يقترف من آثامه دون تفكير فى جنة أو نار، ولكن من الحق أنه لم يكن زنديقا ولا شعوبيّا، إنما كان متحلل الأخلاق ساقط المرءوة. وأكبر الظن أنه اندفع فى مجونه هروبا من واقع نشأته وواقع أمه على نحو ما سنوضح ذلك فى ترجمته، وكأنه يريد أن ينسى ماضيه وذكرياته السيئة.

وقد انتشر فى العصر شعر الزهد، وكان أكثر اتصالا بحياة الجماهير من شعر الخمر والمجون، فإنها لم تكن تعرف ترفا ولا ما يشبه الترف، وكانت تعيش حياة دينية مستقيمة يشيع فى بعض جوانبها النسك والعبادة. وإذا كان كتاب الأغانى يفيض بالمجون فإن كتب الطبقات التى ترجمت للفقهاء والمحدثين تفيض بأخبار العبّاد والزهاد الذين رفضوا الدنيا وشهواتها وملاذها وآثروا ما يبقى على ما يفنى، ممسكين أيديهم عن أخذ عطاء أو مال من خليفة أو وال. ويشيع مع هذه الأخبار كثير من الأشعار التى تصور زهد هؤلاء الناسكين وانصرافهم عن متاع الدنيا الزائل والإقبال على الآخرة بالتقوى والتوكل على الله والعمل الصالح. وقد تبعهم كثير من الشعراء يردّدون نفس النغم، حتى شعراء المجون أنفسهم فإن منهم من كان يثوب إلى نفسه فيعاف ما تردّى فيه من فسق ومجون، وحينئذ إما أن يقلع عن غيه إلى الأبد على نحو ما أقلع محمد بن حازم الباهلى (2)، وإما أن يقلع إلى حين يطول أو يقصر على نحو ما يلقانا عند أبى نواس مما جعل ديوانه يشتمل على مثل قوله (3):

ألا ربّ وجه فى التراب عتيق

ويا ربّ حسن فى التراب رقيق (4)

فقل لقريب الدار إنك راحل

إلى منزل نائى المحل سحيق

وما الناس إلا هالك وابن هالك

وذو نسب فى الهالكين عريق

إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت

له عن عدوّ فى ثياب صديق

(1) كرخية: خمرا منسوبة إلى الكرخ ساحية الملاهى ببغداد.

(2)

أغانى (طبعة دار الكتب) 14/ 15 وما بعدها.

(3)

الديوان ص 299.

(4)

عتيق: جميل.

ص: 180