الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حماد (1) عجرد
من الموالى، أصله ومنشؤه بالكوفة، كان أبوه نبّالا يبرى النّبل، ويظهر أنه وجهه إلى الدرس والتعلم مبكرا، ويقال إنه لقب بعجرد لأن أعرابيّا مرّ به فى يوم شديد البرد وهو عريان يلعب مع الصبيان، فقال له: تعجردت يا غلام أى قعرّبت فسمى عجردا. وظل عاكفا على التعلم والتأدب، حتى أتقن العربية وانتظم فى سلك المعلمين المؤدبين، غير أنه مضى يفرغ للهو والمجون مع صاحبيه: حماد الراوية وحماد بن الزبرقان، يقول ابن المعتز: «كان بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون:
حماد عجرد
وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار ويتعاشرون أجمل عشرة، وكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا جميعا يرمون بالزندقة». فهو لم يكن ماجنا فحسب، بل أشربت روحه الزندقة كما أشربت المجون، وقد مر بنا فى الفصل الرابع ما قاله أبو نواس من أنه كان يظن أن حمادا رمى بالزندقة لعكوفه على المجون، حتى إذا حبس فى سجن الزنادقة وجدهم يقرءون فى صلاتهم شعرا مزاوجا له، فعرف أنه كان إماما من أئمتهم. وعلى نحو ما كان يتواصل مع حماد الراوية وحماد بن الزبرقان كان يتواصل مع مجان موطنه المتزندقة من أمثال مطيع بن إياس ويحيى ابن زياد. وهو يسلك فى مخضرمى الدولتين الأموية والعباسية، ويظهر أن مجونه قديم إذ يقال إنه كان من ندماء الوليد بن يزيد وأنه ظل إلى أن قتل سنة 126 للهجرة فعاد إلى موطنه، وأخذ يعيش معيشة مجون وفجر وفسق لا يرعوى ولا يزدجر، بل يصرح بذلك تصريحا عاريا مكشوفا، كما يصرح بزندقته مجاهرا، حتى ليقول فيه مساور الوراق:
لو أن مانى وديصانا وعصبتهم
…
جاءوا إليك لما قلناك زنديق
(1) انظر فى حماد وأخباره وأشعاره الأغانى (طبعة دار الكتب) 14/ 321 وابن المعتز ص 67 - 72 وابن قتيبة ص 754 ومعجم الأدباء 10/ 249 وابن خلكان وتاريخ بغداد 8/ 148 والحيوان للحاحظ 4/ 447 وفى مواضع أخرى (انظر الفهرس) وأمالى المرتضى (طبعة الحلبى) 1/ 128 - 134. ولسان الميزان 2/ 349
أنت العبادة والتوحيد مذ خلقا
…
وذا التزندق نيرنج مخاريق
فهو يفوق-فى رأيه-مانى وديصان وأضرابهما من رءوس الزنادقة. ويعابثه صديقه حماد بن الزبرقان شاهدا عليه بزندقته ومجونه قائلا:
نعم الفتى لو كان يعرف قدره
…
ويقيم وقت صلاته حمّاد
هدلت مشافره الدّنان فأنفه
…
مثل القدوم يسنّها الحدّاد
وابيضّ من شرب المدامة وجهه
…
فبياضه يوم الحساب سواد
وكأنما كان عريه فى صباه ولقبه عجرد الذى لزمه إرهاصا لما أخذ فيه بعد من الإباحة وطلب اللذات. وكان يطلبها فى الحانات وفى الأديرة وفى البساتين، متغزلا فى الإماء والغلمان غزلا مكشوفا كان يتبادله مع مطيع بن إياس وغيره ممن كانوا يمعنون معه فى المجون هازئين بالإسلام ودعوته التى تحرم الإباحة واقتراف المنكرات، حتى لينحازوا إلى الزندقة التى تفتح لهم الأبواب إلى الفسوق والفجر الفاجر.
ويرتفع ما كان فيه من فسق ومجون إلى سمع المنصور، فيستخدمه أداة للنّيل من محمد بن أخيه السفاح، حتى يسقط فى أعين الرعية ويرتفع عندها ابنه المهدى، ذلك أنه كان قد اتصل به من قبل وأدّبه، وترك فيه أثرا سيئا، إذ جعله يميل إلى اللهو وشئ من المجون. ورأى المنصور أن يهتك ستر ابن أخيه فولاه البصرة بعد ثورة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وأصحبه حمادا، فأكمل إغواءه له، وكشف للناس مجونه، وله فيه مدائح مختلفة من مثل قوله:
أرجوك بعد أبى العباس إذ بانا
…
يا أكرم الناس أعراقا وأغصانا
لو مجّ عود على قوم عصارته
…
لمجّ عودك فينا المسك والبانا
وحدث أن خطب محمد حين ولى البصرة ابنة عم أبيه زينب بنت سليمان العباسى وكان يهواها، فلم يزوجوها له لنقص كانوا يرونه فى عقله، ورأى أن يؤذيهم فطلب إلى حماد أن ينظم فيها غزلا على لسانه، فنظم وأكثر مما أحفظ عليه أخاها محمد ابن سليمان وأهلها، ولم يلبث محمد أن توفى لأوائل سنة مائة وخمسين للهجرة،
فبكاه حماد بكاء حارّا بمثل قوله:
صرت للدهر خاشعا مستكينا
…
بعد ما كنت قد قهرت الدهورا
ليتنى متّ حين موتك، لا بل
…
ليتنى كنت قبلك المقبورا
ولم يجرّ عليه نزوله البصرة غضب محمد بن سليمان فحسب، بل لقد جرّ عليه أيضا معركة هجاء حامية الوطيس نشبت بينه وبين بشار شاعر البصرة، ذلك أنه أفسد عليه بعض من كانوا يثيبونه، فهجاه والتحم بينهما الهجاء، وشغف بعض معاصريهما بالتحريش بينهما، فكان ينقل إلى كل منهما ما يقوله فى صاحبه، فيثور ويحاول أن يقذفه بحجر مدم، وتكاثرت الأحجار. وكان بشار -مع زندقته-يكثر من هجائه بالزندقة، وردّ عليه بنفس السهام وبسهام أخرى لم تكن أقل إيذاء، إذ كان يهجوه بعماه وقبح خلقته ودنسه وقذارته مهوّنا منه أشد التهوين ومستخفّا به أشد الاستخفاف، وقد أنشدنا فى الفصل الرابع أطرافا من هذا الهجاء المصمى، وأكثرا جميعا من هجو الأمهات والزوجات. ومن المحقق أن حمادا كان يستعلى عليه فى تلك المعركة، إذ كان يشيع فى هجائه له سخرية مرة من مثل قوله:
إن تاه بشار عليكم فقد
…
أمكنت بشارا من التيه
وذاك إذ سمّيته باسمه
…
ولم يكن حرّ يسمّيه
لم أهج بشارا ولكننى
…
هجوت نفسى بهجائيه
ونراه فى بعض عبثه ولهوه مع مطيع بن إياس يلمزه بعض اللمز، ولكنهما لا يندفعان فى الهجاء، فقد كانا صديقين متوادّين. واتصلت صداقته مع يحيى ابن زياد، وكان مثله خليعا ماجنا متّهما بالزندقة، ويقال إنه تاب وأناب بأخرة وهجا حمادا وأشباهه وإنه كان إذا ذكر عنده ثلبه وحكى تهتكه ومجونه، فكتب إليه حماد من قصيدة:
إن كان نسكك لا يت
…
م بغير شتمى وانتقاصى
فعليك فاشتم آمنا
…
كلّ الأمان من القصاص
فلطالما زكّيتنى
…
وأنا المقيم على المعاصى
أيام أنت إذا ذكر
…
ت مناضل عنى مناصى (1)
وأنا وأنت على ارتكا
…
ب الموبقات من الحراص
وله معاتبات بديعة كثيرة لأصدقائه يتحدث فيها عن واجب الصديق للصديق حديثا كله برّ وعطف، على شاكلة قوله:
لقد حزت من قلبى مكانا ممنّعا
…
أرى لك فيه أن أريق لك الدّما
سأشرب كأسيك اللتين سقيتنى
…
وإن كانتا والله صابا وعلقما
وأدخل كفّى إثر كفّك فى الذى
…
عراك ولو أدخلتها ثقب أرقما (2)
وبلغه توعد محمد بن سليمان العباسى بعد وفاة محمد بن السفاح لما كان يردّده من الغزل بلسان ابن عمه فى أخته على نحو ما أسلفنا فمدحه أمداحا مختلفة غير أن محمد بن سليمان ظل حنقا عليه وجدّ فى طلبه، فمضى إلى قبر أبيه سليمان بن على فاستجار به، وبلغ ذلك محمدا فقال: والله لأبلّنّ قبر أبى من دمه، فهرب حماد إلى بغداد فعاذ بجعفر بن المنصور، فأجاره، ويقال إنه طلب إليه هجاء محمد بن سليمان وكان واليا على البصرة فلبّاه وهجاه هجاء مقذعا بمثل قوله:
له حزم برغوث وعقل مكاتب
…
وغلمة سنّور بليل تولول (3)
وبلغ هجاؤه ابن سليمان فأهدر دمه، ويقال بل قتله لزندقته، وقال: والله لا يفلتنى أبدا، وعرف أنه استتر منه بالأهواز، فأرسل إليه بعض مواليه وأمره أن يفتك به، فلم يزل يطلبه حتى وقف عليه فقتله غيلة سنة 161 للهجرة.
مطيع (4) بن إياس
كان أبوه إياس بن مسلم شاعرا، وكان من أهل فلسطين الذين أمدّ بهم
(1) مناصى: مدافع.
(2)
الأرقم: الشعبان.
(3)
تولول: تعول.
(4)
انظر فى مطيع وأخباره وأشعاره ابن المعتز ص 94 والأغانى (طبعة دار الكتب) 13/ 274 وتاريخ بغداد 13/ 226 وعيون الاخبار 2/ 182 وأمالى المرتضى (طبعة الحلبى) 1/ 142 والديارات للشابشتى ص 159 وما بعدها ولسان الميزان لا بن حجر 6/ 51.
عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف فى حروبه ضد الثوار، وقد أقام بالكوفة وتزوّج بها فولد له مطيع، وبها كان منشؤه ومرباه. وقد نسبه أبو الفرج إلى كنانة، ثم عاد فتشكك فى هذا النسب محسّا أنه من صنع الرواة. وكل شئ فيه يؤكد أنه لم يكن عربيّا إنما كان من الموالى، فقد كان متحلل الأخلاق مجاهرا بالفسق والعصيان والزندقة والإلحاد، ومضى فى مطالع شبابه يمدح الغمر بن يزيد بن عبد الملك ويظفر بجوائزه السنية، ووصله بأخيه الوليد، فسلكه فى ندمائه
وعاد مع حماد عجرد بعد وفاة الوليد بن يزيد إلى الكوفة، وغرقا فى اللهو والمجون والفسق والعصيان مع يحيى بن زياد وغيره من الخلعاء والمجان. واتصل بعبد الله ابن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ونادمه، ورافقه فى ثورته على الأمويين حتى إذا قتل عاد إلى الكوفة يحتسى كئوس الخمر حتى الثمالة.
وليست هناك سوءة من سوءات العصر إلا وتضاف إليه. وكان فيه ظرف ودعابة، مما جعله محبّبا إلى رفاقه، وله معهم نوادر كثيرة، من ذلك أن صديقه يحيى بن زياد قال له يوما: انطلق بنا إلى فلانة المغنية صديقتى فإن بينى وبينها مغاضبة، لعلك تصلح بيننا فدخلا إليها، وأقبل يحيى يعاتبها ومطيع ساكت، حتى إذا أكثر يحيى قال لمطيع: ما يسكتك؟ فتوجه إليها مطيع قائلا:
أنت معتلّة عليه ومازا
…
ل مهينا لنفسه فى رضاك
فأعجب يحيى ما سمع، وهشّ له مطيع، ثم قال:
فدعيه وواصلى ابن إياس
…
جعلت نفسى الغداة فداك
وأغربت الجارية فى الضحك. وفى كتاب الأغانى أشعار له كثيرة كان يدعو بها رفاقه إلى اللهو والقصف فى داره وفى البساتين والأديار. وغزله فى الغلمان قليل، ولكن لا شك فى أنه من أوائل من أشاعوا هذا الغزل المزرى، وله غزل كثير فى القيان الكوفيات وخاصة فى جوهر، وفيها يقول:
أنت يا جوهر عندى جوهره
…
فى قياس الدّرر المشتهره
أو كشمس أشرقت فى بيتها
…
قذفت فى كل قلب شرره
وفى أخباره أنه صحب سلم بن قتيبة حين ولى مدينة الرّىّ للمنصور سنة 145 وهناك عشق امرأة من بنات الدهاقين كان نازلا بجوار دارها، ولم يلبث المنصور أن استدعى سلما فى نفس السنة، فاضطرّ مطيع إلى الرحيل معه، وألمّ فى طريقه بمدينة حلوان وجلس يستريح بجوار نخلتين وتذكر معشوقته، فخنقته العبرات وقال أبياته المشهورة التى أنشدناها فى الفصل الرابع والتى يخاطب فيها نخلتى حلوان خطابا مؤثرا شاكيا لهما فراقه الأحباء والخلان.
ومن الأجواد الذين فزع إليهم فى تلك الفترة يستميحهم بمدائحه معن بن زائدة الشيبانى، ويروى أنه لما أنشده مدحته التى يقول فيها مصورا كرمه وبأسه وحلمه وحصافته:
فتى نزار وكهلها وأخو ال
…
جود حوى غايتيه من كثب
ترى له الحلم والنّهى خلقا
…
فى صولة مثل جاحم اللهب
قال له معن مداعبا: إن شئت مدحناك كما مدحتنا، وإن شئت أثبناك، فاستحيى مطيع من إيثار الثواب على المديح، وهو محتاج إلى الثواب، فأنشأ يقول بديهة:
ثناء من أمير خير كسب
…
لصاحب فاقة وأخى ثراء
ولكن الزمان برى عظامى
…
وما مثل الدراهم من دواء
فقال معن: لقد لطفت حتى تخلصت، وصدقت لعمرى ما مثل الدراهم من دواء، وأمر له بثلاثين ألف درهم وخلعة سنية.
وجذبته بغداد على نحو ما جذبت غيره من الشعراء، فولّى وجهه نحوها، وربما كان من أسباب ذلك خروج رفيقيه حماد عجرد ويحيى بن زياد إلى محمد ابن العباس السفاح بالبصرة. ويظهر أن الدواء الذى وصفه له معن بن زائدة عزّ عليه فى أول مقامه ببغداد، مما جعله يقول:
زاد هذا الزمان عسرا وشرّا
…
عندنا إذ أحلّنا بغداذا
بلدة تمطر التراب على النا
…
س كما تمطر السماء الرّذاذا
ولم يلبث ظرفه أن فتح له أبواب القصر العباسى، فتحها له جعفر بن المنصور.
وكان فيه خبث، فانتهز فرصة إعلان المنصور بيعته لابنه المهدى بولاية العهد من بعده، وتقدم عقب فراغ الخطباء والشعراء من إشادتهم بالمهدى، فروى حديثا مصنوعا لتوّه زاعما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:«المهدى منا محمد بن عبد الله وأمه من غيرنا، يملؤها عدلا كما ملئت جورا» . وسرّ من صنيعه المنصور، وحفظ ذلك له المهدى. ويقال إنه ارتفع إلى المنصور أنه ماجن زنديق فهمّ بإنزال عقاب صارم به غير أن ابنه المهدى تشفع فيه فعفا عنه، وبذل له المهدى مائتى دينار، وأوصى به والى البصرة فولاه أعمال الصدقات. وربما كانت هذه الولاية غير صحيحة، ولكن من المؤكد أن المهدى ظل راضيا عنه، ولعل هذا الرضا هو الذى جعله يفلت من عقابه حين شدّد فى تعقب الزنادقة سنة 166 للهجرة وأطاح يرءوس كثيرين منهم. ومما يؤكد زندقته ما يقال من أن الرشيد أتى ببنت له فى الزنادقة، فأقرت بزندقتها وتوبتها قائلة: هذا دين علّمنيه أبى وتبت منه. فقيل الرشيد توبتها وردّها إلى أهلها.
ومضى مطيع يعيش لعهد المهدى منهمكا فى المجون والخلاعة والشراب والانطراح فى مواضع اللذات، ونظم فى تلك الحياة الفاجرة كثيرا من الأشعار يصف فيها الخمر أو يتغزل ببعض القيان. وله بجانب ذلك معاتبات لرفاقه تفيض حنانا وعطفا وبرّا، وخاصة مع صديقه يحيى بن زياد، ويقول ابن المعتز:«كان لا يفارقه ليلا ولا نهارا، ويرى كل واحد منهما بصاحبه الدنيا مودة ومحبة» . وحدث أن تهاجرا ولم يطق مطيع الصبر على هجره فكتب إليه يعاتبه ويستعطفه مصورا ما كان منعقدا بينهما من ود متصل بمثل قوله:
كنت ويحيى كيدى واحد
…
نرمى جميعا وترينا معا
إن عضّنى الدهر فقد عضّه
…
يوجعنا ما بعضنا أوجعا
أو نام نامت أعين أربع
…
منا وإن أسهر فلن يهجعا
حتى إذا ما الشيب فى مفرقى
…
لاح وفى عارضه أسرعا
سعى وشاة فمشوا بيننا
…
فكاد حبل الودّ أن يقطعا
حتى إذا استمكن من عثرة
…
أوقد نيران القلى مسرعا
فلم ألم يحيى على فعله
…
ولم أقل ملّ ولا ضيّعا
وهو عتاب يدل على حس مرهف دقيق. وسرعان ما عاد بينهما الصفاء ومضيا يعبّان من دنان اللهو والمجون حتى كفّ يحيى بأخرة فيما يقال. ولم يلبث أن توفى فبكاه مطيع بكاء حارا، ومن قوله يرثيه ويتفجع عليه:
يا أهلى ابكوا لقلبى القرح
…
وللدّموع السواكب السّفح (1)
راحوا بيحيى ولو تطاوعنى ال
…
أقدار لم يبتكر ولم يرح (2)
يا خير من يحسن البكاء له ال
…
يوم ومن كان أمس للمدح
قد ظفر الحزن بالسرور وقد
…
أديل مكروهنا من الفرح (3)
وواضح أن مطيعا كان يتقن جميع الفنون الشعرية وأنه يمتاز فى أشعاره بالسلاسة والعذوبة. ولعل ذلك ما جعله يميل فى كثير من نظمه إلى وزن المجتث والأوزان المجزوءة. وكأنما كان يريد أن يوفر لأشعاره كل ما يمكن من خفة ورقة ورشاقة، حتى تجرى على أفواه الناس، وحتى تلذّ آذانهم، ويقول صاحب الأغانى إن حكما الوادى المغنى تغنّى فى قطعة له، فلم يبق سقّاء ولا طحّان ولا مكار إلا غنّى فيها. وقد ظل مطيع سادرا فى غيه ومجونه حتى توفى سنة 169 وقيل بل فى سنة 170 للهجرة لأول خلافة الرشيد.
صالح (4) بن عبد القدوس
بصرى من موالى الأزد، وأكبر الظن أنه فارسى الأصل، وكان فى صدر
(1) السواكب السفح: المنهمرة.
(2)
يبتكر: من البكور. ويرح: من الرواح وهو وقت العشى.
(3)
أديل: أصبحت له دولة وصولة.
(4)
انظر فى صالح وأخباره وأشعاره أمالى المرتضى (طبعة الحلبى) 1/ 144 وما بعدها وطبقات الشعراء لابن المعتز ص 90 ورسالة المفران (طبعة أمين هندية) ص 142 وتاريخ بغداد 9/ 303 ومعجم الأدباء لياقوت 12/ 6 وتاريخ دمشق لا بن عساكر 6/ 371 وفوات الوفيات 1/ 191 ونكت الهميان للصفدى ص 71، 171 ولسان الميزان لا بن حجر 3/ 172 وفهارس كتابى البيان والتبيين والحيوان للجاحظ، وسرح العيون لا بن نباتة (طبعة دار الفكر العربى) ص 227.
نشأته يختلف إلى حلقات الوعاظ والمتكلمين ولم يلبث عقله أن تشوش بما كان يسمع فى تلك الحلقات من مناقشات أصحاب الملل والنحل، فإذا هو يعتنق الثنوية المانوية مذهب آبائه ونحلتهم، وما كانت تقول به من أن العالم نشأ عن أصلين هما النور والظلمة، ولكل منهما إلهه الخاص، وأن مصدر بلاء العالم امتزاج هذين العنصرين، ومن أجل ذلك دعت إلى الزهد فى الحياة ونعيمها الزائل. ونراه فى عصر بنى أمية يكثر من الاجتماع بواصل بن عطاء رأس المعتزلة، مشاركا فيما كان يدور فى مجلسه من مخاصمات كلاميّة ودينية (1)، ونظن ظنّا أنه لم يظهر حقيقة عقيدته حينئذ، وإلا لهتف به واصل، كما هتف ببشار طالبا من أصحابه قتله (2)، وفى بعض شعره أنه كان يستر نحلته خشية الحبس والعقاب والتنكيل به، يقول:
ربّ سرّ كتمته فكأنى
…
أخرس أو ثنى لسانى خبل
ولو أنى أبديت للناس علمى
…
لم يكن لى فى غير حبسى أكل
وتوفّى واصل سنة 131 للهجرة، ولم تلبث الثورة العباسية أن اندلعت تسندها حراب الفرس والخراسانيين وسرعان ما انتصرت فأحسّ صالح كأن الحياة واتته، وأخذ يعلن عقيدته ويجاهر بها حينا، وحينا يسترها حين يخاف بعض الحكام، حتى ليصلى صلاة المسلمين حين تحين الصلاة، ويعجب من صلاته بعض من يعرف مذهبه، ويسأله فى ذلك متعجبا، فيقول:«سنة البلد وعادة الجسد وسلامة الأهل والولد» . ونمضى فى العصر العباسى ويكثر الزنادقة والمتزندقون على نحو ما صورنا ذلك فى غير هذا الموضع، ويعلن صالح زندقته ولا يواريها، أو بعبارة أدق يعلن مانويته وثنويته، حتى ليؤلف-كما يقول ابن النديم-كتبا فى نصرة عقيدته (3). وتبلغ به الجرأة أن يحاضر ويجادل فيها بمسجد البصرة، ويتعرض له غير متكلم من المعتزلة وغيرهم وخاصة أبا هذيل العلاف، ويروى أنه ناظره فى الامتزاج الذى يدعيه المانوية بين النور والظلمة فى الجوهر والطبع والفعل والمكان والأبدان والأرواح، وأنه أفحمه وقطعه، فقال:
(1) أغانى (طبع دار الكتب) 3/ 146.
(2)
انظر البيان والتبيين 1/ 16.
(3)
الفهرست ص 473.
أبا الهذيل هداك الله يا رجل
…
فأنت حقّا لعمرى معضل جدل
وناظره أبو الهذيل مرة أخرى فى أصل عقيدته وما يؤمن به من إلهى النور والظلمة، وبدا منه كأنه يهجر ضلاله وغيه، فسأله أبو الهذيل: على أى شئ تعزم يا صالح؟ فقال: أستخير الله وأقول بالاثنين. وكأن المسألة تحوّلت عنده من الأخذ بالمنطق إلى باب الهوى وتقليد الآباء، ويظهر أن ذلك أفضى عنده إلى شكوك واسعة لا فى الديانات فحسب، بل فى حقيقة كل شئ، ولعله اطلع على مباحث السوفسطائيين اليونانيين وما آمنوا به من أن الأشياء لا حقيقة لها فى نفسها، ويدل على ذلك ما يقال من أنه ألف كتابا سماه كتاب الشكوك، ويروى إنه مات له ولد، فلقيه أبو الهذيل العلاف ومعه النظام، فوجده جزعا على ابنه، فقال له:
لا أعرف لجزعك وجها إذا كان الناس عندك كالزرع! فقال صالح: يا أبا الهذيل إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ كتاب الشكوك، فقال أبو الهذيل: وما كتاب الشكوك؟ قال: كتاب وضعته، من قرأه شك فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان، فقال له النظام: فشكّ أنت فى موت ابنك واعمل على أنه لم يمت وإن مات. وشكّ أيضا فى أنه قرأ هذا الكتاب وإن لم يكن قرأه، فحصر صالح. وفى أشعاره ما يدل على أنه عمى فى آخر عمره، إذ يقول:
عزاءك أيها العين السّكوب
…
ودمعك إنها نوب تنوب
على الدّنيا السلام فما لشيخ
…
ضرير العين فى الدّنيا نصيب
إذا ما مات بعضك فابك بعضا
…
فإن البعض من بعض قريب
وتدخل سنة 166 للهجرة ويشدد المهدى فى تعقب الزنادقة، وينصب لهم ديوانا لمحاكمتهم ومن تثبت عليه الزندقة يصلب لتوه، حينئذ يفر صالح من البصرة إلى دمشق ويظل مستترا بها مدة، ثم يقبض عليه ويلقى به فى غياهب السجون ببغداد انتظارا لمحاكمته، ويصور مشاعره وهو فى السجن تصويرا دقيقا بمثل قوله:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها
…
فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
طوى دوننا الأخبار سجن ممنّع
…
له حارس تهدا العيون ولا يهدا
قبرنا ولم ندفن فنحن بمعزل
…
من الناس لا نخشى فنغشى ولا تغشى
ألا أحد يأوى لأهل محلّة
…
مقيمين فى الدنيا وقد فارقوا الدنيا
كأنهم لم يعرفوا غير دارهم
…
ولم يعرفوا غير التضايق والبلوى
ويختلف الرواة فى زمن هذه المحاكمة والخليفة الذى تولاها، فمن قائل إنه المهدى ومن قائل إنه هرون الرشيد، وقد ضعّف ابن المعتز القول الأول، وقال الصحيح أن الذى حاكمه وناظره فى زندقته الرشيد، وكان قد أنهى إليه أبيات يهجو بها الرسول-كبرت كلمة تخرج من فمه-لزواجه من زينب بنت جحش بعد فراق مولاه زيد لها (1)، وهى طعن صريح فى الرسول الكريم والذكر الحكيم، ولا بد أنه أنهى إليه كل شئ عن زندقته وإثنينيته ومانويته، فأمر بالقبض عليه، وزج به فى السجن، ثم عقد له يوم لمحاكمته، وتولّى الرشيد المحاكمة بنفسه، غير أنه حاول التبرؤ من كل ما نسب إليه، ويقال إنه ظل يستعطف الرشيد طويلا حتى رقّ له، ولكنه لم يلبث أن استنشده سينيته التى يقول فيها:
لا يبلغ الأعداء من جاهل
…
ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقه
…
حتى يوارى فى ثرى رمسه (2)
إذا ارعوى عاد إلى جهله
…
كذى الضّنا عاد إلى نكسه (3)
وإن من أدّبته فى الصّبا
…
كالعود يسقى الماء فى غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا
…
من بعد ما أبصرت من يبسه
فتلا عليه الرشيد البيت الثانى، وقال له: نحن نتمثل وصيتك وما شهدت به على نفسك من أنك لا تترك الزندقة ولا تحول عنها أبدا، وأمر فضربت عنقه وصلب على الجسر ببغداد عقابا له وتنكيلا.
وكثير من أشعاره يدور على التنفير من الدنيا ومتاعها الزائل وذكر الموت والفناء، والحث على مكارم الأخلاق وطاعة الله، ولعله يريد إله النور والخير، وقد جعل
(1) ابن المعتز ص 90.
(2)
الرمس: القبر.
(3)
الضنا هنا: المرض، والنكس: الانتكاس أى رجوع الناقه إلى مرضه.
شيوع ذلك فى أشعاره ابن المعتز يشك فيما نسب إليه من الزندقة مستشهدا بقوله:
وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنى
…
ولا باحتيال أدرك المال كاسبه
ولكنه قبض الإله وبسطه
…
فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه
يقول ابن المعتز: «فيا عجبا كيف يمكن أن يقول زنديق مثل هذا القول؟ وكيف يكون قائله زنديقا؟ . وكأنما أحس أنه يصدر فى البيت الثانى عما جاء فى الذكر الحكيم مرارا من أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أى يضيقه ويجعله بقدر قليل. ونراه يتمثل فى شعره أحيانا بعض الأحاديث كقوله:
ولله فى عرض السموات جنّة
…
ولكنهما محفوفة بالمكاره
والشطر الأول واضح الصلة بقوله تبارك وتعالى: ({جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ}) أما الشطر الثانى فواضح الصلة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «حفّت الجنة بالمكارة وحفّت النار بالشهوات» . واستمداد ابن عبد القدوس أحيانا من الحديث النبوى أو من القرآن أو من بعض وعاظ المسلمين مثل الحسن البصرى لا يخرجه من دائرة الزنادقة المانويين، فقد كان يصنع صنيعه أبو العتاهية كما مر بنا فى ترجمته، وزندقته عند ابن المعتز لا يشوبها ريب. أما دعوة ابن عبد القدوس إلى الزهد فى الدنيا الفانية فهى دعوة كان يلتقى فيها المانوية بزهد الإسلام على نحو ما صورنا ذلك فى حديثنا عنهم وعن أبى العتاهية فى غير هذا الموضع، مما جعل بعض القدماء يتشككون فى زندقة أبى العتاهية على نحو ما يتشكك ابن المعتز الآن فى زندقة ابن عبد القدوس. ومما لا شك فيه أنه كان زنديقا مانويّا كبيرا، بل لقد كان رأس المانوية والمجادل عن عقيدتهم فى البصرة حقبا متطاولة.
ويكاد يذهب شعر ابن عبد القدوس كله فى تقرير محاسن الأخلاق والشيم، ناظرا فيها نظرة تجريدية، وهى نظرة دفعته إلى تعقب حكمة العرب والعجم، حتى قالوا إن فى ديوانه ألف مثل للعرب وألف مثل للعجم (1)، وكأنه رصد نفسه لنظم الشعر فى الفضائل وتجارب الأفراد والأمم، ومن خير ما يمثل ذلك عنده
(1) التحفة البهية ص 217.
قصيدته الزينبية التى تغزل فى مطلعها فيمن تسمى زينب، ثم استرسل يسوق الحكم من مثل قوله:
احذر مصاحبة اللئيم فإنه
…
يعدى كما يعدى الصحيح الأجرب
يلقاك يحلف أنه بك واثق
…
وإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
…
ويروغ منك كما يروغ الثّعلب
واختر قرينك واصطفيه تفاخرا
…
إن القرين إلى المقارن ينسب
واحفظ لسانك واحترس من لفظه
…
فالمرء يسلم باللسان ويعطب
والسّرّ فاكتمه ولا تنطق به
…
إن الزّجاجة كسرها لا يشعب (1)
ومن تمط هذه القصيدة الحكمية قصيدة له قافية استوعب فيها كثيرا من النصائح الخلقية التهذيبية، وفيها يقول:
المرء يجمع والزمان يفرّق
…
ويظل يرقع والخطوب تمزّق
ولأن يعادى عاقلا خير له
…
من أن يكون له صديق أحمق
فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا
…
إن الصديق على الصديق مصدّق
وزن الكلام إذا نطقت فإنما
…
يبدى عقول ذوى العقول المنطق
وعلى هذه الشاكلة تجرى أشعاره فى صورة تقريرية خالية من العاطفة وقلما شفعت بخيال أو تصوير، ولعل ذلك ما جعل شعره يسقط من أيدى الأجيال التالية، إلا قليلا، وتنبّه لذلك الجاحظ، فقال لو أن حكمه كانت مفرقة فى قصائد مختلفة لسارت فى الآفاق «ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر ولم تجر مجرى النوادر، ومتى لم يخرج السامع من شئ إلى شئ لم يكن لذلك عنده موقع (2)» على أن كتب الأدب ظلت تحتفظ ببعض أبياته الحكمية وظلت تدور فيها من مثل قوله فى العزاء:
إن يكن ما به أصبت جليلا
…
فلفقد العزاء فيه أجلّ
(1) يشعب: يصلح.
(2)
البيان والتبيين 1/ 206.